تقرير الدور الاوربي –المانيا و فرنسا – في تحرير الموصل.. كيف .. و لماذا؟

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز


قد لايختلف إثنان على أن زيارة الرئيس الفرنسي هولاند الى العراق لتحية الجنود الفرنسيين الذين يساندون القوات العراقية التي تحاول تحرير مدينة الموصل من قبضة داعش في اليوم الثاني من بدء عام 2017 دليل واضح على اهمية نتيجة المعركة بالنسبة للراعي الثاني للأتحاد الاوربي بعد المانيا التي ارسلت وزيرة الدفاع الالمانية قبل فترة وجيزة الى العراق للإطلاع على سير عمليات تحرير الموصل و كذلك لرفع معنويات الجنود الألمان المتواجدين في شمال العراق لإسناد القوات العراقية (وهذه المرة الاولى التي تتواجد فيها قوات المانية على الارض العراقية)
 

المرفقات

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز
المانيا و العراق


تاريخها:
مما لا شك فيه ان دراسة تاريخ العلاقات الثنائية لبلدين لا يمثلان جوار لا بد ان يشمل هذا التاريخ جوانب اخرى من العلاقات كالإقتصادية و العسكرية من دون الإقتصار على العلاقات السياسية (الدبلوماسية) و التي لا تنكر فعلها التاريخي في تقريب العلاقات و نسج وشائح العلاقات الخارجية بين الدول.

تشير العديد من الدراسات السياسية ذات البعد التأريخي الى ان التوجه الالماني لمنطقة الشرق الاوسط و لا سيما العراق جاء متأخرا و تحديدا مطلع القرن العشرين، و قد يرجع السبب الى انشغال ألمانيا بترتيب اوضاعها الداخلية و تأخرها في مرحلة الثورة الصناعية، مقارنة ببريطانيا التي حاولت مد نفوذها الى مناطق واسعة من العالم لتأمين احتياجاتها من الموارد الخام الاولية و اليد العاملة من خلال سياسة استعمارية أساسها القوة العسكرية على عكس المانيا التي حاولت بناء علاقاتها من خلال الجانب الاقتصادي، فاستطاعت الحصول على امتيازات سكك الحديد في العراق و الوطن العربي و جهة الشرق الاوسط عام ١٨٩٨ ، و قد اثار هذا الامر ضجة كبيرة بين الدول الاوربية، و تم تمويل المشروع بالإتفاق بين البنك الألماني (Deutche Bank) و البنك الامبراطوري العثماني و شركة أزمير قصبة الفرنسية فأبرم الاتفاق في ٦/اذار/١٨٩٩ وكانت الغاية الالمانية من وراء هذا هذا المشروع تحقيق اهداف معينة منها : اولاً- منح الحكومة الالمانية في ذلك الوقت القدرة على ارسال قوات عسكرية الى حدود الهند البريطانية ، ثانياً: قدِّرَ لهذا المشروع ان يساهم في توسيع رقعة النشاط التجاري الالماني خارج القارة الاوربية، اذ سيختصر الطريق من اوربا الى الهند بـ٧٢ ساعة على الاقل مقارنةً بالطريق البحري المار بقناة السويس. و في العام نفسه وصلت الباخرة الألمانية (أوكونا) إلى الخليج العربي و قد كانت حافزاً للتاجر الالماني الشهير (روبرت فونكهاوس – Vonkhous.R ) للعمل على إنشاء مخزن (لنجة) بالقرب من ميناء بندر عباس، لكنه سرعان ما اصطدم بالنفوذ البريطاني في المنطقة إثر توقيع بريطانيا للعديد من اتفاقيات الصداقة و الحماية مع شيوخ مناطق الخليج العربي مما ادى الى فشل المشروع.

دبلوماسياً:
تربط ما بين المانيا و العراق علاقات صداقة متينة يعود تاريخها إلى ما قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة. تطورت العلاقات ما بين البلدين منذ تغيير الحكم في عام 2003 و تقوم اليوم على زيارات متبادلة كثيرة لمسؤولين رفيعي المستوى.

لقد عادت العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين العراق و المانيا من خلال اعتماد السفراء في كلٍ من بغداد و برلين بتاريخ ٢٤ و ٢٨ آب ٢٠٠٤، و قد كان هنالك علاقات دبلوماسية محدودة بين الجانبين منذ حرب الخليج عامَي ١٩٩٠ و ١٩٩١ و أثناء الادارة الانتقالية المدنية، و يوجد في اربيل قنصلية المانية عامة منذ مطلع عام ٢٠٠٩ و هي بذلك تمنح الاهتمام بالعلاقات مع اقليم كردستان العراق أيضاً و الأكراد العائدين الذين قضوا حياة المهجر في المانيا.

بعد ٢٠٠٣:
لقد قدّمت المانيا للعراق مباشرة بعد بدء الحرب عام ٢٠٠٣ مساعدة إنسانية شاملة و هي تدعم البلد منذ ذالك الحين في عملية اعادة البناء السياسي و الاقتصادي. و من محاور هذا الدعم هو بناء دولة النظام و القانون ( و خاصة في المجال القانوني ) و حقوق الانسان و الاعلام (المهني) و الثقافة و إعادة اندماج اللاجئين و المهجرين داخل البلد من خلال إجراءات تدعم الاقتصاد و إعادة الإعمار. و قد ناهزت قيمة المساعدات الاوربية التي قدِّمت للعراق منذ عام ٢٠٠٣ مبلغ 400 مليون يورو. و كان من ضمنها إسهام المانيا في المساعدات الاوربية و الإسهامات الالمانية متعددة الاطراف ( عن طريق البنك الدولي و صندوق النقد الدولي ). يضاف الى ذلك إعفاء العراق من دفع ديون لألمانيا بقيمة ٤,٧ مليار يورو في إطار نادي باريس. و قد شارك اكثر من ٢٥٠٠ عراقي بدورات تدريبية (منهم المهندسون و القضاة و الدبلوماسيون و الصحفيون و موظفوا الدولة، ..إلخ.). و كذلك تدعم المانيا مشاريعاً تقوم بها الأمم المتحدة و المنظمات الدولية داخل العراق.

يمكن للعلاقات الاقتصادية التقليدية بين العراق و المانيا ان تسهم بشكل كبير في إعادة إعمار البنى التحتية و الخدمات الاقتصادية الاساسية مما يسهم بالتالي بشكل مباشر و ايجابي على الاستقرار السياسي للبلد. إرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في السنوات الاخيرة بشكل مُضطرِد. ففي عام ٢٠١٢ بلغت قيمة الصادرات الالمانية إلى العراق 1,28 مليار يورو، بينما استوردت المانيا من العراق بضائع بقيمة 515,6 مليون يورو. إضافة لذلك فإن السوق العراقي ينطوي على إمكانيات عظيمة للقطاع الاقتصادي الألماني. تُوْلِي الحكومة الألمانية قضية إصلاح قطاع التدريب المهني في العراق أهمية خاصة، و تستند الحكومة الالمانية في هذا الدعم على جملة واسعة من الاجراءات. كما تدعم وزارة الخارجية الالمانية مكتبين اقتصاديَين المانيين في كلٍ من بغداد و اربيل.

المانيا و العراق و الارهاب:
بعد احتلال داعش للموصل في حزيران ٢٠١٤ و مذبحة الايزيديين في سنجار قامت المانيا باسناد العراق و كردستان و بشكل مباشر من خلال تقديم دعم و جهد عسكري و انساني لوقف تقدم داعش و كذلك لمساعدة النازحين و الهاربين من بطش هذه العصابة الإرهابية و لعل من اهم الملفات التي كان و ما زال لالمانيا الجهد الاكبر فيها هو ملف الاستقرار بعد التحرير( stabilization after Liberation) للمناطق المحررة خاصة في محافظة نينوى.

الجهد الانساني:
في عام ٢٠١٤ بلغت المساعدات الالمانية للعراق ١٤٥,٥ مليون دولار للاعمال الانسانية و تم تسيير ١١ رحلة اغاثة الى اربيل مع ما يقرب من ٢٠٠ طن من المواد الغذائية و البطانيات و الخيام و المستلزمات الطبية. و كثفت المانيا مساهمتها في دعم العراق في عام ٢٠١٥ من خلال مساعدات بلغت قيمتها حوالي 350 مليون دولار التي ستساهم في معالجة ازمة النازحين و تحديات تحقيق الاستقرار و إعادة الإعمار و الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي. و اما في عام ٢٠١٦ فاعتُبِرت المانيا اكبر دولة مانحة للعراق في مجال المساعدات الانسانية و خاصة إلى النازحين و اعادة الاستقرار للمناطق المحررة من داعش.

كما ان المانيا تعتبر ان الاقلية الايزيدية قد تعرضت إلى إبادة جماعية Genocide لذا فهي قد استضافت كمهاجرين نحو اربعين ألفاً ، يتمركز العدد الاكبر منهم في مدينة (سيل) التي تقع في ولاية (ساكيونيا السفلى) بالإضافة الى تقديم المساعدات الخاصة للنازحين منهم في مخيمات لهم في محافظة دهوك و يقدَّر عدد النساء و الاطفال الأيزيديين المختطفين الباقين عند تنظيم (داعش) بنحو ثلاثة آلاف، و تقول بعض التقارير إن هذا التنظيم يقوم بتدريب الاطفال و تهيئتهم ليكونوا جزءاً من قواته، و يتاجر بالنساء كالعبيد، و قد هرب عدد منهن، كما اطلق التنظيم -في الآونة الاخيرة- نحو ٢٠٠ ايزيدية و ايزيدي.

الجهد العسكري:
يعتبر وجود عسكريين المان يقدر عددهم بين ١٠٠ الى ١٥٠ عنصر في اربيل لمقاتلة داعش من المرات القليلة التي تتواجد فيها القوة العسكرية الالمانية خارج ارضها بالرغم من كونها متحالفة مع قوات دولية أخرى و قد استطاعت هذه القوة المُضِي في تدريب البيشمركة التابعة لحكومة اربيل من خلال إفتتاح مركز عسكري لها في ٢٠١٤ و كذلك مدها في السلاح و العتاد اللازمين لخوض المعركة الشرسة ضد تنظيم داعش مثل ١٦٠٠ رشاشة نوع G3 و ٨٠٠٠ مسدس و مئات الصواريخ المضادة للدروع و ١٠٠ عربة و خيم و مطابخ ميدانية و مولدات كهربائية بالاضافة الى ٤٠ قطعة من صواريخ ميلان Milan المضادة للدروع و التي تستطيع اختراق درع بـسُمك ٧٠سم و على بعد ٢ كيلو متر مما جعله من الاسلحة المحددة لحركة العجلات المفخخة التي يستخدمها التنظيم.

في إطار تقديم الدعم لحربهم ضد تنظيم “الدولة الإسلامية ” المعروف باسم “داعش” في شمال العراق ، يتلقى ٢٨ ضابطاً من البيشمركة الكردية في قاعدة عسكرية المانية تقع في مونستير شمال المانيا تدريبات على يد ضباط الألمان ، و تتدرب البيشمركة على الحصول على المعلومات عن العدو دون طائرات بدون طيار أو الرادار لتقييمها من أجل عمليات عسكرية.

و قدم الجيش الالماني مساعداته العسكرية لقوات البيشمركة حتى الان بنحو ١٨٠٠ طن من الأسلحة و المعدات العسكرية ، بينها ألف قذيفة مضادة للدبابات و ٢٠ الف بندقية هجوم كذلك تلقى ٤٧٠٠ جندي من البيشمركة و مقاتلين أيزيديين و من طوائف دينية اخرى تدريبات على القتال بمشاركة مستشارين عسكريين المانيين. و يوجد في الاقليم ٩٥ جندياً المانياً.

الجهد السياسي:
تسعى المانيا من خلال ملف إعادة إستقرار المناطق التي كانت محتلة من قبل تنظيم و قد قال السفير الالماني السابق في العراق اكهارد بروزه: “لا يكفي طرد داعش عسكرياً من المناطق المحتلة. لن يتحقق النصر على داعش الا من خلال النجاح في البناء المدني و توفير الظروف الملائمة لعودة النازحين” و للغرض نفسه سيتم توفير قرض بشروط مخففة الى العراق مقداره ٥٥٠ مليون دولار امريكي و قد أشاد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بهذا القرض قائلاً :

“إن هذا القرض الالماني للعراق البالغ ٥٥٠ مليون دولار أمريكي و بشروط جيدة جداً ، يمثل اشارة قوية لدعم الحكومة” و أضاف “سنقوم من خلال هذا القرض بتوفير الاستثمارات اللازمة في المناطق المحررة لكي يتسنى للنازحين العودة إلى مناطق سكنهم و ديارهم. ما أن يصادق مجلس النواب على القرض، سنضمن أن يتم استخدام هذه الاموال دون تأخير لمصلحة الشعب العراقي”.

علماً انه سيتم توفير القرض من قبل المصرف الحكومي الألماني للتنمية KFW و بفائدة تبلغ 4.4% كما ستواصل المانيا دعم العراق لتنفيذ الاستثمارات في المناطق المحررة من خلال تقديم الاستشارات الادارية و بدون مقابل. يسدد العراق القرض في فترة تبلغ 15 سنة ، في اول خمس سنوات لن يكون هنالك تسديد.



فرنسا و العراق


تأريخياً:
تعود العلاقات الدبلوماسية بين العراق و فرنسا إلى مراحل متقدمة في التاريخ الحديث عندما كان العراق جزءاً من الدولة العثمانية، ذلك أن أول تمثيل دبلوماسي قنصلي لفرنسا كان في مدينة البصرة عام ١٩٢٣، و قد فوض السفير الفرنسي في الاستانة رئيس الكراملة في البصرة عام ١٦٣٨ القيام بالمهام القنصلية و تسهيل أمور التجار الفرنسيين فضلاً عن واجباته الدينية. و شهد عام ١٧٣٩ نقلة نوعية في تطور التمثيل الدبلوماسي الفرنسي في العراق اذ اعتمدت الخارجية الفرنسية على دبلوماسيين مهنيين لشغل المناصب الدبلوماسية و القنصلية في العراق، إذ تم تعيين بيردي مارتنفيل (Martinvill De Pierre) و قدد حددت الخارجية الفرنسية مهامه بالحفاظ على المصالح الفرنسية المتمثلة بتأمين الاتصال بين الهند و اوربا أولاً، و مراعاة المصالح التجارية ثانياً.

اصبحت في عام ١٧٥٥ المقيمية الفرنسية في البصرة مؤسسة دائمة ، و عينَ لها قنصل فرنسي و استهدفت هذه المبادرة الحد من النشاط الهولندي و البريطاني. أما في بغداد فقد عينت الحكومة الفرنسية في عام ١٧٤٢ المسيو بيري بيليه (Bielee Perrie) قنصلاً لها، و قد وفرت الحكومة الفرنسية حتى وفاته في عام ١٧٧٢ الحماية اللازمة لقناصلها في العراق ليتسنى لهم القيام بواجباتهم بعيدا عن مضايقات الدولة العثمانية. تراجع التمثيل الدبلوماسي في العراق في القرن التاسع عشر بسبب الاحداث الداخلية التي مرت فيها فرنسا و طبيعة الظروف الدولية التي كانت تحيط بها آنذاك نتيجة لأحداث الصورة الفرنسية و غزو نابليون لمصر. إلا ان تلك المصاعب لم تكن تعني انعدام النشاط الدبلوماسي الفرنسي في العراق بل استمر حتى تخلص العراق من الدولة العثمانية، و وقوعه تحت الاحتلال البريطاني في العقد الثاني من القرن العشرين.

دبلوماسياً:
حاولت بريطانيا بعد تأسيس الدولة العراقية و تتويج الملك فيصل الاول في عام ١٩٢١ ملكاً على العراق الإنفراد في العراق و ابعاد اي نفوذ سياسي اجنبي عنه ، و على نحوٍ خاص فرنسا. بالمقابل كان صانعوا القرار السياسي الفرنسي و مبرمجي السياسة الخارجية الفرنسية يرون ضرورة إقامة و تطور العلاقات الدبلوماسية و القنصلية مع العراق ، بالرغم من عدم اعتراف فرنسا بفيصل ملكاً على العراق. و ضمن هذه النظرة تم تعيين المسيو مايكره (Mikrah. M) قنصلاً دائماً في بغداد بدلا من القنصل المؤقت المسو سوداف (M. Sudiev). و مما يثير الاستغراب ان السلطات البريطانية شجعت تلك الخطوة التي لا تتوافق مع سياستها العامة في العراق، و طلبت من الحكومة العراقية الموافقة و عدم اتخاذ اي اجراء يقف عائقاً امام تلك الخطوة لكي لا ينعكس ذلك سلباً على طبيعة العلاقة بين البلدين. و طلبت سلطات الانتداب من الصحف العراقية عدم التعرض لفرنسا و سياستها في منطقة الشرق الأوسط. كما عينت لها قنصلا في الموصل هو المسيو بويش (Buiche.M.) و في عام 1927 عينت الحكومة الفرنسية المسيو اوجيه. ن. موريه (Muriee.N.Augie) قنصلا لها في الموصل الامر الذي دل على مدى اهتمام الحكومة الفرنسية بولاية الموصل بسبب وجود النفط في كركوك و وجود اقلية مسيحية فيها و ربما هناك اعتبارات أخرى تعود لاتفاقية سايكس بيكو و الاحتلال الفرنسي لسوريا و علاقتها باقرب المناطق العراقية اليها .

يعتبر العام 1967 البداية الحقيقية للتقارب العراقي الفرنسي حيث ادرك الشارل ديغول أن على بلاده تبني سياسة الاستقلالية تختلف عن النهج الذي ورثته. فلم يتوانى في الوقوف امام الولايات المتحدة و اتخاذ موقف متوازن في حرب حزيران او النكسة. تطور العلاقات بين البلدين و لاسيما بعد حرب الأيام الستة أدى الى عقد اتفاقيات في المجال التجاري و الصناعي و الفني والصيرفي و المواصلات. السياق التصاعدي دفع وزير الخارجية ميشال جوبير في حكومة الرئيس جورج بومبيدو (1968-1974) الى طرح مشروع الحوار العربي-الأوربي. تبعه اعلان الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار (1974-1981) الحوار بين الشمال و الجنوب 1975. كما تميزت علاقات بغداد مع فرنسا على فترات زمنية متعاقبة. تبدو حقبة الرئيسين الفرنسيين فرانسوا ميتران (1981-1995) و جاك شيراك (1995-2007) الأكثر أهمية نظرا الى التحولات الإقليمية و العالمية التي شهدتها هذه الفترة.

بعد 2003:
كان موقف السلطات العراقية من فرنسا يسوده الغموض بعد 2003 من جراء معارضة فرنسا للتدخل العسكري للتحالف. فهمت هذه المعارضة بطريقة خاطئة على انها شكل من اشكال الدعم للنظام السابق. لحسن الحظ, تطور هذا المفهوم بشكل كبير منذ ذلك الحين. فقد كان لمكانة فرنسا الرفيعة في المجتمع الدولي بأعتبارها عضواً دائما في مجلس الامن وتاريخ علاقات التعاون المتينة ومنجزات الشركات الفرنسية ابان سنوات 1970-1980 دور كبير في التقارب بين البلدين. فضلا عن ذلك, العناية الكبيرة التي اولتها فرنسا للحفاظ على التوازن العادل لمختلف المكونات كان يشهد له ذالك. منذ 2008, شهدت العلاقات الثنائية انتعاشا في جميع المجالات. ففي المجال السياسي ترجم هذا التطور في العلاقات الى العديد من الزيارات كان بعضها على مستوى رفيع جدا حيث أتم الرئيس طلباني زيارته الى فرنسا من16 الى 19 تشرين الثاني 2009 مما اتاح فرصة لتوقيع عدة اتفاقيات مهمة في مجالات (التعاون الثقافي والعلمي والتقني, التعاون في مجال الدفاع, اتفاق مع الشركة الفرنسية لتأمين التجارة الخارجية, اتفاقية تفاهم مع الوكالة الفرنسية للتنمية, توقيع اتفاقية لحماية الاستثمارات). من جهة اخرى, تم ترسيخ دوائر السفارة: فتح القسم الاقتصادي, تعيين مستشار للتعاون الثقافي ونائب له في 2013. بالتزامن مع ذالك, فتح مركز رجال الاعمال الفرنسي ابوابه في بغداد في 2010.

فرنسا والعراق والارهاب خلال صيف 2014:
حشدت فرنسا طاقاتها لمواجهة اتساع الازمة الانسانية والامنية.ففي 10 اب زار وزير الخارجية السيد لوران فابيوس العراق ليشرف على اول شحنة للمساعدات الانسانية الفرنسية تصل الى اربيل. استطاع استحصال موافقة لعقد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء الخارجية في 15 اب ووضع ما يسمى ب “جسر التضامن الاوربي” باتجاه شمال العراق. في 18 ايلول 2014 وبطلب رسمي من السلطات العراقية, قرر رئيس الجمهورية الفرنسي اشراك الطيرات الفرنسي في الضربات الجوية في العراق بهدف اسناد القوات العراقية والكردية على الارض علما ان فرنسا تحتل المرتبة الثانية في التحالف العسكري لكافحة داعش في العراق: كما و تقوم بتنفيذ ضربات جوية بصورة دائمة و تشارك بتأهيل منتسبي الجيش و القوات الامنية. في نيسان 2016, التقى وزير الدفاع جان ايف لودريان في بغداد و اربيل شخصيات سياسية وعسكرية على مستوى عال ليناقش طبيعة هذه المشاركة الفرنسية.

الجهد الانساني:
في ايلول 2010 رعت باريس مؤتمر لدعم ضحايا العنف الديني والاثني. حضر المؤتمر ما يقارب 60 دولة بالاضافة الى المنظمات الدولية منها الامم المتحدة والاتحاد الاوربي. كان العراق شريك قوي في هذه الفعالية بحضور وزير خارجيته ابراهيم الجعفري. حضرت كذالك شخصيات من مختلف المكونات. تمخض المؤتمر عن تشكيل خطة عمل باريس التي تقوم على تحديد النشاطات الفعلية الواجب وضعها لدعم السكان المعنيين. فضلا عن ذالك فأن فرنسا مستعدة لتأدية دورها ازاء المهاجرين الذين هربوا من الاضطهاد لاسيما اولئك القادمين من سوريا و العراق كما اشار الى ذالك السيد رئيس الجمهورية خلال مؤتمره الصحفي في 7 ايلول 2015. استناد الى ما عرضه الاتحاد الاوربي بتحديد عدد اللاجئين ب 120000 لاجئ للسنتين المقبلتين في حين تعهدت فرنسا باستقبال 24000.

ضمن اطار انشطة لجنة الوزارة الفرنسية للمساعدات الغذائية, تلقت المنظمة غير الحكومية “تريانغل جينيراسيون اومانيتير” الانسانية في أواخر 2015مساعدة بلغت 300000 يورو من اجل مشروعها المتعلق بالنازحين الذين يعيشون خارج المخيمات في مدينة داراتو في كردستان العراق. ومن بين هؤلاء النازحين, يعيش الاكثر ضعفا مبان مهجورة او تحت الانشاء, والتي هي غير مناسبة على الاطلاق لاحتواء العائلات. ان تدهور الوضع الامني في العراق وسيطرة داعش على مساحات واسعة من الاراضي العراقية ادى الى نزوح اعداد هائلة من السكان, ولا سيما في منطقة اقليم كردستان, مسببة ازمة انسانية معقدة للغاية. حيث بلغ عدد النازحين هناك حتى الان 900000 نازح بحاجة الى المساعدة, بالاضافة الى 250000 لاجئ سوري الذين وجدوا ملجأ في المنطقة.

الجهد العسكري:
عملية الشمال (بالفرنسية: Operation Chammal) هو اسم عملية عسكرية فرنسية, تجري حاليا في العراق وسوريا لاحتواء تمدد تنظيم الدولة الاسلامية و دعم القوات المسلحة العراقية. يعود أصل الاسم الى رياح الشمال الغربي التي تهب على العراق و بلدان الخليج العربي. تنحصر العملية في تنفيذ ضربات جوية, و قد اكد الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند في عدم الاستعانة بقوات برية في العمليات نفذت اول الضربات في العراق في 19 سبتمبر 2014. وفي 19اكتوبر ضربت الطائرات الفرنسية عربتين لداعش في تكريت. في 23 نوفمبر شاركت طائرات اقلعت من حاملة الطائرات شارل ديغول لأول مرة في العمليات ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و سوريا.

و في اواخر 2016 و بداية 2017 قامت ما يقارب 35 طائرة فرنسية من نوع داسو رافال و داسو ميراج 2000 بعمليات قصف يومي ضد داعش لتحرير الموصل و هي تنطلق من قواعد في الامارات و الاردن بالاضافة الى حاملة طائرات (شارل ديغول) المتواجدة الان في البحر المتوسط.

هنالك ما يقارب 500 عنصر فرنسي متواجد في العراق لغرض تدريب القوات العراقية و هم متواجدون في قاعدة سبايكر و الكيارة و الاخيرة تتواجد بها معظم قوات التحالف الدولي ضد داعش و هي تبعد 60 كم جنوب الموصل.

تميزت القوات الفرنسية بعملية تحرير الموصل باستخدام المدفعية الذكية المكونة من 5 مدافع من طراز 155 ملم و بطول 8 امتار مثبتة على 5 شاحنات من نوع كايزر و المدفع الواحد يطلق 6 طلقات بالدقيقة الواحدة و تشغل بـ 5 جنود و قد اثبت هذا النوع من المدفعية فعاليته في افغانستان و مالي.

الجهد السياسي:
تقوم فرنسا بجهد سياسي مميز في ملف تحرير الموصل تحديدا من خلال 3 جوانب رئيسية و هي اعادة اعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش و مساعدة الحكومة المركزية و الامم المتحدة في سعيها لــلملمة البيت الموصلي السياسي لوضع رؤية لما بعد داعش بالاضافة الى ملف الاقتصاد و الطاقة اللذان يمثلان عاملين رئيسيين لازدهار محافظة نينوى في مرحلة ما بعد داعش. و تأتي زيارة الرئيس الفرنسي اولاند في اليوم الثاني من بداية عام 2017 كدليل واضح على اهمية العلاقة مع العراق و مستقبلها بالنسبة لباريس، كما ان تصريحه من العراق بأن عام 2017 هو عام نهاية الارهاب يوحي بأن فرنسا ستبقى تسعى لإسناد العراق و حكومته المركزية و حكومة كردستان من أجل مرحلة أكثر استقرارا بعد داعش.



الخاتمة


تعتبر المانيا و فرنسا القلب النابض للاتحاد الاوربي الذي خرجت منه بريطانيا في عام 2016 و يعتبر العراق بالنسبة لهما رأس الرمح في محاربة تنظيم داعش الذي قام بعدة عمليات ارهابية في هذين البلدين الاوربيين.

ملف الموصل يمثل ابعاد مهمة بالنسبة لألمانيا و فرنسا لكن الاهم هو البعد السياسي المتمثل بمستقبل سياسي مستقر للموصل تحديدا داخليا بين قياداته و خارجيا مع كردستان و الحكومة المركزية في بغداد و ربما سيسعى كلا البلدين لفتح قنصلية في الموصل بعد تحريرها و هذا يدفعنا الى البعد الاخر و هو بعد الهجرة غير المنظمة الاتية من مجمل محافظة نينوى الى اوربا و التي قد تحوي عناصر ارهابية بعد تحرير كامل تراب الموصل، كما ان للبعد الاقتصادي اهمية كبرى لدى هاتين الدولتين، فوجود النفط و ربما الغاز في محافظة نينوى يجعلهما شريكين هامين للحكومة المحلية و المركزية في هذا الملف المحوري و لا ننسى بعد الجغرافية السياسية التي جعلت من الموصل و حلب من المناطق المهمة و عبر التاريخ و قد تسعى المانيا و فرنسا الى التواجد في الموصل او بالقرب منها لمدة طويلة كونها قاعدة انطلاق للعمل المخابراتي و ربما العسكري ضد او مع تركيا و ايران و روسيا. إن ملف مستقبل الموصل بعد تحريرها ما زال يؤرق الجميع و هذا ما لم تخفه الدوائر الالمانية و الفرنسية خلال الفترة السابقة.



الدكتور احمد رشدي الدركزنلي

مستشار السيد رئيس مجلس النواب العراقي للعلاقات الخارجية

عضو الجمعية البريطانية الملكية للعلاقات الخارجية

عضو الجمعية البريطانية لدراسة الشرق الاوسط
 

أعلى