الجزائر

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
‬ كتبت هذه المقالة مع بدء انتفاضة الشعب الجزائري قبل عدة أسابيع، فبرغم تسارع الأحداث فلازلت مؤمن بها وهي بعنوان
‫تفاءلوا
‫كنت دائما أتساءل: لقد وعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحرر من الملك الجبري، فمن أين سيبدأ؟ وهذه وجهة نظر قد لا تكون صائبة، لكنها نظرة تفاؤل بحراك أهل الجزائر والتي كنت قد ذكرتها قبل ثلاث سنوات في محاضرة بمدينة باتنة كما هو موضح في الفيديو المرفق. معركة تحرر البشرية من عبودية النظم الغربية قد تبدأ من الجزائر. لماذا؟‬

‫كلما زاد عدد الجماعة زادت المدة المطلوبة للتعلم. فعادة ما يتعلم التاجر من أخطائه، فبدل التجارة بمادة كذا قد يغير نشاطه لمادة أخرى، ولعل هذا التعلم بحاجة لعدة أسابيع، بينما الشركات قد تحتاج لعدة أشهر لتعي أبعاد استثماراتها، أما المجتمعات أو الدول فبحاجة لعشرات السنين لتعي أخطاءها وتتعلم منها. وبهذا المنطق فإن الأمة الإسلامية بحاجة لعشرات أو حتى مئات السنين لتتعلم من أخطائها. فللتخلص من الاستعمار لابد لها أن تتعلم من فشل الثورات السابقة في موطنها أو في المناطق المجاورة. وبهذا المنظور فإن فشل الربيع العربي في مراحله الأولى ليس فشلا، بل هو خطوة للأمة لتتعلم. وقد أتت هذه الخطوة بعد أن جربت الأمة مسالك عجيبة فاشلة مثل القومية والبعثية والاشتراكية والملكيات. وكلها اجتمعت تحت مظلة التخلص من الملك الجبري الذي نبأنا عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم. ولأننا أمة تأخذ بالأسباب بعد التوكل على الله، فلا خلاص لنا كمسلمين من هذا الحكم الجبري إلا بالحراك. فلن تترك العصابات الحاكمة مناصبها لأجل سواد أعين الشعوب‬

‫هنا تظهر عدة أسئلة: كيف سيأتي التغيير؟ بالثورات السلمية كتونس أو العمل المسلح كما وقع في ليبيا أو بنشر الوعي بالعمل خفية كما في دول الخليج؟ كما هو معلوم، فإن الذي حدث مع الربيع العربي هو حراك أو انتفاضة أو ثورة، سموها ما شئتم، هي تحركات لشعوب مقهورة والتي لن يستطيع تحريكها أي فرد مهما فعل. أي أن القول بأنها استجابة لأياد خفية أو خارجية هو حجج المتسلطين على الشعوب. فهي انتفاضة شعوب دونما تخطيط داخلي أو خارجي. ولأن هذا حدث خارج إرادة فرد ما، بل هو عمل جماعي، ستظهر أسئلة أخرى مثل: إن بدأت ثورة ما، فمن سيقودها، أم الأفضل لها أن تبقى دونما قيادة لأنها الحق ولأن الحق يقود ولا يقاد؟ ثم ستظهر الجماعة التي ستقود. وهل هؤلاء الذين سيقودونها أهل للقيادة أم أن الثورات أو الحراك سيختطف منهم؟ وهكذا من أسئلة ظهرت في الربيع العربي والكل يعرف ظروفها برغم تعدد الإجابات عليها‬

‫هنا تظهر أهمية ما يحدث في الجزائر هذه الأيام بعد تجارب تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا. فهي انتفاضة وبغض النظر عن مسبباتها (العهدة الخامسة) لكنها بدأت وبهرت الجميع. أي أن الله اختار لهذه التجرية شعبا سيقود الأمة المسلمة لتتعلم ولتتربى على كيفية الخروج من الاستعباد. أي أن المسألة ليست رفض الشعب الجزائري لعصابة متسلطة تريد تمديد مدة النهب، بل المسألة أكبر وأعظم للأمة، فالذي يحدث في الجزائر وكأنه شعلة في تاريخ الأمة المسلمة. شعلة قد تظهر كل ألف سنة لتضيء الطريق لمئات السنين القادمة للأمة. وكأن الأمة من منظور تاريخي بحاجة لتربية لتتعلم كيف تتعامل مع الصراع بين الحق والباطل إن كان الباطل متمكنا ومتماسكا ومدعوما من جميع أعداء الأمة في الخارج. هذا الصراع بين الحق والباطل لم تتعرض له الأمة بهذا النمط تاريخيا أبدا. فقد كان الملك عاضا ولم يكن جبريا إلا بعد سقوط الدولة العثمانية. فقد كانت الأمة سنوات الخلافة والملك العاض أمة قوية ضد الأمم الأخرى وليست مستعمرة. أي أن قرارها السيادي كان بيدها ولم يكن مرهونا بمصالح دول خارجية. أما مع الملك الجبري والذي سمح لأعدائها من الخارج من التمكن من مفاصل كل شيء من خلال حكام وظيفين، فهي، أي الأمة، بحاجة الآن لدرس جديد يمكنها من مجابهة مثل هذه الظروف في مئات أو حتى لآلاف السنين القادمة. أي أن الدرس هو على مستوى مئات السنين، لذا يجب أن يكون درسا عظيما بعظم المسافة بين تجارب الشعوب. فاختار لها الحق سبحانه وتعالى أن تكون في الجزائر، فلماذا الجزائر إذا؟‬
‎‫
لعل بعض النخب الجزائرية ترفض هذا التحليل لأنها لا تريد ربط حراكها بالربيع العربي. لكن ما عسانا أن نفعل إن كان مصيرنا كمسلمين واحد؟ فلأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعدنا بالتخلص من الملك الجبري، فعلى الأقل نتفاءل لعلنا نستفيد من التجربة مؤملين أن تكون الأخيرة في سلم التحرر من الملك الجبري إن شاء الله، وهو ما أظنه وأتأمله بالطبع كأي مسلم، أو لعلها في أسوأ الأحتمالات خطوة ستأتي بعدها خطى تُبنى على دروس ما حدث في الربيع العربي وما يحدث في الجزائر الآن‬

‎‫فلماذا الجزائر بالذات؟ السبب الأول هو أن الله سبحانه وتعالى ربى شعب الجزائر ليتعامل مع أقذر أنواع الاستعمار. فهم شعب صنديد مقدام لا يخاف الموت. جابهوا الاستعمار الفرنسي الذي لا يرحم، اسألوا أنفسكم: هل تظنون أن شعبا آخر سيتمكن من التخلص من الاستعمار الفرنسي وهو بهذا البطش والإصرار والعناد للتمسك بالجزائر وبهذا التجهيز الحربي والثراء المالي مقابل شعب أعزل؟ ‬

‎‫هناك احصائية تقول بأن الشعب الجزائري فقد في أول ثلاثين سنة من الاستعمار مليونين ومئتي ألف شهيد. إحصائية لا تكاد تصدق. فهذا النقصان المخيف مؤشر على البطش والتعذيب الشديد لتركيع الشعب الذي لم يركع، والنتيجة هي الاستشهاد بالملايين. إي إن لم يقاوم الشعب الجزائري ورضي بالاستعمار لأصبحت أرض الجزائر مثل أي دولة تابعة لأهل الغرب الآن كاستراليا أو جنوب أفريقيا، أي أرض لشعب جديد، ولما تناقص تعداد الجزائريين‬

‎‫وبسبب هذه الشجاعة المتجذرة فيهم خرجوا الجمعة السابقة جميعهم للشوارع للتحرر. لقد خرجوا بطريقة سلمية ومكثفة أبهرت العالم برغم احتمال اقتناصهم. فالتحرر ليس شيئا تناله الشعوب بالهياط والقصائد والشعارات، ولكن فقط بالحراك. فإن حصل الشعب الجزائري على تحرره بإذن الله، فهو درس للأمة أنه لا تحرر دونما جهاد بشجاعة وتضحية. هذا درس واضح للجامية والمدخلية والمثبطين الذين يريدون للحكم الجبري أن يستمر بحجة عدم الخروج على الحاكم وبالطبع متناسين أن هؤلاء الحكام ليسوا أهل بيعة، بل هم مغتصبون للسلطة ولذا وجب الخروج عليهم. هؤلاء الحكام هم لصوص السلطة والمال، والأدهى هو أنهم أدوات الغرب لتركيع المسلمين لسلب ثرواتهم مقابل استمرارهم في الحكم كما هو مشاهد. فإن نجحت المسيرات في الجزائر ففيها اقتلاع لفكر الجامية والمدخلية من فقه المسلمين تماما وللأبد، وبهذا ستبقى الأمة عزيزة لن تقبل بالذل مستقبلا أبدا. وهذا درس مهم برغم بداهته‬

‎‫والسبب الثاني لاختيار أهل الجزائر لهذا الدرس التاريخي هو أن العشرية التي مر بها أهل الجزائر من قتل جعلهم برغم شجاعتهم رابطي الجأش. فالجمعة الماضية وبرغم كل محاولات النظام لإخراج المظاهرات من مسارها السلمي قد فشلت. والعجيب هو أن جميع المدن والقرى والمؤسسات كالجامعات تضامنت وخرجت معا، فلم يتخلف أحد برغم تفاوت درجات الخروج، كل هذا حدث دونما كسر جذع شجرة. حتى المترددون وبالتدريج انضموا للحراك لهول ما رأوه من تكاتف برغم عدم وجود قيادة تأمر الناس، فقد كانت المسيرات تسير منضبطة وكأن الشعب قد درب عليها مسبقا. هي الفوضى الخلاقة تتجلى في أوسع وأسمى صورها. لقد خرج الجميع معا وبغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم الفكرية ودرجات تعلمهم وحرفهم ومهنهم وأعمارهم‬
‫والسبب الثالث لاختيار الجزائر لهذا الدرس التاريخي هو موقعها الاستراتيجي ومساحتها، فهي وسط أفريقيا وأوروبا، وبهذا فهي وسط العالم الحديث. فأفريقيا قارة ذات موارد مهولة يسيل لها لعاب معظم الأمم. فهي الآن قارة مستعمرة للغرب اقتصاديا كما هو معلوم، وعلى رأس المستعمرين فرنسا. فإن كُسرت شوكة فرنسا في الجزائر إن شاء الله، ستتبعها كل أفريقيا لتتحرر بإذن الله. وعندها ستتغير المنظومة الاقتصادية في العالم. ستظهر كتلة اقتصادية جديدة قد تتفوق خلال عقدين على أمريكا وقد تسبق الصين التي ستتفوق على أمريكا بالتأكيد مستقبلا. أما أوروبا فبعد أن ينتشر الإسلام فيها كما هو متوقع، قد تكون تابعة اقتصاديا وسياسيا لأفريقيا أو لدولة إسلامية حديثة تمتد من ما بعد تركستان إلى داخل أوروبا شاملة معظم أفريقيا. عندها سيتغير النظام الدولي بالتأكيد، فلا أمم متحدة ولا صندوق نقد دولي ولا ... ولا ... ولا... لهذا كانت هذه الثورة الجزائرية مهمة بالنسبة لي على الأقل‬

‫وبالطبع فهنالك دروس وعبر كثيرة ستستفيد منها الأمة مستقبلا لحالات أو نوازل التخلص من الحكم الجبري، دروس في المستوى التفصيلي مثل: كيف ستظهر قيادة الثورة؟ وكيف ستفرزها الثورة؟ هل هو فرد أم هي جماعة؟ وحتى تظهر الدفة الموجهة، ما هو إيقاع خروج الناس في المسيرات، كل يوم أو كل أسبوع أو أسبوعين وبأي كثافة؟ كيف ستتفاعل المدن مع العاصمة في المدد البشري واللوجستي؟ هل هي مسيرات فقط أم أنها عصيان مدني وما حجمه ومدته؟ وإن كان عصيانا مدنيا فكيف يتم ترتيبه بحيث ينتفي ضرره عن الشعب ويضر الطغاة؟ فكيف يكون عصيانا ولن تجد الأم حليبا لطفلها ما قد يجهض العصيان؟ ما هي حدود السلمية إن تمكنت السلطات من إثارة الشغب؟‬

‫ثم تأتي أسئلة ما بعد نجاح الثورة، أسئلة مثل: كيف يكون الحكم مع الجماعات التي أتت بالنصر إن كانت المشاركات متباينة؟ كيف يمكن إقناعهم بأن إنجاحهم للثورة لا يعني بالضرورة أحقيتهم في الحكم؟ هل ستعاقب الثورة النهابين للحكم والمال أو تعفوا عنهم إن انتصرت بتوفيق الله؟ وهكذا من أسئلة يستحيل لأي منظر أن يتمكن من الإجابة عليها لأنه يتعامل باستمرار مع شعب بالملايين، وليس مع أفراد يتزعمون الملايين. فهذا الحراك بهذا الحجم بحاجة لدروس وعبر تحتاجها الأمة والتي لن تظهر إلا على يد شعب شجاع يتقدم الأمة ليخوض التجربة لإخراجها من الملك الجبري إلى الخلافة الراشدة بإذن الله.‬

‫هذا السيناريو السابق هو في أحسن الاحوال. أما في أسوئها، فإن المسيرات ستنتهي بظهور دولة ديمقراطية جديدة تعطي أهل الجزائر حقهم في العيش الكريم بعد الظلم لقرون. هذه الدولة إن لم تؤدي إلى تغيير أفريقيا وبالتالي المجتمع الدولي، فستؤدي على الأقل لانتشار المسيرات التي ستغير الدول المجاورة مثل المغرب وتونس وليبيا نظرا لتطابق المذهب والعادات و و و ... فيما بينهم، ومع تغير ليبيا سيسقط حكم العسكر في مصر ما سيؤدي لتغيير العالم العربي بالضروررة. ما يعني زوال بين صهيون إن عاجلا أو آجلا، فإنما هي مسألة وقت إن شاء الله. تفاؤلي هذا نابع مما لمسته من شجاعة أهل الجزائر والذي قلته قبل ثلاث سنوات في محاضرة بباتنة. وقد لامني البعض لما قلت ونعت قولي بأنه مبالغة. فكنت أقول لهم: فرقوا بين ما ترونه بأعينكم من تراخ في التقدم بسبب الاشتراكية التي كبلت الناس وسرقتهم لعقود وبين معدن أهل الجزائر. اللهم أحفظ الجزائر وأهلها فهم بجودك وكرمك وتوفيقك يصنعون التاريخ.‬
منقول
 

أعلى