مثقفون يستنكرون ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي

عرفت الساحة الثقافية مؤخرا، جدالا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، انحرف في كثير من الأحيان وابتعد عن صراع الأفكار، وخصومات الأدباء والكُتاب، وهذا ما اعتبره مثقفون  في ندوة “الخبر” الثقافية، بمثابة مُلاسنات لا تخدم الحياة الثقافية، بل تزيدها تدهورًا، وتخلق وضعية متهالكة تجعل المثقف ينتقل إلى أمكنة بعيدة عن النقاش الجاد.

الدكتور محمد جديدي: يجب أن يحتكم النقاش الى ضوابط قانونية وأخلاقية

يرى الأستاذ محمد جديدي، أستاذ الفلسفة بجامعة قسنطسنة 2، أنّ نصوص المثقف والكاتب تحمل مواقف وآراء، تختلف حولها صور التلقي وكيفياتها، فتقرأ وتأوّل بطرق شتى، وهو ما يشتّت معانيها ويبعدها عن كل حقيقة تقريبية. ومع دخول أدوات جديدة في التداول والتواصل جسدتها مواقع التواصل الاجتماعي، التي ضاعفت من سرعة التلقي وتمديدها وتفريعها الشبكي بما زاد في انتشار صداها مثلما هو حاصل اليوم.

و يتساءل الأستاذ جديدي، هل تخدم هذه الوسائل القضايا التي يكتب حولها الأدباء والمفكرون؟ وهل توفر المنبر المناسب للخوض في مواضيع “حرجة” اجتماعيا و”حساسة” سياسيا و”محرمة” دينيا و”مربكة” تاريخيا و”مقلقة” وجوديا؟ وكيف يتم الإنصات إلى الأصوات التي تخوض فيها؟ أليس من الحري البحث لها عن منابر أخرى أكثر مصداقية وأقل تهويلا للرأي العام لتناولها بهدوء وتأنّ؟

و يؤكد الدكتور جديدي، أنّ التفكير بحرية وشجاعة وصراحة ومسؤولية حول قضايا مصيرية للبلاد والعباد سيعرف ثراء في الطرح وعمقا في التناول وسيفتح الباب واسعا أمام قراءات متعددة. مطالبا بأن يقيد الإطار الذي تعرض فيه وتناقش هذه القضايا ويحتكم إلى ضوابط قانونية وأخلاقية تفرضها تشريعات وديونطولوجيا المهنة من جهة وتفرضها إتيقا النقاش والحوار، وربما قبل ذلك كله ضمير الكاتب تجاه وطنه وشعبه والتزامه بقضايا مجتمعه.

ويعتقد محمد جديديأنه ليس من المناسب أن تفتح نقاشات المثقفين على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن المحبذ أن تخصص لها منابر أخرى نوعية، يتم عبرها تبادل الآراء والانتقادات بين الكتّاب. وهم بحكم معرفتهم لبعضهم شخصيا وإنسانيا وبحكم رقيّهم الفكري والأدبي بإمكانهم مخاطبة بعضهم بروية وحكمة تضفي على نقاشاتهم قيمة إنسانية عالية، وبعيدا عن استفزازات التعليقات وضوضاء التدخلات التي تزيد من  تعتيم المشهد الثقافي وتشويش الحوار الفكري وانحرافه عن مقاصده، وربما انزلاقه في متاهات تكون وبالا على القضايا المصيرية للوطن والشعب كالتاريخ والدين والهوية واللغة والدولة.

الأستاذ محمد كاديكالظاهرة تعبر عن منظومة قيمية متهالكة

يعتقد، الأستاذ محمد كاديك، أن منصات التّواصل الاجتماعي، في مجملها، لا تترك فرصة تمرّ، إلا وتغتنمها كي تصدّق مقولة “أمبرتو إيكو” بخصوص الخطاب العام الذي يعتمده التواصل الحديث، وتصدّقها أكثر المشاحنات والملاسنات والصّراعات التي تصطنعها بعض الأسماء تنسب نفسها إلى “الثّقافة”، وتتلبّس بلبوس من السمّو المعرفي، لا يناسبها في الغالب، لأنّها تكرّس نوعا من التّنمر يعبّر عن ضمور واضح في حاسة “الوعي السليم”، بلغة يانكيليفيتش. وأضاف كاديك، أنّه ليس في الإمكان أن نحسب “التّنمر” الذي نتابعه يوميا، على ما يعرف بـ”المعارك الأدبية”، فهذه تقتضي خلافات رؤيوية حول قضايا أدبية أو نقدية، وتكون في كلّ حالاتها، منتجة للمعرفة، بل تكون لها ثمراتها في تعميق الرؤى، وتقويم المفاهيم، بينما يتوقف جهد “التّنمر” عند حدود قدراته البلاغية في تعميم الأذى، وإثارة كل ما يسبّب الإحباط، واصطناع حالات من “الخيلاء” و”الزهو” و”الكبر”،هي منتج حصري لـ”الوعي الفاسد”..

