الصين وتركستان الشرقية.. بين تكريس الاحتلال ونهب للثروات

محمد عبدالرحمن عريف

هم “الأويغور” وهي تعني الاتحاد والتضامن باللغة الأويغورية هم شعوب تركية ويشكلون واحدة من 56 عرقية في جمهورية الصين الشعبية. بشكل عام يتركزون في منطقة تركستان الشرقية ذاتية الحكم (والتي تعرف باسم شينجيانغ أيضًا) على مساحة تعادل 1/6 مساحة الصين ويتواجدون في بعض مناطق جنوب وسط الصين. يدينون بالإسلام. تاريخيًا مصطلح الأويغور (الذي يعني الاتحاد أو التحالف) كان يطلق على أحد الشعوب التركية التي تعيش فيما يعرف اليوم باسم منغوليا.
بدأت الجذور عندما أخذت العلاقة بين “الأويغور” و”الصينيين” طابع الكر والفر، حيث تمكن الأويغور من إقامة دولة تركستان الشرقية التي ظلت صامدة على مدى نحو عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759 ثم عام 1876 قبل أن تلحق نهائيًا في 1950 بالصين الشيوعية. وعلى مدى هذه المدة قام الأويغور بعدة ثورات نجحت في بعض الأحيان في إقامة دولة مستقلة على غرار ثورات 1933 و1944 لكنها سرعان ما تنهار أمام الصينيين الذين أخضعوا الإقليم في النهاية لسيطرتهم ودفعوا إليه بعرق الهان الذي أوشك أن يصبح أغلبية على حساب الأويغور السكان الأصليين.
تطورت القصص مع تركستان الشرقية أو اقليم “شينجيانغ” كما يسميه المحتل الصيني، بدأت حكايته بعد استقلاله بخمس سنوات عندما احتلته الصين مع بدأ الثورة الشيوعية فيها، ليس لأنها تريد التوسع في حيزها الجغرافي بل لأن هذه المساحة من الأرض والتي تزيد عن 1.6 مليون كم، تحتوي على ثروات نفطية وخامات معدنية منها اليورانيوم بصورة ضخمة جدًا، وكذلك تمثل بوابتها إلى أوروبا.
يعيش في تركستان الشرقية أغلبية سكانية مسلمة امتدادها من القبائل التركية المهاجرة على مدار مئات السنين بالإضافة إلى أقليات من المناطق المجاورة من تركستان الغربية التي أصبحت عبارة عن دول مستقلة حاليًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومنها الأوزبك والقرغيز، بالإضافة إلى عرقية الهان الصينية التي أحضرها الحزب الشيوعي ودعمها في إطار حربه الديمغرافية في تركستان الشرقية للتغلب على فكرة الاستقلال والتحرر من التبعية للصين.
تشير آخر الإحصائيات الحكومية الصينية إلى أن عدد سكان الإقليم تبلغ 22 مليون نسمة منهم ثمانية ملايين من الأيغور المسلمين، بينما كان عدد الأيغور المسلمين في السابق 15 مليون نسمة لكنه تراجع بسبب الإجراءات الصينية التي رفعت نسبة الهجرة وخفضت نسبة المواليد في أوساطهم من خلال القوانين التي تحضر عليهم إنجاب أكثر من مولود لكل عائلة. القمع والإضطرابات حكاية الأيغور لا تختلف كثيرًا عن عذابات المسلمين في الفلبين أو ميانمار أو فلسطين، فعدو الإسلام واحد في الشرق والغرب، لكن طرق مواجهته انعدمت في ظل حالة الذل والهوان التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، بالرغم من امتلاك الدول الإسلامية لسلاح فعال يمكن من خلاله الدفاع عن نفوذها ومصالحها، ففي شهر حزيران/ يونيو 2012 صرح نائب وزير الخارجية الصيني جهاي جن أن حجم التجارة بين بلاده والدول المنطوية تحت منظمة التعاون الإسلامي تزيد عن نصف ترليون دولار!!، وكان يأمل المسؤول الصيني أن تحظى بلاده بصفة مراقب في منظمة التعاون الإسلامي.
منذ عام 1961 أقدمت الصين على إجراء 46 تجربة نووية في موقع “لوبنور” في تركستان الشرقية تسببت في كوارث بيئة لوثت الأرض والنباتات والماء وأدت إلى وفاة مائتي ألف شخص وفقًا لدراسات نشرها معارضين من الأيغور، بالإضافة إلى أمراض السرطان التي أصابت عدد كبير من سكان الإقليم. لم يكن عداء الحزب الشيوعي الصيني الحاكم مع الأيغور كقومية، بل كان حقده أكثر على ديانته الإسلامية، لذلك منع منذ إحتلال الإقليم تعليم القرآن الكريم ومنع إنشاء مدارس إسلامية حتى أصبح المسلمين يعلمون أبنائهم القرآن سرًا، وذلك لتجنب عقوبات الحكومة.
تلك المواجهة كانت امتدادًا لمواجهات متعددة في مسيرة تحرر تركستان الشرقية ففي عام 2009 عمت المنطقة مظاهرات سقط خلالها 190 شهيدًا بفعل هجوم عنيف شنه الجيش الصيني لقمعها، كما أعلنت في حينه منظمات أيغورية في الخارج عن اختفاء عشرة آلاف شخص لم يعرف مصيرهم حتى الآن. عززت الحكومة الصينية من وجود أقلية الهان في تركستان الشرقية وأصبحوا يشغلون 90 بالمائة من الوظائف الحكومية للدولة ومنها اللجان الحزبية والهيئات السياسية والإدارية، وحتى لو حصل الأيغور على مناصب فإنه يتم تقويض صلاحياتهم وكل ذلك يأتي ضمن مساعي بكين لكبح تصاعد مطالب الانفصال في المنطقة.
بحسب مؤتمر الأيغور العالمي فإن الصين تقوم سنويًا بتوطين 250 ألف من الصينيين في مناطق تركستان ويسمح لهم بإنجاب المزيد من الأطفال، بينما يجبر الأيغور على تحديد النسل لوقف عملية النمو السكاني لديهم. وجزء من حربها الديمغرافية على السكان في تركستان الشرقية تقوم الصين سنويًا باعتقال الآلاف من سكان المنطقة، وبحسب إحصائية لمنظمة العفو الدولية فإن الصين اعتقلت 100 ألف أيغوري في عام 1997. ووفقًا لنفس المنظمة، عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، قامت السلطات الصينية باعتقال أكثر من ثلاثة آلاف من الأيغور، وبررت عمليتها بالحرب على ” الإرهاب”.
في القلب من كل هذا ظهرت دول في الغرب تندّد، ودول إسلامية تلتزم الصمت إزاء ما يحدث لأقلية الإيغور. لكن هل توقفت الدول الإسلامية عند الصمت فقط؟ يبدو الأمر أبعد من ذلك، فالعديد منها يدافع عن الصين. فما هي الأسباب؟. فالتنين الصيني استطاع النفاذ إلى أقوى اقتصادات العالم، لكن في العالم الإسلامي، حيث تضعف المقاومة الاقتصادية المحلية، وحيثُ يصير المواطن يرتهن لما يُصنع في الصين، قد تجد الحكومات نفسها أمام ضرورة خلق علاقات قوية مع المارد الصيني، ومن ثمة تبدأ أول فصول فهم الصمت الإسلامي على تضييق بكين على أقلية الأويغور المسلمة في إقليم شينغيانغ.
لقد كشفت وثائق سرية مسربة عن تقارير حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ونشرتها وسائل الإعلام في أنحاء العالم، أن الصين احتجزت ما يصل إلى مليون شخص من الأويغور في معسكرات إعادة تأهيل. لكن بكين تنفي الاتهامات الموجهة إلهيا، وتتحدث عن “مراكز تدريب مهني” لإغناء المعارف ومحاربة التطرف الإسلامي. فطبقًا لمقال لـ”فاينينشال تايمز” مؤرخ في 10 حزيران/ يوليه 2009 فإن فرق الدخل الاقتصادي بين الفلاحين الأويغور والصينيين من مستوطني المدن قد توسع من 2,1 مرة في عام 1980 إلى3,24 في عام 2007، وجنوب شينجيانغ الذي يتركز الأويغور فيه بنسبة 90% بتراجع أكثر ونسبة الفرق بين الشمال الغني والجنوب الفقير بلغ متوسطها 6,28 في 2005، واستيراد بكين البترول والغاز من شينجيانغ وآسيا الوسطى لم يحسن من ظروف الأويغور إلا النخبة التي ترتبط بنظام الحزب الشيوعي الصيني . وإن كتاب شينجيانغ الأزرق الذي يوثق مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي حذر من مشاكل اجتماعية تؤدي إلى تهديد خطير للانفصاليين والمتطرفين.
هنا يبقى أن سياسة التطوير الاقتصادي الإقليمية مع المراجعة التي تمت لأنظمة مقاطعات الحكم الذاتي قلصت من طبيعة الحكم الذاتي لمقاطعات الأقليات، ما يوضح أن برامج التطوير التي تنفذها الحكومة المركزية تهدف إلى الدفع نحو اندماج الأقليات مع غيرهم من السكان، وقد يخلق هذا مشكلات لحكومة الصين المركزية بحقوق الحكم الذاتي التي تلتزم بها نحو الأقليات القومية، والتي تحاول أن تعالجها باستمرار في برامجها بتهجير الصينيين إلى مقاطعات الحكم الذاتي التي بدأت تنفذها منذ تسعينيات القرن العشرين بهدف التغير الديمغورافي.
في الواقع فقد بدأ المراقبون يلاحظون أن الوضع الذي بدأ يتكون في شينجيانغ من حملة (اذهب إلى الغرب) يتفق تمامًا مع مصطلح الاستعمار الداخلي الذي استعمله مكائيل هشتر Michael Hechter على الجزر البريطانية، مما يؤكد على هذا ممارسة التمييز الثقافي العملي عشية تنفيذ السياسات الاقتصادية الجديدة في شينجيانغ. وحتى في قطاع الزراعة فإن دخل الفلاحين الذين يعملون في المناطق التي يسيطر عليها الصينيون في الشمال يبلغ متوسطه 2666 يوانًا (462 دولارًا)، بينما في المناطق التي يسكنها الأويغور في الجنوب بلغ متوسطه 1320 يوانًا (199 دولارًا) في السنة لعام 2001، وربما أقل من النصف، لأن هناك فرق في زيادة الأجور بنسبة 9,8% بين الفلاحين في الشمال والجنوب في عام 2000.
يقول ماتثيو مونيهون Matthew Moneyhon في بحثه الطويل بعنوان (البرنامج الصيني الكبير لتطوير الغرب في شينجيانغ – هل هو علاج أم حصان طروادة السياسي؟): أنه من خلال سياق تطور سياسة الصين نحو الأقليات، فإن خطة (اذهب إلى الغرب) يبدو أنها توجه أخير لاستراتيجية بكين نحو دمج وتذويب الأقليات القومية في بوتقة الصين الكبرى، أكثر من أن تكون خطة اقتصادية جدية لمعالجة الفقر، والسياسة الاقتصادية إنما هي وسيلة لتحقيق أجندتها السياسية في المنطقة مما يجعلها شبيهة بحصان طروادة.
إن العمل على تطوير الغرب الصيني اقتصاديًا لا يعني فقط تطوير الأوضاع الاقتصادية في منطقة شينجيانغ، بل تريد الصين من خلال تمركزها فيها أن تبسط نفوذها في آسيا الوسطى، وتحقق انطلاقتها في التوسع السياسي نحو الغرب الذي غدا فضاء بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأن تكون شينجيانغ قاعدة سياسية واقتصادية معًا تمكنها من فرض توجهاتها على جمهوريات آسيا الوسطى وتؤمن سوقا تجاريا تصدر إليها نفوذها ومنتوجاتها وتستورد منها الطاقة والمعادن وتمد ذراعها العسكري متى شاءت.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *