الجهات التي أنيط بها إقامة الدين

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
الجهات التي أنيط بها إقامة الدين :


ولا بد قبل تناول الموضوع هذا بتفاصيله ، من معرفة مَنْ أُنيط به تنفيذ الأحكام الشرعية . لأن الأمة فيها الأفراد ، وفيها الحكام ، وفيها الجماعات . وكل جهة من هذه الجهات أناط بها الشرع مجموعة من الأحكام ، لتلتزم بها . ومن ثم تُنصحَ وتُحاسَب وتُقوَّم بحسب تقصيرها فيما أُنيط بها ، فإذا أشكل علينا واقع المُنَاط هذا ، فسيشكل علينا تبعاً لذلك قيامنا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ولذلك نقول :


إن الأحكام الشرعية منها ما هو منوط بالخليفة أو الأمير ، ولا يجوز لغيره أن ينفذه . ومنها ما هو منوط بالأفراد ويقوم به الخليفة إن قصروا . ومنها ما هو منوط بالخليفة ويجوز للأفراد في حالات . ومنها ما هو منوط بالجماعة .

أمّا ما هو منوط بالأفراد فهو كالصلاة والصوم والحج والزكاة والابتعاد عن المحرمات من خمر وميسر وربا وسرقة ، وقتل وزنا ، وكذب وغش وغيبة وما شابهها .


والمسلمون مطالبون بهذه الأحكام سواء كانوا في دار كفر أو في دار إسلام . وسواء كانوا يعيشون في البلاد الإسلامية أو في بلاد الكفار . وهذه لا ينظر فيها إلى ما كان يعمله الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في مكة فقط أو في المدينة فقط . فالأحكام الشرعية المطلوبة من الأفراد من عبادات ومعاملات ومطعومات وملبوسات وأخلاق وسائر العقائد الإسلامية ، كل هذه الأحكام مطالب بها الفرد . وكل فرد مسؤول عن أفراد أسرته الذين هو وليُّ أمرهم . فإذا كان الفرد المسلم في دار كفر والسلطة تمنعه من التقيد بأحكام الشرع الفردية هذه وجب عليه أن يهاجر إلى دار أخرى سواء أكانت الدار دار إسلام أو دار كفر عملاً بقوله تعالى : (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أَنفُسِهِمْ . قالوا فيم كنتم ؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض . قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها . فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطي عون حيلة ولا يهتدون سبيلاً) .


والمستحب له أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام حتى ولو كان يستطيع أن يلتزم بالأحكام الفردية . إلا إذا كان يعمل لتحويل دار الكفر التي يعيش فيها إلى دار إسلام . ومعلوم أن دار الإسلام هي الدار التي تحكم بالإسلام وأمانها بأمان المسلمين .

وأما ما هو منوط بالأفراد ويقوم به الخليفة إن هم قصروا فهو مثل إعطاء الأفراد نفقة إن عجزوا عن كفاية من يعولون . أو رعاية الشؤون الفردية إن عجز الأفراد عن هذه الرعاية . ومثل إقامة مساجد في القرى والأحياء إن عجز السكان عن ذلك .


وأما ما هو منوط بالخليفة أو الأمير وحده ولا يجوز لغيره أن ينفذه فهو مثل إقامة الحدود أو إعلان الحرب أو عقد الصلح أو سن القوانين الإلزامية أو رعاية الشؤون الإلزامية . فهذه وغيرها أمور حصرها الشرع بالحاكم عليه أن يقوم بها .


وأما ما هو منوط بالخليفة ويجوز للأفراد في حالات فهو كالجهاد . فهو من أعمال الخليفة ، ولكن إذا دهم العدو المسلمين فجأة ، عليهم أن يهبوا للقتال ولو لم يأمرهم أو يأذن لهم الخليفة . أو إذا لم يكن للمسلمين خليفة وحصل ما يستدعي الجهاد ، فإن الأفراد يقومون بالجهاد ولو مع حاكم فاجر ، أو مع أمير مجموعة صغيرة . ولكن الأصل في المسلمين أن لا يرضوا هذه الحالة الأخيرة أي حالة أن يكونوا دون خليفة وتحت إمرة حكام فجرة .


وأما ما هو منوط بالجماعة حصراً فهو كالعمل لإقامة الخلافة وكمحاسبة الحكام وحملهم على الحق وقصرهم عليه . وعمل الحزب والجماعة أو التنظيم أو التكتل أو أية مجموعة إسلامية تقع ضمن هذه الدائرة .


إن تبيان من أنيطت به الأحكام الشرعية أمر مهم ، لأن أي جهل أو تجاهل له ، يجعل المسلمين أفراداً وحركات يتخبطون خبط عشواء في تنفيذ الشرع . فيضيع على المسلمين الفهم الدقيق ، وبالتالي التطبيق الصحيح . ويصير المسلم يهمل فروضاً متعلقة بذمته ، ويقوم بمندوبات على حسابها ، وتصير الجماعة تدرس الأحكام الشرعية المتعلقة بالأفراد ، وتهمل الأحكام الشرعية المتعلقة بأفرادها كجماعة ، أو تأخذ عمل الدولة الإسلامية حين لا تعي مثل هذا التقسيم الذي راعاه الشرع ، والذي يجب أن نراعيه . ويصير العالِم يحدث الناس ببعض فروض العين كأحكام الصلاة والزكاة والصوم ، ويترك بعضها الآخر كأحكام البيع المتعلقة بحياة المسلمين ، أو أحكام الغيبة ، ناهيك عن الفروض الكفائية وأهمها الدولة الإسلامية ، ويظهر بمظهر العابد الواعظ ، وليس بمظهر العالم السياسي الذي يتحرى مشاكل الأمة ، ويضع حلولاً لها ، ويتصدى لمعالجتها .


إن ما هو منوط بكل جهة يجب عليها الالتزام به ، وتُؤمَر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر إن هي قصرت فيما أوكل إليها . ولا تحاسب على أمر لم يوكل إليها . فالشرع من حيث التطبيق لم يُوكَل إلى جهة واحدة . بل أوجد وجهات وكُلّ واحدة منها تقوم بما أُنيط بها . والأمة كلها تقوم بالشرع كله . فإذا قام المسلمون كأفراد بما هو مطلوب منهم ، وقامت الجماعة أو الجماعات بما هو مطلوب منها ، وقام الخليفة بما هو مطلوب منه فقد وجد التطبيق الكامل للإسلام .


وهنا نلفت النظر إلى أن الفرد المسلم عليه أن يؤمن بالإسلام كاملاً ، وبشكل مجمل . ولكنه يتبنى بالتفصيل الذي يلزمه وما هو مطلوب منه كفرد ، وما هو مطلوب منه كعضو في الجماعة أو الحزب الذي يعمل معه . وأي تقصير في أي منها يحاسبه الله عليه . وكذلك الخليفة . إنه يقوم بما هو مطلوب منه شرعاً كفرد . فهو يصلي ويصوم ويحج ويبر والديه ، ويمتنع عن الزنا والربا .. ويقوم كذلك بما هو مطلوب منه شرعاً كخليفة . فهو يسن القوانين ، ويعلن الجهاد ، ويحمي بيضة المسلمين ، ويحكم بما أنزل الله ، ويقيم الحدود . وأي تقصير في أي منها يحاسبه الله عليه في الآخرة . وتحاسبه الأمة عليه في الدنيا .


فهذا الواقع لا بد من وضوحه عند المسلمين لكي يستطيعوا أن يفرقوا حين المحاسبة . فلا يحاسب الفرد على أمر غير مطلوب منه ، ولا تحاسب الجماعة على غير ما هو مطلوب منها ، ولا يحاسب الخليفة على غير ما هو مطلوب منه .


والشرع قد طلب من المسلمين ( كل المسلمين ) أن يقوموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسب علمه وطاقته ، وأمر بإيجاد هذه الفريضة عن طريق المسلمين – أفراداً وجماعات وحكاماً – وجعله واجباً في كل الأحوال ، سواء أكانت هناك دولة إسلامية أم لم تكن ، وسواء أكان الحكم المطبق على المسلمين هو حكم الإسلام أم هو حكم الكفر ، وسواء أحسن الحاكم تطبيق أحكام الإسلام أم أساء التطبيق ، فقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجوداً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأيام الصحابة وأيام التابعين وتابعيهم وسيبقى حكمه قائماً حتى قيام الساعة .

وإذا حصل من الأفراد أو الجماعات أو الدولة الإسلامية ما يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن يقوم به الأفراد والجماعات والدولة الإسلامية وذلك على تفصيل :

فالمسلمون بآحادهم مطلوب منهم أن يأمروا بما ائتمروا به ، وأن ينهوا عما انتهوا عنه إذا حصل أمامهم ما يدعو إلى ذلك وبالقدر من العلم الذي يحملونه . وهنا يأخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكم فرض العين الذي يأثم المسلم إن لم يبادر إلى القيام به ولا يعذر بتركه . فالمسلم في حياته اليومية مع زوجته أو أولاده أو أقاربه أو جيرانه ، أو زبائنه أو معارفه أو غيرهم ممن يصادفهم ، كل واحد من هؤلاء يجب عليه النصح له ان هو قصر أو عصى . كيف لا وهناك من المعاصي من قد لا يطّلع عليه إلاّ هو . كإتيان معصية أمامه في مجلس ليس معه أحد غير هذا الشخص العاصي ، فإن ترك نصحه أثم ولا يأثم معه غيره لعدم فُشوِّ المعصية أمامهم ، ولعدم علمهم بها . فموقعه لا يسده غيره ، ودائرته لا يملأها سواه . وكل منكر يظهر في دائرته لا يكون غيره مسؤولاً عنه .


وإذا التزم المسلم بحق نفسه بكل ما أمره الله سبحانه ، أي ائتمر بالمعروف المتعلق به ، وانتهى عن المنكر ، كان باستطاعة هذا المسلم أن ينقل للآخرين ما كان بحق نفسه ، فإن كان قد أخذ أحكامه عن علم وبينة استطاع أن ينقله عن علم وبينة . وإن كان عن اتباع نقله إلى غيره على نفس المستوى ، وإن كان عامياً في تقليده نقله كذلك نقل العامي . ويستطيع في هذه الحالة إن لم يجد في نفسه القدرة على إقناع الآخرين أن يحيلهم على من يملك القدرة على إقناعهم ، كأن يدلهم على عالم أو مفتٍ أو شاب من حملة الدعوة الذين يثق بفكرهم وفهمهم . يقول تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة) .

ويقول تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « بلغوا عني ولو آية » [ رواه البخاري ] . ويقول صلى الله عليه وسلم : «نَضّرَ اللهُ عبداً سمع مقالتي فوعاها وأداها ، فرب حامل فقه غير فقيه إلى من هو أفقه منه» [ رواه أبو داود والترمذي وأحمد ] . وبهذا يكون الفرد قد قام بما عليه كفرد من واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر ومن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
منقول
 

أعلى