مصابون بالوباء يعانون متلازمة كورونا طويلة المدى

بقلم رزيقة أدرغال – الخبر

ستة أشهر مرت ولم يتعافَ السيد مباركي تماما، صاحب الـ 43 عاما من مضاعفات فيروس كورونا تماما، حيث لا يزال طريح الفراش يتحرك بصعوبة ويعتريه الإجهاد طوال الوقت، لدرجة أنه لم يعد يستطع المشي لمدة عشر دقائق، إضافة لمشاكل في التركيز وتسارع ضربات القلب والصداع.

 أسماء مختلفة تم إطلاقها على هذه الأعراض، منها “كورونا طويل الأمد”، و”متلازمة ما بعد التعافي من كورونا”، و”أعراض كورونا المستمرة” وغيرها، ولأنها طور الدراسة فقد تختلف الأعراض من شخص لآخر، لكن هناك أعراضًا مشتركة رصدتها  منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض واتقائها، مثل التعب المستمر وضربات القلب المتقطعة والصداع.

فيروس كورونا لم يكتف بالأعراض المؤلمة التي يسببها للمصابين به طوال فترة الإصابة التي تصل في بعض الأحيان إلى الوفاة، لكن يُصاب قرابة 30% ، حسب دراسات علمية من المتعافين بكورونا بما يسمى متلازمة ما بعد كورونا، والتي تتراوح مدتها بين عدة أسابيع إلى عام كامل.

التعب الشديد… القاسم المشترك

يروي عماد مباركي لـ “الخبر” قصته مع الفيروس اللعين، الذي قلب حياته رأسا على عقب، حيث يقول “رغم أني كنت حريصا على الالتزام بتدابير الوقاية من فيروس كورونا، إلا أني أصبت بالعدوى في شهر ماي من السنة الجارية، حيث شعرت بألم في الحنجرة وحمى وتعب شديد، وبعد نتائج التحاليل الطبية الايجابية، انتابني شعور بالخوف لإصابتي بالسكري، ورغم ذلك حاولت التغلب على حالتي النفسية، وقررت التغلب على الفيروس بالرفع من معنوياتي والالتزام ببروتوكول علاج المصابين بكوفيد19 في البيت أقره لي الطبيب  طبعا”.  

وبعد عدة أسابيع تغلب عماد على الفيروس، حيث أعاد إجراء التحاليل وتبين أنها سلبية، لكنه لم ينتصر عليه تماما، لأنه خلف له مضاعفات مزعجة جدا تتمثل في الإرهاق الشديد، والصداع وتسارع دقات القلب، ما جعله أسيرًا لعشرات الأدوية التي يتوجب عليه تناولها يوميا من جراء تداعيات “كورونا طويل الأمد، ورغم أن الأطباء لا يعرفون متى تنتهي معاناته، لكنه يريد أن أقنع نفسه بأن الأمور ستتحسن.

عماد مباركي، ليس وحده الذي لم تعد صحته إلى طبيعتها عقب التعافي من “كوفيد -19″، فمروان القرفي أصيب بعدوى كورونا مرتين وفي كلتا الحالتين لم يستطع تحديد مصدرها، وتركت له آثارا شديدة تتمثل في الإرهاق الشديد وفقدان حاستي الشم والذوق بعد تعافيه.

يتحدث مروان عن معركته مع الفيروس التاجي قائلا “أصبت بعدوى كورونا في المرة الأولى شهر جوان 2020، حيث شعرت بآلام شديدة في المفاصل وتعب شديد لم يسبق لي الإحساس به سابقا، وتلت هذه الأعراض إصابتي بالحمى، ألم في الرأس، وإسهال لأفقد بعد خامس يوم من العدوى حاسة الشم التي عادت لي بعد قرابة 15 يوما، في حين لم تطل فترة فقداني لحاسة الذوق كثيرا، وبعد تمثالي للشفاء ضعفت شهيتي بشكل كبير وظل الشعور بالوهن والتعب يلازمني لفترة طويلة”.

وأردف محدثنا “بعد سبعة أشهر من إصابتي الأولى بالفيروس، تعرضت للعدوى مرة ثانية، وعانيت من آلام شديدة، ولعل أبرز ما أضعف مناعتي في إصابتي الأولى والثانية ضيق التنفس الذي صاحبه سعال جاف يكاد يفقدني الوعي، واستمرت آلام الصدر والسعال ما بين 25 و 30 يوما، مما تسبب لي في آلام على مستوى الصدر لا تزال تصاحبني بدرجة أقل حاليا”.

القلق والاكتئاب ينخر أجساد المتعافين من كورونا

وبينما يُصاب البعض بأعراض جسدية، يعاني آخرون من آثار نفسية وهو حال أميرة دهيم، 37 سنة التي ورغم ثبوت تعافيها بالتحاليل المخبرية، ألا أنها ظلت تعاني من الإرهاق والقلق والاكتئاب، ما أثر على عملها.

تقول أميرة “أصبت بعدوى كورونا بعد مرض شقيقي الطبيب، وعانيت من أعراض معتدلة مقارنة بما كنت أسمعه من مرضى آخرين، وبالتالي لم أضطر لدخول المستشفى، إذ قضيت 20 يوما في عزلة داخل منزلي برفقة زوجي وابنتي.

وتابعت “أغلب الأعراض في الجهاز الهضمي، ولم تكن هناك أي أعراض تنفسية، إلا أن متلازمة ما بعد التعافي قد أعاني منها لما تبقى من عمري بسبب حالتي النفسية السيئة، نتيجة القلق والاكتئاب والوسواس القهري الذين لم أستطع التغلب عليهم رغم مرور ثلاثة أشهر من الشفاء، وعندما استفسرت الأمر من طبيبي المعالج أخبرني أنها آثار كورونا النفسية، ونصحني  بمراجعة الطبيب النفسي”.

النساء أكثر عرضة لمتلازمة كورونا

رغم تنامي أعداد الدراسات العلمية المتعلقة بأسباب الأعراض طويلة الأمد لفيروس كورونا المستجد المسبب، ما زالت تلك الدراسات في مرحلة البحث، ولم تصل إلى إجابات قاطعة بعد.

وفي السياق، أوضح الطبيب العام بمستشفى عين مليلة الدكتور محمد شيدخ “أن المصاب بالكورونا يشفى عادة و في عموم الحالات بعد مضي عشرة أيام إلى خمسة عشرة يوما في غياب أي تعقيدات، لكن يحدث عند بعض الأشخاص شيء غريب يتمثل في بقاء بعض العلامات السريرية المختلفة.

وتمثل هذه النسبة حوالي واحد بالمائة من الإصابات، حسب دراسة بريطانية، وقد تصل إلى خمسين بالمائة عند الشباب دون سن الثلاثين، وتمتد هذه العلامات من شهر إلى تقريبا سنة في بعض الحالات الخاصة.

وتتمثل هذه العلامات في بقاء صعوبة التنفس والإعياء، خفقان القلب الزائد، مشكل في التركيز والقلق والاكتئاب وحتى داء السكري من الصنف الثاني وحمى وطفح جلدي، إلى غير ذلك من الأعراض المتنوعة التي تمس عديد الأعضاء.

وتحضر الدكتور شيدخ حالة لأحد المرضى الذين أصيبوا بداء كورونا، وبعد مرور ثمانية أشهر من التعافي عاودته بعض الأعراض التي صعب في الأول ربطها بكورونا أو بمتلازمة طويلة الأمد، لكن سرعان ما اتضح أن هذه العلامات التي بقيت عنده كآلام المعدة والصداع والقلق والوهن مرتبطة بمتلازمة كورونا طويلة الأمد، ولم تكن معهودة عنده بهذه الصفة ولم يستطع الأطباء ربطها بأي مرض آخر معروف.

ومع طول بقاء هذه الأعراض باشر عديد التحاليل والأشعة ومن ثم بعض الأدوية المهدئة والمسكنة والمضادة للتشنجات المعدية وبعض الفيتامينات، وبدأ الوضع يتحسن.

وعن معايير ضبط حالات كورونا طويلة الأمد، أردف الدكتور شيدخ وهو أيضا باحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة “أولا لابد أن يكون المريض قد أصيب بمرض الكورونا مع ظهور علامات المرض (الحالة المعبر عنها سريريا)، ثانيا يكون المريض مصحوب بعلامات المرض الابتدائية.

لكن بعد مضي أكثر من أربع أسابيع، وأخيرا أن لا نستطيع ربط هذه العلامات بأي مرض معروف مسبقا، مع العلم أن بعض الدراسات والأعمال الطبية الفرنسية أشارت إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بهذه المتلازمة.

ويوضح هؤلاء بأنه بالمقابل نجد الرجال أكثر عرضة للإصابة بتعقيدات الكورونا حسب هذه الدراسة التي بثها المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي يوم 10 ماي 2021، والحالة النموذجية في هذه المتلازمة هو شخص شاب غالبا من الجنس اللطيف يتراوح عمره في حدود الأربعين وغير مصاب بالضرورة بأمراض مزمنة أيا كانت.

أسباب الإصابة بالمتلازمة مرتبطة بالعاصفة المناعية

وشرح محدثنا أسباب متلازمة كورونا طويلة الأمد قائلا “تكون غالبا وأساسا مرتبطة بالعاصفة المناعية التي تحدث عند البعض، وتنجر عنها التهابات قوية يصعب زوالها تلقائيا في ظرف قصير، وقد يساعد بقاء بعض الفيروسات استمرار التصاقها بمستقبلاتها على مستوى الأغشية الخارجية للخلايا على مستوى الأوعية الدموية، ويبقى انتشارها وعدواها مدة طويلة.

وهناك من ربط هذه المتلازمة بدور سلبي قد تلعبه بعض الخلايا المناعية اللمفاوية، وخاصة من صنف البالعات حيث تصاب بشلل غير مفسر مما يطيل مدة بقاء الفيروس.

هكذا تعالج متلازمة كورونا طويلة الأمد

أما فيما يخص كيفية علاج هذه المتلازمة، أبرز الطبيب العام “أنها حسب كل حالة لأننا سوف نعالج ونؤهل أعضاء أصيبت وتختلف من شخص لآخر.

وعلى هذا الأساس فالعلاج متكيف مع كل حالة مثل إعادة الاعتبار الوظيفي أو التأهيل لكل الأعضاء التي مسها خلل أو نقص في الأداء، مع إجراء تحاليل بيولوجية لتأكد خلو الجسم من أمراض أخرى، مثل فقر الدم الذي يؤدي إلى التعب وخفقان القلب أو اختلال في الغدة الدرقية مما يشوش على وظيفة القلب.

ونبحث من خلال تحاليل الكلى والكبد على أي إصابة قد تكون موجودة مسبقا، وعموما تعالج كل علامة على حدة وينصح بالراحة والنوم الجيد على الأقل 10 ساعات يوميا، إضافة إلى مزاولة نشاط جسمي رياضي بسيط ودوري على شاكلة المشي لمدة 5  دقائق يوميا فقط في الأسبوع الأول، مع التدرج بمقدار دقيقتين زائدتين كل أسبوع، مع إدراج حصص للتأهيل الخاص بكل عضو مصاب في وظيفته. وينصح أيضا بالتنوع الغذائي والإكثار من الخضر والفواكه وإذا بقي المريض يشكو من صعوبة في التنفس يقوم الأطباء ببرمجة حصص تدريبية و تأهيلية للرئتين”.

وبالمقابل، توقف الدكتور شيدخ عند الأسرار الخاصة بفيروس كورونا- سارس 2 المسبب لمرض كوفيد19، وأشار إلى أن البشرية عرفت سبعة أصناف من فيروسات كورونا، على اعتبار أن النوع الثامن اندثر ولم يعد له أثر منذ الستينيات، تتمثل أولا في الأنواع التي لا تضر ولم تنجر عنها أوبئة، وهي أربع أنواع تصيب الأطفال و الرضع و لا تزال موجودة إلى اليوم.

 أما الصنف الخامس، فهو فيروس السارس الذي ظهر في الصين خلال نوفمبر 2002 وتلاشى تلقائيا خلال 2003  حيث لم تسجل البشرية أي حالة ابتداء من الثاني جويلية 2003، فأعلنت المنظمة العالمية للصحة خلو المعمورة من الفيروس يوم 31 أوت من نفس السنة وانتقل إلى جل دول العالم.

أما الصنف السادس فهو ميرس (mers) الذي ضرب السعودية وجوارها ولم يستطع أن ينتشر خارج المنطقة وبقي محليا إلى اليوم، والنسخة السابعة تتمثل في فيروس كورونا الحالي المعروف باسم “فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة كورونا 2″، ويُرمز إليه بـ SARS-CoV-2.

وقد اعتبر العلماء أن هذا الفيروس يواصل مصدرنا، يتوفر على أكبر مادة جينية ( genome)، حيث يتشكل من 39 ألف قاعدة نوكيوتيدية، مما يسمح له بالتشكل والتحور اللامتناهي عند الحاجة.

ويقول خبراء الفيروسات أنه لم يسبق لنا أن وجدنا مثل هذا في جميع الفيروسات ذات الأصول الحيوانية والتي انتقلت إلى الإنسان. كما لاحظ العلماء أن بعض الفيروسات بحكم كثرة التحور والتطفر يصلون إلى مستوى لا يمكن بعده التحور والعيش ويسمون ذلك بالتحور القاتل، وفقد السراس بعضا من قواعده قبل تلاشيه الذي لم يتعدى تسعة أشهر.

لكن كورونا الثاني الذي نتحدث عنه اليوم فقد منذ مارس 2020 عديد القواعد النوكيوتيدية لكنه يوشك على إكمال السنة الثانية من ظهوره ولم ينكمش ويتلاشى. ولعل من أسرار هذا الفيروس أن العلماء وجدوا نسخة منه تشبهه إلى حد 98 بالمائة وهو فيروس يصيب الخفافيش.

وبعد دراسة مقارناتية  اتضح أن هذا الفيروس له ميول وتناغم مع الخلايا الإنسانية بدرجة واحد، وبهذا القياس وجدوا أن فيروس كورونا المستجد يتمتع بانسجام وتناغم مع الخلايا الإنسانية تصل إلى 1000.

والسر الخطير، هو أن كلا الفيروسين يلجان الخلية الإنسانية من نفس البوابة، إلا أنه في حالة السارس يحدث أن لا تلتصق الفيروسات بالإنسان لعدم قدرتها على إيجاد المدخل وهو المستقبل (CD4)، أما عند الفيروس المستجد فإنه يلتصق جيدا وبسرعة.

 وبعد بحث دقيق وجد العلماء أنه يتوفر على مادة بروتينات نشطة تقوم بدور خارق وهو توجيه البروتين الفيروسي الخاص بالالتصاق (spike proteine) إلى بوابة غشاء الخلية أو المستقبل CD4، وكأنها تنير له الطريق لأنه أصلا مكان هذه البوابات دقيق وصعب الإيجاد.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14418

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *