بحث الاتحاد الأوربي: نحو اندماج شامل

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز

اعداد : ذ.محمد دهي
يعتبر الاتحاد الأوربي نموذجا للتكتلات الإقليمية وقطب من الأقطاب الرئيسة في العالم المعاصر ، وهو إطار مؤسساتي يدبر وينظم المجال الأوربي المشترك والتعاون السياسي والاقتصادي بين 27 دولة عضو مكون للاتحاد: فما الاتحاد الأوربي: تطوره التاريخي ومؤسساته؟ مامظاهرالاندماج في الاتحاد وما عوامله ؟ وما حصيلة الاندماج بين دول ا لاتحاد الأوربي وما تحدياته و آفاقه ا لمستقبلية؟


الاتحاد الأوربي:مراحل التأسيس مظاهر الاندماج


1-1- مراحل تأسيس الاتحاد الأوربي.


مر الاتحاد الأوربي في تشكله بمرحلتين أساسيتين هما:


* المرحلة الأولى: تأسست المجموعة الاقتصادية الأوربية بموجب معاهدة روما سنة 1957، وقعتها ستة دول ( فرنسا ، ألمانيا الغربية ،ايطاليا ،بلجيكا ،اللوكسمبورغ وهولندا )، وهي نفسها المؤسسة للمجموعة الأوربية للفحم والفولاذ سنة 1951، ومن أهدافها تحسين الوضع الاقتصادي بإزالة الحواجز الجمركية والتصدي للاحتكار وجعل أوربا أكثر استقلالية اقتصاديا. اعتبرت هذه المجموعة اللبنة الأولى لتأسيس الاتحاد الأوربي . كما أسست أيضا المجموعة الأوربية للطاقة النووية في نفس السنة، بهدف خلق سياسة موحدة في مجال الطاقة.


*المرحلة الثانية : تغير اسم المجموعة الاقتصادية الأوربية وأصبح اسمها الاتحاد الأوربي في معاهدة ماستريخت سنة1992، وتحول المجال الجغرافي الذي يشمله التكتل الى مجال ذي بعد قاري يضم كل دول أوربا تقريبا :27 دولة .


انطلاقا من سنة 1992تحول المجال الأوربي الى سوق موحدة تطبيقا لاتفاقية الفصل الوحيد 1986التي نصت على تكوين سوق أوربية واسعة مشتركة. هيأت معاهدة ماستريخت ظروفا جديدة للتعاون الأوربي بتحقيق الوحدتين الاقتصادية و النقدية (بنك مركزي أوربي وعملة موحدة 2002)، والوحدة السياسية .


تلتها معاهدات أخرى هي معاهدة أمستردام 1997التي فرضتها التحولات الدولية الجديدة وعلىراسها العولمة والأمن، وكذلك لإعادة النظر في السياسة الخارجية والأمن والتجارة الخارجية للاتحاد . ثم أعقبتها معاهدة نيس 2001 التي تقرر فيها إدخال تعديلات على أجهزة الاتحاد ومؤسساته قبيل انخراط 10 دول أخرى من أوربا الشرقية في 2004 .


1-2 وصف مظاهر الاندماج بين دول الاتحاد الأوربي


ا- مظاهر الاندماج المجالي :


يتميز مجال الاتحاد الأوربي بالتنوع والتباين ، ويصنف حسب ذلك الى المجالات التالية :


* مجالات حيوية مندمجة : يعتبر قلب الاتحاد المجال الاقتصادي الأكثر دينامكية ، تحيط به هوامش حيوية مندمجة نظرا لتركز مختلف الأنشطة الاقتصادية فيها كالمؤسسات والصناعات العالية التكنولوجيا ومراكز البحث العلمي وشبكات الاتصال المتنوعة والكثيفة والأقطاب الكبرى ذات الإشعاع العالمي كباريس ولندن وأمستردام .


* -مجالات في طور الاندماج: تنتشر في أطراف الاتحاد، وهي صنفان:


الصنف الأول : مناطق تتلقى مساعدات مالية دائمة كاليونان والبرتغال وجنوب ايطاليا وفنلندا وايرلندا ومجموع الدول المنخرطة منذ 2004في الاتحاد الأوربي .


الصنف الثاني: مناطق في طور التحول وهي مجالات محاذية للهوامش الحيوية المندمجة:





ب- مظاهر الاندماج الاجتماعي:


أ ثمر الاتحاد الأوربي مكتسبات كثيرة استفاد منها الإنسان الأوربي وعل رأسها حرية التنقل دون الحاجة الى جوازات سفر(اتفاقية شينغن 1985 ) والسوق الموحدة واعتماد برامج تعليمية وتربوية تحرص على توحيد الدبلومات والمؤهلات المهنية كبرنامجي Erasmus و sucrates. كما استفاد من الحقوق السياسية والمدنية التي يضمنها الدستور الأوربي، والتنمية والتقدم العلمي والتقني والتفاعل الثقافي واللغوي.





د- مظاهر الاندماج الاقتصادي:


* فلاحيا : تمثل الاندماج في وضع ا لسياسة الفلاحية المشتركة سنة1962 ، هدفت الى الرفع من الإنتاجية ودعم أسعار المنتجات الفلاحية وتمويل الموجه منها للتصدير ، والرفع من مستوى عيش الفلاح وتحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية البيئة .


* صناعيا : لعب التنظيم الرأسمالي الفعال دورا كبيرا في تأطير القطاع الصناعي في إطار الاتحاد الأوربي ، حيث تعاونت الدول الاعضاء في تهييئ الظروف الملائمة لتحقيق الاندماج الصناعي،وذلك بواسطة عدة إجراءات دعمت بواسطتها المقاولات (تقديم القروض ومساعدة القطاعات المتضررة وتأهيل اليد العاملة وتشجيع البحث العلمي والاهتمام بالطاقات البديلة كالطاقة النووية والتنسيق لمواجهة المنافسة الدولية التي تفرضها العولمة ( اليابان والولايات المتحدة الأمريكية ) .





* تجاريا: تجسد السوق الأوربية الموحدة الاندماج التجاري المتمثلة في رفع الحواجز أمام الأفراد والسلع والخدمات، وفي التنسيق بين الدول الاعضاء على مستوى التجارة الخارجية لتقوية تنافسية الاتحاد الأوربي عالميا .





* ماليا : حققت الدول الأوربية الاندماج المالي نسبيا بخلق سياسة مالية موحدة تمثلت في بناء الوحدة المالية والاقتصادية والعملة الأوربية الموحدة الاورو منذ 2002 وحرية تنقل الأموال والاستثمارات .


2- العوامل المساعدة على اندماج بلدان الاتحاد الأوربي .


2-1- مقومات الاندماج:


أ – الجغرافيا : الانتماء الى قارة واحدة، وتشابه الظروف الطبيعية .


ب – التاريخ : معايشة أحداث تاريخية كبرى مشتركة ( النهضة الأوربية والثورات الليبيرالية والديموقراطية وعصر الأنوار وأزمة 1929 والحربان العالميتان الأولى والثانية ؛ وهي أحداث دفعت الأوربيين الى السعي في اتجاه تحقيق الاندماج لتجاوز الأزمات) .


ج –النظام الديمقراطي: اعتماد الأسس الديمقراطية في الخيار السياسي لجل الدول المكونة للاتحاد وتشبع شعوبها بقيمها واحترام حقوق الإنسان.


د –اقتصاديا: اعتماد النظام الليبرالي المدافع عن النظام الرأسمالي والمساعد على خلق ظروف المنافسة في إطار الاتحاد الأوربي.


ه – ثقافيا: ارتفاع المستوى العلمي والفكري لساكنة الاتحاد: الأوربي وتشكل الوعي لديها بأهمية التكتل والاندماج.


2-2- دور المؤهلات الطبيعية في تحقيق الاندماج :


ساعد الوسط الطبيعي في الاتحاد الأوربي ، الغني بتنوع تضاريسه ( سهول وأحواض كبرى مثل حوض باريس والسواحل الممتدة ) و تنوع مناخه ( موقع أوربا في النطاق المناخي المعتدل : المناخ المتوسطي ، المناخ القاري والمناخ المحيطي ) بالإضافة الى توافر ثروات باطنية وطاقية هامة ، في تحقيق الاندماج الاقتصادي .


-2-3- دور المؤهلات البشرية :
يعتبر الاتحاد الأوربي تجمعا بشريا مهما ، يتجاوز 500 مليون نسمة ، وتتميز هذه الساكنة بدرجة عليا من التعلم والتاهيل المهني ، وتتمتع بدخل فردي مرتفع مما ساهم في خلق سوق استهلاكية ضخمة .





2-4- دور سياسة التنظيم المحكم في الاندماج الأوربي :


تشرف على تسيير الاتحاد الأوربي عدة أجهزة هدفها تحقيق الاتحاد والاندماج بين أعضائه وهي :


- المجلس الأوربي: يتكون من رؤساء الدول والحكومات، وهو يقرر السياسة العامة للبلاد.


- البرلمان الأوربي:يتكون من732 عضو منتخب تنحصر مهامهم في وضع ا لقوانين ا لتشريعية ومناقشتها.


- مجلس الوزراء :يتكون من 27 عضو ، ينفد سياسة الاتحاد .


- اللجنة الأوربية: تتكون من30 مفوض، تقترح المشاريع وتناقشها.


- محكمة العدل : تتكون من 15 قاضيا و 9 مستشارين في القانون ، تقوم بدور التحكيم والمراقبة بين الدول الاعضاء ومؤسسات الاتحاد .


- البنك الأوربي المركزي : يتكون من27 محافظا للايناك المركزية للدول الاعضاء ، وهو يراقب المداخيل والمصاريف


نهجت الدول الاعضاء للاتحاد سياسة مندمجة في جميع القطاعات :


- السياسة الفلاحية الموحدة : الرفع من الإنتاجية ، استقرار الأسواق ، مستوى عيش الفلاح …


-السياسة الخارجية: تنمية التبادل الحر والتجارة الخارجية…


-السياسة المالية: توحيد العملة، توحيد وحماية السوق الداخلية…


-السياسة الاجتماعية:الاهتمام بالتشغيل، الحماية الاجتماعية…


- السياسة الجهوية : تقليص الفوارق الجهوية في التنمية …


- السياسة البيئية : المحافظة على البيئة وحمايتها من أخطار الثلوث …


- السياسة الدفاعية: توفي قوة عسكرية لضمان الأمن والسلم…


2-5- التحديات الخارجية :


فرضت التحديات الخارجية المتمثلة في منافسة التكتلات الأخرى( Alena + ( Asianوظروف العولمة في جعل الاندماج مسالة حتمية بالنسبة للأوربيين .


3-حصيلة الاندماج بين دول الاتحاد الأوربي وتحدياته وآفاقه المستقبلية .


3-1- حصيلة الاندماج بين بلدان الاتحاد الأوربي :


ساهم الاندماج في تمكين الاتحاد الأوربي من التحول الى مجال مهيمن في إطار العولمة و الى قطب من الأقطاب الثلاثة العالمية الأولى ( الولايات المتحدة الأمريكية و اليابان و الاتحاد الأوربي ) وتتجلى هذه المكانة فيما يلي :


أ – ضخامة الإنتاجين الفلاحي والصناعي وتنوعهما ؛ حيث يحتل الاتحاد الأوربي المراتب المتقدمة في إنتاج العديد من السلع خاصة في صناعة السيارات وإنتاج القمح ، كما يتفوق في الصناعات العالية التكنولوجيا خاصة الطائرات كطائرة Airbus وهي خير دليل على نجاح السياسة الصناعية المشتركة .


ب- الاتحاد الأوربي قوة تجارية عالمية ترتبط بشبكة عالمية من الزبناء، تهيمن على بنيته التجارية المنتجات الصناعية .ويبلغ نصيبه من التجارة العالمية حوالي 19% وبذلك يحتل المرتبة الأولى الى جانب الولايات المتحدة الأمريكية .


3-2- التحديات والآفاق المستقبلية :


أ- التحديات :


- تأخر الاتحاد الأوربي في الصناعة الالكترونية وعجزه في منافسة اليابان والولايات المتحدة .


- تباين توزيع الثروة بين دول الاتحاد الأوربي نظرا للفارق الكبير بين معدلات الدخل الفردي بين الدول المنخرطة أخيرا 8000 دولار مقارنة بالدول المؤسسة للاتحاد الأوربي 25000 دولار.


- تفاوت درجة التنمية بين الدول الاعضاء خاصة الشرقية منها .


- تحديات التوسع المجالي للاتحاد الأوربي التي تفرض عليه تطوير وظائف مؤسساته و تكييفها للاستمرار في الاشتغال والعمل .


- صعوبات في تطبيق بعض القرارات المتفق حولها مثل : حرية انتقال العمال لا زالت غير تامة – عدم تعميم العمل بالوحدة النقدية الاورو – وحدة السياسة الجبائية لا زالت غير مطبقة .


ب – الآفاق المستقبلية:


- السعي الى تحقيق نفوذ اقتصادي وتجاري عالمي ، وتأسيس أوربا المستقرة سياسيا ، وسوق داخلية كبرى .


-إنهاء التقسيم الذي عاشته أوربا اثناء الحرب الباردة .


- ضمان القدرة على المنافسة الدولية بين الأقطار الكبرى .





خلاصة :


يحاول الاتحاد الأوربي تحقيق الاندماج الشامل تساعده في ذلك عدة مقومات لكن بالمقابل تعترضه عدة صعوبات تعيق سرعة هذا الاندماج:


* تمكنت الدول الأوربية من بناء احد اكبر التجمعات الاقتصادية في العالم بالرغم من الاختلافات اللغوية والثقافية والمذهبية


* نجحت دول الاتحاد في تجاوز الصراعات السياسية الموروثة واتجهت نحو تنمية شعوبها وبذلك حقق احد أهدافه المسطرة .* تضارب مواقف الدول الأعضاء بشان انضمام دول جديدة ذات خصوصيات ثقافية مختلفة كتركيا مثلا.
 

الكاتب: politics-dz
Article Title: بحث الاتحاد الأوربي: نحو اندماج شامل
Source URL: الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية-https://www.politics-dz.com/community/
Quote & Share Rules: Short quotations can be made from the article provided that the source is included, but the entire article cannot be copied to another site or published elsewhere without permission of the author.

أعلى