لماذا وصلنا إلى الانسداد؟

تراكمات امتدت لعقود، جعلت العلاقات بين الجزائر والرباط تصل إلى طريق مسدود، بل أكثر من ذلك تفضي إلى القطيعة، أبرزها الإعلان الصادر في 18 أوت 2021، خلال الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى للأمن والذي ترأسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون من أن “الأفعال العدائية المتكررة من طرف المغرب ضدّ الجزائر، تطلبت إعادة النظر في العلاقات بين البلدين وتكثيف المراقبة الأمنية على الحدود الغربية”.

السلوك العدائي للجار الغربي، تجاه “الشقيقة الكبرى الجزائر” لم يكن وليد الساعة، وأثار دوما عدة استفهامات ونقاط ظل بشأنها. ففي أكتوبر 1963، وبينما لم تكن الدولة الفتية في الجزائر قد ضمدت كل جراحها مع افتكاك استقلالها في أعقاب ثورة مسلحة امتدت لأكثر من سبع سنوات، تفاجأت الجزائر باجتياح قوات مغربية للحدود التي رفضت المملكة ترسيمها، وولد ذلك شعورا بالغدر والطعن في الظهر، حينها صرخ الرئيس الأسبق أحمد بن بلة “حڤروناااااا..” وهي الصرخة التي قلبت المعادلة بتوحد الجزائريين لمواجهة المعتدي.

وظل المغرب متحفظا على ترسيم الحدود المشتركة، حيث لم يأت التوقيع على ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب بشكل رسمي إلا في 15 جوان 1972 بعد أعوام من الخصومات، ووقع الاتفاق كل من الرئيس هواري بومدين والملك المغربي الحسن الثاني، وبقي المخزن المغربي يتبنى بطرق ضمنية مقاربة حزب الاستقلال لعلال الفاسي الداعية إلى “المغرب الكبير”، والتي طالت إلى جانب الجزائر موريتانيا التي ظلت الرباط طوال سنوات غير معترفة بها.

وجاءت قضية الصحراء الغربية، التي برزت تجلياتها من خلال اتفاقية مدريد الثلاثية في 1975 وما تبعها من تقسيم الصحراء الغربية بين الرباط ونواكشوط وما تلاها من تداعيات.

وفي سنة 1978، كانت وقعت حادثة “كاب سيغلي” التي تقع بين بجاية وأزفون، في وقت كان فيه الرئيس الأسبق هواري بومدين يواجه المرض وإلقاء حمولة تمثلت في كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات في إطار مخطط لزعزعة استقرار الجزائر واستغلال مرض الرئيس الراحل هواري بومدين في سبيل ذلك.

ورغم تأسيس اتحاد المغرب العربي في 1989، وما أثاره من آمال لتسوية الخلافات في إطاره، إلا أن الاتحاد عجز عن الاجتماع في قمم اقتصادية، بسبب تعنت المغرب. وعقدت آخر قمة اقتصادية في 1994، بل أكثر من ذلك وفي سنة 1994 حينما كانت الجزائر تعيش أزمة أمنية، وقعت عملية إرهابية فوق التراب المغربي، مع استهداف فندق “أطلس إسني” بمدينة مراكش السياحية، وهو الحادث الذي دفع بالمغرب حينها وقبل أي تحقيقات إلى اتهام الجزائر بالضلوع فيه. بل أكثر من ذلك، قام المغرب بصورة أحادية بفرض تأشيرة على الرعايا الجزائريين، لترد الجزائر في الحين بإجراءات حازمة، تمثلت في إعلانها غلق الحدود البرية من طرف واحد بين البلدين، وهو الإغلاق الذي ما يزال مستمرا إلى غاية اليوم نظرا للمؤامرات التي ما فتئ المغرب يدبرها ضد الجزائر بعد ذلك. كما أثيرت مسألة إيواء الرباط لعناصر مسلحة وملفات خلافية عديدة ظلت مطروحة على البساط في سياق متواصل خلال سنوات 2000. فإلى جانب عمليات التهريب المستمرة من المغرب إلى الجزائر التي تعد أحد الأسباب الرئيسية التي وقفت حائلا دون الوصول إلى حل يضمن فتح الحدود البرية، ومسألة محاولة إغراق الجزائر بأطنان من المخدرات، فإن الرباط ما فتئت تعتبر الجزائر طرفا مباشرا في قضية الصحراء الغربية، رغم أنها دأبت في إطار أممي على خوض جولات من المفاوضات مع جبهة البوليساريو.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط، ففي 2013، أعلن المغرب سحب سفيره في الجزائر بدعوى رسالة للرئيس السابق بوتفليقة، إلى اجتماع “مؤتمر دعم الشعب الصحراوي” بأبوجا في نيجيريا، وفي نوفمبر من نفس السنة، تم اقتحام القنصلية الجزائرية في الدار البيضاء وتم تنكيس العلم الجزائري عشية الاحتفال بعيد الثورة الجزائرية في الفاتح من نوفمبر 2013 في استفزاز واضح، لتقرر الجزائر الرد على ذلك بمقاطعة الاجتماعات والنشاطات السياسية التي قد تقام مستقبلا على الأراضي المغربية.

وفي أفريل 2017 سعى المغرب لإثارة مشكل آخر، مما ادعاه أوضاع نازحين سوريين على الحدود مع الجزائر، وفي اليوم التالي ردت الخارجية الجزائرية باستدعاء السفير المغربي لإبلاغه رفضها لما اعتبرته ادعاءات مغربية باطلة ضد الجزائر.

وفي جوان 2020 غادر قنصل مغربي الأراضي الجزائرية، بطلب منها، على خلفية أزمة أثارها، ففي منتصف ماي، استدعت الخارجية الجزائرية السفير المغربي لحسن عبد الخالق، بعد تداول مقطع فيديو لقنصل الرباط بمدينة وهران احرضان بوطاهر وصف الجزائر “بالبلد العدو” خلال لقاء مع أفراد من الجالية المغربية.

وفيما حاول المغرب توظيف قضية إخلاء منطقة “العرجة” الحدودية والتابعة للجزائر من المزارعين المغاربة، برزت إلى العلن مضاعفات الكشف عن استخدام واسع النطاق لبرنامج التجسس المسمى “بيغاسوس” في جويلية الماضي.

وكان الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، قدم ورقة إلى حركة عدم الانحياز يدعوها لمعالجة ما وصفه بـ”تصفية الاستعمار في منطقة القبائل” في الجزائر و”تقرير المصير للشعب القبائلي”، واصفا منطقة القبائل بأنها “خاضعة للاستعمار الجزائري”، في تصعيد خطير استهدف الجزائر. وأدانت وزارة الخارجية الجزائرية ما أسمته بـ”الانحراف المغربي الخطير”، قائلة إن التصرف الأخير للممثلية الدبلوماسية المغربية في نيويورك يعد “مؤامرة تحاك ضد وحدة الأمة الجزائرية”. وجاء ذلك في وقت عمد فيه المغرب إلى تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني في ظل مقايضة سياسية مع الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترامب للحصول على اعتراف واشنطن بمزاعم “مغربية الصحراء” من جهة، وإنشاء خط عسكري مغربي صهيوني موجه ضد الجزائر.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14424

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *