مخرجون وكتاب سيناريو يناقشون إعادة إطلاق مشروع فيلم الأمير عبد القادر

عاد الجدال والنقاش في المدة الأخيرة حول فيلم الأمير عبد القادر، بعد قرار بعثه من جديد من طرف رئيس الجمهورية، لتخرج النخبة المثقفة منهم كتاب سيناريو ومخرجون للتساؤل عن الصيغة التي سينجز بها الفيلم، الذي سبق واحتدم عليه النقاش وسال عليه الحبر واستهلك المليارات دون أن يرى النور.

 وقد كان لخبر بعث هذا العمل من جديد أن بدأ بعض الفنانين بالتشهير لأنفسهم لأداء دور الأمير عبد القادر، في هذا العمل الذي اجمع فيه كتاب السيناريو ممن تحدث إليهم “الخبر” انه فيلم كبير يستحق الاهتمام ويتطلب إمكانيات كبيرة من ممثلين ومخرج وسيناريو جاد يقف عليه مؤرخون و عارفون بتاريخ هذه الشخصية التي طالما صنعت الجدل.

ويعتقد المخرج المسرحي والسيناريست محمد شرشال، أن الحديث عن إنتاج فيلم بهذا الحجم يتطلب وعيا كبيرا بالساحة السينمائية الجزائرية. وهل نملك الهياكل والوسائل و الأدوات؟، وذكر في تصريح لـ”الخبر” أنه وكما يعرف الجميع ان الأمير عبد القادر كان كثير الترحال، من معسكر إلى مليانة ثم اخذ إلى منفاه في قصر لومبواز ثم الى سوريا، حيث تساءل شرشال عن توفر امكانيات لمحاكاة حياة هذه الشخصية. كما تحدث عن المغزى من الفيلم، وهل الهدف، حسبه، فيلم عالمي يسوق للعالم ويدخل مسابقات الاوسكار؟ كما أكد شرشال في هذا الصدد انه “إن كان الهدف فيلم عالمي ؟ فيجب أن تكون معايير الانتاج عالمية، كاستقدام مخرجين عالميين وممثلين يستطيعون الترويج للفيلم من خلال مشاركتهم ويكون لهم باع ومتمكنون من ادوات التمثيل ليتمكنوا من تجسيد شخصية الامير والشخصيات الاخرى باتقان، كما يفعل الممثلون في هوليهود او تركيا او في الدول التي لها تقاليد في صناعة الدراما او السينما. وكما فعل، حسبه، مصطفى العقاد بالممثل أنطوني كوين حينما وظفه في فيلم الرسالة وعمر المختار”. ويرى شرشال انه “إن وجدت النية السابقة لانتاج عمل مثل هذا من قبل السلطات العليا ومبدعي الوطن فسيكون فيلم الامير تحفة فنية بامتياز”. مؤكدا انه من أنصار المطالبين بان يكون السيناريو محكما ومقنعا وجميلا. لذلك يجب على القائمين على انتاج الفيلم، حسبه، تشكيل فريق لكتابة سيناريو العمل يكون متكونا من عدة متخصصين في التاريخ وكتاب السيناريو ومخرجين وممثلين في المستوى وكل من يستطيع تقديم الاضافة ليكون السيناريو في أعلى مستوى، من جزائريين وأجانب دون أية عقدة أو إحساس بالنقص.

تحدث شرشال في نفس السياق عن المروجين لأنفسهم مؤخرا عبر مختلف صفحات التواصل الاجتماعي للظفر بدور في الفيلم. وقال انه من حقهم الترويج لصورتهم كممثلين وإظهار أنفسهم لتجسيد شخصية الأمير كونهم يشبهونه. لكنه تحفظ في طريقة الشبه والتأثير من خلال الفايسبوك. وصرح انه يخشى ان يقوم احدهم بالترويج لنفسه عبر هذه الصفحات ويصدق أنه أحق بالدور ويطالب به على انه حق. ويقول “الاقتراح حق لكن القرار الاخير يعود لفريق الكاستينغ وللمخرج”. كما يرى بأن الشكل الخارجي لا يكفي لتجسيد شخصية مثل شخصية الامير عبد القادر، والشخصيات الأخرى، لأن فيلم الامير ليس مونولوجا نرى فيه الامير عبد القادر لوحده، بل نشاهد شخصيات اخرى كثيرة مهمة لذلك يجد ان نعرف أن المهمة ليست بالسهلة بل فيها عمل كبير وتتطلب خبرة كبيرة.

فيلم الامير يجب أن يكون عملا وطنيا وليس مشروع ربح

تحدث السيناريست سفيان دحماني عن مشروع فيلم الامير عبد القادر وقال انه كمشروع فني عن شخصية وطنية تاريخية كبيرة ومؤثرة جدا في تاريخ الجزائر. ويؤكد “فحين نفكر ان ننتج عنه فيلما علينا ان ندرك ان نسبة الفشل لا يجب ان تتعدى الخمسة بالمائة، لاننا سندمر تلك الشخصية في مخيلة أجيال لم يروه ولم يقرؤوا حتى عنه، وإن كل ما يعرفونه عنه هو أن له تمثال وسط العاصمة، وتعرض للنفي من البلد وربما بعض الجدل هنا وهناك عن مسيرته وكفاحه”. وقال “لذا لتنتج فيلما عن الامير عبد القادر عليك ان تقوم أولا بجمع احسن الكتاب والمؤرخين وانشاء ورشة سيناريو يترأسها استاذ تاريخ كبير ومخرج يحضر كل مراحل كتابة النص”. وأضاف “وطبعا منتج كبير يضع في رأسه انه ينتج عملا وطنيا لا مشروع ربح. إضافة إلى لجنة فنية تتابع كل مراحل الانتاج وابداع الديكور”.  وعن الممثل الذي سيؤدي دور الامير في العمل صرح دحماني انه يتمنى ان يكون البطل جزائريا وكل الكاست جزائريين وحتى التقنيين، فقط يتم الاستعانة ربما بعتاد متطور من الخارج.