وبحسب الأستاذ كاديك، فإنّ ظاهرة “التّنمر”، تعبّر عن واقع حضاري متدهور، وتعبّر عن منظومة قيمية متهالكة، وهذه لا تنتج “المثقفين”، وإنّما تنتج محسوبين على الثقافة، يتأثرون بالظروف المحيطة بهم، بحكم أنهم لا يستطيعون التأثير فيها، والاشتغال على تغييرها كما يفعل المثقفون الذين يدركون معنى “الكلمة المسؤولة”، ويتوقفون عند حدودها، وبما أنّ هؤلاء يعيشون التهميش والإقصاء؛ فإنّنا لا نرى عجبا فيما يعتري الساحتين الأدبية والثقافية من سقوط سهل في وحل “العنف اللّفظي”، بل والاشتغال بشكل دائم، على تكريس خطاب الكراهية والأذية، وتمييع كل ما لا يتوافق مع كبرياء “المثقف الافتراضي”.

ويرى كاديك، أنّ الحديث عن وصفة جاهزة للتخلص من ظاهرة “التّنمر” الثقافي صعب للغاية، خاصة وأن من يتولى كبر هذه الظاهرة، متخصّصون في استغلال الأيديولوجيات الصغيرة، ومتمرسون في صناعة مادة العبث، وبارعون في صناعة المغالطات المنطقية التي تفرض نفسها بسهولة في فضاءات التّواصل الاجتماعي، مستطردا: غير أن حظهم من الوعي منعدم مع الأسف. و يخلص الى انه ينبغي أن تتضافر جهود المثقفين الفعليين من أجل تقديم صورة نموذجية عن “الوعي السليم”، وترسيخ القيم الإنسانية النبيلة، وتخليصها من كل ما يمكن أن يجعلها في خدمة الوعي الفاسد، ومن ذلك أن “قول الحقيقة” – على سبيل المثال – أسلوبٌ يجعلنا على حق، كما يقول يانكيليفتيش، ولكنّ هذا الأسلوب يصبح أشدّ شرّا من الخداع والتّدليس والغيبة، بل شرّا من كلّ المنكرات، حين نستغله في قول حقيقة قاتلة، ونقولها ونحن نقصد إلى القتل.. وهذا بالضبط ما نعيش في الواقع الافتراضي يوميا..

وختم كاديم قائلا: “المثقف بريء إذن.. المشكلة يصطنعها مدّعون..”

الأستاذ عمر بوساحةحساسية الوضع تستدعي منا جميعا درجات عليا من التعقل والرزانة

يعتقد الدكتور عمر بوساحة، أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر، أنه في الظروف المأساوية تتعاضد كل شرائح المجتمع ونخبه في كامل بلدان العالم للدفاع عن مصالح أوطانها وسلامتها، فحين تتعرض البلدان للأخطار، وهو ما حصل عندنا، تلتف الإرادات من الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنخب الثقافية وغيرها، لتبعث الحماس في مكونات المجتمع، من أجل حمايته من الصراعات الظرفية التي قد تزيد من تعميق المخاطر فتؤثر سلبا على التماسك الاجتماعي الذي يفترض أن يزيد صلابة في مثل هذه الظروف. وفي هذا يقول الأستاذ بوساحة، عبّر الجزائريون عن أرقى أخلاق التضامن وصوره. بحيث هبَ الشعب بكامله لمساعدة المتضررين من الحرائق التي طالت عديد الولايات. مضيفا أنه في المخاطر والأزمات تتوقف الجدالات بين الحكومات ومن يعارضها من أحزاب. ذلك أن الخطر يطال الجميع ولا يميز بين مكونات المجتمع مهما كانت خطاباتها وانتماءاتها.

ويؤكد الأستاذ بوساحة، أن أغلب النخب الثقافية بدورها تصدت للأمر، مركزة على قيم الوحدة والتكافل في التصدي لمثل هذه الأوضاع الخطيرة، وعبرت عن مواقفها المؤازرة لثقافة التآخي والعيش المشترك بين الجزائريين  سواء عبر وسائل الإعلام المتنوعة أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

ويرى في المقابل، أن ما حدث من مناكفات بين بعض الأسماء الثقافية وأثار ضجة عند البعض، حدث عن غير قصد بل بسبب سوء تفاهم تلقفه البعض ليستغلوه لمآرب أخرى. ولا يتصور الأستاذ بوساحة أن الأسماء الثقافية التي وظفت في هذه الصراعات هي من السذاجة أن تنخرط في هكذا جدال، تعرف مسبقا أنه لا يليق في مثل هذه الظروف وتكون نتائجه مضرة بوحدة الوطن والتآخي بين مكوناته الاثنية والثقافية. مضيفا: “قد نلوم بعضنا على أن هذا الجدال الذي حصل لم يأتِ في وقته، فالبلد بحاجة إلى مواقف أكثر وطنية توحد جهود أفراده، تماما كما في حالات الحرب والكوارث، فالأولوية هي لإنقاذ البلد وليس للدفاع عن أفكار أو إبطال أخرى لها كل الشرعية في فضاء حرية الرأي والتعبير”. فحساسية الوضع تستدعي منا جميعا، حسب الأستاذ بوساحة، درجات عليا من التعقل والرزانة وليس إلى فتح مناكفات جانبية تكون مهمة بالتأكيد ولكن خارج هذه الأوقات، بخاصة إذا عرفنا المشاكل التي قد تنجر عن ذلك إذا ما أضفنا إليها ما تقدمه وسائط التواصل الاجتماعي من تأويلات خاطئة ومغالطات في الأفكار والمعلومات.

الكاتب أحمد الدلبانيفرصة سانحة لمراجعة تعاملنا مع المواقع الافتراضية

 يقول الكاتب أحمد دلباني أنه من مظاهر بؤسنا الثقافيِّ المؤكدة ما نلاحظه هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي بين فئة من الكتاب والمثقفين. فقد بلغ الأمرُ، في غالب الأحيان، مبلغا مؤسفا أصبح يُنذر بإمكان نسف جسور التواصل والنقاش الثقافي العالي نهائيا، وسدِّ المنافذ أمام الاستثمار في الاختلاف الفكري والإيديولوجي و”رؤى العالم” بين النخبة على اختلاف توجهات أصحابها ومشاريعهم وطرائق نظرهم إلى الواقع المعقد المُلتهب. مستطردا أنه كان علينا أن نؤسِّسَ، أولا، لأخلاقيات الحوار والنقاش الحر بعيداً عن ممارسات التخوين وادِّعاء الوصاية على إرث الجزائريين المُشترك أو ما تفضل السلطة السياسية تسميته بـ”الثوابت”. وتابع: “فكأنَّ الحياة الثقافية، اليوم، أصبحت تأنفُ من اقتراح البدائل واستبصار المآلات والمصائر الجماعية لتنحدرَ بالمثقف إلى مهنة الحارس الساهر على نوم آلهة الواقع الشامل بكل مشكلاته المتراكمة منذ بدايات التفكير في بناء الدولة الوطنية بدل نثر الشوك على سريرها”. وتساءل دلباني: “فهل على المثقف الجزائري أن يتعلم، من جديد، فضائل بروميثيوس؟ أم تراه فضَّل، طوعا أو كرها، التوبة من مدِّ يد سؤال المعنى والشرعية إلى شجرة المعرفة؟”

ويستدرك الاستاذ دلباني إنه بكلامه هذا لا ينتقدُ كتابا بعينهم وإنما واقعا مؤسفا. ولكن يعتبر هذا الأمر، على كل حال، فرصة سانحة لمراجعة تعاملنا مع المواقع الافتراضية من جهةٍ، والعمل، من جهةٍ أخرى، على ترسيخ أبجديات النقاش الثقافي والفكري لا بالتركيز على الأشخاص وحياتهم الخاصة أو التشهير بمواقفهم – التي قد نختلف معها بالطبع – وإنما بزحزحة النقاش إلى مستويات منفتحة على قضايانا المشتركة التي تهمنا كجزائريين في عالم يشهدُ تحولات بنيوية عميقة وانفجاراً لقارة المكبوت الثقافي بعد اضمحلال الأحلام الخلاصية للإيديولوجيات الكبرى”.

وتابع “إنَّ ما تمكن ملاحظته في نقاشاتنا الافتراضية وغيرها لا يخرجُ، في عمومه، عن التأكيد على مطالب الهوية ومحاولات تعريف الذات الجماعية من أجل رسم خارطة التطلعات المشتركة”. مضيفا “إذ من المعروف أنَّ المطالب الهوياتية تتحول في لحظاتِ الأزمة مع الراهن المضطرب إلى ملاذٍ وطوق نجاةٍ للذات الجماعية الخائبة في محيط اللحظة التاريخية؛ فلا يعودُ الناسُ يتعرفون على أنفسهم إلا في تلك الروابط التقليدية السابقة على ميلاد الروابط السياسية الحديثة لدول وطنيةٍ فاشلة تنمويا وحقوقيا”. لذا يعتقدُ أنَّ “تفاقمَ الحديث عن مشاكل الهوية ومطالب الاعتراف والحق في الاختلاف يجدُ مكانه وحلوله المُمكنة في فلسفة حقوق الإنسان التي يجبُ أن نتبناها بانفتاح ووعي ومسؤولية حتى لا تُفلتَ النارُ من بين أصابعنا ويتحول – ما هو مشروعٌ إنسانيا وثقافيا وأخلاقيا وسياسيا – إلى “هويات قاتلة” كما يُعبِّرُ أمين معلوف.

الكاتب عيسى شريط ما يحدث تجاوز حدا لا يطاق

يعتقد الكاتب الروائي عيسى شريط ، أن ما يحدث بين المثقفين على موقع الفايسبوك قد تجاوز حدا لا يطاق، وابتعد عن النقد الفكري، والجدل المثري للحياة الثقافية ليعتنق أمورا أخرى بلغت حد الشتم، وتعرية الخصوصيات المسيئة لكل الأطراف بكل تأكيد،  ويصنف عيسى شريط الظاهرة بغير الصحية على الإطلاق، لأنها بلا جدوى، ولا فائدة بالنسبة المجتمع الجزائري، ولا يرجى منها منفعة باستثناء جذب فضول المهيمنين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين تستهويهم مواضيع الفضائح، وتوفّر لهم بذلك فرصة للطعن أكثر في المثقف المطعون منذ الأزل، وما يجعله عرضة لهذا التكالب هو فقط تميّزه عنهم.

ويرى شريط أن النقد، أو الجدال الفكري يقتصر على ما يحتويه النص المقترح، ولا يتعدى ذلك من المفروض، ومثل هذا الجدال سيعود يقينا بالفائدة على القارئ ومنه على المجتمع، وقال: “نحن بحاجة ماسة إلى النقاش الفكري الذي اختفى منذ زمن ليفسح المجال قبالة أشباه المثقفين الذين احتلوا كل الفضاءات سياسية كانت، اجتماعية، ثقافية، أو فنية. وأضحوا هم فرسان الجزائر بلا منازع، وكرسوا الرداءة في كل مجالات حياتنا”. مستطردا أن “هذا الوضع الرديء المزري لا يمكن لأحد تغييره باستثناء المثقف الحقيقي الذي طال صمته وسلبيته إلى حد التواطؤ، ولعله المتهم الوحيد فيما وصلنا إليه من انحطاط ثقافي، ويعود إقصاء المثقف إلى جملة من الأسباب الناتجة عن سياسة مبيّتة عملت على ذلك منذ الاستقلال”.

و يعتقد شريط أن النقاش الذي يقتصر على تعرية خصوصيات المثقف يكرس أكثر تهميشه، وصمته وبالتالي تكريس وضعنا الثقافي الرديء، ولعل ذلك ما يسعى إليه محتكرو الحياة الثقافية والسياسية في بلادنا. وتابع: “قد نختلف في الرؤى والأفكار وهذا أمر طبيعي بل وصحي جدا، وحدها المجتمعات متنوعة ومتعددة الأفكار والمعتقدات والثقافات يمكنها إحداث التطور والرقي، أما نظيرتها التي لا  تقبل فكرا ، أو معتقدا مخالفا فمصيرها الانقراض حتما”. و يخلص إلى القول أن “ما يحدث الآن في بلادنا يشكل خطرا محدقا قد يقحمنا في متاهة لن نتمكن من مغادرتها أبدا، لا يمكن حله بالقرار السياسي منفردا، بل لا بد من أن تلازمه حملة نقاش فكري وثقافي يعتنق صلب الموضوع لا حواشيه، تعمل هذه الحملة على تنوير المواطن البائس والمحاصر بكل أشكال التطرّف الأعمى”…

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *