مجموعة من النساء والرجال اليابانيين، يرتدون الملابس التقليدية البيضاء ويهرولون حول المعبد، ومن ثم يغطسون في حوض استحمام مملوء بمياه متجمدة..هذا الطقس التطهري هو إحدى الممارسات الطقوسية الأساسية لديانة الشنتو التي يعتنقها أكثر من 80% من سكان البلاد، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

يابانيون يحيون احتفالية بداية السنة الشمسية على الطريقة الشنتوية

يابانيون يحيون احتفالية بداية السنة الشمسية على الطريقة الشنتوية

التفاعل مع الكامي
ترتبط الديانة الشنتوية بالطبيعة، وهي تفترض أنّ الأصل في البشر الطبيعة الخيّرة؛ حيث تدعوهم إلى التفاعل والتواصل مع الـ”كامي”، والكامي تعبير عن القوى غير المرئية الكامنة خلف كل ما يحيط بنا من ظواهر وموجودات، من الشمس والرياح، وحتى الحجارة، والحيوانات، وهي بذلك تصنف ضمن الديانات والمعتقدات “الأرواحية”.

رمز ديانة الشنتو، يُبنى من الخشب، ويعتبر بوابة توضع على الطرق وفي مختلف الأماكن لمباركتها

رمز ديانة الشنتو، يُبنى من الخشب، ويعتبر بوابة توضع على الطرق وفي مختلف الأماكن لمباركتها

وليس لعقيدة التوحيد مكان في الشنتوية، فبسبب تعدد المظاهر التي يمكن أن تتجلى فيها القوى الإلهية، ربطت الشنتوية بين كل ظاهرة طبيعية وإله معين (كامي)، وبالتالي فإن أعداد الكامي لا يمكن حصرها؛ حيث يقوم كل شخص أو مجموعة بتحديد الكامي التي يتواصلون بها، فيَرهبونها، ويطلبون منها الأفضل.. فالصيادون، يختارون كامي البحر، والحطابون كامي الأشجار، والفلاحون كامي المطر.

تعود أصول وبدايات ديانة الشنتو إلى شعوب “الآينو” التي كانت أول من سكن واستقر في جزر اليابان

وبحسب المعتقدات الشنتوية فإنّه حتى البشر يتحولون إلى “كامي” بعد موتهم؛ إذ لا يوجد اعتقاد بالحياة بعد الموت في الشنتو، وانما يسود الاعتقاد بانطلاق روح الإنسان بعد وفاته، حيث تتحرر من جسدها المادي، وتندمج مع قوى الطبيعة.
ومن أشهر الكامي: الكامي كازي، وتعني الرياح الإلهية؛ حيث يعتقد اليابانيون أنّها هي التي حطمت أسطول المغول مرتين عندما حاولوا غزو الجزر اليابانية (عام 1281م). وهو ما عزز ثقة اليابانيين بالكامي، وعزز من قدسية “الكامي كازي” في الثقافة اليابانية، حتى أنّه قد سميت على اسمها فرقة الطيارين الانتحاريين من الجيش الإمبراطوري الياباني في الحرب العالمية الثانية.

مقاتلون من فرقة "الكامي كازي" الخاصة حيث تم تسميتهم على اسم إله الرياح

مقاتلون من فرقة “الكامي كازي” الخاصة حيث تم تسميتهم على اسم إله الرياح

ومن أشهر الكامي أيضاً: كامي الشمس، حيث يعتبر أهم كامي، ويسمى بـ”أماتيراسو”، وتعني الإله المقدس الذي لا تنتهك حرمته، وقاد ساد الاعتقاد منذ صعود إمبراطورية ميجي بأنّ العائلة الإمبراطورية ترجع إلى الأماتيراسو؛ حيث تحكي الأساطير قصة انحدار الأباطرة منه.

لوحة انبثاق كامي الشمس "أماتيراسو"

لوحة انبثاق كامي الشمس “أماتيراسو”

تعايش الشنتوية والبوذية

تعود أصول وبدايات ديانة الشنتو إلى شعوب “الآينو”، التي كانت أول من سكن واستقرّ في جزر اليابان؛ حيث سادت المعتقدات الأرواحية لدى الآينو، من الاعتقاد بأنّ كل الأشياء لها أرواح؛ حيث نشأت ديانة الشنتو من هذا الأساس.

الآينو سكان اليابان الأصليون الذين انحصر وجودهم اليوم في جزيرة هوكايدو شمالي البلاد

الآينو سكان اليابان الأصليون الذين انحصر وجودهم اليوم في جزيرة هوكايدو شمالي البلاد

وتعد الشنتو اليوم أكبر ديانة في اليابان؛ إذ يعتنقها قرابة 80% من السكان، ويوجد في عموم اليابان قرابة 81,000 معبد لديانة الشنتو، وقرابة 85,000 راهب، وينتمي اليابانيون للشنتوية كنوع من الطقوس والممارسات الاحتفالية أكثر من كونها التزاماً أو انتماء لمؤسسة وكيان ديني منظم.

والشنتو هي الديانة الأصل في اليابان، حيث كانت موجودة قبل البوذية، التي لم تدخل الجزر اليابانية إلا مع القرن السادس للميلاد. ومنذ ذلك الحين، تعايشت الشنتو والبوذية مع بعضيهما، ولم تحدث أي صراعات تذكر بين أتباعهما. حيث يجمع معظم اليابانيين اليوم بين مظاهر الشنتو والبوذية في حياتهم اليومية، وفي حين ترتبط ديانة الشنتو بالاحتفالات والمواسم والمهرجانات، يلجأ اليابانيون إلى البوذية في أوقات الأزمات كالمرض أو الموت.
الصلاة والعبادات

تعايشت الشنتو والبوذية مع بعضيهما ولم تحدث أي صراعات تذكر بين أتباعهما

كلمة الكامي مشتقة من كلمة يابانية قديمة تعني “طريق الآلهة”، حيث تقوم العبادات على فكرة التواصل مع هذه الآلهة، وذلك من خلال تقديم القرابين في المعابد، ومن خلال الصلاة، والتي هي عبارة عن أدعية وأماني يطلبها الشخص من الكامي.
وليس للشنتوية خصائص الديانات السماوية، حيث لا يوجد فيها كتاب مقدس، أو نبي، ولا تحاول أن تقدم تفسيرات كبرى للتاريخ والعالم، ولا يوجد فيها مفاهيم الحق والباطل، والصواب والخطأ، وبالتالي لا محل لفكرة التبشير، والإرساليات، والفتوحات الدينية، حيث تنحصر فكرة الديانة فقط في دخول المرء في اتحاد مع الكامي، الذي هو عبارة عن طاقة روحية، وذلك من خلال طقوس العبادة وطقوس احتفالية، في المعابد والاحتفالات الموسمية.

وبحسب المعتقدات الشنتوية، فإنّ الناس في طبيعتهم غير معصومين من الخطأ، فهي تفترض أنّ الإنسان كائن طيب في الأصل، وأنّ الشرّ يقع نتيجة تدخل الأرواح الشريرة، حيث تنحصر أغلب العبادات الشنتوية في محاولة إبعاد هذه الأرواح الشريرة، عن طريق تنقية النفس والصلوات وتقديم القرابين للكامي.
وترافق الصلاة طقوس كقرع الأجراس، وذلك كنوع من تنبيه الكامي بحضور المصلي وتواصله، وتنشر معابد صغيرة في مختلف الأماكن، وحتى بين المكاتب، وفي المنازل.

يابانيون يؤدون الصلاة في أحد معابد الشنتو

يابانيون يؤدون الصلاة في أحد معابد الشنتو

انهيار قدسية الإمبراطور

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع صعود إمبراطورية ميجي، اقترنت ديانة الشنتو بالإمبراطورية؛ حيث تم استخدامها لإسباغ الشرعية على الأسرة الإمبراطورية الحاكمة، وبذلك اكتسبت ديانة الشنتو بعداً جديداً؛ فارتبطت بالقوميةاليابانية الحديثة، وهي الحالة التي امتدت قرابة القرن؛ حيث انتهت مع العام 1945، عقب إعلان الإمبراطور هيروهيتو هزيمة اليابان واستسلامها، وذلك بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي.
وقد ساد الاعتقاد بقدسية الإمبراطور، واعتباره إلهاً (كامي) متحدراً من كامي الشمس؛ حيث تحكي الأساطير قصتهم وتربطهم بالأصول الإلهية.

الإمبراطور ميجي مؤسس إمبراطورية ميجي

الإمبراطور ميجي مؤسس إمبراطورية ميجي

وقد أدى إعلان الهزيمة إلى تحطيم الإيمان الياباني بالكامي؛ حيث ظهر الإمبراطور في صورة البشري المقهور، الذي كان يفترض أنّه متحدر من آلهة الشمس، وبالتالي تصاعدت الخيبة والشكوك بالعقيدة الشنتوية.

ومنذ ذلك الحين عزف اليابانيون عن الانتساب لها في إطار ممأسس ومنظم، ولكنها بقيت مستمرة وحاضرة في شؤون حياتهم وممارساتهم وثقافتهم اليومية.

vote/تقييم