حملت عملية اغتيال أيمن الظواهري في الأول من أغسطس الجاري، العديد من الدلالات المهمة، فضلاً عما سيترتب عليها من ارتدادات، سواء على مستوى تنظيم القاعدة نفسه، أو على مستوى علاقته ببعض الفاعلين المسلحين الآخرين، وبالتحديد حركة طالبان وتنظيم داعش، لا سيما مع التقارير الأفغانية التي تحدثت عن تورط تنظيم داعش في عملية اغتيال “الظواهري”؛ الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول أبعاد وأوجه الاستفادة الداعشية من مقتل “الظواهري”.

مساعي التوظيف

شهد المسرح الأفغاني جملة من المؤشرات والتحركات عكست بدء تنظيم داعش التحرك من أجل استغلال وفاة “الظواهري”؛ وذلك على النحو الآتي:

1– احتمالية انخراط داعش في عملية الاغتيال: إحدى الفرضيات المطروحة لتفسير عملية اغتيال “الظواهري” تتمثل في تورط تنظيم داعش في هذه العملية؛ حيث أشارت تقارير أفغانية إلى أن “شهاب المهاجر” زعيم داعش خراسان، أرسل منذ عام 2020 “خطاب ولاء إلى الظواهري ملوثاً بمواد كيميائية يمكن من خلالها تعقُّب قائد القاعدة”. ووفقاً لهذه التقارير التي نشرها موقع “أخبار الآن”، فإن “الظواهري” فور تلقيه هذه الرسالة “أدرك أن الولايات المتحدة حددت موقعه، وبدأت تحاول استهدافه”؛ ما دفعه إلى تغيير مكان إقامته. وتعكس هذه الفرضية، خصوصاً حال صحتها، إدراك داعش وجود أوجه استفادة متعددة من الإطاحة بـ”الظواهري”.

2– تصعيد عملياتي من داعش في أفغانستان: عقب اغتيال “الظواهري” بأيام قليلة، شهدت العاصمة كابول انفجاراً كبيراً استهدف تجمعاً شيعياً لطائفة الهزارة احتفالاً بيوم عاشوراء؛ ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص، فيما أعلن التنظيم في مجلة النبأ الخاصة به عن تبنيه الحادث. وفي سياق متصل، أعلن في يوم 8 أغسطس 2022 عن اغتيال “عمر خالد الخراساني” زعيم تنظيم طالبان باكستان، إثر تفجير لغم أرضي في سيارته، أثناء وجوده في الأراضي الأفغانية. وقد حمَّلت بعض التقديرات تنظيم داعش المسؤولية عن العملية في ضوء رغبته في إحراج طالبان. وفي 12 أغسطس اغتال تنظيم داعش الشيخ “رحيم الله حقاني” رجل الدين البارز المؤيد لحركة طالبان، وهو واحد من أكثر المناوئين لتنظيم داعش؛ حيث أصدر العديد من الفتاوى ضد التنظيم. وتعكس هذه المؤشرات سعي التنظيم إلى استغلال اغتيال “الظواهري” على أكثر من مستوى.

3– “تشفِّي” قواعد داعشية في مقتل “الظواهري”: على الرغم من عدم صدور تعليق رسمي حتى الآن من تنظيم داعش على عملية اغتيال “الظواهري”، فإن العديد من الصفحات التي تتحكَّم فيها قواعد التنظيم على وسائل التواصل الاجتماعي، احتفت بالحادث بشيء من “الفرحة والتشفِّي”، وهو ما يعكس أن هذا الموقف هو الموقف العام الحاكم للتنظيم، لكن عدم الإعلان عن هذا الموقف يرتبط، على الأرجح، بعدم رغبة التنظيم في الاصطدام ببعض الاتجاهات “الجهادية” المستقلة، أو حتى بعض الاتجاهات القاعدية.

أهداف متعددة

جاءت مساعي تنظيم داعش لاستثمار عملية اغتيال “الظواهري” وتوظيفها، مدفوعةً بجملة من الدوافع يمكن تناول أبرزها فيما يأتي:

1– تعزيز مكانة التنظيم في الجغرافيا الأفغانية: تُشير أغلب التقديرات التي تناولت تنظيم داعش في أفغانستان المعروف بـ “ولاية خراسان”، إلى أن هذا الفرع للتنظيم يُعد الأكثر قوةً بين أفرع التنظيم المختلفة، وهو الأمر الذي يعكسه تصاعد المنحى العملياتي للفرع، سواء داخل الجغرافيا الأفغانية نفسها، أو في دول الجوار الإقليمي، وكذا تموضع التنظيم في معظم الولايات الأفغانية. ويهدف التنظيم من هذه التحركات إلى تعزيز حضوره في الجغرافيا الأفغانية، باعتبارها مدخلاً للحضور في القارة الآسيوية بوجه عام، استغلالاً للتداعيات المترتبة على صعود طالبان إلى الحكم.

2– استغلال حالة الانهزامية لدى أنصار القاعدة: على الرغم من عدم وجود ارتدادات كبيرة وجوهرية لعملية اغتيال “الظواهري” على تنظيم القاعدة، خصوصاً في ظل الدور الهامشي للظواهري في السنوات الأخيرة؛ بسبب الملاحقات الأمنية وأمراض الشيخوخة التي أصابته، وعجزه عن قيادة التنظيم والتعاطي مع العديد من إشكالاته، فإن هذه العملية ستزيد حالة “الإحباط” و”الانهزامية” التي يعاني منها أعضاء وقواعد التنظيم؛ بسبب “مركزية” القائد في فكر ووعي هؤلاء، وهو أمر سيسعى تنظيم داعش إلى توظيفه لضم العديد من عناصر تنظيم القاعدة، وهي استراتيجية توسَّع التنظيم في الاعتماد عليها مؤخراً؛ حيث احتفت اللجان الإلكترونية التابعة لداعش بشدة، في أواخر يوليو الماضي، بانضمام 11 عنصراً من عناصر تنظيم القاعدة إلى صفوف تنظيم داعش.

3– توظيف الصدام المحتمل بين طالبان والقاعدة: إحدى الفرضيات المطروحة حالياً في إطار محاولات فهم عملية اغتيال “الظواهري”، تتمثل في ضلوع حركة طالبان بدور في عملية الاغتيال، خصوصاً أن المنزل الذي كان يُقيم فيه “الظواهري” منزل تابع لأحد مساعدي وزير الداخلية في حكومة طالبان. وحتى لو انتفت هذه الفرضية، فإن الحركة في نظر تنظيم القاعدة قد تقاعست عن أداء دورها على مستوى تأمين “الظواهري”، وهي اعتبارات تُرجح حدوث صدام بين الطرفَين، بما يمهد لتفكيك التحالف التاريخي بينهما، وهي نتيجة سيكون داعش المستفيد الأكبر منها؛ لأنه يسعى من جانب إلى التفوق على القاعدة، على اعتبار أنها المنافس الأقوى له في ساحة الجهاد العالمي، ومن جانب آخر يسعى التنظيم إلى إسقاط حكم طالبان في أفغانستان، والسيطرة على مفاصل الدولة، عبر استغلال حالة الضعف والفشل التي تسيطر على البلاد بعد عام من حكم طالبان.

4– تأزيم علاقات طالبان بدول الجوار: سوف يحاول التنظيم استغلال عملية اغتيال “الظواهري”، وكذا تكثيف عملياته في أفغانستان، من أجل إرباك المشهد الأمني، واتهام حركة طالبان بالفشل في السيطرة على الأوضاع الأمنية وفرض الاستقرار، وهو أمر يضع الحركة في حرج كبير أمام الداخل الأفغاني وأمام المحيطين الإقليمي والدولي، خصوصاً أن مسألة فرض الأمن والاستقرار تعد من محددات الاعتراف الإقليمي والدولي بالحركة.

في الختام، يمكن القول إن تنظيم داعش يعد المستفيد الأكبر من عملية اغتيال “أيمن الظواهري”، وهي الاستفادة التي تتجاوز حدود تعزيز حضور وفاعلية التنظيم في الجغرافيا الأفغانية والآسيوية بوجه عام، ومزاحمة القاعدة وطالبان إلى حد تقوية التنظيم المركزي نفسه؛ لما سيترتب على عملية اغتيال “الظواهري” من ارتدادات نفسية قد تدفع بعض عناصر تنظيم القاعدة إلى الانشقاق والانضمام إلى داعش، فضلاً عما سيترتب على العملية من صدام بين القاعدة وطالبان، بما يزيد من قوة “ولاية خراسان”.


بقلم محمد فوزي –  إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

vote/تقييم