الصين وفلسطين وإسرائيل: بين دعم حق تقرير المصير والمصالح الاقتصادية

أحمد جميل عزم*
(أستاذ مساعد في العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، رئيس وحدة الشؤون الإستراتيجية في مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني)
محددات الموقف الصيني من القضية الفلسطينية تتضمن إرثاً من الإسناد الصيني القائم على مرتكزات تحررية رافضة للاستعمار، لكن العلاقات التجارية والاقتصادية الصينية الإٍسرائيلية التي نمت كثيراً منذ منتصف التسعينيات، ذات أهمية بالغة. اللافت أن إسرائيل لا تتجاوب مع السياسة الأميركية التي تطلب من حلفائها خفض علاقاتها التجارية مع الصين. هذه المصالح الصينية الإسرائيلية، تقلل من احتمالات ممارسة بكين ضغطاً حقيقياً على الإسرائيليين، ولكنها تقلص حدة الإسرائيليين في معارضة الدعم الصيني للفلسطينيين.
مقدمة
لعل قصة مصنع الألبان والحليب الإسرائيلي “تنوفا”، تلخص جزءاً من قصة العلاقة الصينية- الفلسطينية- الإسرائيلية.
تأسس المصنع في العام 1926. قبل ذلك، كان المزارعون الفلسطينيون قد اعتادوا، واعتاد زبائنهم، أن يمروا مع أغنامهم، على العائلات في القدس الغربية، فيخرجوا لهم أوعية يحلبون فيها الحليب، بينما أهل البيت يراقبون[1].
كان تأسيس “تنوفا”، ضمن مشروع قومي وأيديولوجي. بنيت على شكل تعاونية تخدم المستوطنات الزراعية (الكيبوتس والموشفيم) ذات الطابع الاشتراكي اليساري الصهيوني، بحيث تتولى هذه التعاونية تسويق منتجات هذه المستوطنات الزراعية، خصوصاً الحليب ومشتقاته، وظلت التعاونية تعمل رغم تحفظات على أسلوب قيادتها الجماعي، ومدى نجاعته، من قبل المشتركين في التعاونية، حتى الثمانينيات من القرن العشرين، وتم ذلك أيضاً بفضل الدعم الحكومي الإسرائيلي أيضاً[2].
في الثمانينيات بدأت حركة الخصخصة وصعود الليبرالية الجديدة في كل العالم تقريباً، وتكرّس التراجع عن دور الاقتصاد الاشتراكي والتعاونيات، بسقوط الاتحاد السوفييتي، كما تراجع دعم دول في العالم لحركات التحرر على أساس مبدئي وفكري. بدأت خصخصة “تنوفا” تدريجياً، وتملكت شركة بريطانية أغلب أسهمها عام 2007، وباعت هذه الشركة أسهمها في شهر أيار (مايو) 2014، إلى شركة مملوكة للحكومة الصينية، حيث اشترى الصينيون 56 بالمئة من الشركة التي كانت حتى ذلك الوقت على الأقل تسيطر على 70 بالمئة من منتوجات الألبان الإسرائيلية، هذا رغم احتجاجات أعضاء كنيست من حزب العمل، ومظاهرات مزارعين[3].
هذه القصة تعكس تحولات العلاقات الإسرائيلية- الصينية- الفلسطينية، فقد بدأت الاعتبارات الأيديولوجية السياسية أساسية، ومحورية في تحديد العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية- الصينية، في البدايات (الستينيات والسبعينيات)، لتصبح اعتبارات اقتصادية، مالية، استثمارية أساسية في هذه العلاقات، دون أن يعني هذا إلغاء البعد السياسي، والتحرري، كُلياً.
الدعم الصيني للفلسطينيين تاريخياً
قصة الدعم الصيني لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، قضية معروفة جيداً، وموثقة، فعن طريق العلاقات التي بدأها قادة حركة التحرير الفلسطيني “فتح”، مع حركات تحرير ناشئة في أفريقيا، خصوصاً الواقعة تحت الاستعمار البرتغالي، تم ترتيب زيارة لكل من القائدين الأبرزين في الحركة حينها، خليل الوزير وياسر عرفات إلى الصين، يوم 15 آذار (مارس) 1964، ضمن نقاشات “لجنة التضامن الأفرو- آسيوي”، تم في إثرها افتتاح مكتب فلسطيني في بكين. وبعد ثلاثة أشهر أعطت الصين الحركة دعماً بقيمة 7 آلاف جنيه إسترليني. واعترفت الصين بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني، نهاية الستينيات، وبدأ تقديم الدورات العسكرية خصوصاً على مستوى القيادات في الصين، وأصبحت الصين مصدر السلاح الأساسي للمقاومة الفلسطينية في نهاية الستينيات. كما شكلت تجربة التنظيم، والحرب الشعبية الصينية، جزءاً أساسياً من أفكار المقاومة الفلسطينية، ونموذجاً للاحتذاء به[4].
العلاقات التجارية الصينية الإسرائيلية
لم يتوقف الدعم الصيني للفلسطينيين، وإن تبدل نوعه وشكله، بتبدل نوع العلاقات الدولية وشكلها عموماً، واختلاف آليات العمل الفلسطينية وسياساتها، والصينية أيضاً، ومن أهم معالم التغير أن استمرار الدعم الصيني لم يحل دون تطور كبير في العلاقات الصينية الإسرائيلية.
 لعل أهم تطور اقتصادي عالمي في العامين 2018 و2019، هو الحرب التجارية الصينية الأميركية، التي تهز الاقتصاد العالمي، وأمام منع شركات أميركية تصدير سلع تحتاجها صناعات إسرائيلية، مثل القطع التي تحتاجها شركة هواوي للهواتف الخلوية والاتصالات، ردت الصين بخفض استثماراتها في الولايات المتحدة الأميركية، في العام 2018، بنسبة 83 بالمئة، وبنسبة 40 بالمئة في أوروبا، لكن شيئاً من هذا لم يحصل مع إسرائيل[5]. بل شَهِدَت الأَشهُر الستة الأولى من العام 2019، سلسلة صفقات كبيرة، اشترت فيها الصين حصصاً في استثمارات وشركات إسرائيلية، من بينها الشركة التعليمية كودمنكي ستوديوز، بقيمة 20 مليون دولار، وشركة تيتو كير، العاملة في مجال الصحة والطب عبر الإنترنت، بقيمة 25 مليون دولار، وشركة هايلو تكنولوجيز، لتصنيع رقائق كمبيوتر، بقيمة 21 مليون دولار، و132 مليون دولار في شركة انفوز تكنولوجيز المتخصصة بعرض الصور والفيديوهات على الكمبيوتر، بل إن شركة صينية استثمرت 15 مليون دولار في شركة بيركبتو، العاملة في مجال الطائرات المسيرة (الدرون) التي تعتبر ذات أهمية عسكرية واستخباراتية[6]. وبشكل عام نمت الاستثمارات الصينية في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي من صفر إلى نحو 15 مليار دولار، بين عامي 2000 و2011[7].
وتعمل الصين في مشاريع حيوية في الموانئ، مثل تطوير ميناء حيفا، وتطوير طرق وسكك حديد، وحصلت في العام 2019، على عقود جديدة في هذه المجالات، ولم تمنع من الدخول في عطاءات جديدة[8].
هذا رغم أن دولاً حليفة للولايات المتحدة، وبطبيعة الحال أقل احتياجاً وعلاقتها أقل قوة، من العلاقات الأميركية الإسرائيلية، تجاوبت مع المطالب الأميركية وقلصت علاقاتها التجارية مع الصين، ومن هذه الدول على سبيل المثال أستراليا ونيوزيلندا لتخفض تعاملها مع شركات الاتصالات الصينية، وقد تجاوبت هذه الدول مع ذلك، في البداية على الأقل، ما عرض علاقاتها التجارية مع الصين لهزة، سببها الإجراءات المضادة الصينية[9].
بينما بلغ التبادل التجاري الصيني الإسرائيلي 10 مليارات دولار عام 2017، فإنّ هذا المبلغ نما حوالي 30 بالمئة عام 2018، رغم الحرب التجارية الصينية الأميركية، وتعتبر الصين ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل[10].
لقد بدأت العلاقات الثنائية الصينية الإسرائيلية، رسمياً، في شهر كانون الثاني (يناير) 1992[11]، أي بعد أسابيع من إطلاق مؤتمر مدريد للسلام، وعقب انتهاء الحرب الباردة، واتجاه العالم للتركيز على التجارة والاستثمار بدل الأيديولوجيا والسياسة.
الحقيقة أنّ ما حصل في عام 1992 هو إعلان ومأسسة العلاقة الصينية الإسرائيلية، أمّا الواقع، فأنّ علاقات بدأت عام 1979، على الأقل، بفضل رجال أعمال، رتبوا لقاءات بين حكومتي الصين وإسرائيل، ما نتج عنه 60 عملية تبادل تجاري في مجال التكنولوجيا العسكرية، زودت إسرائيل فيها الصين، ويبلغ حجمها أكثر من مليار دولار أميركي، لكنها جميعها في المجال التكنولوجي العسكري، وقبل بدء العلاقات الرسمية[12].
باستعراض الأخبار الإسرائيلية والتصريحات الرسمية في عامي 2018 و2019، يلاحظ تركيز كبير وصريح أن الصراع الأميركي الصيني يمكن أن يكون فرصة لتنمية العلاقات الإسرائيلية مع الصين، ولأن توفر إسرائيل للصين أموراً قد لا تحصل عليها من الولايات المتحدة، في سياق الحرب التجارية[13]. ما يزيد من أهمية إسرائيل للصين، وأعلن المسؤولون الإسرائيليون، ومن ضمنهم بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة، سعيهم لاتفاق للتجارة الحرة مع الصين[14].
هذا كله يعني أنّ العلاقات الإسرائيلية الصينية التجارية تبدو ذات بعد متنامٍ قوي، لا يتأثر مثلاً بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأهم لإسرائيل، والصين، وما يعني أنه حتى لو اتسعت الحرب التجارية إلى مجالات سياسية حول العالم، فلا يبدو، من السنوات الثلاث الأولى لهذه الحرب (2017- 2019)، أنّ إسرائيل مُطالبة، أو مهتمة بأخذ موقف ضد الصين، والعكس صحيح، وهذا بالتأكيد له أثره السياسي.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة لا تتدخل أبداً في العلاقات الصينية الإسرائيلية. في الواقع، أنّه عندما انطلقت العلاقات الصينية الإسرائيلية سراً في نهاية السبعينيات، كان هناك انفتاح صيني على الولايات المتحدة، على حساب العلاقات الصينية الروسية، وقد أسهم بتطوير هذا الانفتاح، بشكل كبير، وزير الخارجية الأميركي، مستشار الأمن القومي، السابق، في السبعينيات، هنري كيسنجر[15]، المتعاطف بشكل كبير مع إسرائيل. لكن بعد نهاية الحرب الباردة، اختلفت الحسابات الأميركية، فقد باتت الصين بغياب الاتحاد السوفييتي، واتساع قوتها، تهديداً محتملاً بالنسبة لكثير من السياسيين الأميركيين، من هنا تدخلت الولايات المتحدة، مرتين على الأقل لمنع صفقات سلاح إسرائيلية، للصين، في التسعينيات وبداية القرن الواحد والعشرين، لأنها تتضمن نقل تكنولوجيا عسكرية أميركية للصين، وتحديداً رادارات فالكون المتطورة التي توضع على الطائرات، وطائرات هاربي المُسيّرة[16]. لكن العلاقات الصينية الإسرائيلية استمرت بالنمو في مجالات مختلفة، بما في ذلك مجال التسلح.
الصين والقضية الفلسطينية والعملية السياسية
لقد تغيرت الإستراتيجية الفلسطينية منذ مطلع التسعينيات على الأقل، من الكفاح المسلح، إلى المفاوضات التي ترافقها مقاومة شعبية بوسائل سلمية، هذا تزامن مع تغيرات عالمية تضمنت انتهاء الحرب الباردة، والاستقطاب الدولي، وتقدم الحديث عن ليبرالية تعم العالم، خصوصاً في مجال التعويل على تبادل المصالح والتجارة، سبيلاً لحل الخلافات الدولية.
تعميم الليبرالية التي عبرت عنها مقولات راجت بداية التسعينيات، مثل مقولة “نهاية التاريخ” للكاتب الأميركي، فرانسيس فوكوياما، ومقولات أخرى شبيهة، كانت تتحدث عن احتمالات تحول دول العالم نحو الليبرالية، والسوق الحرة، والديمقراطية، لكنها ركزت على التحولات الداخلية في المجتمعات[17]، دون الكثير من الاهتمام بتطوير منظومة القانون الدولي والمنظمات والمؤسسات الدولية، وتحديداً آليات حل الصراعات الدولية، فرغم اعتماد قرارات الأمم المتحدة، ذات الصلة جزءاً من مرجعية مفاوضات السلام التي افتتحت بين الإسرائيليين والعرب، بمن فيهم الفلسطينيون، في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، إلا أنّ التركيز على المفاوضات الثنائية، والتسويات التفاوضية، والتنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات، هي التي فُرضت على المشهد، وحاول الفلسطينيون التساير مع هذا الواقع، ولكن مع تعثر العملية السياسية، واستمرار تهرب إسرائيل من الوصول لتسوية على أساس حل الدولتين، وقرارات وبنود القانون الدولي، طالبوا العالم بالتدخل لتطبيق القانون الدولي.
وقفت الصين إلى جانب عملية التسوية، ولم ترهن تطوير علاقاتها بإسرائيل بأن يتم الوصول إلى تسوية سلمية للصراع، مع الفلسطينيين، بل سارعت للعلاقات المتبادلة، بمجرد إطلاق عملية السلام، أو بالتزامن. لكن اللافت أكثر أنّ هذه العلاقات الصينية الإسرائيلية، نمت بعد تعثر عملية التسوية، مطلع القرن الحالي، بينما التوتر يشتد أثناء انتفاضة الأقصى بين الأعوام (2000-2003)، أي دون ربط بين تقدم عملية السلام أو التزام إسرائيل بحل الصراع، وبالقانون الدولي، مع تقدم العلاقات الإسرائيلية الصينية. بكلمات أخرى فصلت الصين بين علاقاتها التجارية والاستثمارية مع إسرائيل وملفات أخرى، سواء عمق العلاقات الأميركية الإسرائيلية، أو مسألة التسوية السلمية.
في الواقع أن سياسة الصين الخارجية، تقوم بشكل علني وواضح، على جعل خدمة الاقتصاد الصيني الأولوية الإستراتيجية، وفصلت بين هذا الملف وأي ملف آخر، وهذا ينعكس مثلاً، أنّه حتى قدوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحكم في الولايات المتحدة، كان التبادل التجاري مع الأميركيين يسير في نمو وتطور كبيرين، فالصين هي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في تبادل البضائع، وفي عام 2018، بلغ مجموع التبادل في البضائع والخدمات في الاتجاهين 737.1 مليار دولار، مع عجز تجاري لصالح الصين قيمته 378.6 مليار دولار[18].
لكن استطاعت الصين، بفضل علاقاتها ومصالحها مع إسرائيل، إسكات الاحتجاجات الإسرائيلية على علاقات بكين مع الفلسطينيين، فمثلاً في عام 2013، رفضت الصين استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى أن تسقط إسرائيل قضية رفعت في نيويورك، ضد بنك أوف تشايانا، بزعم أن هذا البنك الصيني، يقوم بغسيل أموال لتمرير أموال إيرانية لجماعات فلسطينية، وتحديداً لحركتي المقاومة الإسلامية (حماس)، والجهاد الإسلامي، وفعلاً تم إسقاط القضية[19]. وبالمثل يسكت الإسرائيليون تقريباً، على تصويت الصين المستمر في الأمم المتحدة دعماً للحقوق الفلسطينية[20]، بينما لا يفعلون هذا في حالة دول أخرى منها دول من أوروبا وأفريقيا.
الصين ومشروع الدولة الفلسطينية
في حفل مكتب جمهورية الصين الشعبية لدى فلسطين، في 23 أيلول (سبتمبر) 2019، تُلخص كلمة السفير الصيني (مدير المكتب)، قوه وي، لمناسبة العيد الوطني السبعين للصين، السياسة الصينية، فقد قسم كلمته إلى جزأين: أولهما يوضح منطلقات السياسة الصينية الدولية عموماً، فقد ركز كيف “أن الصين انتقلت خلال الأعوام السبعين الأخيرة من بلد مغلق ومتخلف إلى انفتاح وتقدم”[21]. وركز على التقدمين الاقتصادي والتنموي اللذين حدثا في الصين بحيث “أصبحت الصين أول دولة نامية حققت هدف الحد من الفقر الذي يندرج في الأهداف الإنمائية”. وأوضح “المفهوم الصيني الداعي إلى تحاور دون مجابهة، حيث إن الصين التزمت على مدى الـ70 عاماً الماضية بغاية تعاهدية بمشاركتها في صياغة قواعد الحكم العالمي ومجال تعاون دولي متعدد الأطراف في مكافحة الإرهاب وعدم انتشار الأسلحة النووية”.
وأهمية هذه العبارة هي:
1- أن الاقتصاد والتنمية أولوية السياسة الصينية الخارجية، ويحكم هذا موقفها إلى حد كبير، بما في ذلك في قضايا مثل فلسطين وإسرائيل.
2- هناك موقف صيني يريد نظاماً دولياً تعددياً، من دون هيمنة أميركية أحادية، مع رفض الإرهاب، ولكن هذا كُلّه دون مجابهة، ووفق قواعد الحوار.
بعد توضيح هذه المنطلقات، يشير قوه إلى العلاقات بين بلاده وفلسطين “بحيث تربطهما صداقة تقليدية تاريخية، وتعد بكين من أوليات الدول التي دعمت حركة المقاومة الوطنية الفلسطينية واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين، ويتبادل الجانبان تفاهماً ودعماً في القضايا التي تتعلق بمصالحهما الجوهرية وهمومها الرئيسية”. ثم أوضح الموقف السياسي حيث إن “بلاده تعمل دائماً على إيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية، باعتماد قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية، وحل الدولتين كأساس لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مشدداً على دعم الصين إقامة دولة فلسطين ذات سيادة كاملة على أساس حدود العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية”.
وأعلن قوه أن “الحكومة الصينية عينت مؤخراً مبعوثاً خاصاً جديداً لمنطقة الشرق الأوسط على مستوى نائب وزير، الذي سيواصل الجهود للإسهام بدور إيجابي وبناء في سبيل تحقيق سلام في الشرق الأوسط طبقاً للنقاط الأربع التي طرحها الرئيس شي جين بينغ بخصوص قضية فلسطين”.
وبرنامج النقاط الأربع الصيني، يُشير حقيقة إلى الموقف الصيني من سياسة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خصوصاً، بعد قراره نهاية العام 2017، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وطرحت الخطة، أو الأفكار، منتصف العام 2018، أو ربما الأدق قوله إنّ الخطة طرحت مجدداً، مع تركيز إضافي منذ ذلك الوقت، خصوصاً بعد قيام الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بزيارة للصين، وتقوم الخطة على “حل الدولتين على أساس حدود 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية جديدة”، ودعم “مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام” الذي ينهي فوراً بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويتخذ تدابير فورية لمنع العنف ضد المدنيين، ويدعو إلى الاستئناف المبكر لمحادثات السلام، وتنسيق الجهود الدولية لوضع تدابير لتعزيز السلام”[22].
ولا تنفصل جهود الصين السلمية، وإن تضمنت دعماً للحقوق الفلسطينية، عن تصورات اقتصادية أوسع للصين، فبحسب السفير الصيني في الأمم المتحدة، ليو جيي، منتصف العام 2018، ترى الصين الفلسطينيين والإسرائيليين، “شركاء مهمين”، في مبادرة “حزام واحد، طريق واحد”، وهي عبارة عن مبادرة عالمية صينية، ممولة صينياً، تتضمن طرقاً برية وبحرية وسككاً حديدية في آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، تسهل نقل البضائع خصوصاً الصينية. واللافت أن الصين تحاول، كما يقول جيي، أن تكون المساعدات الصينية للفلسطينيين، ضمن تصور يأتي عبر تنسيق ثلاثي إسرائيلي، فلسطيني، صيني، ولكنه كما يقول يتعذر ذلك منذ العام 2009[23].
يوضح الجانب الصيني المساعدات التي يقدمها للفلسطينيين، فمثلاً في حفل العيد السبعين الصيني، السالف الذكر، قال السفير الصيني، إن “الجانب الصيني قدم مساعدات للجانب الفلسطيني في مجال التنمية، حيث تدرب ما يقرب من 5 آلاف كادر فلسطيني في كل المجالات على مدى 10 أعوام، وأنجز أكثر من 40 مشروعاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وزاد مبلغ المنحة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)”. وشدد قوه على أن “الصداقة بين الشعبين عميقة ونشيطة في مجالات الأحزاب والسياسة والثقافة والأكاديمية الفكرية”، داعيا إلى التكاتف في سبيل تعزيز الصداقة الصينية الفلسطينية الأخوية وننشد بذور التعاون من حصاد التنمية معاً.
الجانب الفلسطيني يرحب عادة بالمواقف الصينية، بما في ذلك برنامج النقاط الأربع، وبالمساعدات الصينية. وعلى سبيل المثال أكد ذلك رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد إشتية، في حفل العيد السبعين، لكنه أضاف ملاحظة هي “ونأمل أن نرى هذه المبادرة تتحول إلى جهد دولي”، في إشارة لانتظار الجانب الفلسطيني، متابعة عملية لطرح المبادئ الصينية. وإن رحب إشتية بعدم تجاوب الصين مع المخططات الأميركية فقال معلقاً على عقد الولايات المتحدة ورشة عمل تطرح أفكاراً اقتصادية، وليست سياسية، للموضوع الفلسطيني “نثمن عالياً الموقف الصيني، مؤخراً حول الورشة الاقتصادية التي دعت لها الولايات المتحدة الأميركية في البحرين، في شهر حزيران/ يونيو الفائت، والتي تعبر عن فهم ورفض لمحاولة الالتفاف على الشرعيات الدولية، واستبدال هذه الورشة، بالأطر الدولية المتفق عليها، عالمياً، وحتى استبدالها بالمفاوضات والعملية التفاوضية، والسعي لا لتجاوز الحقوق السياسية الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وحسب، بل وأيضاً فرض تصور محدد للاقتصاد الفلسطيني”. فالموقف الصيني واضح في رفض تجاوز الحقوق الفلسطينية، وفي دعم الفلسطينيين، لكن دون لعب دور مستمر كبير في الترويج للمبادرة الصينية للسلام.
كذلك تعكس كلمة إشتية، من جهة ثانية، الإدراك لمشروع طريق الحرير الصيني، ولكن ما طرحه واقترحه رئيس الوزراء الفلسطيني، كان في مستوى ثنائي فلسطيني- صيني، ولا يتضمن البعد الثلاثي الذي يُشير له بعض المسؤولين الصينيين، بحيث يكون الأمر منسقاً مع الإسرائيليين، فقد أشار اشتية إلى “أنّ الشعب الفلسطيني بما لديه من طاقات بشرية متميزة نفتخر بها، ينظر إلى آفاق الشراكة والقيام بدور فاعل في تنمية التعاون والمصالح المتبادلة، بين الصين والبلدان العربية، وفي هذا الإطار فإننا نؤكد ترحيبنا ومساعينا، لزيادة أنواع التواصل المختلفة بين شعبنا والصين، بما في ذلك افتتاح برامج ومعاهد لتعليم اللغة الصينية في أكثر من جامعة فلسطينية، واستمرار البعثات التعليمية والتدريبية للصين، ويسرنا أن ندعو الأصدقاء في الصين، إلى المزيد من الزيارات ولإرسال بعثات تعليمية لبلدنا، لتعلم اللغة العربية، ودراسة حاضر المنطقة وتراثها، وإلى قطع أشواط جديدة في التبادل التجاري والاستثماري، وتنمية التعاون المشترك”[24].
خلاصة
قامت الصين وتقوم بدور فاعل في القضية الفلسطينية، تمثل في الماضي بدعم إستراتيجية الكفاح المسلح الفلسطيني، ولاحقاً بدعم برنامج بناء الدول الفلسطينية، ضمن تصور داعم لحل الدولتين، الذي يتضمن دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، ولكن الصين ترتبط بالجانب الإسرائيلي بعلاقات اقتصادية متميزة، تؤدي إلى وضع من وجهين، فمن جهة تتواجد مصالح صينية لعلاقات حسنة مع الجانب الإسرائيلي، وهذا يؤدي لرغبة صينية متكررة لرعاية حوار فلسطيني إسرائيلي، بدل أخذ زمام المبادرة لتطبيق الشرعية الدولية التي يتهرب منها الجانب الإسرائيلي، والواقع أن السياسة الصينية عموماً تقوم على إيلاء الاقتصاد أولوية، وعلى جعل الحوار دون مجابهة أساس سياساتها الدولية. الوجه الثاني للمصالح الإسرائيلية الصينية، أنّ الجانب الإسرائيلي لا يستطيع المضي كثيراً في لوم الجانب الصيني لدعمه حل الدولتين، ورفض الاستيطان، والتصويت لصالح هذا الحل في الأمم المتحدة، أو حتى المضي كثيراً في التدخل في طبيعة ونوع المساعدات الصينية للفلسطينيين.
الفلسطينيون، ينظرون للصين باهتمام، كطرف داعم سياسياً وتنموياً، وكنموذج اقتصادي، ويقدرون الدور التاريخي للصين في دعم القضية الفلسطينية، ولكنهم يطالبون الصين، كما يطالبون أوروبا، وغيرها، بأن يتم إتباع الموقف السياسي المؤيد لإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية، بسياسات عملية وجهد دولي، لا ينتظر الموافقات الإسرائيلية والأميركية، التي لن تتحقق دون موقف دولي واضح وعملي.
الهوامش
[1] Klein, Menachem, Lives in Common, Arabs and Jews in Jerusalem, Jafa and Hebron, (Translated by Haim Watzman), (London: Hurst & Company, 2014), p.37
[2] Rosenthal, Gadi and Hadas Eiges, Agricultural cooperatives in Israel, FAO Regional Office for Europe and Central Asia, Policy Studies on Rural Transition No. 2013-5, 2013, p.13
[3] Berman, Lazar, Chinese state company buys controlling stake in Tnuva, The Times of Israel, 22 May 2014.
[4] يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002)، ص 173، 235، 252، 927.
[5] Barak, Dorian and Yuelin Dang, Israel navigates US-China trade tensions, Asia Times, 29 June 2019.
[6] Ibid.
[7] Pevzner, Alexender B., A New Era for Israel- China Relations, Jerusalem Post, 23 January 2018.
[8] Ibid.
[9] Hoyama, Tiseh and Fumi Matsumoto, China pressures US allies in Huawei tug-of-war, Nikkei Asian Review, 24 February 2019
https://asia.nikkei.com/Economy/Trade-war/China-pressures-US-allies-in-Huawei-tug-of-war
[10] Lazaroof, Tovah, Netanyahu pushes for free trade with China in 2019, Jerusalem Post, 25 October 2018.
[11] Pevzner, Alexender B., A New Era for Israel- China Relations, Jerusalem Post, 23 January 2018.
[12] Efron, Shira, Howard J. Shatz, Arthur Chan, Emily Haskel, Lyle J. Morris, and  Andrew Scobell, The Evolving Israel-China Relationship, (California: Rand Corporation 2019), p.xii
[13] Pevzner ,Alexender B., A New Era for Israel- China Relations, Jerusalem Post, 23 January 2018.
[14] Ibid..
[15] Kissinger, Henry, World Order, (New York: Penguin Press, 2014), p,305.
[16] Efron, Shira, Howard J. Shatz, Arthur Chan, Emily Haskel, Lyle J. Morris, and  Andrew Scobell, The Evolving Israel-China Relationship, (California: Rand Corporation 2019), p.xii
[17] Burchill, Scott, Liberlaism, in Theories of International Relations, (Hampshire and New York: Palgrave, 2nd edition 2001), Scott Burchill, , p,31
[18]  Office of the United States Trade Representative, Executive Office of the President, The People’s Republic of China.
https://ustr.gov/countries-regions/china-mongolia-taiwan/peoples-republic-china#
Accessed 30 November 2019.
[19] Efron, Shira, Howard J. Shatz, Arthur Chan, Emily Haskel, Lyle J. Morris, and  Andrew Scobell, The Evolving Israel-China Relationship, (California: Rand Corporation 2019), p.xviii
[20] Ibid, p.5
[21] وكالة أنباء شينخوا، مكتب جمهورية الصين الشعبية لدى فلسطين يحتفل بالذكرى الـ70 لتأسيس الجمهورية بحضور فلسطيني واسع، 24 أيلول (سبتمبر) 2019.
[22] وكالة “وفا” للأنباء، الصين: سنعيد طرح مبادرتنا للسلام التي سبقت “صفقة القرن” الأميركية، 8 تموز (يوليو) 2018.
[23] Haaretz (The Associated Press), China Rallies Support for Four-point Israeli-Palestinian Peace Plan, 1 August 2018.
[24] كلمة الدكتور محمد اشتية، رئيس وزراء فلسطين، في العيد الوطني السبعين لجمهورية الصين الشعبية، 23 أيلول (سبتمبر) 2019، أرشيف رئاسة الوزراء الفلسطينية.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *