إشكالية الليبرالية في الفكر السياسي الغربي

 لِــقرون عديدة، عانت الشعوب –الأوروبية خاصة- من هيمنة الطبقة البرجوازية على كافة نشاطاتهم الاقتصادية، كما وعانت من سيطرت الكنيسة في حياتهم السياسية، لتعيش هذه الشعوب حالة من الانغلاق والتقوقع الكامل. وما لبثت أن سطع ضياء الحرية من كتابات مفكريها وفلاسفتها، الذين نادوا في كتاباتهم بضرورة تحرير الفرد وحياته السياسية والاقتصادية، ولِيُنَظِروا لمفهوم جديد غير نظرة البشر وحياتهم، وهي ما تعرف اليوم بــ”الفلسفة الليبرالية”، التي باتت إلى اليوم المُهيمن على النظام الدولي، وعلى أنظمة الدول داخلياً، أين أصبحت تحذوا هي الأخرى سعياً وراء تحقيقه بسبب المُستوى المعيشي والرفاه الذي حققته الدول الأخرى جراء إتباعها إياه.

وعلى هذا التقديم، نطرح السؤال الآتي: «ما هي أبرز معالم الفلسفة الليبرالية على ضوء أهم مفكري الفكر السياسي الغربي؟». ويندرج ضمن هذا التساؤل عدة إشكالات فرعية، نذكر منها:

  • ما هي الليبرالية؟ وكيف لنشأتها أن تُعدد من أنواعها؟
  • ما هي أبرز اتجاهات الليبرالية؟
  • كيف أسس كُلٌ من هيوم وبيرك لليبرالية؟

وللإجابة على الإشكال الرئيس وعلى التساؤلات الفرعية، تم تقسيم خطة الدراسة، فضلاً عن مقدمة وخاتمة إلى النحو الآتي:

  • التأصيل المفاهيمي لليبرالية:
    1. مفهوم الليبرالية
    2. النشأة والتطور
    3. مجالات الليبرالية
    4. اتجاهات الليبرالية
  1. الليبرالية في الفكر السياسي الغربي:
    1. دافيد هيوم
    2. إدموند بيرك
    3. جيرمي بنتام
    4. جون ستوارت مل

  1. التأصيل المفاهيمي لليبرالية:
    • مفهوم الليبرالية:

الليبرالية كمصطلح أساسي في الفكر السياسي يتضمن معاني مُتعددة، إلا أن هذه المعاني جميعها لم تبتعد عن الإشتقاق الأصلي للمصطلح من الكلمة اللاتينية Liber بمعنى التحرر[1]، فالأصل اللاتيني يعني الحرية والاستقلالية التامة من كافة أنواع الإكراه الخارجي، سواءً أكان جماعة، أفراداً أم دولةَ، والتصرف حسب ما يمليه قانون النفس ورغباتها.[2]

ويستخدم المصطلح حالياً بمعنيين: الأول ضيق ومحدود، فيه تستخدم الليبرالية لتعني مركزاً سياسياً وسطاً بين المذهب المحافظ والاشتراكي، وبهذا المعنى يتناسب المصطلح مع الطبقة المتوسطة بدل الطبقة الأرستقراطية التي عادة ما تكون ذات مصلحة مباشرة في الوضع القائم وبالتالي هذا المركز يحبذ الإصلاح ويعارض الراديكالية.[3] أما المعنى العام والأكثر توسعاً فهي تعد تعبيراً يعادل ما ألف الناس على تسميته بالديمقراطية، تمييزاً لها عن الشيوعية أو الفاشية، وبهذا فإن المصطلح يتضمن على المستوى السياسي الحفاظ على أنظمة الحكم الشعبية كحق الاقتراع، الجمعيات التمثيلية، الهيئات التنفيذية، وبذلك تصبح الليبرالية ذروة التقليد السياسي الغربي.[4]

كما ونجد عديداً من الفلاسفة في تعريفهم لليبرالية، إذ يقول لالاند: “هي فلسفة اقتصادية وسياسية تؤكد على الحرية والمساواة وإتاحة الفرص”.[5]

  • النشأة والتطور:

نتيجة للتغيرات التي عصفت بالمجتمع الأوروبي، خاصة مع بدايات القرن السادس عشر للميلاد، أين شهدت أوروبا تغييراً إجتماعياً وفكرياً، جاء كردود أفعال لتسلط الكنيسة والإقطاعية، ما أدى إلى قيام الشعوب بثورات والقيام بانتفاضات جماهيرية تُعنى بها الطبقة المتوسطة التي كانت تنادي سوى بالحرية والمساواة، تجلت هذه التغيرات أكثر بعد الصورة الفرنسية.[6]

ففي أوروبا نجد أن أطماع نابليون قد تركت التقاليد الدستورية للشعب الأوروبي تنهار لتصبح تعبيراً عن أنقاض لا يقام لها أدنى اعتبار. كذلك في إنجلترا قد توقف الإصلاح البرلماني بسبب ردود الفعل خاصة بعد 1815، وهكذا وكما هي عادة الثورات أين أنتجت في كل مكان نفوراً من أعمالها المتطرفة.

وعلى ضوء هذه التغيرات التي حدثت بشكل طبيعي في نظر الطبقة الوسطى التجارية والصناعية، أين أصبحت هذه الطبقة تُشكل رأس حربة الإصلاح السياسي في القرن التاسع عشر، كما وجعل التطور الصناعي والتجاري من توسيع نطاق نفوذها، وفي قبالة ذلك، كان نفوذ طبقة المزارعين ومُلاك الأراضي آخذ في الأفول والزوال.[7]

وقد مرت الليبرالية أثناء تطورها بثلاث مراحل أساسية[8] هي:

  • مرحلة التكوين: أين كانت ذات دلالة فلسفية تركز على مفهوم الفرد.
  • مرحلة الاكتمال: شهدت ظهور علم السياسة والاقتصاد وركزت أكثر على الفرد العاقل المالك لحياته وبدنه.
  • مرحلة الاستقلال: ركزت أكثر على مفهوم المبادرة الخلاقة والاستقلال عن الاتجاه الديمقراطي.

 

  • مجالات الليبرالية:

أولاً: الليبرالية السياسية:

ما لبثت الليبرالية حتى تحولت إلى فلسفة مجتمع قومي مثله الأعلى مصالح جميع الطبقات، تعمل فيه على المحافظة على الحريات السياسية والمدنية التي تضمنها المذهب الفردي، وتبرز هنا أهمية “جيرمي بنتام” وكتابه “نبذة عن الحكم”، والذي تضمن فيه أفكاراً رئيسة حول مبدأ تحقيق أكبر قدر من السعادة كمقياس للقيمة. كذلك مبدأ السيادة القانونية كأساس للإصلاح عن طريق العملية التشريعية.[9]

وتقترن الليبرالية هنا بما يُعرف بالديمقراطية، أين تسعى إلى إعطاء الفرد كامل حقوقه وتحديد ما على الدولة القيام به لضمان حرية أكثر.[10]

ثانياً: الليبرالية الاقتصادية:

وتُعرف كذلك بإسم الاقتصاد الكلاسيكي، المستمد من كتاب “آدم سميث” “ثورة الأمم” وكذا في بيان “ريكاردو” في كتابه “مبادئ الاقتصاد السياسي”، وقوام هذه الليبرالية هو الحرية الاقتصادية التي تعبر عنها العبارة المأثورة “دعه يعمل أتركه يمر”. هذا الاقتصاد يفترض سوقاً تسوده المنافسة الحرة، فيه يعمل كل منتج من أجل مصلحته الذاتية، لكنه في سعيه هذا يعمل على ما فيه مصلحة الآخرين، كما لو أن هذا يتم بفعل يد خفية على حد تعبير آدم سميث، وعليه يتم تحقيق التناسق الاجتماعي.

  • اتجاهات الليبرالية:

تعددت الاتجاهات داخل الفلسفة الليبرالية بتعدد المذاهب الفكرية، ويمكن القول أن أهم الاتجاهات هي كالآتي:

  • الليبرالية الكلاسيكية: يعتبر النموذج الأقدم من حيث النشأة، يعتمد في الأساس على الحرية الفردية ومتع تدخل الدولة وغيرها، وأن ترك الفرد الذي يحقق مصلحته كفيل بتحقيق السعادة للجميع.
  • الليبرالية الراديكالية: وهو مذهب المنفعة القانونية والذي يعتبر في جوهره برنامجاً من الإصلاحات القانونية، الاقتصادية، السياسية. يعتمد على مبدأ “تحقيق أعظم سعادة لأكبر عدد”.
  • الليبرالية الاجتماعية: يُعد هذا الاتجاه من أقوى وأشهر الاتجاهات الليبرالية، فهو يعبر عن صورة من صور تنازل الليبرالية عن تطبيق مناهجها الكلاسيكي الصارم، ما أدى إلى ظهور أزمات اجتماعية عنيفة، أبرزها أزمة الكساد العالمي عام 1929 وما بعدها.
  • الليبرالية البراغماتية: يُعبر هذا الاتجاه عن “الليبرالية الأمريكية”، التي كانت بدايتها تأثرها بـ”جون لوك”، والتي أخذت منحى أكثر عملية ومادية خاصة بعد الثورة الصناعية، وأصبحت بعدها النظرة الأمريكية الجديدة للحياة البراغماتية بمثابة إصلاح وتعديل للفكر الليبرالي، ليكون موافقاً لروح العصر، ويركز هذا الاتجاه على فردية الإنسان ونفعيته بصورة عملية مستقبلية.
  • الليبرالية الجديدة: وهو آخر اتجاه، تتبناه الدول الصناعية الكبرى حالياً، وكذا المنظمات الدولية كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي. يُهيمن هذا المذهب على العالم بهيمنة الأحادية القطبية الأمريكية على النظام السياسي والاقتصادي العالمي، وعليه ما جعل كل الدُول تحذوا حذوه.
  1. الليبرالية في الفكر السياسي الغـــربي:

سنحاول في هذا الجزء متابعة الفكر السياسي لدى المفكرين الذين اعتمدوا على الليبرالية في تفكيرهم، ومما تجدر الإشارة إليه هو أن الفكر السياسي لدى هؤلاء لم يظهر بشكله الخالص إلا من خلال منتظمات فكرية متكاملة أتت لاحقاً، ومن أبرز هؤلاء المفكرين نجد: 

  • دافيد هيوم David Hum:

يُمثل دافيد هيوم (1711-1776) نمطاً من الفلاسفة الذين لم يعنوا بالمشكلات السياسية بشكل مستقل كما فعل ميكيافليي، وإنما عنوا بها من خلال عيناتهم بالمشكلات الأخلاقية.[11]

انطلاقاً من تحليله للمعرفة على أنها انعكاس لوجدان الإنسان، أين لا يكون للعقل دورٌ فيها، نجد أن هيوم يرفض فكرة القانون الطبيعي المرتكز على معطيات العقل المجرد، ذلك أن هيوم كان يؤمن أن القانون الطبيعي ما هو إلا انعكاس للتجربة الاجتماعية، وبذلك فقد اعتبر هيوم أن العقل هو مرشد غير يقيني وبالتالي رفض أي تصور لقانون عقلي معصوم عن الخطأ ومشترك بين جميع الناس، كما ورفض فكرة أي تصور لقانون إلهي ثابت.[12]

إذاً، فبالنسبة لـهيوم فإن القواعد الطبيعية هي عبارة عن مصطلحات اتفق الناس عليها بعد تجاربهم الاجتماعية، ومن خلال تفاعل علاقاتهم الإنسانية، ومثال ذلك فكرة العدالة، التي أصبحت عند هيوم فكرة طبيعية ومشتركة بين جميع الناس وملازمة لاستقرارهم بعد أن كرست نفسها بينهم بعد تجاربهم وعلاقاتهم التفاعلية.[13]

وباعتماد هيوم على “المنهج التجريبي” المبني على الملاحظة واعتماده على “دراسة سيكولوجية”، فقد توصل إلى أن أساس تطور المجتمع وقيامه يكمن في التجربة الاجتماعية، وبذلك توصل إلى استخلاص عدة قوانين منها قانون ثبات الملكية، قانون انتقال الملكية بالتراضي، قانون الوفاء بالوعود، وإذا ما تم الخضوع لهذه القوانين يتحقق السلام والأمن في كامل المجتمع.[14]

ويختلف دافيد هيوم مع فلاسفة العقد الاجتماعي الذين يربطوا فكرة العقد بالقانون الطبيعي، إذ يقر هيوم أن هناك رِضَى وقبول ضمني أو عقد أصلي يلتزم بموجبه كل فرد باحترام ملكية الآخرين لضمان مصلحة الجميع، ويسمح بالتالي إقامة المجتمع والسلطة الحاكمة.[15]

يلخص هيوم أصل وأسس الحكومة بالواجبات الأخلاقية التي يتحلى بها أفراد المجتمع، وهي على نوعين:

  • الواجبات تتحدد بموجب الغريزة الطبيعية التي تطبع سلوك الإنسان بعيداً عن أي التزام خاص أو وجهة نظر خاصة حول المنفعة العامة والخاصة.
  • الواجبات التي لا تتعلق بأية غريزة طبيعية، بل الدافع إليها هو الإحساس بالالتزام نحو مقتضيات المجتمع البشري الذي لا يمكن أن يقوم دون ذلك الالتزام لتلك الواجبات، ومثالاً على ذلك: الالتزام بالواجبات المتعلقة بالعدالة واحترام ملكية الآخرين والوفاء بتنفيذ التعهدات.[16]

 أما عن الدولة التي يراها هيوم أنها ما هي إلا الطابع السلبي، وذلك لمنعها للأفراد من تعكير صفو الحياة الاجتماعية، وذلك بتنظيم سلوكياتهم في نظام منسجم من أجل المنفعة العامة، وعلى الناس أن يعملوا في حدود هذا النظام وهم أحرار، وتحترم هذه الحريات في الحدود التي يضعها الدستور، وأن تتوافق الحرية والضرورات الاجتماعية، كما ويعطي للحرية المدنية أهمية بالغة في ازدهار الحياة الاقتصادية لأنه لا يمكن إنعاش التجارة من دون وجود الحرية.

  • إدموند بيرك:

اعتمد بيرك (1729-1797) في تحليله السياسي على دراسة التاريخ أين أثرت الثورة الفرنسية على كل أفكاره. رفض بيرك هو الآخر شأنه شان هيوم فكرة القانون الطبيعي الناشئ عن العقل، كما وقد رفض فكرة حقوق الإنسان عند كل من لوك وروسو، والتي اعتبرها ما هي إلا فكرة خيالية خارجة عن حقيقة وجود المجتمعات، ويعتبر بيرك أن المساواة الطبيعية بين الأفراد هي مجرد أسطورة من وجهة النظر الاجتماعية، فحتى في اتحاد الأفراد ضمن الجماعة السياسية يتطلب تفاوتاً في المرتبة الاجتماعية ونظاماً اجتماعياَ مألوفاً، تكون فيه القيادة للأعقل والأكثر خبرة والأكثر ثراءً، وتكون غاية القيادة تثقيف وحماية الأضعف والأقل ثراءً، وبذلك قد ساهم بيرك إلى جانب هيوم في تحطيم فكرة الحقائق الخالدة والمستندة إلى العقل والقانون الطبيعي ليحل محلها العاطفة، التقاليد والتاريخ.[17]

وعلى الرغم من أن بيرك يرفض القبول بقدرة الشعب على القيام بالأعمال الحكومية، كما وقد رأى أن مطالب الشعب التي لا تتعارض مع استقرار الحكم ومع مبادئ العقل والعدالة، قوانين ينبغي على الحكام احترامها، لكنه يرفض منح الدور للشعب كطرف يحكم بعدالة، ويرى أن الأنسب هو البرلمان الذي يُعد الهيئة الوحيدة التي تمتلك ذلك الحق في ممارسة الحكم.[18]

وفيما يخص الدين والأرستقراطية، فقد ذهب بيرك إلى اعتبارهما شيئان متلازمان مع روح المجتمع وتطور عاداته وتقاليده. وهكذا يُعتبر بيرك المؤسس لعقيدة سياسية محافظة واعية يمكن اكتشاف كل مبادئها تقريباً في خطبه ومنشوراته، تقديراً لتعقيد النظام الاجتماعي وضخامة تنظيماته المألوفة واحتراماً لحكمة الأنظمة القائمة وخاصة الدين والملكية وإحساسه القوي بالاستمرار في تغيراته التاريخية، واعتقاده في العجز النسبي لإدارة الفرد وعقله عن تحريفه عن مساره وارتياح أخلاقي شديد للولاء الذي يربط أعضاؤه بمراكزهم في مختلف طبقاته.[19]

  • جيرمي بنتام:

يُعد جيرمي بنتام من أهم فلاسفة “الإصلاح الراديكالي” الذين ذاع صيتهم في القرن التاسع عشر، أين اعتمدت فلسفته على مبدأ المنفعة الذي بات المرتكز الرئيسي للفلسفة السياسية والفكر الاقتصادي معاً خلال القرون التي تلتهـ ورغم أن جوهر الفلسفة السياسية يقوم على الفردية، إلاَّ أن تلك الفلسفة كانت تتجه للعمل على تنسيق مصالح الفرد مع مصالح المجتمع.[20]

اعتبر بنتام أن نظرية المنفعة تقوم على عامل ذاتي عند الإنسان، وإحساسه بقدر من اللذة أو الألم تجاه نمط من السلوك الذي يسلكه، وبما أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى تحقيق السعادة وتجنب الألم، فإن بنتام يكون قد جعل من “اللذة والألم” العامل المحرك لتصرفات الإنسان وتحديد نمط سلوكه.[21]

وفي محاولته لقياس كل من اللذة والألم، انصرف بنتام إلى الاعتماد على مدى انتشارها بين الأفراد كأحد الأبعاد الرئيسة، وهذا المدى هو مقياس حسابها الاجتماعي والأخلاقي، وفي هذا الصدد يقول بنتام: “أن أكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الناس هو مقياس الصواب والخطأ”، وبهذا فقد أعطى بنتام عامل الانتشار أهمية كبرى، فلكما زاد عدد الأفراد الذين يتأثرون بالمنفعة كلما زادت قيمتها، وأن أكبر قسط من السعادة لأكبر عدد من الأفراد هو المقياس الوحيد للسلوك وللهدف الصحيح.[22]

وقد آمن بنتام أن القانون بحكم طبيعته لا يمكن أن تحد منه أي قوة أخرى، حتى أن الأعراف والتقاليد والعادات وجب أن تخضع للتشريع القانوني حسب رأيه، ويتمثل واجب التشريع بالعمل على منع التضارب بين مصالح الفرد والمجتمع، فالفرد بطبيعته أناني ولا يفتش إلا عن منفعته وسعادته، لذا فإنه سيحصل تصادم بين المصالح الأنانية للفرد والمجتمع، إذا لم يتدخل المُشرع لإقامة التنسيق والتوافق بين سعادة الفرد وسعادة المجتمع.[23]

ويعتبر بنتام أن وظيفة الحكومة الأساسية تكمن في تأمين السعادة لأكبر عدد ممكن من الأفراد داخل المجتمع، وهذا عن طريق فرض العقاب وإعطاء المكافآت لنشر السعادة إلى أقصى حد وتخفيف الآلام إلى أدنى مستوى، كما ويعتقد من خلال إيمانه أن الشعب هو صاحب الحق بالسيادة.[24]

كان لأفكار بنتام الإصلاحية الوقع البالغ على المجتمع الإنجليزي وحكومته، وبفضل هذه الأفكار إتجهت الحكومة الإنجليزية لزيادة تدخلها من جهة النشاطات الفردية بإصدارها لمجموعة من القوانين المنظمة لشروط العمل من جهة، ومن أخرى في النشاطات الاقتصادية بهدف التقليل من الآلام الاجتماعية وزيادة السعادة لأغلبية الشعب.[25]

  • جون ستيوارت مِل:

ناقش جون ستيوارت مل في مؤلفه “مقال في الحرية” موضوع الحرية الاجتماعية والسياسية، كما وناقش طبيعة السلطة التي تفرض القانون والحدود على الفرد، كما ولاحظ ستيوارت مل أن تاريخ البشرية يُبين أن مُحبي الحرية كانوا يقاومون دائماً هذا الاتجاه نحو السيطرة للحكام الأقوياء، ومن هنا اعتبر أن الحرية هي صفة فطرية طيبة في ذاتها إلى جانب كونها مؤدية للسعادة، وأن الإنسان الفرد وحده من يجب أن يكون الحكم النهائي لكل ما يقوم به من تصرفات وأعمال.[26]

كما واعتبر جون ستيوارت حرية البحث والفكر والمناقشة وحرية الحكم الأخلاقي للإنسان الناضج الذي يسيطر على نفسه الخيرة في حد ذاتها، إلى جانب منفعتها التي تعود على صاحبها وعلى المجتمع كافة.

ولكن تُبنى حماية الفرد من سلطة الحكومة والمجتمع، إذ يقر مِل أنه لا يحق التدخل في حياة الفرد إلا لغرض الحماية، كحماية النفس والدفاع عنها، وأن السلطة القانونية باطلة ولا هدف لها حين تحد من حرية الفرد، ويستطيع المجتمع أن يتدخل في أعمال الفرد إذا أضرت أفعاله بالآخرين، وفيما عدا ذلك يكون الفرد حُراً في ممارسته حقوقه بأية طريقة يراها مناسبة له.

كما ويؤكد مِل على أن الغرض من الدولة هو إنماء الملكات الثقافية في الفرد وإتاحة الفرصة الكاملة له لإيجاد الشخصية المستقلة التي من خلالها تتحقق السعادة للفرد والنمو للمجتمع.

أما فيما يخص مراكز السلطة العليا في الدولة تحدد من قبل الحكام الفعليين المشرفين على وسائل الإعلام وبالتالي على الرأي العام، فالغرض الأساسي من الدولة هو وضع الطبقة المثقفة في مكان يجعلها المشرف الأساسي والحقيقي في المجتمع،[27] والحكام مسئولون عن إنماء شخصيات الأفراد المحكومين، وهذا بإنماء الملكات الفكرية للأفراد وتحسينها، وبذلك وجب توظيف الكفاءات المُبدعة في الحكومة وعلى دستور الدولة هو الآخر أن يضمن ذلك.

خاتمة:

 وفي الأخير، ومن خلال تحليلنا لما سبق، يمكن أن نخلص في الأخير إلى القول أن الليبرالية كمفهوم أساسي في الفكر السياسي تعني التحرر والاستقلال التام من كافة أنواع الإكراه، نشأ هذا المفهوم نتيجة للتغيرات التي شهدها المجتمع الأوروبي خاصة في إنجلترا بعد الثورة الفرنسة، والتي كانت كرد فعل الطبقة المتوسطة أو الوسطى عن تسلط الطبقة البرجوازية. وقد أنقسم هذا المفهوم فيما بعد ليشمل مجالين أساسيين، يُعنى الأول بالمجال السياسي أين نجد مفهوم الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الميدان السياسي. والآخر يُعنى بالمجال الاقتصادي أين نجد مفهوم النظام الرأسمالي ونظام السوق الحر الذي انبثقت عنه عدة منظمات دولية في الوقت الراهن.

كما ويَجدر بنا الإشارة إلى القول أن هذا المفهوم لم يكن وليد العدم أو الصدفة، بل كان نتاجاً فكرياً للعديد من الفلاسفة الذين رفضوا فكرة العقد الاجتماعي، في مقدمتهم “دافيد هيوم” ونظريته في تحقيق المنفعة، وكذا نجد إدموند بيرك الذي أشاد على دور البرلمان في تحقيق الرفاه الاجتماعي. وكذا القول بما نظر له “جيرمي بنتام” الذي يعد من أهم فلاسفة الإصلاح الراديكالي في محاولته لقياس اللذة والألم الذين على أساسهما يُبنى المجتمع ويُحقق الرفاه. وأخيراً “جون ستيوارت مِل” الذي ركز في مجمل أفكاره على أن وظيفة الدولة تكمن في حماية الفرد والدفاع عنه، وتعد السلطة الحكومية باطلة حين تحد من حرية الفرد.

أما من ناحية الرأي الشخصي، فنرى أن الليبرالية هي أنسب فلسفة فكرية يتبناه الفرد العاقل، لأنه ببساطة، لم يُخلق الناس على قدم المساواة، بل خُلقوا في تفاوتهم وتفاوت مقدراتهم الذهنية والبدنية، فلماذا يتم تحديد وكبح هذه القدرات التي تُعد الوحيدة القادرة على خلق الإبداع والتقدم بالبشرية نحو بر الرفاه والعيش الرغيد والمُطلق. 

الهوامش

[1]- هشام محمود الإقداحي، تاريخ الفكر السياسي (مصر: مؤسسة شباب الجامعة، 2010)، ص 106 .

[2] Graham Evans & Jeffrey Newnham, The Penguin Dictionary of International Relations (London, 1998), P02.

[3] – هشام محمود الإقداحي، مرجع سابق ذكره، ص107.

[4] – نفس المرجع، ص107.

[5] – صلاح نيوف، الليبرالية (باريس: جامعة السوربون، ب.س.ط)، ص5.

[6]- مُحمد فرج أنور، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية (العراق: مركز كردستان للدراسات الإستراتيجية، 2007)، ص268.

[7] – مهدي محفوظ، إتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث (بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007)، ص180.

[8] – أليس لاندو، السياسة الدولية: النظرية والتطبيق، تر. قاسم مقداد (دمشق: منشورات إتحاد الكتاب، 2008)، ص75.

[9] – هشام محمود الإقداحي، تاريخ الفكر السياسي (مصر: مؤسسة شباب الجامعة، 2010)، ص108.

[10] – أليس لاندو، السياسة الدولية: النظرية والتطبيق، تر. قاسم مقداد (دمشق: منشورات إتحاد الكتاب، 2008)، ص76-77.   

[11] – جورج سباين، تطور الفكر السياسي، تر. علي إبراهيم السيد (مصر: الهيئة العامة للكتاب، 2010)،ج4، ص85.

[12] – مهدي محفوظ، إتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث (بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007)، ص183.

[13] – المرجع نفسه، ص183.

[14] – المرجع نفسه، ص183.

[15] – جورج سباين، تطور الفكر السياسي، تر. علي إبراهيم السيد (مصر: الهيئة العامة للكتاب، 2010)،ج4، ص88.

[16] – مهدي محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص185.

[17] – المرجع نفسه، ص192.

[18] – المرجع نفسه، ص196.

[19] – جورج سباين، تطور الفكر السياسي، تر. علي إبراهيم السيد (مصر: الهيئة العامة للكتاب، 2010)،ج4، ص106.

[20] – مهدي محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص203.

[21] – جورج سباين، مرجع سبق ذكره، ص173.

[22] – مهدي محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص203.

[23] – جورج سباين، مرجع سبق ذكره، ص178.

[24] – مهدي محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص206.

[25] – جورج سباين، مرجع سبق ذكره، ص193.

[26] – مهدي محفوظ، مرجع سبق ذكره، ص212.

[27] – جورج سباين، مرجع سبق ذكره، ص2016.

قائمة المراجع:

  • باللغة العربية:
  • الإقداحي، هشام محمود. تاريخ الفكر السياسي. مصر: مؤسسة شباب الجامعة، 2010.
  • أنور، مُحمد فرج. نظرية الواقعية في العلاقات الدولية. العراق: مركز كردستان للدراسات الإستراتيجية،2007.
  • الخيري، غسان مدحت. الفكر السياسي، المفاهيم والنظريات. عمان:دار الراية للنشر والتوزيع، 2012.
  • سباين، جورج. تطور الفكر السياسي.ج4، ترجمة: علي إبراهيم السيد، مصر: الهيئة العامة للكتاب، 2010.
  • لاندو، أليس. السياسة الدولية: النظرية والتطبيق. ترجمة: قاسم مقداد، دمشق: منشورات إتحاد الكتاب، 2008.
  • محفوظ، مهدي. اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث. بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007.
  • نيوف، صلاح. الليبرالية. جامعة السوربون، باريس، ب.س.ط.
  • بالإنجليزية:

1- Evans, Graham & Newnham, Jeffrey. The Penguin Dictionary of International Relations. London: 1998.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14315

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *