فضيحة اسمها الراتب الشهري في الجزائر

محمد بن أحمد

 القول إن الراتب الشهري في الجزائر هو موضوع فضيحة قد يجعل المتلقي يعتقد أن الأمر يتعلق برواتب زهيدة غير ذات قيمة ولا تلبي حاجات العائلة أو الأسرة أو حتى الفرد، الراتب الشهري الزهيد ليس موضوع فضيحة، بل العكس!

200 سنة

تكشف عملية حساب بسيطة لممتلكات موظف متقاعد أو ما زال في الخدمة، أن متوسط عمره هو 200 سنة، فبالنسبة لموظف يتقاضى 15 مليون سنتيم مثلا، ويملك شقة فاخرة في حي راق يفوق ثمنها 02 مليار سنتيم، ويملك معها منقولات يزيد ثمنها عن 1 مليار سنتيم من بينها سيارة، فإن هذا الموظف الذي يتقاضى 15 مليون سنتيم شهريا يحتاج لجمع كامل راتبه الشهري مدة 200 عام دون صرف أي شيء منه. هذا المثال البسيط ينطبق بمستويات نسبية على أعداد كبيرة من الموظفين في الجزائر، بعضهم يتقاضى أكثر من مبلغ 15 مليون سنتيم لكنه يملك فيلا يفوق ثمنها 4 أو5 مليار، والبعض الآخر يتقاضى أقل من 15 مليون سنتيم لكن ممتلكاته العقارية والمنقولة تجعله بحاجة لجمع كل راتبه الشهري لمدة 400 أو 500 سنة حتى يتسنى له شراء كل هذه الممتلكات، لكن أغلب الذين تورطوا في ممارسات غير قانونية وتلاعبوا بالصفقات والعقار العمومي  والقروض من الموظفين الذين حققوا ثراء فاحشا، قاموا بتحصين أنفسهم بتسجيل عقارات وأملاك باسم أقاربهم زوجاتهم أحيانا أو أبنائهم أو أشقائهم وأحيانا حتى أصهارهم، دون أن يدركوا أنهم بهذا التصرف ورطوا أقاربهم في جرائم إخفاء عائدات مالية جاءت من جرائم فساد.

ورقة وقلم وآلة حساب

يجلس الموظف في غرفة باردة جدا فوق كرسي أمامه منضدة خشبية، ويدخل عليه المحقق ويقدم له مجموعة أوراق وقلم أو اثنين، ويطلب منه أن يكتب قصة حياته من يوم ولد إلى تاريخ جلوسه في غرفة التحقيق في المعتقل، هذا الإجراء الذي كان متبعا كأحد طرق التعذيب التي انتهجتها بعض أجهزة الأمن في الدول الشيوعية قبل عام 1990 تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتمد ليس فقط كوسيلة تعذيب بل لمعرفة تفاصيل حياة موظفين فاسدين أو مرتشين أو مرتبطين بشبكات مافيا، تبدو قاسية مع الإجراء الذي تتبعه بعض أجهزة الأمن عند فتح تحقيقات حول فساد موظفين أو شبهة تبييض أموال، وهي أن تقوم بحساب  مجموع المداخيل السنوية للموظف ومداخيل زوجته إن توفرت، وتقارنها مع ممتلكاته العقارية والمنقولة، بالورقة والقلم والآلة الحاسبة، وتكشف أغلب عمليات التدقيق هذه بسهولة شديدة حقيقة فساد أي من الموظفين أو أي شخص آخر حتى لو كان يمتهن مهنة حرة تجارية أو خدمية، بل إن دولا شنت حملات واسعة لمحاربة الفساد والقضاء عليه انتهجت أسلوب حساب ممتلكات كبار موظفيها والتدقيق في الممتلكات، حتى تلك التي تم التنازل عنها للأقارب البعيدين أو تم التنازل عنها من الباطن، وساهمت حملات مكافحة الفساد التي تستند إلى آليات محاربة تبييض الأموال في فرض احترام القانون، ومنع أي عودة لمنظومات الفساد.

آليات محاربة تبييض الأموال

التدقيق في المداخيل الشهرية والسنوية ومقارنتها بالممتلكات الشخصية للموظف أو الشخص الذي يمارس مهنة حرة مهما كانت ومقتنيات أسرته زوجته وأبنائه تحديدا، والتعامل بكل صرامة وشدة مع أي مخالفة تكشفها عملية حسابية تقارن بين مجموع المداخيل السنوية والممتلكات التي تكشف بحوزة الشخص المعني، يعدّ أهم دعائم سياسة محاربة تبييض الأموال والجريمة المنظمة والفساد في العالم ككل، وهذا من اختصاص فرق أمنية توجد في بعض دول العالم تم تعزيزها منذ أن تشددت دول العالم في التصدي لجرائم تبييض الأموال والفساد والجريمة المنظمة، وتكون هذه الفرق الأمنية مخوّلة بإحالة الملف على المحكمة التي تقرر مصادرة كل أموال يعجز الشخص المعني بعملية التدقيق عن تبرير مصدرها، وﺗرﺗﺑط جريمة ﺗﺑﯾﯾض اﻷﻣوال ليس فقط ﺑﺎﻟﻔﺳﺎد السياسي بل  بالفساد المالي والتهرب الضريبي اﻟذي ﯾﻘﺗرن باستغلال اﻟﻧﻔوذ ﻟﺟﻣﻊ، اﻟﺛروات اﻟﺑﺎﻫظﺔ، ﺛم تهريب اﻷﻣوال إﻟﻰ اﻟﺧﺎرج ﻟﻐﺳﻠﻬﺎ وإعادتها ﻣرة ﺛﺎﻧﯾﺔ ﺑﺻور ﻣﺷروﻋﺔ، إذ ﯾﺳﺗﻐل ﺑﻌض السياسيين ﻣﻧﺎﺻﺑﻬم بطريقة ﻏﯾر ﻣﺷروﻋﺔ ﻟﺗﺣﻘﯾق أﻏراﺿﻬم اﻟﺷﺧﺻﯾﺔ، وذاك ﺗﺣت ﻏطﺎء اﻟﻣﺻﻠﺣﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ، ﯾﻌد ﻣن أﺷﻬر اﻟﺟراﺋم السياسية اﻟﺗﻲ ارﺗﻛﺑت ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم، ﻗﺿﯾﺔ رئيس اﻟوزراء الفرنسي اﻟﺳﺎﺑق “أﻻن جوبيه” اﻟذي اﺗﻬم ﺑﺎﻟﺣﺻول ﻋﻠﻰ ﺷﻘﺔ ﻟﻪ ولأسرته بإيجار ﻣﺧﻔض مملوكة ﻟﺑﻠدﯾﺔ باريس، ﻋﻧدﻣﺎ ﻛﺎن مديرا ﻟﻠﻣﺎﻟﯾﺔ، وأﺟرى ﻓﯾﻬﺎ إصلاحات دﻓﻌت ﺗﻛﺎﻟﯾﻔﻬﺎ ﻣن أﻣوال اﻟﺑﻠدﯾﺔ.

 التهرب الضريبي والسوق السوداء

الحديث عن الثراء الفاحش وغير المبرر بالنسبة للموظفين، يحمل بعض التجني بحق هذه الفئة في وقت تشهد فيه الجزائر مستوى عال للغاية من التهرب الضريبي، فبالنسبة لأعداد كبيرة من المتعاملين الاقتصاديين في الجزائر يتم التلاعب بالتصريحات الضريبية وتقديم إقرارات ضرائب غير صحيحة بل مزوّرة أحيانا، وهذا يضع التجار والمتعاملين الاقتصاديين تحت طائلة القانون الخاص بجرائم مالية، قد تتحول إلى جرائم فساد في حالة إثبات وجود تواطؤ من موظفين عموميين مع التجار والمتعاملين الاقتصاديين لتضليل مصالح الضرائب، وبالرغم من صعوبة إثبات التهرب الضريبي بالنسبة لغير المتخصصين، والسرية التي تميز الإقرارات الضريبية الخاصة بالتجار، فإن كل التقارير الاقتصادية ذات المصداقية  تؤكد أن الجزائر تعاني من مشكلات فوترة خطيرة جدا، وتعاملات تجارية غير قانونية، التلاعب والممارسات غير القانونية من جانب ممارسي المهن الحرة، لا يتعلق فقط بالتهرب الضريبي بل يتعلق بالصفقات المشبوهة المبرمة بين متعاملين اقتصاديين وإدارات وهيئات عمومية، ويتعلق بتضخيم الفواتير الخاصة بأنشطة الاستيراد وأيضا بتحويل الأراضي العمومية والتلاعب بها الذي يرتقي إلى مستوى جرائم ضد الاقتصاد الوطني، وحالات إضرار متعمّدة بالمصلحة العمومية للشعب الجزائري، وتفسر هذه الجرائم الثراء الفاحش لعدد كبير من رجال الأعمال في الجزائر في آخر 20 سنة.

مستوى معيشة مليونير!

الغريب في حالات جزائرية نشاهدها يوميا هو أن موظفا لا يتعدى راتبه الشهري 15 أو 20 مليون سنتيم، يركب سيارة يصل ثمنها إلى 600 أو 700 مليون سنتيم، بل إن موظفين من ذات الفئة يركبون سيارات يقارب سعرها أو يفوق مليار سنتيم، دون أي تفكير في سلامة هذا السلوك من الناحيتين المعنوية وحتى القانونية. وإذا كان اقتناء السيارات الغالية جدا من مظاهر الرفاهية في مرحلة ما قبل منع اقتناء السيارات بالقروض البنكية، فإن اقتناء السيارات الغالية جدا من قبل موظفين يفترض أن لديهم مصاريف والتزامات حياة، تجعل اقتناء سيارة من الأساس صعبا إن لم نقل مستحيل.

تفاصيل بسيطة عن التصرفات الرعناء لموظفين سابقين أو حاليين تكشف عن حالة من الغباء بالنسبة لهذه الفئة، فتنظيم حفل عرس في قاعة خاصة في فندق راق لابنة أو ابن موظف مهما بلغ مستواه، يعني أن هذا  الموظف لديه مصدر دخل آخر خفي غير راتبه الرسمي. ومن أغرب وأعجب المشاهد في جزائر اليوم هي وجود أشخاص يتقاضون رواتب شهرية محددة قانونا، لا تزيد قيمة أقصى حد لها 30 مليون سنتيم، لكنهم يعيشون حياة مرفهة من المستحيل أن تتوفر لموظف، المشكلة الكبرى لدى طائفة كبيرة من الموظفين هو أنهم لا يبالون ولا يهتمون بموضوع عدم تناسب مداخيلهم الشهرية الثابتة مع مستوى المعيشة الذي يوفرونه لأنفسهم ولأسرهم. ففي حالة موظف يحصل على راتب شهري لا تزيد قيمته 30 مليون سنتيم وهو راتب كبير بالقياس إلى شبكة الرواتب الشهرية للجزائريين، بات من الطبيعي أن تشاهده قد تنقل لقضاء عطلة صيفية في دولة أوروبية في فرنسا أو في إسبانيا بكلفة تتعدى أحيانا 3 أضعاف مداخيله الشهرية، بل إنه في حالات أخرى قرر موظفون عاديون شراء شقق في دول مثل تركيا وفي دول أوروبية، الشقة التي يتعدى ثمنها أحيانا 2 مليار سنتيم لا يبدو أن الموظف أو المستخدم، سواء كان يعمل في إدارة عمومية أو في شركة خاصة، يستطيع توفيرها خاصة مع الأخذ في الاعتبار مستوى معيشة هذا الموظف في الجزائر، لكن وبما أن آليات الرقابة غائبة، وبما أن عمليات التدقيق في ممتلكات الموظفين لا تتم اليوم في الجزائر، فإن موظفا عاديا لا يتحرج من اقتناء شقة من طابقين في حي راق بمدينة كبرى، كما لا يتحرج من بناء فيلا تصل كلفة بنائها إلى عدة مليارات، بل وأحيانا امتلاك مشروع تجاري كبيرة يدر أرباحا ضخمة باسم زوجته أو أحد أقاربه، وهذا يعني أن من تورط في مثل هذه الجرائم لا يعبأ بموضوع المساءلة القانونية التي يحددها قانون العقوبات الذي تنص إحدى مواده على أن أي موظف يعجز عن إثبات مصدر الأموال العقارية والمنقولة التي يحوزها يواجه السجن، ضمن التهم التي قدمتها بيانات السلطات القضائية عقب إيداع مسؤولين سابقين كبار السجن في عام 2019، بعبارة الثراء غير المشروع.

 قانون مشدّد

 يقول المحامي رواس خالد: “منذ أن وقعت الجزائر بتحفظ على الاتفاقية الدولية لمحاربة الاتجار بالمخدرات، دخلت مواد قانونية تتعلق بتبييض الأموال ضمن نظام قانون العقوبات الجزائري، هذه المواد اعتبرت أن حيازة أي أموال مجهولة المصدر تعدّ في نظر القانون جريمةّ، ويضيف المتحدث أن المادة 389 مكررة من القانون رقم 04-15 نصت على أن تحويل ممتلكات أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية مجرم قانونا، كما أن أي تصرف آخر يساعد على تلاعب أو إخفاء عائدات مالية غير مشروعة يعرّض صاحبه للعقوبات.

إشكال ضريبي خطير

يقول الدكتور سيدي حسان مبارك، المختص في الاقتصاد، الإشكالية الخطيرة التي تعاني منها الجزائر في موضوع الحرب على جرائم تبييض الأموال لا تتعلق بـقطاع العدالة ولا بعدم وجود نصوص قانونية أو عدم اضطلاع مصالح الأمن بمسؤولياتها، بل بعدم كفاءة منظومة الضرائب الجزائرية التي أرى أنها صاحبة الاختصاص في مجال محاربة الأموال غير الشرعية والسوق السوداء. المشكلة بالنسبة للضرائب في الجزائر أنها محدودة الصلاحية، فهي غير قادرة على متابعة الأنشطة الاقتصادية والمالية اليومية للمواطنين، ففي بعض الدول، يفتح ملف ضريبي لكل مواطن فاق عمره 18 سنة حتى لو كان هذا المواطن عاطلا عن العمل أو مريضا، وتتابع الضرائب ملفات مجموع مواطني الدولة سواء الذين لديهم عائد مادي أو الذين لا يوجد لديهم أي دخل مالي، وبهذا تتوفر قاعدة بيانات شاملة لدى الضرائب عن كل مواطني الدولة، وبالتالي يمكن للضرائب أن تستدعي أي شخص وتسائله عن أي تصرف مالي له وتقارن بين عائداته السنوية وممتلكاته، ويكون هنا تحت طائلة المحاكمة في قضية تبييض أموال.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14424

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *