الأزمة السياسية فى إسرائيل

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز

بقلم : د.حنان أبوسكين – أستاذ العلوم السياسية المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، مصر

  • المركز الديمقراطي العربي
أصيب الإسرائيليون بالصدمة وحالة من الذهول بعد فشل بينامين نتنياهو فى تشكيل الحكومة يوم 29 مايو وخطأ كل التقديرات والتحليلات التى تنبأت بإعلان تشكيلها فى الساعات الأخيرة من المدة القانونية المحددة له على النحو المعتاد فى السياسة الإسرائيلية. ولأول مرة فى تاريخ إسرائيل حل الكنيست الحادى والعشرين نفسه بعد سبعة أسابيع فقط من انتخابه وقرر الدعوة لانتخابات جديدة فى 17 سبتمبر 2019 ليكون أقصر كنيست فى تاريخ دولة الإحتلال. مما يطرح تساؤلات بشأن أسباب تلك الأزمة وأبعادها ومعرفة ماذا يحدث فى الداخل الإسرائيلى.

بداية، اعتاد نتنياهو دوماً على تهديدات أحزاب الائتلاف بحل الكنيست والذهاب لانتخابات مبكرة فى إطار مطالب ومساومات الأحزاب الصغيره له وابتزازه مقابل بقائها فى الائتلاف الحكومى، وقد أعلن أفجيدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا فى نوفمبر 2018 استقالته وانسحاب كتلته من الائتلاف الحكومى مما هدد بإسقاط حكومة نتنياهو والذهاب لانتخابات مبكرة وذلك احتجاجاً على التهدئة واتفاق وقف إطلاق النار مع غزة برعاية مصرية.

وأعلن حزب الليكود فى 25 ديسمبر 2018 موافقة قادة الائتلاف الحكومى على حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة، وقد يفسر تقديم موعد الانتخابات بعدة أسباب منها: الخلافات مع الأحزاب الدينية حول قانون التجنيد الذي يستثنى الكثير من اليهود الأرثوذوكس ( الحريديم) من أداء الخدمة العسكرية، ومحاولة نتنياهو التهرب والالتفاف على إمكانية إحالته إلى القضاء ومقاضاته بعد اتهامات الفساد التى تطارده وتجرى التحقيقات بشأنها منذ فترة طويلة وفى حال تدخل المدعى العام واتخذ أى قرار فإن الليكود سوف يتهمه بالتأثير على الانتخابات، علاوة على تأكيد مدى ثقة المواطنين فيه بالرغم من تهم الفساد التى تلاحقه هو وزوجته سارة نتنياهو .

وبالفعل جرت انتخابات الكنيست الحادى والعشرين فى 9 إبريل 2109 واكتسبت تلك الانتخابات أهمية متزايدة لعدة أسباب من بينها حدة المنافسة بعد تشكل حزب أزرق وأبيض برئاسة بينى جانتس رئيس الأركان الأسبق الذى يحظى بشعبية كبيرة وقدرته على مزاحمة حزب الليكود برئاسة بينامين نتنياهو بقوة فى الساحة السياسية، وارتباك عدد كبير من الناخبين وعدم قدرتهم على تحديد الحزب الذى يصوتون له، علاوة على الدعم الأمريكى غير المحدود لإسرائيل واتخاذ دونالد ترامب خطوات متسارعة نحو إهدار الحقوق الفلسطينية والسعى لتمرير تسوية للصراع الإسرائيلى الفلسطينى متحيزة للجانب الإسرائيلى عقب الانتخابات عرفت إعلامياً “بصفقة القرن”.

بلغت نسبة المشاركة 68,41 ٪ ، بعد أن كانت 72,33 ٪ في عام 2015. ولم يحدث فى تاريخ أسرائيل من قبل أن حصلت قائمة انتخابية على أكثر من مليون صوت ولكن فى الانتخابات الراهنة 2019 تجاوز كل من الليكود وأزرق أبيض المليون صوت. وانخفضت نسبة المشاركة العربية إلى أقل من 50 ٪ مقارنة مع 64 ٪ فى الانتخابات السابقة عام 2015. وبلغ إجمالى عدد مراكز الاقتراع 10 آلاف و720 مركزاً منها مراكز اقتراع فى المستشفيات، والسجون والمعتقلات، وداخل الجيش لتصويت الجنود، والبعثات الدبلوماسية يصوت فيها الدبلوماسيون فقط.

تساوى الليكود مع تحالف أزرق أبيض وحصول كل منهما على 35 مقعداً، أما الأحزاب اليمينية الأخرى فحصلت معاً على 30 مقعداً(شاس، ويهودوت هتوراه،اسرائيل بيتنا، واتحاد اليمين، وكولانو )، والأحزاب اليسارية (العمل ، وميرتس) 10 مقاعد والأحزاب العربية 10 مقاعد. وذلك وفق النتائج النهائية وبعدما كانت قائمة حزب يهدوت هتوراة تتأرجح بين 7 و 8 مقاعد، فقد فازت بالمقعد الثامن على حساب الليكود( انخفض من 36 إلى 35 مقعد بعد إعادة فحص النتائج) . ولم تتمكن أحزاب اليمين الجديد، وزيهوت، وجيشر من تخطى نسبة الحسم.

