هل يجوز القول إن الرسالة السرية هي وسيلة لتحقيق العدالة أم أداة ثأر وانتقام؟

هل يجوز القول إن الرسالة السرية التي تغير مسار حياة شخص أو مجموعة أشخاص هي وسيلة لتحقيق العدالة أم أداة ثأر وانتقام؟

المتهم معروف وصاحب الشكوى مخفي، في الرسالة المجهولة. وبما أن المشتكي هو عبارة عن “شبح” غير معروف، فإن كل شيء متاح. فهل يجوز القول إن الرسالة السرية التي تغير مسار حياة شخص أو مجموعة أشخاص هي وسيلة لتحقيق العدالة أم أداة ثأر وانتقام؟

دليل الإثبات السري.. الورقة 21/27

هي عبارة عن ورقة يكتبها إداري سابق أو حالي وأحيانا مقاول أو مواطن، قد تنتهي في درج من الأدراج أو في سلة المهملات، لكنها كانت في العديد من المرات سببا مباشرا لفتح تحقيقات معمّقة حول قضايا فساد خطيرة. الفرق بين الرسائل التي ترمى في سلة المهملات وتلك التي تكون بداية لتحقيق أمني معمّق ثم قضائي، لا يتعلق فقط بالوقائع التي تتضمنها، بل يتعلق أيضا بطبيعة الرسالة بحد ذاتها.

في العادة، يتم تقديم دليل الإثبات أمام المتهم، لكن هذا لا ينطبق على الرسالة المجهولة التي لا يطلع عليها أغلب المتهمين في قضايا تم تحريكها بناء على الشكوى. أغلب محاضر القضايا التي تم تحريكها على أساس شكوى غير موقعة تتضمن عبارة “بعد تلقي بلاغ من مواطن” أو “إثر ورود معلومات إلى مصلحة كذا مفادها أن السيد.. قام بالفعل…”. وتبدأ القصة بورقة أو مجموعة أوراق 2127/، تصل إلى مصلحة أمنية أو جهة قضائية أو إلى جهة عليا في الدولة، تتضمن تقريرا حول جرائم أو تجاوزات أو سوء استغلال سلطة، أو وقائع فساد منسوبة لمسؤول أو مجموعة مسؤولين، في بعض الأحيان ينتهي الأمر بالرسالة في سلة المهملات، وأحيانا يبدأ، على إثر تلقي الشكوى، تحقيق إداري أو أمني أو قضائي، وينتهي الأمر بتوجيه تهم فساد ومثول المتهمين أمام القضاء وإدانتهم أحيانا أو تبرئتهم، بعد أشهر من السجن المؤقت أو المؤقت (الاحتياطي). في بعض الأحيان، يصعب تأكيد التهمة أمام القضاء، بالرغم من وجود وقائع تتحدث عنها الرسالة المجهولة أو الشكوى، وأحيانا تكون التهم مبررة قانونا لأسباب معقدة من قبيل أن المخالفات والتجاوزات المنسوبة للمسيّرين المتهمين أقرتها الوزارة لأسباب تتعلق بالضرورة الاستعجال أو المصلحة العليا.

التهمة الجاهزة في كل زمان ومكان !

كان قرار رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون بعدم اعتماد الرسائل المجهولة لفتح أي تحقيقات تتعلق بالفساد، من وجهة نظر الإداريين والمسؤولين في الهيئات العمومية، مبررا بل ومطلوبا، لأن الرسائل المجهولة انحرفت عن هدفها، وتحوّلت إلى وسيلة ثأر وانتقام، ومساس بسمعة وشرف بعض المسيّرين الإداريين والمسؤولين.

يقول السيد كعوان عبد الوارث: “قد لا يوافق الكثيرون على قرار سحب كل شرعية من الرسائل السرية أو المجهولة، لكن الحقيقة أنه بعيدا عن فكرة أنه من غير المعقول فتح تحقيق أمني أو قضائي بناء على رسالة لا يعرف مصدرها، فإن المشكلة في موضوع الرسائل المجهولة تكمن في كونها تتغير في كل فترة زمنية من حيث الموضوع. ففي فترات سابقة، كانت التهمة في الرسائل المجهولة هي الإرهاب وقبلها معاداة الثورة الاشتراكية، وفي فترة ما أن هذا المسؤول أو ذاك كان ضد الرئيس السابق بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية عام 2004. الفكرة، ببساطة، هي ضرورة سحب البساط من تحت أقدام مستغلي الرسائل المجهولة، والمسألة الثانية تقوم على فكرة أنه من غير الممكن توجيه تهمة رسمية لشخص ما بناء على شكوى أو رسالة حررها شخص آخر مجهول”.

في “كولوار” الطابق الأول للمحكمة

في “كولوار” رواق الطابق الأول لمحكمة ابتدائية في ولاية جنوبية، يجلس مدير ولائي في العقد الخامس من العمر، كان مرعوبا، وكان بين الحين والآخر يهمس بكلمات قليلة في أذن محاميه، ويطلب بين الحين والآخر من مرافق آخر له شراء قارورة ماء بارد. انتظر المدير الدور من أجل المثول أمام قاضي التحقيق، المدير الولائي اتهم في قضية تحويل عقار مملوك للدولة بطريقة مخالفة للقانون. خلال أقل من ساعة من الانتظار، يقول المحامي المرافق، شرب المدير قارورتين من الماء طلب شرائهما، وذهب إلى المرحاض 6 مرات بمعدل مرة كل عشر دقائق، المعني كان مصابا بالسكري، وقد أصيب به مباشرة بعد استدعائه للمرة الأولى من أجل التحقيق في قضية تحويل عقار تبيّن بعد 4 سنوات كاملة وعدة محاكمات أنه بريء منها. المدير قضى في مكتب قاضي التحقيق ساعة أخرى، وكان في حالة رعب خوفا من صدور قرار بإيداعه الحبس المؤقت. المدير الذي اتهم مباشرة بعد ورود شكوى ضده من موظفين، لم يكن الأول ولن يكون الأخير، وهو كما روى محاميه قبل سنوات كان ضحية، لأن القضية كلها كانت تهمة محاولة تحويل عقار عمومي لم تتم في الأساس.

ويقول المحامي خمّار مرشدي: “تأسست كمحام للدفاع عن متهمين في قضايا فساد، من بينهم موظفون برتبة مدير ولائي، وكانت التهم الموجهة للمتهم عبارة عن إبرام صفقة غير قانونية. وبعد أشهر من التحقيق القضائي، تبيّن أن الصفقة التي اتهم المدير بإبرامها تمت بموافقة من الحكومة، لأن المشروع ذو طابع استعجالي، وكانت المشكلة هي أن المدير قرّر تخطي إجراء إداري مهم. وقد تمت تبرئة المدير من التهمة، إلا أن حياته دمّرت بالكامل، فقد تم التشهير به في الجرائد وقنوات التلفزيون وصفحات فيسبوك. وبالرغم من تبرئته، إلا أنه يعاني الآن من مرض القلب والسكري، نتيجة للضغوط النفسية التي تعرّض لها طيلة سنة ونصف من التحقيق الذي ترافق مع تجميد مهامه”.

ويضيف المحامي مرشدي خمّار: “بدأت قصة التحقيق مع المدير عقب رسالة مجهولة وجهها شخص على صلة مباشرة بالإدارة المعنية بالتحقيق إلى الوزارة الوصية، وأرسلت الوزارة على إثر ذلك لجنة تحقيق إلى المديرية، بدأ بعدها تحقيق أمني وقضائي، وإلى غاية اليوم لا يعرف أحد من هو هذا الشخص الذي ألحق ضررا ليس بالمدير فقط بل بالإدارة ككل، لأن الكثير من الموظفين تم التحقيق معهم بل وتم تقديمهم أمام المحكمة”.

ويضيف المتحدث: “أريد أن أقول إن الشكاوى، مهما كان نوعها، سلاح خطير بل وخطير جدا، وفي بعض الأحيان تدمر حياة أسر وعائلات وتؤذي بمصير موظفين نزهاء وأبرياء. ورغم أن حالة المدير الذي ترافعت لصالحه هي الحالة الوحيدة التي عايشتها، إلا أنني سمعت بعشرات القصص عن موظفين بسطاء سجنوا واتهموا ثم تمت تبرئتهم، لكنهم الآن في نظر الناس مجرمون”.

يقول السيد رجاح الطاهر، مدير ولائي متقاعد شغل منصب مدير تنظيم وشؤون عامة في ولايتين: “للأسف الشديد، يقع الكثير من الموظفين في خطأ خطير يتمثل في عدم تحصين قراراتهم الإدارية، عبر إسنادها للقانون”، ويضيف المتحدث الذي قضى 37 سنة في الإدارة الجزائرية: “عملت مع ولاة جمهورية وإطارات عليا في الدولة، من بينهم وزراء حاليين وسابقين كانوا يبادرون من تلقاء أنفسهم بطلب لجان تحقيق مركزية، وخبراء من مفتشية المالية، وقضاة من مجلس المحاسبة، للتأكيد على سلامة كل إجراء أو قرار يتخذ على مستوى الهيئة الرسمية، لأنهم يدركون أن كل إجراء أو عمل إداري قد يساء تفسيره وقد يفتح عليهم أبواب التحقيق”.

الرسالة المجهولة و”المخابرات”

يفسر موظف ومسؤول سابق عمل في الإدارة والسياسة في الفترة بين عامي 1968 و1999، سبب انتشار الرسائل السرية أو المجهولة في الجزائر بعوامل تاريخية. ويقول السيد صفران عبد القادر، إداري متقاعد عمل في حزب جبهة التحرير ثم في الإدارة: “قبل الاستقلال، كانت أقلية قليلة جدا من الجزائريين تكتب وتقرأ، وبالتالي فإن أي شكوى سواء في العهد الاستعماري أو في سنوات الاستقلال الأولى، كان كاتبها معروفا تماما لأن مهنة الكاتب العمومي في تلك الفترة كانت أهم من مهنة المحامي، أي رسالة سواء كانت موقعة أو غير موقعة كانت تصل إلى السلطات في العهد الاستعماري أو في سنوات الستينيات، كان كاتبها معروفا لأن أي مدينة لم تكن تحتوي سوى على كاتبين عموميين أو ثلاثة. ولهذا السبب كانت مهمة توجيه شكوى قبل تتطلب من صاحبها التنقل إلى مدينة مجاورة أو حتى بعيدة، لأن الكاتب العمومي في تلك المدينة كان يخاف من تحرير شكوى ضد موظف كبير يعمل في المدينة، خوفا من السلطات الاستعمارية قبل الاستقلال، وكان هذا هو الدافع الأول لانتشار الرسائل المجهولة قبل الاستقلال. أما في مرحلة ما بعد عام 1962، فإن الرسائل المجهولة اختفت تقريبا لفترة ما، بشكل خاص في السنوات الأولى للاستقلال، ثم بدأت في العودة سنوات الحكم الأولى للرئيس الراحل هواري بومدين”.

ويضيف المتحدث: “في سنوات حكم الرئيس هواري بومدين، كانت كل شكوى أو رسالة توجه إلى الرئاسة يفتح مباشرة بعدها تحقيق أمني، إلى درجة أنه في بعض الأحيان كانت الرئاسة تكلف كلا من الشرطة والدرك والمخابرات بفتح تحقيقات مستقلة حول نفس الشكوى. الناس كانت تخاف من توجيه شكوى للرئاسة، لأن بعض التحقيقات التي تفتح بعد شكاوى كانت تستمر شهرا كاملا”.

ويضيف المتحدث: “ربما بسبب الخوف من الاستدعاء للتحقيق المعمّق الذي يستغرق أسابيع، الناس كانت تخاف من الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، ولهذا كثر الاعتماد على الرسائل المجهولة”. ويضيف السيد صفران عبد القادر: “بداية من ثمانينيات القرن الماضي، لاحظت أن الشكاوى لم تعد تفعل فعلها، حتى أن الناس يئست من توجيه الشكاوى إلى السلطات العمومية في ثمانينيات القرن الماضي”.

عملاء الإمبريالية.. “لابوست” وهواري بومدين

يقول السيد صفران عبد القادر، الإطار المتقاعد الذي عمل في مناصب ملحق بالديوان ومدير إدارة محلية ثم رئيس ديوان والي في ولايتين اثنتين: “كانت الرسائل المجهولة سلاحا مرعبا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، في عهد الحزب الواحد، بل إن الكثير من إطارات الإدارة وحزب جبهة التحرير في تلك الفترة كانوا يشعرون بالرعب من الرسائل المجهولة، بسبب أن الرئيس الراحل هواري بومدين لم يكن يتردد لحظة واحدة في فتح تحقيق أمني، بعد تلقي أي رسالة”. ويضيف المتحدث: “أتذكر في الستينيات والسبعينيات أن من كان يرغب في إرسال شكوى إلى الرئيس بومدين رحمه الله، كان يتنقل شخصيا إلى الجزائر العاصمة لتوجيه الرسالة، بسبب تداول شائعات قوية في أغلب الولايات تقول إن المسؤولين في مكاتب البريد كانوا يخفون الرسائل الموجهة إلى رئاسة الجمهورية، ولكن الرسالة التي كانت تصل إلى الرئاسة كانت تحقق مفعولها بشكل مباشر”.

ويضيف المتحدث الذي عمل في مناصب إدارية في حزب جبهة التحرير الوطني قبل عام 1988: “كانت بعض الرسائل المجهولة وحتى الشكاوى في فترة السبعينيات غريبة بالنسبة للناس اليوم، بعضها كان يتهم إطارات بحزب جبهة التحرير بأنهم عملاء للإمبريالية، أو يعرقلون الثورة الزراعية. ولمن لا يعرف، فإن مثل هذه التهم في سبعينيات القرن الماضي كانت أخطر من تهم الفساد اليوم، في بعض الأحيان كانت الشكاوى الرسمية وحتى الرسائل المجهولة، توجه لمحافظ الحزب الواحد، وكانت تتضمن نفس التهم”، ويضيف المتحدث: “للأمانة التاريخية، فإن الشكاوى كانت تفعل فعلتها في عهد الرئيس بومدين، لكن مع بداية الثمانينيات تغير الوضع، واختفى مفعول الشكاوى”.

زوجي إرهابي والمقاول أمير في الـ”جيا”

رغم مأساوية سنوات الحرب في تسعينيات القرن الماضي، فإن هذه الفترة الدموية المظلمة من تاريخ الجزائر حملت مشاهد كوميدية سوداء، يقول أحد إطارات الأمن السابقين عمل في ولاية داخلية: “لو أن مصالح الأمن الجزائرية اعتمدت على الرسائل المجهولة كمصادر معلومات في مكافحة الإرهاب، لتمّ قتل أو سجن نصف الشعب الجزائري”، ويضيف الإطار المتقاعد الذي طلب عدم الكشف عن هويته: “كانت ترد بشكل يومي إلى مصالح الأمن الجزائرية عشرات الرسائل المجهولة، وكان علينا أن نقرأها جميعا لأن أي منها قد تحمل معلومات بالغة الأهمية، كانت مهمة قراءة ومتابعة ما يرد في الرسائل المجهولة مهمة شاقة جدا، وقد كلفت لفترة عدة أشهر بهذه المهمة الشاقة. صراحة، كنت أصاب بحالة هستيرية من الضحك، أثناء قراءة بعض الرسائل التي تكتب باللغتين العربية والفرنسية وأحيانا بالعربية الدارجة. في إحدى الرسائل التي لا أنساها أبدا، قالت الرسالة إن أحد الأشخاص إرهابي خطير، وقالت إنه كان يستضيف إرهابيين في بيته. بعد تحريات قصيرة جدا، تبيّن أن المعني كان يدير محل بيع خمور، وكان مهدّدا بالقتل من الجماعات الإرهابية، وأن من كتب الشكوى كانت طليقته التي كانت في نزاع قضائي معه”.

ويضيف محدثنا: “رسالة مجهولة ثانية قالت إن شخصا كان ينقل القنابل والسلاح إلى الجبل لصالح الجماعات الإرهابية، لكن بعد تحريات قصيرة، تبيّن أن من كتب الشكوى هو شريك المشتبه فيه في مشروع تربية دواجن. قصة ثالثة أكثر غرابة، فقد قالت رسالة مجهولة إن أحد أعضاء المجلس البلدي في بلدية ما كان إرهابيا خطيرا، ثم تبيّن أن العضو البلدي الذي كان ينتمي لحزب الأرندي كان على خلاف مع موظف في البلدية، وأن هذا الموظف هو من كتب الرسالة المجهولة. وفي إحدى الرسائل الغريبة التي استغرق التحري حولها أسبوعا كاملا، قالت إن مقاولا معروفا حينها كان أميرا في “الجيا”، وبعد التحري تبيّن أن من حرّر الرسالة هو شخص كان على خلاف مع المقاول حول قطعة أرض”.

ويضيف المتحدث: “كنا نتعامل مع 90 بالمائة من الرسائل السرية بحذر شديد، لأننا كنا ندرك تماما أن أغلب الرسائل السرية كانت كيدية لا علاقة لها بالواقع. ورغم خطورة التهم، فإن أغلب محرّري الرسائل لم تتم متابعتهم جنائيا، وأغلب المشتكى منهم لم يحقق معهم، ولو أن هذا حدث، لكانت المأساة الوطنية أكبر بكثير”، ويضيف المتحدث أن هذا لا يمنع أن بعض الرسائل المجهولة كانت بالغة القيمة، وسمحت لمصالح الأمن بتحقيق نتائج مهمة في مكافحة الإرهاب.

لماذا الرسالة المجهولة؟

يقول المحامي فطوم عبد الرحيم: “الرسالة الموجهة إلى السلطات أو الحكومة هي عبارة عن خطاب رسمي، يوجهه مواطن أو هيئة رسمية أو أهلية إلى الحكومة، ويفترض على هذا الأساس أن تؤخذ في الاعتبار، بل يجب على المسؤول الإداري أو الحكومي أو القاضي الذي يتعاطى مع الشأن الرسمي أن يتعامل مع الرسالة التي تصله بما يفرضه القانون، وأن يصنف الرسالة أو الخطاب في مصنف خاص ويضع لها رقما وأن يرد عليها أو يتخذ الإجراء الضروري الذي يجب أن يتخذ في الشأن، بل وأن يتابع شخصيا تنفيذ الإجراءات. العقد الاجتماعي بين الشعب والحكومة، والذي تقوم عليه كل الدساتير في العالم، يفرض على المسؤول الحكومي في كل المستويات أن يتعامل بكل الجدية مع الخطابات الرسمية”، والسؤال حسب المتحدث هو: “كيف نعرف الخطاب الرسمي؟ الخطاب الرسمي يجب أن يحتوي على عنصرين اثنين، الأول هو أن يتضمن الهوية الكاملة مع عنوان صحيح لصاحب الشكوى، والثاني هو أن يحمل تاريخ إرسال الشكوى، لأن المسؤول يجب أن يعرف هوية صاحب الرسالة حتى يتصرف على أساسها والثاني أن يعرف تاريخ إرسال الشكوى، وهذا هو الفرق بين الخطاب الرسمي والرسالة المجهولة التي يمكننا تعريفها بأنها شكوى لا تحمل توقيعا ولا يعرف صاحبها. وهنا، يقع المسؤول الذي يتلقى الرسالة في مشكلة، فمن جهة سيعجز المسؤول متلقي الرسالة عن فهرسة الرسالة في سجل خاص، كما أنه سيكون عاجزا عن البناء عليها على أساس أن الشكوى لا يعرف مصدرها، وهنا سيكون المسؤول أمام خيارين اثنين، الأول هو أن يعتمد الشكوى كمصدر معلومات يحتاج للتأكيد، أو أن يتجاهلها تماما. وفي الكثير من الأحيان، يقوم المسؤول متلقي الرسالة بفتح تحقيق مبدئي حول الرسالة”.

ويضيف المحامي عبد الرحيم فطوم: “الرسائل المجهولة موجودة في كل دول العالم، ويختلف وجودها حسب طبيعة النظام الحاكم، فهي تنتشر بشكل كبير في الدول غير الديمقراطية، ويتراجع وجودها في الدول ذات النظام الديمقراطي، والحقيقة هي أن الرسائل المجهولة مشكلة حقيقية في الكثير من الدول، لأنها في بعض الأحيان تتضمن معلومات دقيقة لا يمكن تجاهلها، وفي ذات الوقت لا يمكن البناء عليها قانونا، بل إنها لا تعدّ دليلا يمكن اعتماده في المحاكم”.

سلاح المستضعفين

من ينتقد الرسائل المجهولة لديه مبرّرات، لكن أنصار هذا النمط من الاحتجاج على الوضع لديه أيضا مبرّرات قوية. في كثير من الأحيان، لا يجد المواطن العادي من سبيل لإيصال صوته إلى أعلى مستوى إلا عبر هذه الوسيلة.

يقول السيد حليل بلقاسم، ناشط جمعوي من ولاية أدرار: “عندما يقولون إن الرسائل المجهولة هي وسيلة يلجأ إليها الجبناء، يتناسون مجموعة من الحقائق المهمة، عامل الشركة البسيط لا يستطيع أن يكتب شكوى ضد مدير عام الشركة لأنه يعرف تماما أن ثمن كشف هويته سيتعدّى الطرد من العمل، صاحب ملف طلب سكن، المواطن العادي، يعرف أن تقديم شكوى رسمية سيحرمه وقد يحرم أقاربه من السكن على مدى الحياة. الرسالة المجهولة في رأيي الخاص، جاءت نتيجة لغياب الرقابة الحقيقية والفعالة على الإدارة الجزائرية، ولو أن الرقابة كانت فعالة وحقيقية، لما وجدت الرسائل المجهولة، والأجدر الآن هو أن تعيد السلطات النظر في منظومة الرقابة على الإدارة قبل وقف الاعتماد على الرسائل المجهولة”.

القضاء على الرسائل المجهولة

لا يمكن أبدا في أي دولة في العالم القضاء على الرسائل المجهولة، لأن الكثير من الناس يلجأون إلى هذا النوع من الخطابات لأسباب عديدة، منها أن الكثيرين لا يحبون الظهور لأسباب عديدة لا تتعلق فقط بالخوف من المساءلة، كما أنه يجب الاعتراف، حسب الدكتور كودري عياش، أستاذ قانون دستوري، بأن الرسائل المجهولة في كثير من الأحيان هي وسيلة “رخيصة لتصفية الحسابات”، وأحيانا يتحوّل الاعتماد عليها إلى عبث حقيقي بشكل خاص، لأن بعضها يتضمن معلومات كاذبة 100% وأحيانا تحمل عبارات مسيئة ومعيبة، وفي كل القوانين هي وثيقة غير قانونية ولا يمكن الاعتماد عليها.

يقول الدكتور كودري عياش: “إذا قررنا حقيقة ثابتة، وهي أن الرسائل السرية أو مجهولة المصدر هي وثائق غير قانونية، فإن هذا لا يعطينا الحق في إدانة من يكتبها. في رأيي الخاص، فإن التصدي للرسائل المجهولة ممكن فقط بالقضاء على أسباب وجودها، وهي خوف المبلغين عبر الرسائل السرية من المساءلة. وهنا، لا بد من توفير المزيد من الضمانات القانونية، بشكل خاص في قضايا الفساد، يجب أن تتوفر ضمانات للمبلغين عن الفساد تسمح بحمايتهم، كما توفر القوانين ذاتها بعض الضمانات للمبلغين عن الجرائم الإرهابية وعن تجار المخدرات”، ويضيف المتحدث: “الحل في رأيي الخاص، هو توسيع المجال أمام حرية التعبير، لأن الخائف من كشف هويته يعتقد أن كشف اسمه في شكوى سيخلق له بعض المتاعب. الأمر ذاته بالنسبة للموظفين، ففي كثير من الإدارات والهيئات الحكومية، يكون الموظف أو العامل على يقين بأنه كشف هويته في شكوى رسمية سيؤدي إلى فصله من العمل أو على الأقل تعرضه لعقوبة”. ويتساءل المتحدث: “أغرب نص قانوني أنا بصراحة لا أفهمه، هو اللائحة الإدارية التي تفرض على الموظف عدم مخاطبة المدير العام أو الوزير إلا بعد المرور عبر رئيسه المباشر، وهذا أحد أهم أسباب وجود الرسائل والشكاوى السرية”.

احذر.. الرسائل المجهولة يمكن كشفها

لا يوجد شيء في علوم الأمن اسمه الرسالة السرية والمجهولة، ففي أغلب الحالات، يبحث المحققون عن المستفيد من فتح تحقيق ويكشفون بسرعة هوية كاتب الرسالة، يقول خبراء الأمن، لأن أي رسالة مجهولة يمكن الوصول إلى محررها أو كاتبها، الأمر يتعلق فقط بمستوى الصعوبة في تحرير الرسالة المجهولة. فقد تمكن محققون أمريكيون، قبل 35 سنة، من الوصول إلى كاتب رسائل مجهولة، تورط في وضع قنابل زمنية، بفضل عبارة كررها في رسالته.

ويقول كريم أبو طالب، خبير أمني مصري في دراسة له بعنوان “البصمة اللغوية” نشرت في منتديات متخصصة، وفي صحف مصرية في أفريل 2015: “كل ما يكتب من قبل البشر يحمل بصمة لغوية خاصة، الخبراء الأمنيون اليوم يستطيعون كشف هوية صاحب الرسالة، من خلال مجموعة من الوسائل. فمن جهة، يعرف الجميع أن كل آلة طابعة لها بصمة معيّنة، يعني أن المحققين يمكنهم معرفة نوع الآلة الطابعة التي نسخت الرسالة وبالتالي تضييق مجال البحث، ناهيك عن احتمال أن يكون الكاتب قد ترك بصمته الشخصية في الرسالة، فوق كل هذا كل شخص لديه طريقة معيّنة في الكتابة تختلف عن غيره. طريقة انتقاء الكلمات للتعبير تختلف من دولة لأخرى، ومن مدينة لأخرى، ومن جيل لآخر. طريقة الكتابة تكشف أيضا المستوى الدراسي للكاتب، كل هذا دون الحديث عن الرسائل التي تحرّر بخط اليد التي تسهل مهمّة المحررين. بالنتيجة، يمكن القول إن تحقيقا دقيقا يمكنه كشف كاتب أي رسالة مجهولة، إذا تقرر فتح تحقيق”. وتضيف الدراسة: “في أغلب الحالات، تكون كلفة التحقيق حول هوية كاتب الرسالة أعلى بكثير من قيمة الهدف المطلوب الوصول إليه، لهذا يكون التخلص من الرسالة أو وضعها في الأرشيف أرخص”.

الرسائل المجهولة الساخنة جدا !

الرسائل السرية الساخنة جدا هي الرسائل المجهولة التي تؤخذ في الاعتبار بالرغم من أي إجراءات منع، ويتعلق الأمر هنا، حسب بعض الخبراء، بالرسائل التي يكشف أصحابها عن معلومات تتعلق بتهديدات أمنية وشيكة، أو معلومات تتعلق بالإرهاب، تهريب مخدرات أو عصابات إجرامية. ويقول غابر سماحي، متقاعد من الأمن الوطني: “أي إطار متمرس في جهاز أمني، يمكنه بسرعة شديدة أن يميّز الرسالة المجهولة التي تتضمن معلومات حقيقية ومهمة من الرسالة الفارغة من أي محتوى مهم، وبالتالي التحرك على هذا الأساس”. ويضيف المتحدث: “العمل في مكافحة الإٍرهاب والجريمة يحتاج لاستغلال كل معلومة، مهما كان نوعها، حتى البسيطة، بعض عناصر العصابات الإجرامية يعمدون للوشاية ببعضهم البعض أحيانا في إطار تصفية حساب وأحيانا لكشف زعماء العصابات”. ويضيف المتحدث: “اعتبار الرسالة المجهولة وإطلاق تحقيقات أمنية بناء عليها لا يتم بسهولة، ففي أغلب الحالات، تقوم المصالح الأمنية في البداية بالتأكد من مصداقية المعلومات، ثم تبدأ في التحري بناء عليها، لأن أي معلومة في الأصل مفيدة بالنسبة للمحققين. وفي بعض القضايا الجنائية الخطيرة، يقوم بعض الأشخاص بإرسال رسائل سرية لمصالح الأمن ويرفضون كشف هوياتهم، خوفا من انتقام العصابات”.

الدكتور …Oran le

يحمل هذا اللقب الغريب الدكتور .Oran le ..، ويعني هذا أنه خبير متخصص في كتابة الشكاوى الرسمية. يقول عمي أحمد هاشمي، ابن حي الدرب العتيق في وهران، الدكتور Oran le ..اسمه الحقيقي هو حاج يحي أحمد، كان هذا الكاتب العمومي الذي جلس سنوات طويلة على طاولة صغيرة وأمامه آلة راقنة قديمة في المدينة الجديدة، معروفا بأن كل شكاويه لها فاعلية، كان متخصصا في الكتابة بالفرنسية، وقال ناس وهران الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إن شكاوى عمي حاج يحي كانت تحقق مفعولها حتى لو أرسلت إلى الجنرال ديغول شخصيا، بحكم أن ديغول شغل منصب رئيس فرنسا في فترة من العهد الاستعماري. ما يهم في قصة الرجل أن كتابة الشكاوى الرسمية أو الرسائل السرية هو بحد ذاته فن كامل، لكن الغريب فعلا هو أن عمي حاج يحي ليس الوحيد، ففي ولاية غرداية، عرف شخص آخر يحمل لقب بن مريجة، نفس اسم الشهرةGhardaïa le … وعلى الأغلب في كل مدينة جزائرية كبيرة، كان يوجد شخص يحمل هذا الاسم وهذه الشهرة، على اعتبار أنه “الفنان” الخبير في توجيه الرسائل والشكاوى. الفكرة هنا هي أن الشكوى، مهما كان نوعها، هي فن وعلم قائم بذاته، حتى عندما يتعلق الأمر بتوجيه رسالة سرية أو رسالة مجهولة .

 رسائل مجهولة 4G

غيّر الإنترنت بشكل تام طريقة تداول الرسائل، فكما تم تعويض 90 بالمائة من البريد العادي بالبريد الإلكتروني، يفضل الكثيرون الآن مراسلة السلطات العمومية والجهات الأمنية عبر الإيميل، شبكات التواصل الاجتماعي، أو عبر وضع تعليقات هي في الواقع شكاوى ضمن منشورات هيئة رسمية أو نظامية أو قضائية في شبكات التواصل الاجتماعي، وقد يحتاج هذا النمط من التخاطب الرسمي بين المواطن وأجهزة الدولة لقانون ينظمه ويعطيه صفة رسمية .

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14401

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *