محمد عبدالرحمن عريف

    البدايات مع ما تصنيف القانون الدولي العام للأنهار لنوعين؛ النوع الأول يتمثل بالأنهار الوطنية والنوع الثاني يتمثل بالأنهار الدولية والتي تُعرف بأنها (تلك الأنهار التي تمر أحواضها بين إقليم أكثر من دولة، أو تلك التي تفصل بين إقليم دولتين)، ويعد نهرا (دجلة والفرات والنيل) من الأنهار الدولية؛ وتؤكد الدراسات بأن هذا المصدر يتسم بكونه من أكثر مصادر المياه عرضه للتلوث والاستنزاف نتيجة مروره بأراضي أكثر من دولة والتي تؤدي بالنتيجة إلى تغيير بنوعية وكمية المياه الداخلة لأي دولة من دول المجرى المائي.

    الجدير بالإشارة في هذا السياق إن العراق يعد دولة مصب لنهر الفرات الذي ينبع من الأراضي التركية، وتشكل تركيا المصدر الرئيسي لتغذية النهر بالمياه من خلال روافدها إلى جانب مياه الأمطار والثلوج وهذا ما حدا بتركيا إلى التحكم في مجراه الأعلى ومنابعه حيث قامت بإنشاء العديد من السدود والخزانات والمشاريع المائية مما اثر سلبًا على نوعية وكمية مياه نهر الفرات حيثُ قل منسوب مياه النهر وارتفعت مستويات التلوث وحصلت زيادة بدرجات حرارة مياهه وذلك بسبب المشاريع الكهرومائية التركية في الحقيقة لقد حاولت تركيا استغلال مياه نهر الفرات بشكل كبير جدًا وفي العديد من المجالات حيث خططت لاستثمار مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على نهر الفرات تقدر بحوالي 1,440,000 مليون وأربعمائة وأربعين إلف دونم، في حين يعاني العراق اليوم من أزمة مائية كبيرة بسبب السياسات المائية التركية فضلاً عن مشكلة التغيير المناخي والتي نجم عنها ارتفاع كبير في درجات الحرارة وتراجع كبير أيضًا في كميات هطول الأمطار، مما أدى إلى وجود عدد كبير من المناطق المعرضة للجاف وهذا ما أدى إلى دخول العراق إلى مرحلة يمكن وصفها بالمتأزمة الخطرة.

    عليه فإن مسألة تكييف الطبيعة القانونية للأنهار بصورة عامة ونهر الفرات بالتخصيص تعد ضرورية حيث تمكننا هذه الطبيعة من إعطاء الوصف القانوني السليم للأنهار لكي يتسنى لنا تحديد طبيعة حقوق العراق في مياه نهر الفرات. وعند التحدث عن الخلاف المائي وجذوره لابد من معرفة موافقة الدول المرتبطة بهذا الخلاف ومعرفة وجهات نظر كل منها ليتسنى لنا رسم تصور الملامح الاستراتيجية للسياسة التركية في استغلال المياه ويمكن ان نوجز ذلك بما يلي:

-الموقف السوري

    يعتمد الموقف السوري من الأزمة إلى اساس قانوني وواقعي تركز على حقوق دول الحوض المنخفضة وترى أنه لابد من توزيع مياه نهر الفرات بناءً على تقدير المنشآت المائية القائمة أو التي هي قيد التنفيذ أو المخطط لتنفيذها في البلدان الثلاثة مع اعطاء كل دولة الحق في استثمار حقها من المياه بما يتفق مع حاجاتها الوطنية وترفض سوريا ادعاءات الحكومة التركية بأن نهر الفرات نهر عابر للحدود وليس نهراً دولياً ولا تعده نهراً مختلفاً من نهر النيل والسند والدانوب. وتعد سوريا أن المياه موارد مشتركة وأنها في تنقب وحركة دائمة بغض النظر عن الحدود لذلك فأن ما تردده الأوساط التركية المسؤولة من أن مياه نهري دجلة والفرات مورد طبيعي عائد لتركيا مثله مثل النفط الذي تمتلكه الدول الأخرى ولاسيما العربية إنما هو ادعاء مرفوض من جانب سوريا. كما أنها ترى بأن حوضي الفرات ودجلة لا يشكلان حوضاً واحداً بل حوضين دوليين منفصلين وفقاً للقواعد الدولية المستقرة في هذا المجال لذلك ترفض سوريا اقتراح تركيا بالتعامل مع النهرين كوحدة واحدة باعتبارهما (حوض نهر واحد).

-الموقف العراقي

يمكن ايجاز الجوانب الأساسية لموقف العراق بما يلي:

-إن نهري دجلة والفرات نهرن دوليان طبقاً إلى تعريف النهر الدولي المتفق عليه دولياً أي (المجرى المائي الذي تقع اجزاء منه في دول مختلفة) ولذلك فهما يخضعان إلى قواعد القانون الدولي في هذا المجال.

-إن حوض دجلة مستقل عن حوض الفرات من خلال حدود هيدرولوجية واضحة وكون النهرين يصبان في شط العرب الذي يشكل امتداداً للخليج العربي لا يجعل فهما حوضاً واحداً.

-إن الهدف من اللجنة الفنية المشتركة يتلخص في تحديد الحصة المناسبة والمعقولة التي يحتاجها كل بلد من البلدان الثلاث المشتركة في نهري دجلة والفرات.

-ضرورة عقد اتفاق ثلاثي لتحديد الحصص العادلة والمعقول من المياه لكل دولة من خلال الالتزام بأسس قسمة المياه والانتفاع المنصف والمعقول التي تستند الى القانون والعرف الدوليين وبما يضمن الحقوق المكتسبة للمشاريع القائمة.

-ضرورة الالتزام بالقواعد والاجراءات التي تتطلبها مستلزمات الحفاظ على البيئة النهرية وما يتبع ذلك من وجوب اتخاذ اجراءات لمنع ومكافحة تلوث مياه النهرين جراء المشاريع الاروائية والزراعية التي تقام عليهما.

-الموقـف التركـي

أسند الموقف التركي على مجموعة افكار رئيسة وكما يأتي:

-السيادة المطلقة إذ تدعي تركيا انها تمتلك حق السيادة المطلقة على مياه دجلة والفرات داخل اراضيها وطبقاً لذلك فأنها تبيح لنفسها للتصرف بمياه النهرين دون مراعاة لحقوق الدول المتشابكة بالأنهار معها (العراق وسوريا).

-عدم الاعتراف بالصفة الدولية للنهرين إذ ترى تركيا ان نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين بحيث تنطبق عليهما قواعد القانون الدولي وتطلق عليهما وصف المياه العابرة للحدود (Trans, Boundary Rivers) .1

الخلاف القانوني حول المياه بين تركيا والعراق

    تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عابران للحدود ولا يخضعان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية. وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي االتابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي:

-لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية. إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم (الأنهار العابرة للحدود) بدلاً من (الأنهار الدولية) و(الاستخدام الأمثل) و(التوزيع المنصف والمعقول) بدلاً من (توزيع الحصص) وهذا التلاعب بالمفاهيم القانونية لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الفقه القانوي الدولي.

-تعتبر كلاً من سوريا والعراق ”بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان. وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما. ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية أو المياه العابرة للحدود. زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللامحدود لهذه المياه طبقاً لا احتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر.

الخلافات (الفنية – المائية) بين تركيا والعراق

–عدم استجابة تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات والتي لا تتناسب وحجم التطور التنموي والديمغرافي، وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات، حتى لا تضطر لمثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية لتأخذ طريقها للتنفيذ، وحينها لابد من دفع ضريبة المرور (حينها ستطالب سوريا بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق).

    عوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص               وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا خاصةً أن العراق يمتلك قناة الثرثار القادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة (يعتقد بعض خبراء المياه أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين واعتبارهما حوضا واحداً).  ولأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة، ويمكن دحض الحجَّة التركية (بشأن اعتبار نهري دجلة والفرات حوضاً واحداً، نتيجة وجود قناة فيما بينهما) من خلال النقاط أدناه:

-إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة (الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.

-إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.

-استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات وهي ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى: “أن نهر دجلة في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد. وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول”. شق سكان وادي الرافدين أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة (وبالعكس) كانت تروي أراضي واسعة، وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطهيرها، على سبيل المثال النهر القديم الذي سموه بنهر عيسى، وكان اسمه في زمن البابليين (قنال انليل) أو (باني انليل) ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب (عقرقوف).

-يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق تعد شأناً داخلياً وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما أقرته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17/ 6/ 1994 في مادتها الخامسة التي تنص على حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته. وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن إجراءه لا يؤثر على دول المجرى ويتفق ومضمون تلك المادة. بالإضافة إلى ذلك فإن العراق لم يغير من مجرى النهرين وأنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة (الحضارات القديمة) بين النهرين، وبالتالي فإن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.

-باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة (يقدر عددها بـ 8 منشآت) وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50%، كما قامت إيران بتشيد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 ـ 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية. في حين أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير الضرر بالزراعة والسكان في العراق. وبالرغم من أن العراق يمتلك عدداً لا بأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة فإنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد مما أخل بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات خاصةً أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الستراتيجية على نهر دجلة وبشكل خاص مشروعي سدي بخمة وبادوش حيث انتهت المرحلة الأولى لسد بخمة في أوائل 1990 لكن العمل بالمشروع توقف بعد الحرب الخليجية الثانية. وكان من المفترض أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله لنحو 130 مليار م3.  -تلوث مياه الفرات: منذ أن باشرت تركيا بمشروعها الكاب المتضمن إقامة 21 سدا و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار، تسببت الإضرار بنوعية المياه الجارية إلى كل من سوريا والعراق، والمتضرر الأكبر العراق باعتباره دولة المصب. ويرى العراق، أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية (أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة) واجبر العراق على إغلاق (أربعة) مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

-توغل القوات العسكرية التركية في العراق لكي يكتسب الشرعية الدولية يجب أن يتم ذلك بموافقة الحكومة العراقية وبالتالي فإن الموقف التركي غير قانوني لعدم وجود أي إطار قانوني أو مسوغ يعطي شرعية لتواجد تلك القوات العسكرية في العراق، وعلى الرغم من الاحتجاجات العراقية الرسمية على التدخل العسكري التركي في شمال العراق، فإن الاتراك مستمرين بتجاهل كل الدعوات السلمية التي اطلقها المسؤولين العراقيين.

-من الضروري الإشارة هنا بقى الاشكال الرئيس والذي يعرقل أي جهود عراقية لترميم علاقاته الخارجية ضمن استراتيجية المحافظة على الاستقلال، هو عدم القدرة على فرض سلطة الدولة على كامل إقليمها، ومن دون تجاوز هذا الاشكال لن يتم تبني اي سياسة خارجية جدية وفق مدارك ومعطيات هويته وتعزيز مصالحه في المجال الإقليمي أو في تنفيذ أي سياسات اقتصادية وهي بتعبير بسيط امتداد لأهداف سياسة العراق الخارجي، إضافة إلى ذلك وجود.

     إن حقوق العراق في مياه نهر دجلة والفرات تُعد حقوق أصلية موغلة بالقدم تمتد جذورها إلى حوالي 3000 سنة ق.م،  ومما لاشك فيه إن مستقبل العلاقات السياسية بين الدول المتشاطئة على النهرين يقوم على التعاون الإقليمي لحل المشكلات التي تواجه إمدادات المياه، وهذا ما يتطلب من جميع الدول المتشاطئة مراعاة بعضها البعض، وهذا لا يعني أننا نتدخل في حق أي دولة في أقامة مشروع ما أو التدخل في سيادة أي دولة، لكن يعنى ذلك عدم وقوع أي ضرر على العراق ولاسيما وأنه الآن على عتبة (العجز المائي). فإقامة المشاريع المائية الضخمة من قبل الدول المتشاطئة على النهرين يهدد تدفق المياه إلى العراق (دولة المصب) من حيث الكمية والنوعية.

vote/تقييم