يلاحظ على تلك النتائج الانخفاض المفاجئ فى عدد مقاعد حزب العمل( من24 مقعد فى 2015 إلى 6 مقاعد فى 2019) وقد يفسر ذلك بالإطاحة بزعيمة حزب هتنوعا أو الحركة تسيبى ليفنى ثم اعتزالها الحياة السياسية، واللذان شكلا معاً تحالف المعسكر الصهيونى الكتلة الرئيسية للمعارضة فى الكنيست السابق. لقد دخل آفى غاباى خلال فترة رئاسته القصيرة فى صراع مع كل عنصر من عناصر الحزب تقريبًا بداية من الأمين العام عيران حرمونى، إلى أعضاء الكنيست الذين ساندوه مثل زهير بهلول ويوسى يونا، ثم يحيموفيتش التى كانت تعتبر مؤيدة سياسية كبيرة له. لقد منى اليسار بهزيمة فادحة تجرده من القدرة على تشكيل معارضة فعالة وتحرمه من دعم أحزاب أخرى مما يعنى المزيد من تغول نظام اليمين الصهيونى. ويلفت النظر أيضاً انخفاض مقاعد حزب كولانو (من10 مقاعد فى 2015 إلى 4 مقاعد فى 2019) وعلى الأرجح أن جمهور الحزبين( العمل و كولانو) الانتخابى قد أعطوا أصواتهم إلى كحول لفان” فى ضوء تقارب الخطاب السياسى.

أما انخفاض مجموع مقاعد الأحزاب العربية( من 13 مقعد للقائمة العربية المشتركة وثالث أكبر تمثيل حزبى فى الكنيست السابق إلى 10 مقاعد للقائمتين العربيتين فى الكنيست 2019) يرجع لانخفاض المشاركة فى الأوساط العربية وقد يفسر ذلك فى ضوء ما يصيب عرب الداخل أو فلسطينى 48 بإحباط متزايد نتيجة التضييق الإسرائيلى عليهم فى المعيشة والممارسات العنصرية التمييزية ضدهم

بناء على ذلك كلف الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين بالفعل يوم 17 إبريل 2019 بنيامين نتنانياهو بتشكيل الحكومة الجديدة. ويمنحه القانون 28 يوماً لاتمام مهمته ويجوز تمديدها بما لا يتجاوز 14 يوماً، وبعدها يعرض برنامج حكومته وتوزيع الحقائب الوزارية على الكنيست للحصول على الثقه غير أن مفاجأة غير متوقعة حدثت وهى فشل نتنياهو الملقب ب ” ملك إسرائيل”. من جانب آخر، تظاهر آلاف الإسرائيليين فى تل أبيب بالتزامن مع إعلان نواب الليكود ونتنياهو عن عزمهم إصدار قانون الحصانة الجديد للحيلولة دون محاكمة عضو الكنيست، وتقييد صلاحيات المحكمة العليا بشأن إلغاء قرارات الكنيست مما يشكل تهديداً للديمقراطية الإسرائيلية المزعومة، وشارك فى المظاهرة كل أحزاب المعارضة تقريبا. مما خلق بيئة ضاغطة على نتنياهو وجعل الآحزاب تتشدد فى مفاوضات تشكيل الحكومة

لقد تبادل ليبرمان ونتنياهو الاتهامات حول عرقلة تشكيل الحكومة بعدما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وتفاقم الخلاف حول قانون تجنيد الحريديم حيث تمسك ليبرمان الذى يمثل التيار العلمانى بموقفه للحد من الإعفاءات التي تمنح لطلاب المدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية وإلزام الحريديم بالتجنيد كغيرهم من الشبان الإسرائيليين، بينما تصر الأحزاب الدينية على الإعفاء من التجنيد لأنهم منغمسون فى تعلم التوراة وهذا أهم من الخدمة العسكرية بالنسبة لليهود وفقاً لرأى الحريديم، ونتيجة لذلك صوت 74 عضواً فى الكنيست على حله يوم 29 مايو 2019 بعد الفشل فى تشكيل الحكومة.

بإمعان النظر فى تشابكات الداخل الإسرائيلى نجد أن ليبرمان قد انضم فى 2016 إلى الائتلاف الحكومى لنتياهو مقابل تعيينه وزيراً للدفاع وهو الائتلاف الذى يضم الأحزاب الدينية فلو كان يرغب فى الوصول لتسوية لفعل وكان بإمكانه إجراء تعديلات طفيفة على قانون التجنيد تكون مقبولة لدى حزبى شاس ويهدوت هتوراه إنما هو يسعى إلى تقديم نفسه قائداً للتيار العلمانى ومنافساً لنتنياهو، وقد كتب على صفحات التواصل الاجتماعى “لا نتطلع إلى إسقاط حكومة نتنياهو ولا نبحث عن مرشح بديل، لكننا لا نتخلى عن مبادئنا ووعودنا لمواطنى دولة إسرائيل”.

خلاصة القول أنه يصعب التنبؤ بديناميكية الانتخابات التى ستعقد فى سبتمبر والتى تثير الكثير من التساؤلات:
  • هل سيتحول الناخبون الإسرائيليون لتجنب المزيد من عدم الاستقرار السياسى ويعززون أغلبية نتنياهو؟
  • أم يعاقبونه فى صناديق الاقتراع كونه يواجه عدة اتهامات بالفساد ؟
  • هل ستعيد معارضة يسار الوسط تنظيم نفسها؟
  • كيف سيتعامل الناخبون مع أفيغدور ليبرمان الذى أشعل هذه الأزمة برفضه الانضمام إلى ائتلاف نتنياهو؟
  • التساؤل الأهم هل ستؤجل تلك التطورات طرح التصور الأمريكى لتسوية القضية الفلسطينية؟
 

الكاتب: politics-dz
Article Title: الأزمة السياسية فى إسرائيل
Source URL: مكتبة الدراسات السياسية والإستراتيجية-https://www.politics-dz.com/community/
Quote & Share Rules: Short quotations can be made from the article provided that the source is included, but the entire article cannot be copied to another site or published elsewhere without permission of the author.

أعلى