المدرسة البريطانية للجيوبوليتيك:هالفورد ماكيندر و نظرية قلب العالم 1861-1947

لقد تميز ماكيندر في طريقة تحليله الجيوبوليتيكي، الذي هو في حقيقته تحليل جيواستراتيجي، باهتمامه بالأقاليم وتحليل عناصره، ونظرته للمشاكل الجغرافية على نطاق عالمي، الأمر الذي جعل من النتائج التي توصل إليها تتمتع بخاصة إستراتيجية، لذا يمكن أن نقول أن ماكيندر بدأ بداية جيوبوليتيكية وانتهى بنتائج جيواستراتيجية.
ويبدأ تحليل ماكيندر عندما يقسم –في نظريته- العالم الذي يجمع ما بين اليابسة والماء إلى ثلاث مناطق: منطقة القلب، منطقة الهلال الداخلي، ومنطقة الهلال الخارجي.

ولاحظ أن الجزيرة العالمية، -وهي تلك الحلقة المتصلة من اليابس وهي أوروبا، آسيا، إفريقيا-، تكون ثلثي مساحة اليابس كلية، وأن الكتل اليابسة الأخرى تكون الثلث الباقي وتحيط بالجزيرة العالمية متمثلة في أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا، بينما تمثل البحار والمحيطات ثلاث أرباع العالم، وتكون كتلة مائية متصلة أطلق عليها المحيط العالمي، World Ocean.

ويؤكد ماكيندر على أن الوضع الجيوبوليتيكي الأفضل لكل دولة هو الوضع المتوسط المركزي، كما يؤكد على فكرة مهمة جدا، -ونعتبرها أساسية في دراستنا هذه- وهي أن المركزية مفهوم نسبي ويمكنها أن تتبدل مع كل سياق جغرافي محدد.
والقارة الأوراسية من وجهة النظر الكونية، تقع في مركز العالم –أي الوضع المتوسط المركزي- ويقع في مركزها ما سماه بـقلب العالم أو الـHeartland وهذا هو رأس الجسر الجغرافي الأكثر ملائمة للسيادة على العالم بأسره، فالهارتلاند هو المنطقة الأكثر أهمية في السياق الأعم ضمن حدود الجزيرة العالمية World Island.
وتشمل منطقة القلب -التي أطلق عليها في بادئ الأمر بـ “منطقة الإرتكاز” “Pivot Area” جزءا كبيرا من أوراسيا، هذه المنطقة يحدها من الشرق الصين ومنشوريا، ومن الشمال المحيط المتجمد الشمالي، ومن الجنوب هضاب آسيا وجبال الهيمالايا، أما من الغرب فيحدها نهر الفولكا.

وينظر ماكيندر إلى الهارتلاند من زاويتين: على اعتبار أنه يشمل مناطق الصرف الداخلي في أوراسيا، وعلى اعتبار أنه يشمل المناطق التي يصعب على القوى البحرية الوصول إليها، “تحت الظروف السائدة حينذاك”، إذ يعتبر أن المحيط القطبي شرق البحر الأبيض عقبة طبيعية للتحركات البشرية، أما بحر قزوين وبحر أرال وبحيرة بيكال فهي مياه مغلقة لا تتصل بالبحار الخارجية والطرق العالمية، فعلى الاعتبارين السابقين، نجد أن الهارتلاند ينطبق تقريبا على إقليم واحد،هو إقليم قاري تفصله مناطق انتقالية عن الأقاليم الهامشية البحرية في أوروبا وآسيا،وعلى هذا الأساس كانت عزلة الهارتلاند وأمانه راجعة إلى ظروف جغرافيته الطبيعية: المحيط القطبي المتجمد في الشمال، السلاسل الجبلية والصحاري المتسعة إلى الجنوب والشرق، لكنه سهل الاتصال نوعا ما من جهة الغرب، حيث يسهل اتصاله بأراضي أوروبية عامرة بالسكان.

فقوة الهارتلاند وأهميته يستمدها من اتساعه الكبير، فضلا عن أمانه الطبيعي وتوسطه أوراسيا تقريبا، ولم “تهبه الطبيعة” قوة دفاعية فحسب، بل يتحكم أيضا في خطوط المواصلات الداخلية، فعوامل الاتساع والبعد عن منال القوى البحرية هي قلعة الدفاع الحصينة للهارتلاند، وهي القاعدة الأمينة للقيام بحرب هجومية، فضلا عما يتمتع به من معادن وثروات طبيعية.

كما تصور ماكيندر منطقة ارتكاز ثانية سماها قلب الأرض الجنوبي، وتتكون من إفريقيا جنوب الصحراء، ويتصل القلبان الشمالي والجنوبي عن طريق بلاد العرب، ويحيط بقلب الأرض نطاق أو قوس من الأراضي ذات التصريف المائي الخارجي أطلق عليها ماكيندر اسم الهلال الداخلي Interi or marginal crescent” ويضم هذا الهلال أوروبا الغربية، والأرض العربية الواقعة في “الشرق الأوسط” والمناطق الموسمية في آسيا، وقد اعتبر ماكيندر هذه المنطقة، منطقة الصدام بين القوات البرية والبحرية.

ويحيط بالهلال الداخلي، قوس من الجزر التي تفصلها عن الهلال الداخلي بحار ومحيطات واسعة، سماها ماكيندر “بالهلال الخارجي” “Outer crescent” ويشمل أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وانكلترا واليابان، ويمتلك هذا النطاق قوة بحرية عظيمة.

قلب العالم إذن قاري، وأطرافه جزرية، وعلى هذا وضع ماكيندر فرضيته التي تقول أنه:
– من يتحكم بمنطقة القلب يتحكم بالجزيرة العالمية.
– ومن يتحكم بالجزيرة العالمية يتحكم بالعالم.
وللتغير الطارئ في ميزان القوى بعد الحرب العالمية الأولى، كتب ماكيندر كتابا جديدا عام 1919 سماه “المثاليات الديمقراطية والواقع والحقيقة”، وفيه عدل مصطلح المنطقة المحورية إلى قلب الأرض، وفي نظرة يشمل: بحر البلطيق، الدانوب الأوسط والأدنى، البحر الأسود وآسيا الصغرى، أرمينيا وإيران، التبث ومنغوليا، وبذلك أكد ماكيندر على أهمية شرق أوروبا كبوابة تفتح على قلب الأرض، وأن شرق أوروبا يعتبر المفتاح الوحيد الذي أو امتلكته قوة خارجية يمكنها أن تسيطر بالتالي على قلب الأرض.

وبهذا لخص ماكيندر نظريته في الثلاثيات الآتية:
– من يتحكم في شرق أوروبا يسيطر على قلب الجزيرة العالمية “الهارتلاند”.
– ومن يتحكم في منطقة القلب يسيطر على الجزيرة العالمية.
– ومن يتحكم في الجزيرة العالمية يسيطر على العالم.
– Who rules east Europe, Commands the Heartland.
– Who rules the heartland, Commands the Island.
– Who rules the Island, Commands the World.

[epcl_custom_ads id=”1″]

وفي ضوء تطورات الحرب العالمية الثانية، كتب ماكيندر بحثا تحت عنوان “Round World and Winning of peace” سنة 1943 في مجلة الشؤون الخارجية.
عدل فيه من نظريته حيث جعل الو.م.أ ركنا أساسيا -بعد بروزها كقوة على المسرح الدولي- فبرأيه أن الموقف السياسي للقوة العالمية لا يعتمد فقط على الموقع الجغرافي في قلب الأرض، وإنما يعتمد كذلك على التقدم العلمي والتكنولوجي والتطور الصناعي، ولهذا استحدث اصطلاح “الحوض الأوسط” الذي يضم شمال المحيط الأطلسي وشرق الو.م.أ وغرب أوروبا، واعتبر أن منطقة الرايخ الألماني فاصلا بين الحوض الأوسط من ناحية وقلب الأرض من ناحية ثانية.

مما سبق نلاحظ أن ماكيندر كان دائم التغيير في حدود قلب العالم ونظرته للعالم ككل، إذ لقد كان على علم تام -كجغرافي – بأن استغلال الإنسان لمحيطه الطبيعي كان دائم التغيير، وأن المحيط الطبيعي كان أيضا يتغير، لذلك فنكاد نجزم أن ماكيندر كان سيرسم -لو عاش بيننا اليوم- لوحة جيوبليتيكية جديدة لعالم اليوم، محددا منطقة إقليم جيواستراتيجية جديدة لهذا العالم، فكما يقول ماكيندر نفسه: “أن لكل قرن جيوبوليتيكا”.


هذه دراسة جديدة للعمل الجيوستراتيجي العالمي هالفورد ماكيندر المنوي، من وجهة نظر الجغرافيا والتاريخ الدبلوماسي والعلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والتاريخ الإمبراطوري، و دور المجال أو الفضاء.كان ماكيندر رجلا قبل وقته. وتوقع العديد من القضايا الاستراتيجية الرئيسية التي جاءت للسيطرة على القرن العشرين. حتى تفكك الاتحاد السوفيتي، يخشى استراتيجيو الدفاع الغربيون أن قوة واحدة، أو تحالف، قد تأتي للسيطرة على أوراسيا. ناقش الأدميرال ماهان هذه المسألة في مشكلة آسيا (1900)، ولكن ماكيندر أدلى بأكثر العبارات الموثوقة في “المحور الجغرافي للتاريخ” (1904). وقال انه في “قلب القلب المغلقة من اليوراسيا” كانت منطقة استراتيجيا، مع موارد كبيرة، أنه إذا كانت السيطرة على قوة واحدة يمكن أن يكون أساس الإمبراطورية العالمية. وقد علق جيمس كورث، في الشؤون الخارجية، أنه قد اتخذ حربين عالميتين والحرب الباردة لمنع نبوءة ماكيندر تصبح حقيقة واقعة.

في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية حققت ألمانيا مكاسب إقليمية ضخمة على حساب الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي. في الصراع السابق هزمت الإمبراطورية الروسية من قبل ألمانيا ولكن القوى الغربية أصر على أن المكاسب الإقليمية التي حققتها ألمانيا، في معاهدة بريست ليتوفسك، والتخلي عنها. في الحرب العالمية الثانية قدمت بريطانيا والولايات المتحدة دعما ماديا لنظام ستالين الاستبدادي لمنع ألمانيا النازية من السيطرة على الأراضي والموارد التي قد تكون أساسا للسيطرة على العالم. الغرب، واعية للغاية من المأخذ ماكيندر (1919) أن “الذي يحكم أوروبا الشرقية قيادة هارتلاند”، وسرعان ما اعتمدت سياسات لاحتواء الاتحاد السوفيتي. وهكذا أثبت التاريخ أن عمل ماكيندر له أهمية حيوية لأجيال من التفكير الاستراتيجي، ولا يزال له تأثير رئيسي في الألفية الجديدة. وسيكون هذا الكتاب ذات أهمية كبيرة لجميع الطلاب والعلماء من الدراسات الاستراتيجية والتاريخ العسكري والجغرافيا السياسية على وجه الخصوص.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *