مفهوم مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية

إعداد الطالب: زعـفـري مـراد، من مذكرة مكمّلة لنيل شهادة الماستر في القانون العام الداخلي تحت عنوان: السلطة السياسية بين مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية، جامعة جيجل 2014-2015

يعتبر مبدأ الشورى أحد المبادئ الأساسية الجوهرية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، ومن ثَمّ فإنَّ مفهوم هذا المبدأ يجد أساسه في الفكر الإسلامي المنبثق عن الكتاب والسنّة. وفي المقابل يعتبر مبدأ الديمقراطية من المبادئ الجوهرية التي تستند عليها الأنظمة الديمقراطية الحديثة، حيث يجد هذا المبدأ أساسه الفلسفي في الفكر الغربي.

مِن هذا المُنطلَق، ذهب بعض المفكرين الإسلاميّين إلى أنّ مفهوم مبدأ الشورى لاينسجم ولا يتوافق مع مبدأ الديمقراطية بإعتبار أنّ كلّ واحد منهما ينتمي إلى فكر مغايّر عن فكر الآخر، بينما يرى فريق آخر بأنّه لا محذور من محاولة التوفيق والإنسجام بين هَذيْن المَبْدَأَيْنِ مادام ذلك لا يتعارض مع الأسس والمبادئ الإسلامية العامّة للدّين الإسلامي الحنيف.

مِن هنا  سأتطرّق إلى مَفهومَيّْ الشورى والديمقراطية من خلال ثلاث مطالب:

– المطلب الأوّل: أتناول فيه مبدأ الشورى في الفكر الإسلامي .

– المطلب الثاني: وأتناول فيه مبدأ الديمقراطية في الفكر الغربي .

– المطلب الثالث: وأعقد فيه مقارنة بين مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية .

المطلب الأوّل: مبدأ الشورى في الفكر الإسلامي.

من خلال هذا المطلب سأتعرّض إلى مبدأ الشورى من حيث تعريفه ( الفرع الأوّل )، وأسس مشروعيّته ( الفرع الثاني )، ثمّ أتعرّض إلى قواعد ممارسته ( الفرع الثالث ).

الفرع الأوّل: تعريف الشورى.

أَوّلاً: المعنى اللّغوي للشورى.

الشورى لغة: تعني المشورة بضمّ الشين، ومنه شاورته في الأمر واستشرته بمعنى[1].

والمَشُوْرَةُ: بفتح الميم وضمّ المعجميّة وسكون الواو، وبسكون المعجميّة وفتح الواو، لغتان، والأولى أرجح[2].

وشاوره في الأمر مشاورة، وشوارًا: طلب رأيّه فيه، وفي التنزيل العزيز: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }. واشْتوَر القوم: أيّ شاور بعضهم بعضًا. واستشار أمره: تبيّن واستنار.

والمستشار: هو العليم الذي يؤخذ رأيّه في أمر مهمّ، علميّ أو فنيّ أو سياسيّ أو قضائيّ أو نحوه. والمشورة: ما ينصح به من رأيّ أو غيره[3].

وتقول: شاورته في الأمر: أيّ طلبت رأيّه واسْتخرجتُ ما عنده[4].

مِن هذا المنطلق، فإنّ التعريف اللّغوي للشورى يعطينا أنّها تكون بين اثنيْن كما تكون بين جماعة، وأنّها تكون بالنصح والرّأي لمن يستشير ممّن يصلح قبول نصحه ورأيّه لعلمه وفكره ومكانته وتجاربه، وأنّ الأمر يظهر ويُبَيَّنُ صوابه من خطئه بالمشورة والمشاورة[5].

ثانيا: المعنى الإصطلاحي للشورى.

ذهب البعض إلى أنّ الشورى في الإصطلاح الفقهي هي:

إستطلاع الرّأي من ذوي الخبرة للتوصل إلى أقرب الأمور للحق[6].

وقال بعضهم: الشورى هي عرض الأمر على الخِيَّرَةِ حتى يُعْلَمَ المراد منه[7].

وذهب البعض الآخر إلى أنّ الشورى في الإصطلاح هي: إستطلاع الرّأيّ من ذوي الخبرة فيه، للتوصل إلى الأقرب للحق والأصوّب[8].

والملاحظ على هذه التعريفات، أنّها تَصْدُقُ على نوعية خاصّة من الشورى، هي الشورى الفنيّة أو العلميّة، بينما الشورى المقصودة هنا هي أعمّ من هذا التعريف، فرسول الله صلّى الله عليه وآله والخلفاء من بعده، كانوا يستشيرون الصّحابة عامّتهم وخاصّتهم.

من هنا يمكن القول بأنّ الشورى في الإصطلاح هي: إستطلاع رأيّ الأمّة أو من ينوب عنها في الأمور العامّة المتعلّقة بالمصالح العامّة[9]. فالشورى هي إجتماع النّاس على إستخلاص الصواب، بطرح جملة أراء في مسألة لكي يهتدوا إلى قرار[10].

ومن هذا المفهوم الإصطلاحي للشورى يُطلَق على المكان الذي يتمّ فيه التشاور، مجلس الشورى[11].

ومن جملة النّصوص التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية، يتضح أنّ المعنى الذي ورد في اللّغة والإصطلاح قريب من المعنى الذي تضمّنته النّصوص الشرعية. وصارت كلمة الشورى جُزءًا من واقع العمل السياسي في ظل نظام الحكم في الإسلام، ولَبِنَةً من قاعدة [ السلطان للأمّة ]، والتي بدونها لا يكون الحكم إسلاميًا[12].

من هنا، يتضح أنّ المعنى الإصطلاحي للشورى أخذ مَفْهُومَيْن مُختلفَيْن:

ــ الأوّل: يجعل من الشورى مقتصرة على مشاورة أهل الخبرة والاختصاص أو أهل الحلّ والعقد.

ــ والثاني: يُوسِّع مفهوم الشورى ليشمل جميع أفراد المجتمع، ويقترب بذلك من المفهوم الديمقراطي في المشاركة السياسية العامّة لأفراد المجتمع جميعًا[13].

ثالثا: موضوعات الشورى في الفقه الإسلامي.

حصل خلاف في مسألة موضوعات الشورى بين فقهاء المسلمين، والمعنى المراد من قوله تعالى:      { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }. فما هو هذا الأمر؟ هل هو جميع شؤون المسلمين؟ أم هو ما كان في تدبير الحروب؟ أم ما كان في النظام الإداري للدولة؟

فما هي الموضوعات التي تدخل في إطار الشورى بين الحاكم والمحكومين؟[14]

الرّأي الأوّل: ذهب إلى أنّ الشورى تقع في جميع الأمور التي لا وحيّ فيها، وقد ذهب إلى هذا الرّأي بعض العلماء منهم إبن تيمية الحرّاني والآمدي والزّمخشري والحسن البصري والضحّاك وغيرهم[15].

وذلك لأنّ مجال الشورى لا يكون فيما نزل فيه وحيّ، وإنّما يكون في غير ذلك، حيث إنّ الأحكام الشرعية في منأى عن عقول البشر، فهي مستغنية بذاتها، والرّسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ما جاء إلا لتبليغها[16]. وقد ذكر سفيان بن عُيَيْنَة في قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }، هو للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي (ص آ) أثر[17].

وعلى هذا الأساس يمكن القول، بأنّ مجالات الشورى على ثلاثة أقسام:

1- فيما لا نصّ فيه: ويشمل جميع الأمور العامّة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإدارية والتشريعية.

2- فيما فيه نص ظنّي الدّلالة: ودور الشورى هنا ترجيح رأيّ على رأيّ أو فَهْم على فَهْم، بما يتفق والمصلحة العامّة، وبما لايخرج عن الضوابط الأساسية، وبما يحتمله النّص.

3- فيما فيه نص قطعي الدّلالة: كوجوب العدل مثلا، ودور الشورى هنا إختيار الوسيلة المُثلى لتطبيق الحكم الشرعي، فحينما أمر الإسلام بالعدل، لا بدّ أن نبحث عن  الوسائل المناسبة لتطبيق ذلك[18].

ومن ثَمّ، فإنّ تخصيص عموم كلمة { الأمر } في قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأًمْر }، إنّما هو مخصّص بما لم ينزل فيه وحيّ، بحسب ما ذهب إليه هذا الإتجاه.

الرّأي الثاني: ذهب إلى أنّ الشورى لا تكون إلاّ في أمور الحرب، وقد نُقِلَ هذا الرّأي عن قتادة والرّبيع وإبن إسحاق والشافعي وإبن القيّم الجوزيه وأبي عليّ الجبائي[19].

ويُعَدُّ هذا الرّأي ضعيفًا إلى درجة أنّ البعض حكم بالإتفاق بين العلماء على إمضاء الرّأي الأوّل ولم يَعْتَد بالرّأي الثاني لشدّة ضعفه[20].

مِن هذا المنطلق، فإنّ مجالات وموضوعات الشورى تتسع لتشمل جميع المسائل التي لم يرد بشأنها نصّ شرعي، فهي تعتبر منطقة فراغ تشريعي يمكن ملأها من خلال آليّة الشورى.

الفرع الثاني: أساس مشروعية الشورى.

تستند الشورى في مشروعيّتها بالأساس إلى مَصدريْن مُهمَّيْن من مصادر التشريع الإسلامي، وهما القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.

أَوَلاً: الشورى في القرآن الكريم.

وَرَدَ مصطلح [ الشورى ] في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:

ــ الموضع الأوّل: يتعلّق بأمر خاصّ وشخصيّ بحت، وذلك في قوله تعالى:

{ وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلِاَّ وُسْعَهَا لاَ تَضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَاتَقُو الَّلهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ الَّلهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[21] }.

قال ابن كثير: << قوله: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ  تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا }، أيّ: فإن اتفق والدا الطفل على فِطَامِهِ قبل الحَوليْن ورَأيَا في  ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أنّ إنفراد أحدهما بذلك دون الآخر لايكفي، ولايجوز لواحد منهما أنْ يستبدّ بذلك من غير مشاورة الآخر[22] >>.

ــ الموضع الثاني: ويتعلّق بأمر موجه لرئيس الدولة[23]، وذلك في قوله تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَأنْفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرهُمْ فِي الأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّلهِ، إِنَّ الَّلهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ[24] }.

قال الزّمخشري: << { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } ، يعني في أمر الحرب ونحوه ممّا لا ينزل عليك فيه وحيّ لتستظهر برأيّهم، ولِمَا فيه من تطيّيب نفوسهم والرّفع من أقدارهم. وعن الحسن(رض) قال:      [ قد عَلِمَ الله أنّه مابه إليهم حاجة، ولكنّه أراد أن يَسْتَنَّ به مَن بعده ]… وقيل: كان سادات العرب إذا لم يُشاوَرُوا في الأمر شُقَّ عليهم، فأمر الله رسوله صلّى الله عليه وآله بمشاورة أصحابه لِئَلاَّ يثقل عليهم إستبداده بالرّأي دونهم[25] >>.

أمّا سيّد قطب فيقول في هذا المقام:

<< وبهذا النّص الجازم و{ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }،  يقرّر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم، حتى ومحمّد رسول الله هو من يتولاّه، وهو نصّ قاطع لا يدع للأمّة المسلمة شَكًّا في أنّ الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه، أمّا شكل الشورى والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وِفق أوضاع الأمّة وملابسات حياتها، وكلّ شكل وكلّ وسيلة تتمّ بها حقيقة الشورى لا مظهرها فهي من الإسلام[26] >>.

فالقرآن جاء ناطقًا بمشروعيّة الشورى كنظام من أنظمة الحكم التي جاء بها الإسلام، والمسلمون مطالبون شرعًا بالتقيّد بما جاء به الشرع، وليس الأمر وَقفًا على رسول الله (ص آ)، بل هو أمر من الله تعالى لجميع المسلمين ليتشاوروا فيما بينهم في جميع الأمور، وعلى كلّ مَن وَلِيَّ أمر المسلمين أَنْ يرجع إلى الأمّة يتشاور في شؤونهم، عملاً بقوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }[27] >>.

ــ الموضع الثالث: ويتعلّق بخطاب موجه للأمّة المسلمة[28]، وذلك في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون[29] }.

يقول سيّد قطب بخصوص هذه الآية:

<< والتعبير يجعل أمرهم كلّه شورى ليصبغ الحياة كلّها بهذه الصبغة، وهو كما قلنا نصّ مكّي قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطّابع إذن أعمّ وأشمل من الدولة في حياة المسلمين.

إنّه طابع الجماعة الإسلامية في كلّ حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاصّ لم تقم فيها بعد. والواقع أنّ الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمّن الدولة وتنهض وإيّاها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية، ومن ثَمّ كان طابع الشورى في الجماعة مُبكرًا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها، إنّه طابع ذاتي للحياة الإسلامية وسِمَةٌ مميّزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات     القيادة[30]  >>.

من هذا المنطلق، يتضح أنّ الشورى في الإسلام لم تكن نتيجة حاجة ولّدتها ظروف المجتمع الذي عاش فيه رسول الله (ص آ) في جزيرة العرب وفي الحجاز خاصّة، وإنّما كانت نتيجة حكم إلهيّ نزل على قلب محمّد بن عبد الله (ص آ) عند الذين يؤمنون برسالة خاتم الأنبياء. أمّا الذين لم يؤمنوا بها فلا يسعهم إلاّ أن يقرّوا واستنادًا إلى الحقائق التاريخية، أنّها كانت نتيجة بصيرة إصلاحية نافدة، تهدف إلى إنشاء المجتمع الصّالح المستقرّ المستمرّ وبنائه، وإرساء قواعده الثابتة التي لا تتزعزع[31].

ونخلص من كلّ ما تقدّم إلى القول: بأنّ الإسلام رغّب المسلمين جميعا إلى الشورى في كلّ ما يطرأ عليهم من أمر، وألزم رئيس الدولة بالتمسّك بها وإعتمادها في تسيّير شؤون الدولة، وأنّ الإسلام لم يَأْتِ بأسلوب خاص للشورى رحمة بالأمّة لتختار في كلّ عصر ما تراه كفيلاً بتحقيق الغاية المطلوبة منه[32].

ثانيًا: الشورى في السنّة النبوية الشريفة.

نستطيع أن نقسِّم الشورى في عهد رسول الله صلىّ الله عليه وآله إلى قسمين:

ــ القسم الأوّل: شورى وقعت بِنَاءًا على طلب رسول الله (ص آ)، أيّ: أنّ الرّسول هو الذي سأل النّاس أن يشيروا عليه، وإنْ شِئْتَ سمّيتَها بلغة العصر [ شورى إيجابية ][33].

ومن تطبيقات هذا النّوع من الشورى ما يلي:

1- مشاورة الرّسول الأعظم صلّى الله عليه وآله أصحابه بعد إنتهاء غزوة بدر، في مصير أسرى المشركين[34].

2- شاور النبيّ (ص آ) يوم غزوة أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلمّا لبس لامته – أيّ درعه ـ وعزم، قالوا: [ أقم ]، فلم يَمِلْ إليهم بعد العزم، وقال: [ لا ينبغي لنبيّ لبس لامته فيضعها حتى يحكم الله ][35].

وشاور عَلِيّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حينما رمى أهل الإفك أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، فسمع منهما، حتى نزل القرآن فجلد الرّامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله[36].

4- وعن الحسن البصري قال: كان رسول الله (ص آ) يستشير حتى المرأة، فتشير عليه بالشيء فيأخذ به[37].

5– وشاور رسول الله عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه لمّا نزلت آية المناجاة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيّْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً[38]  }، في مدى طاقة المسلمين[39].

6- ما رُوِيَّ عن ابن عباس(رض) قال: لمّا نزلت { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }، قال رسول الله (ص آ):

[ أمَا إنّ الله ورسوله لَغَنِيَّانِ عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لأمّتي، فمن استشار منهم لم يُعدَم رُشدًا، ومن تركها لم يُعدم غَيًّا[40] ].  

ــ القسم الثاني: شورى جاءته من بعض الصّحابة ابتداءًا من غير طلب، وإن شئتَ سمّيتها بلغة اليوم  [ شورى سلبيّة ][41].

ومثال هذا النوع من الشورى مارواه الطبري في غزوة [ بَدْر ]، حيث قال:

<< خرج رسول الله (ص آ) يبادر المشركين الى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من [ بدر ] نزل به، فقال الحباب بن المندر: [ يارسول الله، أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله ليس لنا أنْ نتقدّمه ولا نتأخره، أم هو الرّأي والحرب والمكيدة؟ ]، قال: [ بل هو الرأيّ والحرب والمكيدة ]، فقال: [ يا رسول الله، فليس هذا لك بمنزل، فانهض بالنّاس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب          ـ الآبارـ ] … فقال رسول الله (ص آ): [ قد أشَرتَ بالرّأي ]، فنهض ومن معه من النّاس[42]  >>.  

هذه مجموعة من الأحاديث التي ذكرت الشورى، والتي لم تكن الإستشارة فيها تتعدى تلك المسائل التي ذكِرت في هذه الأحاديث.

ثالثًا: الحكم الفقهي لمبدأ الشورى.

يتأرجح الحكم الفقهي للشورى في الفقه الإسلامي بين الوجوب والاستحباب، حيث هناك من ذهب الى القول بأنّها واجبة، بينما ذهب البعض الآخر إلى كونها مستحبّة لا يُأثم تاركها.

1- الرأيّ القائل بوجوب الشورى.

ذهب إلى إعتماد هذا الرأيّ أغلب الفقهاء المتأخرين، وقليل من الفقهاء المتقدّمين[43]، منهم:

أ إبن عطيّة: حيث ذهب إلى أنّ الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ووجوب عزل من لم يأخذ بها. وهذا منه دالّ على أنّ الأمر في الآية { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }، إنّما هو للوجوب[44].

ب- إبن خويز منداد: حيث يقول: << وَاجبٌ على الوُلاّة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشْكِلَ عليهم في أمر الدّين، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ووجوه النّاس في ما يتعلّق بالمصالح، ووجوه الكُتّاب والوزراء والعمّال فيما يتعلق بمصالح العباد وعمارتها[45] >>.

ج- محمّد طاهر بن عاشور: حيث ذهب في تفسيره إلى القول: << واختلف العلماء في مدلول          { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }، هل هو للوجوب أو للنّدب؟ وهل هو خاصّ بالنبيّ أو عامّ له ولِوُلاّة أمور الأمّة كلّهم؟ فذهب المالكيّة إلى الوجوب والعموم[46] >>.

د- محمّد عبده: كتب الشيخ محمّد عبده بَحثا عن الشورى، هذا بعض ما جاء فيه:

<< إذا علمنا أنّ مناصحة الأمراء أمر واجب على الرّعية، كما تدلّ عليه الآيات والأحاديث، وجب على وُلاّة الأمر أنْ لا يمنعوهم من قضاء هذا الواجب، فدلّ ذلك على أنّ الأمر في قوله تعالى:          { وَشَاوِرهُمْ فِي الأَمْر } للوجوب لا للنّدب، وهو ما يُؤخذ من عبارات المُحققين من علماء التفسير، فَوَضح من هذا أنّ تصرّف الواحد في الكلّ ممنوع شَرعًا…[47] >>.

هـ- سيّد قطب: حيث تدلّ عباراته في تفسيره على أنّه يرى وجوب الشورى، إذ يقول:

<< بهذا النّص الجازم: { وَشَاوِرهُمْ فِي الأَمْر }، يقرّر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم حتى ومحمّد رسول الله هو الذي يتولاّه، وهو نَصٌّ قاطع لا يدع للأمّة المسلمة شكًّا في أنّ الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه[48] >>.

من هذا المُنطلَق، فإنّ هذا الإتجاه يرى في الشورى مسألة وجوبيه لابدّ من مراعاتها خصوصًا في نظام الحكم، وبالتالي يُعدّ تاركها آثمًا لأنّه لم يقم بالواجب الشرعي.

2- الرّأي القائل باستحباب الشورى.

ذهب بعض الفقهاء بناءًا على فهمهم الخاص للأدلّة المتعلّقة بالشورى، إلى أنّ التكيّيف الصحيح لمبدأ الشورى لم يَرِدْ في الفقه الإسلامي على سبيل الوجوب، وإنّما وَرَدَ على سبيل الإستحباب لأنّه لم يكن من المبادئ التي يلتزم بها الحكّام وأفراد الأمّة، وإنّما هو عمل مندوب إن قام به الحاكم أو المحكومين إستحقوا عليه الثواب في الآخرة والشكر في الدنيا، وإن تركوه فلا إثم عليهم، وإن كانوا قد تركوا فِعل الأَوْلى. وحسب هذا الرّأي، فإنّ القول بالنّدب كان يمثل الإتجاه العامّ لدى الفقهاء المتقدّمين[49].

ومن أصحاب هذا الإتجاه:

أ– أهل التأويل: ومنهم الطبري[50] والآلوسي[51] والزّمخشري[52] والقرطبي[53] والقاضي أبو بكر بن العربي[54]، حيث احتجوا بأنّ الله تعالى أمر نبيّه (ص آ) بالشورى ليتألَّف قلوب أصحابه، وهو ما يقتضيه سياق الآية: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ الَّلهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَأنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكْ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر }، لأنّ النّبي في غنى عن رأيّهم، فهو لا ينطق عن الهوى، وهو معصوم من جهة التبليغ والتطبيق والمعصية. لذلك كان الأمر بالمشاورة، مع قيامه صلّى الله عليه وآله بممارستها عمليًا في عدّة مواقف، ليرشد المسلمين إلى أمر مندوب فعله يثابون عليه.

ب- إبن كثير: حيث قال: << وكان رسول الله (ص آ) يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطيّيبًا لقلوبهم، وليكون أنشط لهم فيما يفعلونه[55] >>. وعلى هذا يظهر أنّ ابن كثير يرى أنّ الشورى مندوبة والغرض منها تطيّيب النفوس[56].

جإبن القيّم الجوزيّة: حيث ذهب إلى أنّه من الفوائد الفقهية إستحباب مشورة الإمام رعيّته وجيشه[57].

ورأى هذا الإتجاه أنّ كون الشورى لا تكون إلاّ في المباحات، يدلّ على أنّها ليست فرضًا، إلاّ أنّ الذي رجّح كونها مندوبة وليست مباحة، ثناء الله تعالى على المسلمين الذين يجعلون إبرام أمورهم شورى بينهم[58] في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون[59] }.

الفرع الثالث: قواعد ممارسة الشورى.

سبق أنْ تطرّقنا إلى الأسس الشرعية التي يستند إليها مبدأ الشورى، والتي من خلالها يمكننا استخلاص مجموعة من القواعد التي تعدّ أبرز قواعد الشورى في النظام الإسلامي، والمتمثّلة فيما يلي:

ــ القاعدة الأولى: إنّ الشورى ركيزة أساسية في بناء دولة الإسلام، وهو الأمر الذي كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يحرص عليه تمام الحرص[60].

ــ القاعدة الثانية: ليس للشورى أسلوب مُعيّن.

فقد تكون بمبادرة من رئيس الدولة كما فعل رسول الله (ص آ) في أسرى غزوة [ بدر ]، وقد تكون بمبادرة من أحد النّاس كما فعل الحبّاب بن المنذر في غزوة [ بدر ] حينما أشار بالنزول في مكان معيّن، وكما فعل سلمان الفارسي يوم غزوة [ الخندق ] حينما أشار على رسول الله (ص آ) بحفره.

وقد يقع خلاف بين رئيس الدولة وبعض رعاياه، فيلجأ للشورى دون الوصول الى نتيجة، وعندها يحق لرئيس الدولة تشكّيل لجنة عليا للشورى تقول كلمتها، كما فعل عمر بن الخطّاب في قسمة الأراضي[61].

ــ القاعدة الثالثة: إنّ موضوع الشورى يتناول كلّ أمور الحياة، إلاّ التي ورد فيها نص شرعي صريح. ويوضح عبد القادر عودة هذه القاعدة فيقول:

<< وإذا كانت الشورى فريضة من الفرائض الإسلامية فإنّها ليست مطلقة بحيث تمتدّ إلى كلّ أمر، وإنّما تجب فقط في ما لم يقطع فيه القرآن والسنّة برأيّ، أمّا ما قطع فيه القرآن والسنّة برأيّ فهو خارج عن نطاق الشورى، إلاّ أنْ تكون الشورى في حدود التنفيذ والتنظيم لِمَا نصّ عليه القرآن وبيّنته السنّة[62] >>.

ويبدو من الوقائع التي كانت موضوع الشورى في عهد رسول الله (ص آ) والخلفاء من بعده، أنّها كانت وقائع جديدة من جهة، وذات أهمّية خاصّة من جهة أخرى.

وعليه فإنّ الخليفة يستطيع أن يتصرّف بكلّ موضوع يصادفه إذا كان قادرًا على إتخاذ ما فيه الخير والصلاح من قرار أو تدبير، وأنّه يُحِيلُ إلى الشورى ماعدا ذلك من الأمور[63].

ولا يتعارض مع عمومية الشورى أنّ هناك أمورًا لا تخضع للمشاورة من إختصاصات وليّ الأمر، بموجب تحديد الدستور لها[64].

وهنا لابدّ من التنبيه إلى أنّ من أهمّ الأعمال المنوطة بالشورى هو إختيار الخليفة.

ــ القاعدة الرّابعة: إنّ الشورى لم تكن إلاّ لإشراك أهلها في حمل أمانة الحكم مع الخليفة، وهذه القاعدة لخّصها عمر بن الخطّاب في كلام وجَّهه للأنصار الذين دعاهم للشورى في قسمة الأراضي، حيث قال: << إنّي لم أزعجكم إلاّ لأنْ تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم >>. وما دام الأمر كذلك فإنّ على الخليفة أَنْ يُتيح لأهل الشورى كلّ الظروف الملائمة ليشاركوه مسؤولية الحكم[65].

ــ القاعدة الخامسة: لا شيء في الشرع يمنع من الإستفادة من تجارب الآخرين، في كلّ ما فيه مصلحة للأمّة. فقد قَبِلَ رسول الله (ص آ) رأيّ سلمان (رض ) بحفر الخندق حول المدينة وهو أسلوب فارسي، كما قَبِلَ عمر بن الخطّاب إنشاء الديوان وهو مقتبس من الرّوم.

ومعلوم بَداهةً، أنّ أخذ تجارب الغير وما أنتجوه، مقيّد بما فيه مصلحة الأمّة ولا يخالف قواعد دينها ولا يتنافى مع شخصيّتها المميّزة[66].

ــ القاعدة السادسة: أهل الشورى عددهم غير محصور، فقد قال رسول الله(ص آ) قُبَيْلَ غزوة [ بدر ]:  << أشيروا عَليَّ أيّها النّاس >>.

وفي أسرى بدر شاور رسول الله صلّى الله عليه وآله، أبا بكر وعمر وعليّ بن أبي طالب.

وفي الصلح مع [ غطفان ] يوم غزوة [ الخندق ] إستشار إثنيْن، سعد بن معاد وسعد بن عبادة.

وفي حصار [ الطائف ] إستشار شخصًا واحدًا، هو نوفل بن معاويّة الديّلي.

وإذا لم يكن للشورى عدد محصور، إلاّ أنّه لابدّ من أخذ واقع كلّ أمر بعين الإعتبار، فمن الأمور ما تكفي به مشورة واحد، ومنها ما يحتاج لإثنيْن، ومنها مايحتاج إلى أكثر من ذلك[67].

المطلب الثاني: مبدأ الديمقراطية في الفكر الغربي.

في هذا المطلب سأتعرّض إلى مبدأ الديمقراطية في الفكر الغربي من حيث تعريفه ( الفرع الأوّل )، وأساس الأخذ بهذا المبدأ ( الفرع الثاني )، ثم الأساليب أو الصوّر التي يمارس من خلالها هذا المبدأ   ( الفرع الثالث ).

الفرع الأوّل: تعريف الديمقراطية.

إتخذ تعريف الديمقراطية وجهات نظر متعدّدة عبر فترات  تاريخية مختلفة وإيديولوجيات متنوّعة، من هنا سأتطرّق إلى إيراد مجموعة من التعاريف التي سأحاول من خلالها الوصول إلى توضيح هذا المصطلح.

ــ التعريف الأوّل: من روّاد هذا التعريف [ لورد بْوايْسَن ] و [ لويل ]، حيث يُركِّز هذا التعريف على أنّ الديمقراطية هي شكل لنظام الحكم، أو تجربة في الحكم، وبعبارة أخرى: إنّ الديمقراطية هي عدم الإستبداد[68].

ــ التعريف الثاني: وقد ذهب فيه جمال عَليّ زهران إلى أنّ الديمقراطية هي:

<< أسلوب حياة ونظام يقوم على قناعة كاملة من مواطنيّ المجتمع بقيمة الديمقراطية فكرًا وممارسةً، وقناعة كاملة بالمبادئ الأساسية من حرّية ومساواة وعدالة، وأنّ السيادة للشعب دون سواه، كما أنّ هذه المبادئ تستلزم آليات معيّنة تُجسِّد المبدأ إلى واقع حيّ مُتجدِّد، كتعدُّد الأحزاب والأفكار، وكلّ ما من شأنه تحقيق سياد الشعب ومصلحته العامّة[69] >>.    

ــ التعريف الثالث: ذهب إلى أنّ الديمقراطية هي: ذلك النظام من أنظمة الحكم الذي يكون الحكم فيه أو السلطة، أو سلطة إصدار القوانين والتشريعات، مِن حق الشعب أو الأمّة أو جمهور النّاس.[70]

ــ التعريف الرّابع: يرى أنّ الديمقراطية نظام سياسي اجتماعي، يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين، ومشاركتهم الحرّة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامّة[71].

ــ التعرف الخامس: ويذهب إلى أنّ الديمقراطية هي ممارسة الحكم على أساس من رضا شعبي عامّ، يُكسِبه شرعيّته التي تتطلّب توافر الأداء الفعّال والإيجابي والمثمر من جانب الحكومة، حتى يشعر الشعب بثمار هذه الفعاليّة على المدى القصير حتى يواصل منحها ثقته[72].

ــ التعريف السّادس: يرى أنّ الديمقراطية عبارة عن تنظيم للسلطة السياسية التي تعتبر مشروعة عندما تقرّ بتفوق السيادة الشعبية، وعندما ترمي إلى التعزيز الفعلي للسيادة، ولكن تنسيقها الفعلي يرتكز دومًا بمعظمه على تفويض السلطة إلى طاقم متخصّص، من خلال انتخابات دورية وتنافسية من غير إقصاء فاضح لبعض القطاعات.

وتشير الديمقراطية كذلك إلى طريقة تنظيم السلطة السياسية التي لا تمارس فيها إرادة الأكثرية بشكل يسحق الأقليّات أو المجموعات أيًّا كانت مصالحها، غير أنّ الديمقراطية تنتفي حينما يُحرم الناخبون من مَلَكَةِ الإختيار أو تنحية حكامهم سلميًّا[73].

ــ التعريف السّابع: يرى فيه محمّد قطب أنّ الديمقراطية هي الحكم التي تكون فيه السلطة للشعب، وتُطلق على نظام الحكم الذي يكون فيه الشعب رَقيبًا على أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية، ويكون لنواب الأمّة سلطة إصدار القوانين[74].

المُلاحظ على التعاريف المتقدّمة، هو أنّها تختلف باختلاف وجهات النظر التي تنظر إلى الديمقراطية من زوايا مختلفة، لكن الأمر الذي لا جدال فيه هو أنّ جميع التعاريف تُركِّز على أهمّية مشاركة الشعب في الحياة السياسية عن طريق ممارسة حق الإنتخاب وكذا التمثيل الشعبي.

الفرع الثاني: أساس الأخذ بمبدأ الديمقراطية.

يأخذ مبدأ الديمقراطية أساسه من مجموعة من الأسانيد والمبرّرات المعنوية والعملية والفلسفية، التي تتمثل فيما يلي:

أَوّلاً: الأساس المعنوي للديمقراطية.

ويتجسّد ذلك من خلال الرّأي العام، الذي يعني إتجاه أغلبيّة أراء المواطنين إلى إتخاذ موقف معيّن إتجاه إحدى القضايا أو المسائل الهامّة التي تهمّ المجتمع.

فمن الأسس التي جعلت الأخذ بمبدأ الديمقراطية في نظام الحكم، هو رضا الرّأي العام للمواطنين عن الحكومة القائمة وعن رئيس الدولة.

ويذهب كثير من الباحثين إلى أنّ شرعية أيّ حاكم هو هذا الرّضا الشعبي، ورضا الرّأي العام لا يكفي لتحققه أنْ تكون الحكومة منتخبة من الشعب بطريق مباشر أو غير مباشر، بل لا بدّ أن يستمرّ هذا الرّضا عنها كشرط لمشروعية بقاء السلطة والحاكم الذي يتولاّها[75].

وعلى هذا الأساس فإنّه يوجد في الأنظمة الديمقراطية حالة معنوية عامّة يعيشها الشعب في ظلّ هذه الأنظمة، تتمثل في ذلك الإحساس بالرّضا اتجاه المؤسسات السياسية الدستورية في هذا النظام، واتجاه الأسلوب الذي تتعاطى به الحكومة الديمقراطية مع شعبها، ممّا يُوَلّد لدى الشعب حالة من الإحترام لكلِّ ما يمثّل الدولة والحكومة، ولهذا نجد أنّ الشعب في مثل هذه الأنظمة يحترم القانون الصادر عن الحكومة، لأنّه راض عنها حقيقةً وليس شكلاً كما هو في دول الطغيان والإستبداد، حيث نجد مثل هذا الرّضا ممزوجًا بحالة من عدم الرِّضا النفسي وحبّ التمرّد وإعلان الثورة، وهو ما نراه حاصلاً في الواقع المجتمعي لدى أغلب دول العالم الثالث، وبالأخصّ منه العالم العربي.

من هذا المنطلق، فمن الحق والإنصاف أنْ نقول: إنّ تَبِعَةَ صلاحية الحكم وعدمه لا تعود إلى الحاكم وحده، بل إنّ جزءًا كبيرا يتحمّله الشعب المحكوم نفسه، فالحكم فعل و انفعال مستمرّان بين الحاكم والمحكوم، والنتيجة التي نراها من تقدّم الأمّة أو تأخرها هي نتيجتهما معًا، لا نتيجة الحاكم وحده. والأثر الذي يقول [ كما تكونوا يُوَلَّى عليكم ]، هو قانون طبيعي، فحالة المحكوم تشكّل للحاكم ـ لا محالة – بالشكل الذي يتفق وحالته.

وقد علَّمنا التاريخ أنّ تعسّف الحاكم لا يتمّ ولا ينجح إلاّ نتيجة إستنامة المحكوم وضعف إحساسه، وصلاحية الحاكم مسبوقة دائما بتنبُّه المحكوم وحسن تقديره للعدالة والظلم.

لقد كان الحاكم يستطيع أنْ يحكم في سهولة وإلى عهد طويل شعبه على رغم أنفه بسلطانه وجبروته، ثمّ هو يتحمّل أعباء الحكم على كتفه وحده، أمّا اليوم فلا يستطيع حاكم مهما أوتيَّ من العقل والقوّة أن يحكم إلاّ برضا شعبه – ولو ظاهريًا -، وإنْ وُجِدَتْ حالات تخالف ذلك فهي شاذّة لا يسمح النظام الإجتماعي ببقائها طويلا. فلا ينجح حاكم ولا مصلح إلاّ إذا مَثَّلَ رأيّ النّاس[76].

ونستطيع في العصر الحاضر أن نقيس أهمّية سعيّ الحكومات الديمقراطية إلى التقرّب من الرّأي العام وإستمالته ومحاولة إرضائه باستمرار، إذا نحن لاحظنا وسائل الإعلام كيف أنّ الحكّام في الدوّل الديمقراطية الغربية يسعون دائمًا لمعرفة استطلاعات الرّأي التي تجريها الهيئات المتخصّصة حول مدى الرّضا الشعبي ونسبته لأشخاص الحكام الرئيسيّين، ذلك أنّ الإنهيار في شعبية الحاكم إذا ما استمرّ فهو يعني في النهاية عزل الحاكم[77].

ثانيًا: الأساس العملي للديمقراطية.

تعتبر الأسس العملية للديمقراطية من المسائل المهمّة التي لا غنى لأيّ دولة عنها في العالم المعاصر، حيث يمكن إيجاز هذه الأسس فيما يلي:

1- الإحتكام إلى دستور ديمقراطي.

يعتبر الدستور الديمقراطي في العالم المعاصر ضرورة ملحّة لأيّ دولة تنشد الحكم الرّاشد، حيث يجري في هذا الدستور تحديد حقوق الشعب الرئيسية ونطاق صلاحيات الحكومة وأجهزة الدولة.

إنّ تَقبُل الدستور وتطبيقه يعتبر حاجزا لمنع الفوضى والإستبداد، ويخلق حالة الأمن في البلاد، وفي بلاد كهذه تتحدّد الحقوق والواجبات للحكومة والمواطنين، وهو مايفرز حالة الأمن والإستقرار ويحقق للبلد تقدّمه[78].

ويقوم الدستور الديمقراطي على مجموعة من المفاهيمالديمقراطية تميّزه عن غيره من الدساتير، وهذه المفاهيم الديمقراطية يتمّ تجسيدها في مؤسّسات دستورية تكفل أمريْن جوهريَّيْن:

ــ الأوّل: تنظيم السلطات في الدولة ووضع قيود دستورية على ممارسة السلطة.

ــ الثاني: كفالة الحقوق والحرّيات العامّة للأفراد.

كما يُلاحظ وجود هذه المفاهيم في صلب كل دستور ديمقراطي، وتتمثل هذه المفاهيم فيما يلي:

ــ لا سيادة لفرد أو قلّة على الشعب.

ــ سيطرة أحكام القانون.

ــ الفصل بين السلطات.

ــ الحقوق والحرّيات.

ــ تداول السلطة[79].

2- المشاركة السياسة.

تجعل الديمقراطية من المشاركة في الحياة السياسية حقا لكلّ مواطن، يساهم من خلاله في الوصول إلى حكم الأغلبية الذي تستلزمه الديمقراطية[80].

وتقوم فكرة المشاركة السياسية على ضرورة إمتلاك المواطنين أفرادًا وجماعات الحدّ الأدنى من مصادر الإستقلال الإقتصادي والتصرّف الإجتماعي والفعل السياسي، وذلك من خلال تأمين حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية إلى جانب حقوقهم القانونية، وبواسطة ممارستهم على أرض الواقع حرّية التعبير والتنظيم، إضافة إلى حق إمكانية وصولهم إلى مصادر المعلومات البديلة التي تساعدهم على المشاركة السياسية الفعّالة.

ذلك أنّ التجربة الديمقراطية تبقى مجرّد حبر على ورق ونصوص دستورية وشكل ظاهري، إلى أنْ تتوفّر للمواطنين أفرادًا وجماعات مصادر ووسائل المشاركة السياسية الفعّالة، والقدرة على ممارسة الحقوق وآداء الواجبات التي ينصّ عليها الدستور الديمقراطي[81].

3- التعددية الحزبية.

ممّا لا جدال فيه أنّ أفضل سُبُل التعبير السليم عن التعدّدية في مجتمع ما، هو الإعتراف بوجودها، وفتح سبل العمل السياسي المشروع أمامها.

وهذا الإعتراف يجب أَنْ يتجسّد في حق القِوَى المعبِّرة عن التعدد وتشكيل الأحزاب والحركات السياسية وجماعات المصالح وقِوَى الضغط، للتعبير عن آرائها والدفاع عن مصالحها بشكل علني سلمي مشروع يكفله الدستور. وهذه ميزة النظام الديمقراطي من حيث أنّه نظام واقعي لا يتعالى على حقائق التركيبة الإجتماعي[82].

وتُعَد حرّية تعدد الأحزاب السياسية المظهر الجوهري لهذه الديمقراطية، حيث تلعب الأحزاب دورا أساسيا في تقويم السلطة وكشف أخطائها وردّها إلى جادّة الصواب، كما أنّ الأحزاب السياسية تُعَدُّ مدارس حقيقية لتثقيف الشعب وتنويره وتبصيره[83].

مِن هذا المُنطلَق، فإنّه من البديهي أنّ الطريق الديمقراطي لمشاركة الشعب يتطلّب تعدد الأحزاب السياسية التي تسعى إلى السلطة، الأمر الذي يفرز أغلبية تحكم و أقلّية تمثّل المعارضة، و إختيار الشعب هو المرجع في تحديد الأغلبية والمعارضة[84].

ثالثًا: الأساس الفلسفي للديمقراطية.

تعتبر نظرية العقد الإجتماعي ومبدأ سيادة الأمّة أو الشعب، السّند أو الأساس الفلسفي والرّئيسي الذي قامت عليه الديمقراطية الغربية.

فالديمقراطية على حدّ تعبير نظرية العقد الإجتماعي التي تُنسب إلى [ جان جاك روسو ] و [ جون  لوك ]، هي أَوّلاً مذهب سياسي لا مذهب اجتماعي واقتصادي ، وثانيًا هي مسألة عقل وقلب وليس مسألة خبز[85].

فَ [ جان جاك روسو ] ـ الذي اعتبره رجال الثورة الفرنسية أبُ الديمقراطية ـ أعلن في كتابه [ العقد الاجتماعي[86] ]، أنّ مبدأ سيادة الأمّة هو مبدأ جوهري، حيث أنّ الأمّة وحدها هي صاحبة السيادة، وأنّ الحاكم أو الهيئة الحاكمة في الدولة ليس لها أيّ سيادة، بل سلطتها الآمرة تنبثق من سيادة الأمّة[87].

الفرع الثالث: أساليب ممارسة الديمقراطية.

أَدّى التباين والإختلاف الحاصل بين فلسفة [ جون لوك ] وفلسفة [ جان جاك روسو]  إلى الإختلاف في النظم السياسية التي قامت على أساس فلسفة كُلٍّ منهما في نظرته للعقد الإجتماعي.

من هذا المنطلق، إتخذت الديمقراطية في الفكر الغربي ثلاث صوّر رئيسية تتمثّل فيما يلي:

أَوّلاً: الديمقراطية المباشرة.

يُقصد من هذه الصورة وجود نظام سياسي من شأنه فيه أنْ يحكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق الإجتماع في جمعيات عمومية[88]. وتُعَد هذه الصورة أقدم صور الديمقراطية، حيث يمارس الشعب كلّه فيها الحكم بغير وسيط في كافّة مجالات الحكم من الناحية التشريعية والتنفيذية والقضائية[89].

ويتعارض مبدأ الديمقراطية المباشرة مع مبدأ الديمقراطية التمثيلية الأكثر رواجًا في الممارسة، حيث يتكلّم المُنْتَخَبُونَ باسم الشعب[90].

و يرى [ جان جاك روسو ] أنّ أيّ نظام لا يتبنّى الديمقراطية المباشرة لا يُعَد نظامًا ديمقراطيًا، وقد عبّر روسو عن ذلك في كتابه [ العقد الاجتماعي ] أثناء هجومه على الحكومة النيابية في إنجلترا، واصفًا إيّاها بأنّها تتنافى مع الحريّة[91].

وقد مورست الديمقراطية المباشرة في المدن اليونانية القديمة. أمّا في العصر الحديث فُتَمَارَسُ في عدد محدود من الولايات أو الدويلات السويسرية في إطار الإتحاد الفدرالي للدولة السويسرية.

ويُلاحظ أيضًا، أنّ اختصاصات جمعيّة الشعب في هذه الولايات محدود بالأمور الداخلية بكل ولاية، أمّا الاختصاصات الهامّة المركزية فتتولاّها حكومة الإتحاد السويسري نظرًا لأنّ سويسرا دولة فدرالية[92].

ويكاد يكون نظام حكومة الجمعيّة هو أقرب التطبيقات العمليّة لأفكار [ جان جاك روسو ]، ذلك أنّه بمقتضى هذا النظام توجد كل مظاهر السلطة واختصاصاتها في يد جهة واحدة، هي جمعيّة مُمَثِلِيّْ الشعب.