فيلم الامير يقتضي كاستينغ عالمي وسيناريو محكم

كما تحدث الروائي واسيني الأعرج عن نص الفيلم حيث تساءل عن السيناريو المرغوب فيه. ونشر عبر صفحته على الفايسبوك قائلا “اي امير نريد؟ أمير كما ترسمه المدرسة بعد أن قصت أجنحته المنظومة التربوية وحولته إلى محارب خارق بحصانه الذي لا يكل ولا يتعب؟ أمير إسلامي يخوض حربا ضروسا ضد المستعمر النصراني؟ أم أميرا ببعد إنساني أعمق، حاملا لبعده الحضاري المتنور ومنفتحا على ثورة صناعية كانت قد غزت العالم ودخل غمارها، لكن الظرفية لم تسعفه للذهاب بعيدا فيها”.

وأضاف واسيني “كيف يعبر السيناريو عن سماحة الأمير وتدينه الصوفي العمق، وعن إنسانيته التي مارسها فعليا وأنقذ من خلالها 15 ألف مسيحي، معطيا درسا في التسامح الديني، ومقدما صورة نموذجية عن المسلم ذي الروح الواسعة. وجلبت أنظار الدول ورؤساء وملوك وحركات ذلك الزمن لتلتفت نحوه بالكثير من الاحترام والإعجاب. دون نسيان منفاه في تركيا، بحثا عن أرض قريبة من قلبه وقناعاته الدينية، فذهب إلى بوصا، لكنه بعد اقل من سنة وجدها أرضا مغلقة على الدوغما العثمانية، بالمعنى العرقي، فارتحل إلى دمشق، وهناك رفض أن يظل معزولا. فأصبح فاعلا في المجتمع السوري بدروسه في الجامع الأموي، وفي الحركة النضالية القومية وقد كان الثمن غاليا غير المضايقات، فقدانه لأحد أبنائه الذي شنق في المرجة بوصفه معاديا للتريك ولطغيان جمال باشا السفاح”  كما تحدث واسيني عن وقوف الأمير إلى جانب المسيحيين الذين تعرضوا في 1860 لتطرف بعض المسلمين، واعتبر ذلك جزء من سجله التاريخي الذي يجب أن يظل حاضرا. قبل أن يتفرغ للعلم والثقافية والكتابة والصوفية التي أصبحت مسلكه في الحياة محتذيا طريق الشيخ الأكبر ابن عربي، وللحوارات الإنسانية الكبيرة، حول الحرية وحقوق الإنسان والعلاقة مع الحيوان والطبيعة، يضيف واسيني الاعرج، الذي يرى ان الرقابة ستحاول أن تحجم من الأمير وتصنّع أميرا صغيرا ومغلقا على نفسه، لترضي رؤيتها الضيقة. ويعتقد ان هذه ربما واحدة من المعوقات والمضار التي ستقتل الفيلم المحتمل إذا لم يتم تحييدها والثقة في المثقف الجزائري وقدراته على الحفاظ على جزائريته ووطنيته واندراجه في سياق الإنسانية. مؤكدا انه على الرقيب الصغير ان يتحمل قليلا حرية الأمير التي امتاز بها طوال القرن التاسع عشر.

كما استغرب واسيني من توجه البعض الى طرح فكرة الممثل الشبه. ويرى انها ليست المشكلة الكبرى في الفيلم. واعتبر ان هذا المنطق الغريب، حسبه، حبيس سينما الثلاثينات. و قال “لقد أصبحت السينما اليوم صناعة، اي أن كل شيء يخضع لسلسلة من القواعد الاساسية. وتساءل: هل كان الممثل الذي أدى دور غاندي يشبه غاندي ؟ لا علاقة إذا رأيناه في افلام أخرى. الماكياج صنع منه شخصية شبيهة للدور الذي اعتنقه قبل أن يمثله. الممثل الذي أدى دور هتلر في السقوط، هل كان يشبه هتلر؟ لقد أعيد تصنيع وجهه في المخابر حتى أصبح متطابقا أو كاد. ثم هل كان أنطوني كوين يشبه عمر المختار أو حمزة في الرسالة ؟ طبعا لا، ويدعم وجهة نظره بالقول “لكن الحرفية في العمل الفني جعلته شبيها. الرهان الكبير كان على الممثل العالمي القدير الذي يعلي الفيلم ويرتفع به نحو العالمية، هذا هو الأساس”.

كما تساءل في نفس السياق عن الفيلم المراد انجازه. ومن بين الاسئلة التي طرحها: “هل ننجز فيلما وطنيا ينتهي في العلب بعد عروض داخلية محدودة ؟ في غياب مفجع لقاعات السينما التي نهبت أو دمرت دون أن تحرك الدولة يدها لتقول باسطا. أم نريد فيلما عالميا بمستوى شخصية الأمير، يعرض في القاعات العالمية ؟ وهذا يقتضي حتمية المرور عبر كاستينغ عالمي: المخرج والممثل الرئيسي. دون ذلك ستنتج الجزائر يقول واسيني الأعرج فيلمها عن الأمير الذي يمر عبر الشاشات الوطنية الصغيرة بمناسبتي مبايعة وموت الأمير، ثم يعاد إلى العلبة المظلمة”.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *