قد نصل إلى قطع العلاقات القنصلية في حال استمرار المغرب في سياساته العدائية

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، د. هشام دراجي، أن قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجارة الغربية خطوة جريئة جدا في الطريق الصحيح، فرضتها سلسلة طويلة من الاستفزازات المغربية، معتبرا في حوار مع “الخبر” أن المرحلة القادمة تتطلب ضبط النفس والتحلي بالمسؤولية

أولا، كيف تفسر قرار قطع العلاقات بين الجزائر والمغرب؟

أعتقد أن إقدام الجزائر على قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجارة الغربية يعتبر خطوة جريئة جدا في الطريق الصحيح، خاصة بعد سلسلة طويلة من الاستفزازات التي أقدم عليها المخزن في الأشهر الأخيرة، التي تحدث عنها وزير الخارجية رمطان لعمامرة بالتفصيل خلال مجمل عرضه لأسباب قطع العلاقات، جاء في مقدمتها الدعم الجلي الذي يقدمه المغرب لمنظمتي “الماك” و”رشاد” الإرهابيتين، وهي بالمناسبة القطرة التي أفاضت الكأس حتى لا نتوغل في الكثير من الأسباب الأخرى التي سنأتي للإشارة إليها فيما بعد. وقد تكون لهذه الخطوة العديد من التبعات التي قد تطال أيضا العلاقات القنصلية في المستقبل، في حال استمرار المغرب في سياساته العدائية تجاه الجزائر.

ما هي الالتزامات التي تترتب على الطرفين في المرحلة القادمة؟

ضبط النفس والتحلي بالمسؤولية أهم ما يمكن الالتزام به في المرحلة القادمة، خاصة من طرف المغرب، على اعتبار سياساته العدائية التي أوصلت دولتين شقيقتين إلى قطع العلاقات في الوقت التي تسعى الكثير من الدول التي لا تملك أي إرث مشترك إلى التعاون والاتحاد، لذلك على صناع القرار في الرباط إدراك مضامين معاهدة الأخوة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين بإفران عام 1969 قبل الإقدام على أعمال يمكن أن تضر بجيرانها.

في اعتقادك إلى أين سيمتد قطع العلاقات وكيف سيكون مصير الاتفاقيات المشتركة بين البلدين؟

عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرهونة بوقف سياسات المغرب العدائية تجاه الجزائر، هذه السياسات التي أصبحت اليوم لا تهدد الجزائر فقط، بل تهدد منطقة شمال إفريقيا ككل، لا سيما بعد خيار التطبيع الأخير مع الكيان الصهيوني، لذلك أستبعد عودة العلاقات الدبلوماسية على المدى القريب رغم ما يمكن أن تلعبه بعض الوساطات الحميدة في محاولة رأب الصدع بين البلدين، وما تصريحات رئيس الحكومة المغربية حول ضرورة عودة العلاقات بين البلدين إلا محاولة لامتصاص صدمة القرار الجزائري.

أما بالنسبة لمصير الاتفاقيات المشتركة على قلتها، ففي الجانب السياسي لا أعتقد أنها ستتأثر كثيرا خاصة اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين، الموقعة بالرباط عام 1972. أما الجانب الاقتصادي فالجزائر تفكر منذ مدة في عدم تجديد اتفاقية خط نقل الغاز لإسبانيا عبر المغرب، لاسيما بعد رفع طاقة عمل خط الغاز الرابط بين بني صاف وألميريا.

لكن علاقات الجزائر والمغرب تجاوزت عدة مطبات سابقة؟

لم تشهد العلاقات الجزائرية المغربية وضعا مشابها سوى في عام 1976، حيث قرر المغرب بشكل مفاجئ قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر على خلفية القرار السيادي الذي اتخذته الجزائر رفقة عدد من الدول الأخرى بالاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وبقي الحال على ما هو عليه إلى غاية عام 1988، حيث قرر البلدان تطبيع العلاقات الثنائية، وقد لعبت الوساطة الحميدة آنذاك دورا محوريا خاصة من طرف المملكة العربية السعودية، أما اليوم فالوضع يختلف نوعا ما، خاصة أن قطع العلاقات جاء بعد تراكمات كبيرة بدءا بما قام به المفوض الدبلوماسي المغربي في الأمم المتحدة بتوزيع منشورات تهدد الوحدة الوطنية، ثم تطبيع العلاقات المغربية مع الكيان الصهيوني وتهجم وزير خارجية هذا الأخير من الرباط على الجزائر، ثم ثبوت تورط المخزن في دعم حركتين إرهابيتين تعملان على ضرب استقرار الجزائر، وبالتالي فالمسألة هذه المرة معقدة نوعا ما وتحتاج إلى أفعال عملية تجسد نية حسنة نحو المصالحة لا إلى مجرد أقوال فضفاضة كالتي عودنا الملك المغربي على إطلاقها في كثير من المناسبات، التي يحاول من ورائها أن يوهم المجتمع الدولي بحسن نواياه.

وهنا يمكن أن نفتح قوسا نشير من خلاله، في سياق تحليل الخطابات الملكية في الآونة الأخيرة التي في كل مرة يخصص للجزائر جزء هام فيها، إلى محاولة تصدير المغرب الكثير من مشاكله الداخلية نحو الخارج.

المغرب حسم موقفه بالشراكة مع دول الخليج والاحتلال الإسرائيلي، هل الجزائر جاهزة لمواجهة هذا التحالف الاستراتيجي على المدى البعيد؟

في الحقيقة المغرب يركض وراء سراب رسمته له الإدارة الأمريكية السابقة التي ورطته في أيامها الأخيرة في مشروع التطبيع رفقة الكثير من الدول الخليجية الأخرى، على غرار السعودية والبحرين والإمارات، وشيء طبيعي أن تلجأ هذه الدول جميعا إلى رسم شراكات كما سميتها أو تحالفات استراتيجية مع الكيان الصهيوني، لأن التحولات السياسية في العالم اليوم تفرض مثل هذه التحالفات التي بالمقابل تعطي أيضا دافعا قويا للجزائر نحو تجاوز مشروع اتحاد المغرب العربي المتعثر إلى مشروع أكبر هذه المرة يرتبط بشمال إفريقيا، يضم بالإضافة إلى تونس وموريتانيا وليبيا والصحراء الغربية كلا من مصر والسودان. هذا كما تبقى إفريقيا فضاء مفتوحا أمام الدبلوماسية الجزائرية، يمكن أن تستفيد منه في مواجهة أي تحالفات إستراتيجية معادية.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14433

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *