هل للفلسفة ما تقوله في العالم المعاصر؟ وهل بإمكانها التدخل في النقاشات العامة لتساهم في توضيح رهاناتها وتساعد بشكل أفضل في تحديد شرط جواب ما؟..

إن طموح مجموعة “التدخل الفلسفي” بيان أنه يمكن الجواب إيجاباً على هاتين المسألتين، ليست هناك فلسفة بدون ممارسة العقل.

غير أن العقل الفلسفي، عدا استعماليه الموضوعي والعملي، له أيضاً وظيفة النقد العام. وهذا المفعول العام للفلسفة هو الذي يقتضي الرجوع إليه عن طريق نشر النصوص التي تتخذ موقفاً من مسائل الحالية.

وتم بيان ذلك بصواب، “الاكتساب الخارق للمعرفة ثمنه اكتساب الكبير من الجهل”. وأسوأ من ذلك، في صميم آفات مجتمعاتنا الأكثر خطورة – كالعنف والفقر والتدمير الذاتي للشبان – يتكشف جهل جديد. وأنماط الفكر الخاصة بكل علم أو قطاع معرفة ليست جديدة للإجابة عن مسائل الخبرة مدعوة إلى أن تنتقد بلا كلل التحولات المنهجية والتجريديات لكي تقود الكائن البشري مجدداً، وبصورة خاصة، إلى معنى الكائن الملموس أكثر من غيره والأكثر تعقيداً في هذا العالم.

والثقافة تحدد، قبل أي شيء تطور المجتمعات، قبل أنماط الإنتاج أو الأنظمة السياسية، ألا نرى إلى أي درجة تعيد سلطات الاتصال الجديدة بنية العمل السياسي وعالم الاقتصاد والعلم؟ فالثقافة إذن هي التي يجب في أول الأمر تفحصها والنظر ملياً إلى معناها مجدداً؟ وليس هناك ما هو أكثر عجلة وأكثر حيوية.

وفق هذا الإطار، يبحث المؤلف في موضوع الجهل الجديد الذي يرى أنه من الأشكال المستحدثة الرهيبة للغاية التي يرتديها اليوم، وهو التدمير الذاتي العالمي الثقافة، لذا حاول تحديد ذلك، وإبراز أمراضه التي تجمعها سمة مشتركة هي تدمير الثقافة وبالتالي الإنسان.

عن الكاتب

هو «توما دوكونانك»، أستاذ بجامعة Laval في «كيبيك»، وعميد سابق لكلية الفلسفة وقد سبق أن حاز مؤلفه الموسوم بـ«الكرامة الإنسانية De La dignité humaine»، الصادر عن المنشورات الجامعية الفرنسية «La presse universitaire» سنة 1995، على جائزة: «La Bruyère de l’académie française 1996»

تأثر بـ«أرسطو»، «أفلاطون»، «هيجل»، «إدغار موران»، «سانت أكزيبيري».

2- وجهة نظر شخصية عن المؤلف والمؤلف

في الواقع ليس هناك في الحياة ما هو أفضل وأجمل وأرقى من الصدفة. خصوصا، عندما تكون هذه الأخيرة، شيئا غير اعتيادي، مدهش، يثير الإعجاب ومفيد، ينير العقل، وينقله من حالة «وضيعة» إلى حالة «راقية» تزخر بـ«الإبداع» و«التفرد» و«العظمة».

ليس هناك في الوجود ما هو أكثر جاذبية من العيش داخل «الثقافة الإنسانية». فالإنسان، كما ورد في الكتاب هذا، وجد ليعيش في حالة «الثقافة». إنه الشيء الوحيد في العالم، الذي يميز الإنسان «العاقل» عن سائر الكائنات الأخرى، حتى أذكى وأرقى وأقرب الكائنات إلى الإنسان، في التنظيم «الاجتماعي»، و«السلوك»، لن يصلح، لكل ذي عقل، أن يقارنها بحياة «الكائن البشري» أو أي من الموجودات والكائنات الأخرى. فالحيوانات على سبيل المثال تملك «برنامجًا» مسبقًا ومعدًا سلفًا. ولا يمكنها بالتالي أن تبدع. لا يمكن أن تجد «الأسود» تصطاد بطريقة غير تلك التي تمت برمجتها مسبقًا. عكس الإنسان، الذي يتميز بالاختلاف «المبدع». فالإنسان يعيش وهو مستيقظ عالمًا واحدًا، صحيح، لكن تختلف الطرائق والسبل وردود الفعل. إنه الكائن الأسمى والأرقى على وجه البسيطة. كيف لا وقد كرمه الله عز وجل، وجعله خليفته في الأرض.

لقد كلفه الله تعالى بمسؤولية كبيرة وعظيمة الشأن، لكن الأمر الذي يضجر ويسيء إلى «الكرامة الإنسانية» ويضعها موضع الوحل بين القدمين، هو ما تطرق له بإتقان وأكاديمية عالية، وثقة بالنفس وباللغة والأسلوب، الكاتب. ويتعلق الأمر بـ«غياب الثقافة» في المجتمع البشري. و«غياب الثقافة» يعادله – بدون منازع – «الجهل». بل الأكثر من ذلك، والأخطر أيضًا، هو «جهل الإنسان بأنه يجهل». وهذا ما سماه أفلاطون بـ«الجهل المزدوج»، أو «الجهل الجديد».

لقد أصابنا هذا الكتاب بالدهشة. بحيث إن صاحبه تطرق لموضوع «الثقافة» و«الجهل»، بطريقة احترافية، وبوعي فلسفي وعلمي كبير جدًا. لم نجد بدًا من قراءته مرات عديدة، إعجابًا به وبما تناوله من قضايا فكرية وأخلاقية وسياسية واجتماعية. ناهيك عن ذلك، فسيرة الكاتب وإنجازاته والوظائف الفكرية التي شغلها في بقاع العالم، في الجامعات العظمى، والمعاهد الكبرى، ومساره الأكاديمي والشخصي، وتأثره بعظماء الفكر العالمي، من قبيل «أفلاطون»، و«هيجل»، و«سانت إكزبيري»، و«بول فاليري»، و«بودلير»، و«إدغار موران»، معطيات تظهر بجلاء ووضوح تأمين، إلى أي حد يستحق هذا الكتاب أن يقرأ، وأن يتم العمل بما جاء به من أفكار وإحصاءات وأرقام ومعلومات عن الإنسان.

لذلك نتمنى أن تكون هذه القراءة المتواضعة، في المستوى الذي من شأنه أن يدفع القراء الكرام، خاصة الشباب، إلى قراءته قراءة متأنية. كما نتمنى أن نكون قد حافظنا على رسالته العلمية، وأن نكون قد تمكنا من تقديمه للقارئ بأسلوب سهل، بالرغم من صعوبة مفاهيمه ووزنه الفلسفي الكبير.

الجهل الجديد وقيمة الثقافة أو العقل الأول Logos

يتميز الكائن البشري بخصوصيات تجعل منه كائنًا فريدًا ومتميزًا عن باقي الكائنات الأخرى، ليس فقط بفضل ملكة العقل، بل بفضل الثقافة الإنسانية، والتي هي بدون منازع قادرة على عقلنة الوجود الإنساني بشكل كلي وشمولي. و«الثقافة تحدد، قبل أي شيء تطور المجتمعات، قبل أنماط الإنتاج أو الأنظمة السياسية».

ولعل أخطر ما قد يصيب أي مجتمع بشري، هو «تدمير الثقافة». أو بصيغة أخرى، إهمالها وتجاوزها والتغاضي عنها مقابل تقديس الجانب المادي والربحي وكل ما يمت بصلة إلى ما هو غير الثقافة. وما غير الثقافة «جهل» و«عنف» و«تدمير ذاتي» و«نرجسية» و«غربة».

والأكثر خطورة في الواقع هو ما سماه أفلاطون بـ«الجهل المزدوج» أو «الجهل الجديد». ومفاده، حسب تعريف «سقراط» هو ادعاء المعرفة، بينما العكس صحيح. إذ يقول «سقراط» مخاطبًا «ألسيبياد»: «إنك تتعايش يا صديقي المسكين مع أسوأ أنواع الجهل، فقولك بحد ذاته يتهمك أنت بالذات. وهكذا ترمي بنفسك في السياسة قبل أن تكون قد تثقفت، وذلك هو سبب كل الأخطاء التي يتعرض لها فكرنا جميعًا». إذ إنه «عندما يغيب العقل الأول Logos، ينمو العنف».

وتسمية هذا النوع من الجهل بـ«الجديد»، راجع أساسًا إلى الأسس التي يبنى عليها وهي «تدمير الثقافة»، والحال أن «الثقافة هي تربية الأشخاص غير القابلة للانفصال عن تربية المجموعة»، و«تفتيت الثقافة هو أسوأ تفتيت يمكن أن يوجد» على الإطلاق. وتتجلى جدة هذا النوع من الجهل في تفاقم «ذهنية التجريد الذي ضاعفت التقنية نفوذها 10 مرات»، الجديد هو «التدمير الذاتي العالمي للثقافة ونتيجته الطبيعية هي العنف».

والتاريخ يشهد على ذلك، فأينما وليت وجهك تجد صراعات، وحروبًا، وانتهاكات لحقوق الإنسان، بل انتهاكًا مباشرًا «للكرامة الإنسانية». وأينما وليت النظر ترى وبجلاء وبصيغة مبالغ فيها مظاهر التدمير والعنف، التي تمثلها الإبادات الجماعية ومظاهر الفساد السياسي والأخلاقي الذي تغذيه «الفكريات» الفارغة وتزكيه وسائل الإعلام والشركات الكبرى، التي تنتج أفكارًا تنتهي بقتل «الكلية في كل كائن… إن ما يقتل الناس، كالذي يحييهم، هو الأفكار، ولن يقال أبدًا أكثر من ذلك».

والعلوم – كعلم الأحياء – أو ما يصطلح عليه بـ«البيولوجيا»، ليس قادرًا على دراسة «المسائل المعقدة للخبرة المحسوسة»، ذلك أن النفس البشرية في حاجة ملحة ومستمرة – نظرًا لتغير الزمن والظروف – للتأمل وإعمال الفكر، بصيغة أخرى، لا بد عن اعتماد «التجريد» حتى تفهم خبايا الذات البشرية. والحديث عن التجريد هو الحديث عن «الفلسفة». وبالتالي يتبين «كم هي الفلسفة لا غنى عنها ما دامت مدعوة إلى أن تنتقد، بلا كلل، التجريدات لتقود إلى الملموس».

والفلسفة لا يمكن أن تكون في غياب الثقافة، مهما كانت قيمة وخصوبة هذه الفلسفة. والحال إن «كلًا من عاملي الإنتاج عاجز في غياب العامل الآخر»، بحيث إن «ثقافة النفس البشرية هي الفلسفة». وقد أكد على ذلك بإتقان الفيلسوف الإغريقي الكبير، «أرسطو»، حين قال: إن «الجنس البشري يعيش من الفن والعقل»، و«يستحيل علينا في الواقع، نحن البشر أن نعيش بلا ثقافة»، و«تكوين فكرة خاطئة عن الثقافة يعني التنكر للإنسان»، كما قال بذلك «جون لاكروا».

قيمة البحث العلمي والدراسة والجامعة

لا شك أن الثقافة تحتاج، لكي تضمن استمراريتها وفاعليتها، إلى مؤسسات ومناهج ومثقفين قادرين، على توعية المجتمع بضرورة الالتزام بما يفرضه العقل البشري. لابد إذا عن وجود فاعلين، أبرز ما قد يقومون به هو تربية وتنئشة مواطنين قادرين على المضي قدمًا بمجتماعتهم، ومناهضين لمعالم وبوادر «الجهل» والركود الفكري والجمود. ولعل «العدو بامتياز هو الأفكار الجامدة». فالتربية الفكرية مفيدة؛ لأن الفكر مفيد، وهذا أمر طبيعي، لا مجال للنقاش فيه.

لذلك يبدو أن مهمة المعلم تكمن في إيقاظ «استقلالية كافية» لدى الطلاب، من أجل حثهم على الإبداع في ما يفعلونه، وبالخصوص تكوين طلاب يجيدون «الحكم الناقد». لأن أخطر ما قد يصيب الإنسان، بخاصة الشبان، هو ذلك الهروب غير المرغوب فيه، من الحاضر، أي من الحياة، فيهمون تحت تأثير الجهل، والحزن والفراغ والملل، إلى وضع حد لحياتهم. في أسوأ الأحوال، أو إلى التعاطي للمخدرات بحثًا على عالم آخر أقل قسوة وأكثر أمانًا. إلا أن ذلك هو الجهل عينه. فالحياة تفرض «الاستيقاظ»، يقول «هيراقليطوس»: عاشوا «حياة نائمين مع أنهم مستيقظون» ومنفصلون عن «الحقيقة الخاصة بهذا العالم الذي يعيشون فيه كحلم».

والعيش داخل الثقافة الإنسانية يفرض على الكائن البشري الالتزام بمجموعة من الضروريات، ولعل أبرزها هو الاعتراف بحق الإنسان في التمتع بـ«الكرامة»، فكل إنسان – مبدئيًا – يستحق أن يعيش حياة خالية من الأزمات والمشاكل، كما يستحق كل «الخير» دون أن يكون موضوع «شفقة»؛ لأنه بكل بساطة إنسان وهذه الصفة لوحدها كافية؛ لأن تتحقق الكرامة الإنسانية. ولكي يتحقق هذا المبتغى، لا بد أن يتوفر شرط الوعي الذي هو ليس إلا «الثقافة» عينها بمعناها الشامل والكامل. إن معنى الثقافة حسب «توما دوكونانك» هي «التيقظ والإبقاء على المعنى مستيقظًا، وليس هناك علاج للأزمات غير ذلك».

الاطلاع على الكتاب

vote/تقييم