وفي هذا النظام لا يكون هناك فصل بين السلطات، وإنّما هناك دمج بين السلطات جميعًا وجعلها كلّها في يد مُمثليّْ الشعب صاحب السيادة الأصيل، وهكذا فإنّ مُمثليّْ الشعب في نظام حكومة الجمعيّة هم الذين يقومون ـ من الناحية النظرية ـ بكلّ الوظائف من تشريعية وتنفيذية وقضائية، إلاّ أنّه إذا كان ذلك هو الأصل من الناحية النظرية، فإنّه من ناحية التطبيق العملي يقوم مُمَثِلوا الشعب باختيار مَن يقومون  ـ تحت إشرافهم – بالوظيفتيْن التنفيذيّة والقضائيّة[93].

ثانيًا: الديمقراطية غير المباشرة ( النيابيّة ).

وِفقًا لنظام الديمقراطية النيابيّة، يَنْتَخِبُ الشعب عددا من النواب يُكَوِّنُونَ الهيئة النيابيّة التي تتولّى ممارسة السلطة لمدّة معيّنة بإسم الشعب ونيابة عنه، وبهذا يتمتّع النواب بحق ممارسة السلطة بشكل كامل دون أَنْ  يمارس الشعب السلطة بنفسه كما هو الحال في الديمقراطية المباشرة، ولا يشارك الهيئة النيابية المنتخبة في ممارسة السلطة كما في نظام الديمقراطية شبه المباشرة[94].

ولهذا فإنّ الديمقراطية النيابيّة تُفَرِّقُ بين صاحب السلطة ـ الشعب أو الأمّة ـ، وبين من يمارسها ـ وهم النوّاب ـ، مُمَثَلِين في برلمان مُنتخَب يمارس صلاحيّات تشريعيّة وماليّة وصلاحيّات سياسيّة بالشّكل الذي يحدّده الدستور[95].

ففي منطق الديمقراطية النيابيّة، يقوم البرلمان بالوكالة عن الشعب بممارسة مظاهر الحكم والسيادة كنائب عن الشعب الأصيل، فالبرلمان إذن يُعبر عن الإرادة العامّة للشعب صاحب السيادة، فكلّ ما يصدر عن النوّاب المُنتخَبين مِن قوانين وقرارات، إنّما يستند إلى قرينة عامّة هي أنّ القانون أو القرار الصادر يعتبر وكأنّه صادر عن إرادة الشعب[96].

وتقوم الديمقراطية النيابيّة على مجموعة من الأركان الأساسية تتمثل في ما يلي:

ــ الرّكن الأوّل: وجود برلمان مُنتخَب من قِبَلِ الشعب.

تعتبر الإنتخابات التنافسيّة حجر الزاويّة في الديمقراطية النيابية، حيث يختار الناخبون بين عدّة مرّشحين لِعضويّة البرلمان[97].

من هذا المنطلق، إذا كانت دولة ما تأخذ بنظام المَجلسيْن في تكوين برلمانها وكان أحد المَجلسيْن مشكّلاً بغير الإنتخاب سواء بطريق التعيّين أو بطريق الوراثة، وكان المجلس الآخر مشكّلاً بالإنتخاب، فإنّ المجلس الثاني وحده الذي يتمتع بوصف المجلس النيابي نَظرًا لتكوينه عن طريق انتخاب الشعب دون المجلس الأوّل الذي يفتقد هذه الصفة[98].

ــ الرّكن الثاني: ممارسة البرلمان لسلطة فعليّة.

في النظام الديمقراطي النيابي لابدّ للبرلمان أنْ يتمتع بسلطة حقيقية وفعلية، وتكون السلطة فعلية وحقيقية إذا كان قرار البرلمان نهائيا وتنفيذيا، بمعنى أنْ يملك ممارسة السلطة المنوطة به دون الرّجوع إلى شخص أو هيئة أخرى لإقرار ما يتمُّ التوصل إليه ضمن صلاحياته[99].

كما أنّ السلطة الفعليّة لهذه الهيئة النيابيّة، تتجلّى في مجال التشريع والأمور المالية في الدولة ومراقبة السلطة التنفيذيّة[100].

ــ الرّكن الثالث: تحديد عضويّة البرلمان بمدّة معيّنة.

تشترط الديمقراطية النيابيّة تحديد المدّة التي يقضيها نواب الأمّة في البرلمان، وبالتالي فإنّ تحديد مدّة نيابة البرلمان بأجل معلوم يؤدّي إلى شعور النواب بإستمرار المسؤولية، ويُجَنِّبُ الشعوب خطر الإستبداد البرلماني[101].

كما أنّ تحديد عضوية الهيئة النيابيّة يعطي الفرصة للناخبين لتقدير أعضاء الهيئة النيابية ومدى نجاحهم في تمثيل إرادة الشعب، حيث أنّ هذا التوقيت يُوَفر الفرصة للناخبين لتجديد عضوية الهيئة النيابيّة، وذلك بإعادة المُؤهَلين منهم لهذه المهمّة واستبعاد غيرهم[102].

ــ الرّكن الرّابع: إستقلال الهيئة النيابيّة عن الناخبين.

ينفرد البرلمان في النظام النيابي بممارسة السلطة أثناء نيابته مستقلاًّ عن الناخبين الذين لا يحق لهم مشاركته السلطة بأيّ وجه[103]. وقد تحقق هذا الإستقلال على أساس نظرية الوكالة العامّة والتي تَعتبر النائب وكيلاً عن الأمّة بأسرها[104].

ومن هنا لا يجوز الإدّعاء أمام القضاء بأنّ قانونًا ما، يخالف رأيّ جمهور الناخبين، لأنّ هذا الرأيّ إنّما يُعبر عنه من الناحية القانونية البرلمان وحده[105].

ــ الرّكن الخامس: أن يكون النائب مُمثِلاً للأمّة بأسرها.

وذلك لأنّ فكرة السيادة لا يملكها المواطنون على نحو مجزّأ، بل تملكها الأمّة بما هي حالة مستقلّة عن الأفراد. ولأنّ حق الإنتخاب ليس ملكًا خاصا لأيّ مواطن فإنّ صفة الناخب ليست إلاّ وظيفة عامّة يمنحها المجتمع حسب مصلحته[106]. ولذلك لم يكن النائب مُلزَمًا بتقديم حساب لناخبيه، كما أنّه غير مسؤول مدنيا عن نيابته أمامهم، كما لا يجوز للناخبين عزل النائب متى شاؤوا أثناء نيابته[107].

ثالثًا: الديمقراطية شبه المباشرة.

الديمقراطية شبه المباشرة مزيج من الدِيمُقْرَاطِيَتَيْنِ النيابية والمباشرة، ففيها توجد هيئة نيابية منتخَبة تمارس جانبا كبيرا من شؤون الحكم بإسم الشعب، كما يزواول الشعب بنفسه قسطًا مُعيّنًا           

من أمور السلطة في الدولة[108].

وفي مثل هذا النوع من الديمقراطيات يكون المُنْتَخَبُ مرتبطًا إرتباطًا وثيقًا بإرادة الناخب[109]. كما يستخدم الشعب عدّة وسائل لتحقيق مشاركته في السلطة وِفقًا لنظام الديمقراطية شبه المباشرة، وتتمثل هذه الوسائل فيما يلي:

ــ الإستفتاء الشعبي.

ــ الإعتراض الشعبي.

ــ الإقتراع الشعبي.

ــ إقالة النائب.

ــ حلّ البرلمان.

ــ وعزل رئيس الجمهورية.

1- الإستفتاء الشعبي.

ويُقصَدُ به عرض موضوع مُعيّن على الشعب لأخذ رأيّه فيه بالموافقة أو الرّفض[110]. وبهذا يحتفظ الشعب بحق الفصل في بعض أمور الحكم الهامّة وعدم حصرها في إطار الهيئة النيابيّة فقط[111].

وينقسم الإستفتاء الشعبي إلى أنواع متعدّدة:

ــ فهو من حيث موضوعه ينقسم إلى: إستفتاء دستوري وإستفتاء تشريعي وإستفتاء سياسي.

ــ ومن حيث ميعاد إجرائه ينقسم إلى: إستفتاء سابق على القانون وإستفتاء لاحق على القانون.

ــ ومن حيث مدى وجوب إجرائه ينقسم إلى: إستفتاء إجباري وإستفتاء إختياري.

ــ ومن حيث مدى قوّته الإلزامية: ينقسم الإستفتاء الشعبي إلى إستفتاء ملزِم وإستفتاء غير ملزم أو إستشاري[112].

2- الإعتراض الشعبي.

ويُقْصَدُ به حق المواطنين في إظهار عدم الرّضا على قانون أقرّه البرلمان، وذلك من خلال تقديم عريضة مُوَقَعَة من عدد معيّن منهم في خلال مدّة محدّدة، يظلّ القانون خلالها غير نافذ، فَيُعرض الأمر على الإستفتاء الشعبي، فإن وافقت عليه غالبيّة الناخبين إستقرّ ونُفِّذَ كما لو لم يُقدَّم إعتراض بشأنه، وإنْ رفضته سقط وإعتُبِر كأنْ لم يكنْ[113].

مِن هذا المنطلق، فإنّ الإستفتاء الشعبي يمرّ بِمرحلتيْن:

ــ المرحلة الأولى: هي إعتراض عدد معيّن من الناخبين على القانون وطلب عرضه على إستفتاء الشعب، مع العلم بأنّ حق الإعتراض يحدّده الدستور بمدّة معيّنة يجب على العدد المحدّد من الناخبين إستخدامه فيها، وإلاّ سقط حق الإعتراض الشعبي.

ــ المرحلة الثانيّة: وتتمثل في عرض القانون موضوع الإعتراض على الإستفتاء الشعبي ليُصدِر الشعب موقفا نهائيا في أمر هذا القانون[114].

3- الإقتراح الشعبي.

حيث يمكن للمواطنين أنْ يتدخّلوا لإرغام ممثليهم على معالجة مسألة ما، وذلك من خلال عرائض يُوَقِعُهَا عدد معيّن من الناخبين.وقد يكون الإقتراح مصاغا في صورة مشروع قانون متكامل مُعَدٌّ للقبول والتطبيق، وقد يأتي في صورة مجرّد بيان أو توضيح للخطوط العريضة للقواعد أو التعديلات التشريعية المطلوبة[115].

وعلى هذا، فالإقتراح الشعبي يتخذ مجموعة من الخطوات تتمثل فيما يلي:

أ- الإقتراح يأتي من عدد معيّن من الناخبين طِبقًا لما يحدّده الدستور.

ب– يُرسَل مشروع القانون المقترَح أو فكرته للبرلمان.

ج– إذا لم يوافق البرلمان على مشروع القانون أو فكرته، فإنّ الأمر يُعرَض على الإستفتاء الشعبي، ليقرّر في النهاية مصير المشروع المقترَح في الأصل من عدد معيّن من الناخبين[116].

ونجد تطبيقات مختلفة لنظام الإقتراح الشعبي بالنسبة لكلّ من التشريعات الدستورية والعادية في المقاطعات السويسرية، وكذلك في الإتحاد السويسري نفسه فيما يتعلّق بالمسائل الدستورية فقط. كما تسمح في الولايات المتحدة الأمريكية أربع عشرة ولاية للمواطنين بإقتراح تعديل الدستور مباشرة[117].

4- إقالة النائب في البرلمان.

يُقصد بالإقالة تجريد النائب من صلاحيّته القانونية من خلال سحب ثقة الناخبين منه قبل نهاية مدّة ولايته، وذلك على أساس أنّ النائب يعتبر وكيلاً عن الناخبين، يجب عليه تنفيذ توجيهاتهم والإحتفاظ بثقتهم، فإنْ أخلّ بالتوكيل جاز لهم عزله.

ويتمّ العزل بِطريقتيْن هما:

أ- إلزام المرشح كشرط لإنتخابه بتوقيع خطاب إستقالة بلا تاريخ، حتى يمكن إستخدامه عند الحاجة إذا إنحرف عن الطريق الذي يرضاه الناخبون، ويتمّ ذلك غالبًا عن طريق الحزب الذي يتبعه المرشح[118].

ب– أمّا الطريقة الأكثر أهمّية، فتتمثل في طلب عدد معيّن من الناخبين إقالة نائبهم، حيث يترتب عن هذا الطلب إجراء إنتخابات في الدائرة التي يمثلها النائب المطلوب إقالته، فإذا حاز طلب إقالة النائب أغلبية أصوات الناخبين يترتب عن ذالك إنسحاب النائب، أمّا إذا أعيد إنتخابه بحصوله على أغلبية أصوات الناخبين فيعتبر منتخَبًا من جديد ولمدّة جديدة[119].

وفي هذه الحالة من حقه إسترداد مصاريف الإنتخاب من الناخبين الذين كانوا قد طلبوا إقالته[120].

5- حلّ البرلمان.

ويُقصد به إعطاء الحق لعدد معيّن من الناخبين في أنْ يطالبوا بحلّ الهيئة النيابية بجميع أعضائها، وفي هذه الحالة يُعرَض الطلب على الشعب لإستفتائه فإذا حاز هذا الطلب على الأغلبية المقرّرة في الدستور فإنّ ذالك يؤدّي إلى حلّ الهيئة النيابية قبل إنقضاء المدّة المقرّرة لها عند إنتخابها، وبالتالي تُجرَى إنتخابات جديدة[121].

6- عزل رئيس الجمهورية.

المظهر الأخير للديمقراطية شبه المباشرة يتمثل في حق طلب عزل رئيس الجمهورية بواسطة الناخبين بشروط معيّنة، وهي حالة نادرة قرّرتها بعض الدساتير المحدودة جدًا، من ذلك على سبيل المثال دستور [ فيمر ] الألماني الصادر في عام 1919م[122].

وتعتبر المظاهر الثلاثة الأولى للديمقراطية المباشرة الأكثر إهتماما في الدول الحديثة التي يُطَبَّقُ فيها هذا النوع من الديمقراطية، وخصوصًا الإستفتاء الشعبي[123].

المطلب الثالث: مقارنة بين مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية.

في هذا المطلب سأتعرّض إلى مقارنة بين مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية سواء من حيث مدلول كُلّ منهما ( الفرع الأوّل )، أو من حيث الأساس الذي يستند إليه كلّ منهما ( الفرع الثاني )، أو من حيث أسلوب كلّ واحد منهما في النظام السياسي ( الفرع الثالث ).

الفرع الأوّل: مبدأ الشورى ومبدأ الديمقراطية من حيث مدلول كُلٍّ منهما.

ممّا تقدّم يتضح جَلِيًّا أنَّ مبدأ الديمقراطية من حيث مدلوله الذي هو مجمع عليه، إنّما يشير إلى ضرورة وأهمّية مشاركة الشعب في الحياة السياسية عن طريق الإنتخاب والتمثيل الشعبي دون ضوابط أو قيود.

فالديمقراطية مبناها العدد لا الرّأي، لهذا فهي لا تشترط في المُنْتَخَب الأهلية التي تُمكِّنه من القيام بأعباء الوظيفة المُسندة إليه، وإكتفت بتوفير الأغلبية العددية المجرّدة، فهي ترى تعيِّين الأكثر جمعا دون النظر إلى الكفاءة و الأهلية، أيْ إكتفت بالكم دون النوع، وينتج عن ذلك ما يُعَبَّر عنه بديمقراطية الغوغاء، وتعني حكم الأكثرية التي لا تعرف المصلحة للجميع[124].

فمن التناقضات التي تعاني منها الديمقراطية، التناقض بين تعظيم حجم التمثيل السياسي وانخفاض مستوى الكفاءة… أَيْ أنّ تعظيم التمثيل السياسي يعني ضرورة التعبير عن مصالح ورغبات أكبر عدد ممكن من النّاس من خلال القرارات التي تصدر في هذا الصّدد، ولا يمكن أنْ يتحقق هذا الإنجاز إلاّ من خلال توفير الفرصة للأغلبيّة إلى أقصى حَدٍّ ممكن، أيْ على مستوى الكم.

أمّا على مستوى النوع، فإنّ الكفاءة تعني إمكانية إتخاذ القرار في سهولة ويُسر دون عرقلة أو تعطيل. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة بين ضخامة التمثيل ومستوى الكفاءة، فالأغلبية ليست دائما على صواب، وخاصّة إذا كان مستواها التعليمي أو وعيّها الثقافي ضعيفًا هزيلاً، خاصّة في البلاد التي تنتشر فيها الأميّة[125].

من هذا المنطلق، يتضح أنّ هناك فرقًا شاسعًا بين ديمقراطية التنفيذ وديمقراطية التنفيس، ففي الحياة الواقعية – وليست الإعلامية – تُقاس كلّ الأشياء بقيمتها العملية، ومهما تحاور الناس وعبّروا عن

أفكارهم وآرائهم، فإنّ العبرة في النهاية بالمُحصِّلة الفعلية[126].

فالصّحافة مثلا في ديمقراطية التنفيس لا تسمع أيّ شرّ، لا ترى أيّ شرّ، ولا تذكر أيّ شرّ، وهذا الأمر واقع حتى مع الصّحافة الأمريكية[127].

كما أنّه ليس من الغريب أنْ يتمّ سرقة الإنتخاب الرّئاسي في ديمقراطية التنفيس، وهو ما حصل في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2004م[128]. كما أنّ أفضل الديمقراطيات يمكن شراءها بالمال، وهو ما عبّر عنه [ غريغ بالاست ] بالقول: << بقدر ما ترقص مع الديمقراطيّين، بقدر ما سيعود  عليك[129] >>.

كما أصبح مفهوم حرّية الإختيار أيضا محلّ شكّ في المجتمع الديمقراطي، فقد تحدّثَ [ هربرت ماركوز ] عن عملية تضيّيق العالم السياسي للإنسان بما يتضمّنه من تقيّيد لحدود الإختيار والحوار، وذلك من خلال أدوات الإعلام الحديثة ودورها في التأثير على أذواق وإختيارات الناس، ومن خلال طبيعة القضايا المطروحة للحوار السياسي في معظم الدول الغربية والتي لا تتعرّض لأسس النظام الإجتماعي، وإنمّا تنصرف إلى السياسات والتفصيلات الجزئية، ومن خلال إنخفاض درجة المشاركة السياسية في المجتمع، وهو ما شجع عليه بعض مُفكِريّْ الديمقراطية اللّيبرالية[130].

من هنا، يرى بعض الباحثين أنّ صورة حكم الشعب لصالح الشعب هي مثاليّة بإجماع كافّة الدّارسين لمفهوم الديمقراطية، على أنّها لم تتحقق في الماضي وليست مُتحققة في الحاضر ومِن غير المنتظر تحقيقها في المستقبل[131].

أمّا بالنّسبة إلى مدلول الشورى كما ذهب في تعريفها أكثر الباحثين فإنّ مبناها الرّأي لا العدد، فلا يُقَدَّم لها إلاّ أصحاب الرّأي والحكمة والحِنكة والخبرة والدراية العلميّة والعمليّة، فهي وظيفة لها مقصود شرعي لا يتحقق إلاّ إذا كانت لأهل الشورى الأهليّة، لهذا فإنّ الشريعة الإسلامية إشترطت في أهل الشورى الأهليّة التي تُمَكّنُهُم من القيام بأعباء الوظيفة[132].

مِن هنا، فإنّ الشورى تكون ممّن يُدركون الأمور ويَسبرون غَوْرها ويحيطون بدقائقها، وأنّ أكثر النّاس قدرة على ذالك هم العلماء في كلّ مجال في الحياة، ووُجهاء الناس ورؤساؤهم الذين يقفون على أسرار الحياة السياسية، وهؤلاء هم أهل الرّأي والنظر، والناس تُبَّعٌ لهم في الرّأي ، والرّجوع إليهم من صاحب الصلاحية واجب[133].

كما أنّ أهل الشورى عند قيامهم بعملهم يلتزمون بما يقتضيه

نأنأساس فلسفة كل منهما في نظرته للعقد الاجتماعيأساس

الأمر المعروض، فإنْ كان الأمر أمر خلافة وإمامة راعوا فيما يُقَدَّم للوظيفة أهلية الخلافة، وقدّموا أهل الإختصاص في ذلك، لذا يشترط العلماء في أهل الحلّ والعقد الأهلية التي تُمَكّنهم من إختيار من هو أحق بالخلافة من غيره.

في حين أنّ الديمقراطية نَظَرًا لأنّها تقوم على مبدأ الأكثرية العددية فهي لا تراعي التخصّص، فَتُقَدِمُ الأكثر جمعًا، وإنْ لم يكن من أهل الإختصاص، فلا غرابة أنْ نرى الطبيب يُعَيَّن رئيسا للبلدية، والمهندس يُعَيَّن وزيرًا للصحة، وهكذا[134].

الفرع الثاني: الشورى والديمقراطية من حيث أساس كلٍّ منهما.

تُعتبر الديمقراطية نظاما بشريا وتجربة حضارية من إفرازات العقل الإنساني في بحثه عن مصالحه التي تكيّفها الظروف الذاتية أو الإجتماعية أو القومية[135].

فمفهوم الديمقراطية يستند في سياقه الحضاري إلى أساس فلسفي وَضعيّ، عُرِفَ في التاريخ السياسي باسم [ نظرية العقد الإجتماعي ]، هذه الفكرة بُنِيَّتْ على تصوّر تجريدي خيالي ليس له أي أساس واقعي لا من حيث الزّمان ولا من حيث المكان، الأمر الذي جعلها محلّ هجوم عنيف وانتقادات كثيرة متواصلة، ممّا ادى أدّى إلى عزوف الكثير من أنصارها عن التمسّك بها، ولجوئهم إلى حجج عمليّة واعتبارات واقعية يبرّرون به المبدأ الديمقراطي[136].

فالديمقراطية تُمَارَسُ على أساس مبدأ سيادة الأمّة، حيث يعطي هذا المبدأ السلطة التامّة للأغلبية، حتى الخروج على ما قرّرته الأغلبية من قبل ومخالفته، ومن هنا فلا غرابة أنْ نرى أنّ الأكثرية أحلّت ماحرّمت من قبل، وأباحت ما منعت من قبل، لا لشيء إلاّ لأنّها ترى ذلك، فلا مساءلة ولا محاسبة من أحد عليها[137].

مِن هذا المُنطلَق، فإنّ الديمقراطية تعمل في إطار الأكثريّة، تدور معها حيثما دارت، وتميل معها حيثما مالت، دون مراعاة لعقيدة أو شريعة ما، أو تقاليد وعادات المجتمع[138]، فهي قائمة على أساس قطع الصلة بين أحكام الشريعة و بين حياة الأفراد، وبعبارة أخرى أنّها تقوم على أساس فصل الدّين عن الدولة، وأنّه لا صلة للأديان بالجوانب التشريعية والتنفيذية والقضائية في الدولة[139].

لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، هو أنّ مفهوم الديمقراطية المعاصرة يؤكِّد على صفة المنهج، ويُبْعِدُ الديمقراطية عن شبهة العقيدة التي يستنتجها البعض من ملاحظة نتائج الممارسة الديمقراطية في مجتمع يحمل أفراده في الأصل معتقدات أثّرت في تفضيلاتهم وأدّت إلى توجيه إختياراتهم عند إتخاذ القرارات الديمقراطية، ومن ثَمَّ صُبِغَت التجربة الديمقراطية المعنية بصبغة عقائد يَدِينُ بها ذلك المجتمع. وممّا هو جدير بالتأكيد أنّ توصيف الديمقراطية المعاصرة بأنّها منهج وليست عقيدة، لا ينفي عن الديمقراطية كونها مجموعة من الحقوق، أو أنّها نَسَقٌ من المؤسسات والممارسات، أو أنّها نظام حكم يُؤَمِّنُ الوصول إلى نتائج مرغوب فيها[140].

وفي المقابل نجد مبدأ الشورى في النظام الإسلامي يستند إلى أساس شرعي حيث أنّ هذا المبدأ مقرّر في القرآن الكريم وفي السنّة الشريفة بنصوص قاطعة، وتجسّدت في الواقع كفكرة حقيقية ثابتة زمانًا ومكانًا في عَهدَيّْ النبوّة والخلافة الرّاشدة في صورة ما يُعرف في الفقه الإسلامي بِ [ عقد البيعة ]، والذي يُرَتِبُ حقوقًا والتزامات محدّدة بين كُلٍّ من الحاكم والمحكوم[141].

وتأسيسًا على ذلك، فإنّ تقرير نظام الشورى في الإسلام لم يكن نتيجة فكر أهل الإسلام ولا خَاصِّية من خصائص تفكيرهم، وإنّما هو نظام ربّاني إختص الله به عباده المؤمنين، وجعله صفة من صفاتهم المُميِّزة لهم، رأفة ورحمة بهم. وبناءًا على هذا، فإنّ الشورى – على خِلاَف الديمقراطية – ليست بالمذهب السياسي الذي تختلف وتتغيّر مبادئه وصياغته، بحسب فكر الشعوب والأمم، وتَبايُن فلسفتها ومعتقداتها، وإنّما هي صياغة إلهيّة ثابتة لا تختلف مبادئها بحسب فكر الشعوب والدول الإسلامية، وإن تَبايَنت طرق وأشكال ووسائل ممارستها[142].

مِن هنا، فالشورى تُمَارَسُ على أساس سيادة الشرع لا تحيد عنه ولا تخرج عليه، والقِلَّة والكثرة في ذلك سواء، فلا عبرة برأيّ أهل الشورى إذا خالفوا حكما شرعيًا، أو قواعد وأحكام الشريعة العامّة، لذا نجد الصّحابة الأخيار رضوان الله عليهم يستوثقون وهم يعلنون بآرائهم بحضرة رسول الله (ص آ)، هل هناك أمر من السّماء بالمسألة؟ أم أنّ للرأيّ فيها مجال؟[143]

ولذلك كانت الشورى مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بالعقيدة، فهي شورى إيجابيّة في المقام الأوّل، فإذا خَلَتْ من هذه الصفة فلا قيمة ولا وزن لها في ميزان الشرع، بمعنى أنّ المستشار عندما يُدْلي برأيّه ويعطي إستشارته، فإنّ رائده في ذلك الإيمان والتقوى، فهو يراقب الله فيما يقول، فلا يقول بما فيه معصية أو ما يؤدّي إلى مفسدة تقرُّبًا إلى الله سبحانه وتعالى، دون أَنْ يكون لغير ذلك من أثر في قوله ورأيّه، من قِلَّة أو كثرة[144].

الفرع الثالث: الشورى والديمقراطية من حيث أسلوب ممارستهما.

إتضح ممّا سبق أنّ للديمقراطية ثلاث أساليب رئيسيّة تتمثّل في الديمقراطية المباشرة، والديمقراطية غير المباشرة ( النيابيّة )، والديمقراطية شبه المباشرة[145].

والحقيقة أنّ إتخاذ الديمقراطية لهذه الأساليب الثلاثة، إنّما راجع إلى الإختلاف في كيفية النظر إلى العقد الاجتماعي الذي تستند عليه الديمقراطية في الفكر الغربي، حيث أدّى التبايُن الحاصل بين فلسفة [ جون لوك ] ونظرته إلى العقد الاجتماعي وبين فلسفة [ جان جاك روسو ] إلى الإختلاف في كيفية ممارسة الديمقراطية.

إلاّ أنّه بالرّغم من هذا الإختلاف فإنّ مبدأ الديمقراطية بشكل عام يقرّر أنّ الشعب بمعناه السياسي يمتلك السلطة العليا والمطلقة في تصور ورسم مقوِّمات النظام الإجتماعي، وضبط منهاج حياة الشعب وتحديد مصلحته، وذالك بالشكل الذي يكون متفقا مع إرادته السيّدة،  والتي لا تحدّها قيود أو حدود فيما عدا النصوص الدستورية، والتي تكون هي أيضًا ليست بمنأى عن التغيّير والتبديل وِفقًا لمقتضيات المصلحة[146].

مِن هذا المنطلق، ووِفقا لمبدأ [ سيادة الشعب ] أو [ سيادة الأمّة ] يكون من حق المجالس النيابية في ظلّ الديمقراطية الغربيّة أن تصدر ـ بناءًا على إرادة أغلبيّة النواب – من النُظم والتشريعات ما تراه مُحَقِقًا لِرغبات الجماعة، ولا يهمّ بعد ذلك أَنْ تكون هذه النُظم و التشريعات منسجمة مع القانون الأخلاقي ومع المصالح الإنسانية العامّة أو متعارضة معها.

فبِاسْم سيادة الشعب وكوْن القوانين الصادرة من المجالس النيابية مُعبِّرة عن إرادته – أيّ إرادة الأغلبيّة- تكون هذه القوانين مُعبِّرة عن الحق والعدل والشرعية، لكونِها صادرة عن إرادة عُليا مطلقة، أصيلة وآمرة في المجتمع[147].

أمّا بالنسبة لمبدأ الشورى في النظام الإسلامي، فليس هناك أساليب وصور معيّنة ومحدّدة على سبيل الحصر كما هو في الديمقراطية الغربية، وإنّما هناك قواعد يجب مراعاتها عند تطبيق مبدأ الشورى[148].

ومن بين أهمّ القواعد التي يقوم عليها هذا المبدأ، هو أنّ سلطة الأمّة وإرادتها تكون مقيّدة بنصوص الشريعة القطعيّة الثبوت والدلالة، المنصوص عليها في الكتاب والسنّة، أو تلك التي تمّ عليها الإجماع[149].

وعلى هذا، فإنّ الشورى في النظام الإسلامي إنّما تكون داخل النصوص الشرعية، ولا يجوز للأمّة ولا يحق لها – ولو بإجماع أعضائها أو ممثّليها – أنْ تغيّر من أحكام الشرع القاطعة، أو تنحرف عن منهجه أو تخالف مبادئه، وذلك تحقيقًا لما تراه مصلحة، لأنّ ذلك يعتبر في نظر الشرع مفسدة وليس مصلحة، حيث أنّه قد حكم بعدم إعتبارها بل وإلغائها.

لذلك فإنّ الشريعة الاسلامية – كما يقول علماء الأصول – لم تترك معيار التفرقة بين المصلحة والمفسدة لرغبات النّاس و أهوائهم، وذلك على عكس نُظم الديمقراطيات الغربية[150].

يقول الشيخ خلاّف: <<… ومثل أيّ مصلحة يبدو للنّاس، تُصادِم نَصًّا في الشريعة أو مبدأً عامًّا قرّرته الشريعة، وتسمى هذه في إصطلاح الأصوليّين [ المصالح المُلغاة ]، فلا خلاف بين العلماء في أنّه لا يُبنى عليها تشريع[151] >>.

وعلى نحو العموم، فإنّ التباين الجوهري بين الديمقراطية في الفكر الغربي والشورى في الفكر الإسلامي يتمثل في أنّ الديمقراطية لا تضع قيودًا شرعيّة ولا حدودًا دينيّة على سلطة الأمّة والشعب، فسلطة الأمّة والشعب في فلسفة الديمقراطية لها أنْ تقرّر ما تريد حتى ولو أحلّت الحرام وحرّمت الحلال، والشاهد على ذلك التطبيقات الغربية للديمقراطية، فسلطة الشعب ومجالسه تبيح الزّنا بالتراضي، وتشرّع الشذوذ الجنسي وتجعل من الرّبا فلسفة الإقتصاد.

بينما نجد في الشورى الإسلامية أنّ الأمّة والشعب مصدر السلطات والسلطان، بشرط أنْ لا تتعدّى سلطة الأمّة حدود الحلال والحرام الشرعي، فسلطة الأمّة تعمل داخل إطار الشريعة وضِمن سيادة الشرعيّة الإلهيّة ـ الحاكميّة الإلهيّة ـ، وذلك بسنّ القوانين المتفقة مع فلسفة الشريعة عندما لا تكون هناك نصوص شرعيّة أو حدود مقرّرة في القرآن الكريم والسنة النبويّة[152].

– إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح للجوهري، ج 4، الطبعة الثالثة، دار العلم للملايّين، بيروت، لبنان، 1404هـ، ص 705.  [1]

— أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 13، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1986، ص 341.[2]

— إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، ج1، مجمّع اللّغة العربية، القاهرة، مصر، 2013، ص 499. [3]

– محمّد بن مكرّم بن منظور الأنصاري، لسان العرب، ج 4، دار صادر، بيروت، لبنان، 2003، ص 434.[4]

— محمّد الداه بن أحمد، الرّأي والمشورة، دار طائر العلم للنشر، جدّة، السعودية، 1419هـ، ص 5.[5]

– عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، نظام الحكم في الإسلام، دار قطري بن الفجاءة، قطر، 1985، ص 45.[6]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 142. [7]

– محمّد الداه بن أحمد، المرجع السابق، ص 6.[8]

– عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، نظام الحكم في الإسلام، المرجع السابق، ص 45.[9]

— محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 142. [10]

291- أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المرجع السابق، ج 1، ص 105، قال: << إنّ القرّاء كانوا أصحاب مجلس عمر        ومشاورته >>.[11]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 142.[12]

293- عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، العالم الإسلامي المعاصر بين الشورى والديمقراطية ـ رؤية نقدية -، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر،         2001، ص 7. [13]

– سيّد سابق، عناصر القوّة في الإسلام، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة، مصر، 1963، ص 199.[14]

– أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة، السياسة الشرعية في إصلاح الرّاعي والرّعية، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، مصر، 1955، ص 158.[15]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، 145.[16]

– محمّد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آيّ القرآن، المرجع السابق، ج 4، ص 152.[17]

– عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، العالم الإسلامي المعاصر بين الشورى والديمقراطية – رؤية نقدية -، المرجع السابق، ص 10. [18]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 155.   [19]

– عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، العالم الإسلامي المعاصر بين الشورى والديمقراطية – رؤية نقدية -، المرجع السابق، ص 7. [20]

– سورة البقرة ، الآية 232. [21]

– أبو الفداء عماد الدّين بن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 1، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، دون سنة طبع، ص284.[22]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 130.[23]

– سورة آل عمران، الآية 159.[24]

305- جار الله محمود بن عمر الزّمخشري، الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج 1، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1966،      ص 474- 475.[25]

– سيّد قطب، في ظلال القرآن، ج 4، الطبعة السابعة، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1971، ص 119.[26]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 144.[27]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 132.[28]

– سورة الشورى، الآية 38.[29]

– سيّد قطب، المرجع السابق، ج 5، ص 3165.[30]

– ظافر القاسمي، المرجع السابق، ص 66.[31]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 133.[32]

– ظافر القاسمي، المرجع السابق، ص 67. [33]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 145.[34]

– أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المرجع السابق، ج 17، ص 103.[35]

– أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، المرجع نفسه، ج 17، ص 104.[36]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 146.[37]

– سورة المجادلة، الآية 11.[38]

– أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المرجع السابق، ج 17، ص 103.[39]

320- شهاب الدّين السيّد محمود البغدادي الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج 4، مطبعة المنيرية، مصر، دون سنة طبع،                 ص 106-107.[40]

– ظافر القاسمي، المرجع السابق، ص 67. [41]

– محمّد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 2، المرجع السابق، ص 650. [42]

– عليّ قريشي، المرجع السابق، ص 183.[43]

– محمّد الداه بن أحمد، المرجع السابق، ص 28.[44]

– نقلاً عن محمّد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4، مؤسسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 2006، ص 250.[45]

– محمّد طاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج 4، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984، ص 148.[46]

– نقلاً عن ظافر القاسمي، المرجع السابق، ص 74.[47]

– سيّد قطب، المرجع السابق، ج 4، ص 119. أنظر رأيّه في آية: { وشاورهم في الأمر }.[48]

– عليّ قريشي، المرجع السابق، ص 195.[49]

– أنظر تفسير قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر }، في جامع البيان للطبري، المرجع السابق، ج 4، ص 153. [50]

– أنظر شهاب الدّين السيّد محمود البغدادي الآلوسي، المرجع السابق، ج 4، ص 106-107.[51]

– أنظر جار الله محمود الزّمخشري، المرجع السابق، ج 1، ص 474.[52]

– أنظر محمّد بن أحمد القرطبي، المرجع السابق، ج 4، ص 249 – 252.[53]

– أنظر محمّد بن عبد الله بن العربي، أحكام القرآن، ج1، الطبعة الثانية، مطبعة البابي الحلبي، مصر، 1968، ص 298.[54]

– عماد الدين بن كثير، المرجع السابق، ج1، ص 420.[55]

– محمّد الداه بن أحمد، المرجع السابق، ص 28.[56]

– محمّد بن أبي بكر الزّرعي، زاد المعاد في هديّ خير العباد، ج2، مطبعة البابي الحلبي، مصر، 1950، ص 127.[57]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 152.[58]

– سورة الشورى، الآية 38.[59]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 144.[60]

– سعدي أبو جيب، المرجع نفسه، ص 144.[61]

– عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، دار الفكر، دمشق، سوريا، دون سنة طبع، ص 75.[62]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 145.[63]

– عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، العالم الإسلامي المعاصر بين الشورى والديمقراطية، المرجع السابق، ص 10.[64]

– سعدي أبو جيب، المرجع السابق، ص 146.[65]

– سعدي أبو جيب، المرجع نفسه، ص 147.[66]

– سعدي أبو جيب، المرجع نفسه، ص 147.[67]

348- عائشة عبّاش، إشكالية التنمية السياسية والديمقراطية في دول المغرب العربي – مثال تونس –، ( مذكرة ماجستير، كلية العلوم السياسية والإعلام، جامعة          بن يوسف بن خدّة، الجزائر، 2007 – 2008 )، ص 43.[68]

– جمال عَليّ زهران، الأصول الديمقراطية والإصلاح السياسي، الطبعة الأولى، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، مصر، 2005، ص 22.[69]

– محمّد شاكر الشريف، حقيقة الديمقراطية، دار الفكر، دمشق، سوريا، دون سنة طبع، ص 42.[70]

– عبد الوهاب الكيالي، المرجع السابق، ج 2، ص 751.[71]

– نبيل راغب، موسوعة قواعد اللّعبة السياسية – دراسة تحليلية نقدية -، دار غريب للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2002، ص 114.[72]

353- برتراند بادي، بيار برنيوم، و فيليب برو، قاموس علم السياسة والمؤسسات السياسية، ترجمة: هيثم اللُّمع، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت،     لبنان، 2005، ص 214- 215.  [73]

– محمّد قطب، مذاهب فكرية معاصرة، الطبعة السابعة، دار الشروق، القاهرة، مصر، 1413هـ، ص 178.     [74]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 158. [75]

– أحمد أمين، المرجع السابق، ج 11، ص 221. [76]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 158.[77]

– محمّد خاتمي، المرجع السابق، ص 55- 56.[78]

– عَليّ خليفة الكواري، المرجع السابق، ص 44.[79]

360- جلين تندر، الفكر السياسي ـ الأسئلة الأبدية -، ترجمة: محمّد مصطفى غنيم، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة، مصر، 1993،          ص 108.[80]

– أحمد صابر حوحو، المرجع السابق، ص 336. [81]

– عَليّ خليفة الكواري، المرجع السابق، ص 54.[82]

– أحمد سعيد نوفل وأحمد جمال الظاهر، الوطن العربي والتحدّيات المعاصرة، الشركة العربية المتحدة، القاهرة، مصر، 2008، ص 35.[83]

– أحمد صابر حوحو، المرجع السابق، ص 336.[84]

– عبد الرّزاق رزيق المخادمي، المرجع السابق، ص 36.[85]

– يمكن الرّجوع بهذا الخصوص إلى الفرع الأوّل من المطلب الثاني، المبحث الثاني من الفصل الأوّل، الذي تطرّقت فيه لنظريات العقد الاجتماعي بشكل مفصّل. [86]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 157.[87]

– عائشة عبّاش، المرجع السابق، ص 46.[88]

— محمّد شاكر الشريف، المرجع السابق، ص 5 .[89]

– برتراند بادي، بيار برنيوم، وفيليب برو، المرجع السابق، ص 217.[90]

– نقلاً عن نعمان أحمد الخطيب، المرجع السابق، ص 242.[91]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 254.[92]

373- فضل الله محمّد إسماعيل، أثر الفكر السياسي الغربي الحديث في النظم السياسية المعاصرة، الطبعة الأولى، مكتبة بستان المعرفة، الإسكندرية، مصر، 2002،   ص 8.[93]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، ص 220. [94]

– نعمان أحمد الخطيب، المرجع السابق، ص 246. [95]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 257.[96]

– موريس دوفرجيه، المرجع السابق، ص 58. [97]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 260.[98]

– نعمان أحمد الخطيب، المرجع السابق، ص 253. [99]

– سعد عصفور، المبادىء الأساسية في القانون الدستوري والنظم السياسية، منشأة المعارف، مصر، دون سنة طبع، ص 182.[100]

– نعمان أحمد الخطيب، المرجع السابق، ص 255.[101]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، ص 226.[102]

– نعمان أحمد الخطيب، المرجع السابق، ص 256.[103]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، 227.[104]

– سليمان محمّد الطمّاوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1988، ص 164.[105]

– موريس دوفرجيه، المرجع السابق، ص 60.[106]

– سليمان محمد الطمّاوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، المرجع السابق، ص 162.[107]

– ماجد راغب الحلو، المرجع السابق، ص 217.[108]

– موريس دوفرجيه، المرجع السابق، ص 60.[109]

– ماجد راغب الحلو، المرجع السابق، ص 218.[110]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، ص 215. [111]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، 310- 312.[112]

– ماجد راغب الحلو، المرجع السابق، 222.[113]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 312.[114]

– موريس دوفرجيه، المرجع السابق، ص 66.[115]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 213.[116]

– ماجد راغب الحلو، المرجع السابق، 220.[117]

– محسن خليل، المرجع السابق، ج 1، ص 223.[118]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، ص 218. [119]

– محسن خليل، المرجع السابق، ج1، ص 214.[120]

– عدنان طه الدوري، المرجع السابق، ص 218.[121]

– محمّد رفعت عبد الوهاب، المرجع السابق، ص 316.[122]

– محسن خليل، المرجع السابق، ج 1، ص 216.[123]

– محمّد مهدي الآصفي، ولاية الأمر – دراسة فقهية مقارنة -، المُجمّع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، بيروت، لبنان، 1996، ص 122. [124]

– نبيل راغب، المرجع السابق، ص 111- 112.[125]

– نبيل راغب، المرجع نفسه، ص 109.[126]

– غريغ بالاست، المرجع السابق، ص 20.[127]

– غريغ بالاست، المرجع نفسه، ص 83.[128]

– غريغ بالاست، المرجع نفسه، ص 91- 92.[129]

– نقلاً عن عَليّ الدّين هلال، أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، الطبعة الثالثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2020، ص 41.[130]

– عبد الرّزاق رزيق المخادمي، المرجع السابق، ص 37.[131]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع السابق، ص 123 [132]

– محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 178.[133]

— محمّد مهدي الآصفي، المرجع السابق، ص 124.[134]

– عَليّ خليفة الكواري، المرجع السابق، ص 24.[135]

– عَليّ قريشي، المرجع السابق، ص 100.[136]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع السابق، ص 126.[137]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع نفسه، ص 127.[138]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع نفسه، ص 128.[139]

– عَليّ خليفة الكواري، المرجع السابق، ص 18.[140]

– عَليّ قريشي، المرجع السابق، ص 101.[141]

– عَليّ قريشي، المرجع نفسه، ص 102.[142]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع السابق، ص 130.[143]

– محمّد مهدي الآصفي، المرجع نفسه، ص 130.[144]

– راجع الفرع الثالت من المطلب الثاني، المبحث الثالث من الفصل الأوّل. [145]

– عَليّ قريشي، المرجع السابق، ص 105.[146]

– لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع أنظر: محمود الخالدي، المرجع السابق، ص 43 – 53.[147]

– راجع الفرع الثالث من المطلب الأوّل، المبحث الثالث من الفصل الأوّل. [148]

– محمّد ضياء الدّين الريّس، النظريات السياسية الإسلامية، الطبعة الخامسة، دار المعارف، مصر، 1969، ص 342.[149]

– عَليّ قريشي، المرجع السابق، ص 105.[150]

– عبد الوهاب خلاّف، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه، دار القلم، الكويت، 1390هـ، ص 174.[151]

– عَليّ قريشي، المرجع السابق، ص 107.[152]

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14418

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *