النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة

إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها، فمن الخطأ أن نتابعهم على ذلك. فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج عدة من النهضات. ولم تكن كل نهضة كالأخرى، وإنما هناك اختلاف جوهري عميق، بل وأساسي بين نهضة وأخرى. فليس من الصواب أن يكتفي الإنسان بالبحث عن مطلق نهضة، بل عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء الإنسان أي إلى طمأنينته الدائمة. وبعبارة أخرى: ما دام هناك نهضة صحيحة وأخرى فاسدة، فهذا يعني أن على الإنسان أن يتحرى تلك الصحيحة.

إذا كان المبدأ - بعقيدته ونظامه - هو سر النهضة، فهذا يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح. والمبدأ الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع العقل وتوافق الفطرة الإنسانية فتملأ القلب طمأنينة. وهذه العقيدة من شأنها أن تعطي الإجابة الصادقة والفكرة الصائبة عن الكون والإنسان والحياة. وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في أي زمان وأي مكان، وهو الكفيل للإنسان بالنهضة الصحيحة.

أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة، فإنه لا يكون قابلاً للتطبيق، إلا بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه، وغالباً ما تكون قابليته للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو أزمات تفاقمت في مجتمع ما، كما هو شأن المبدأ اللبرالي. ثم سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته للاستمرار مطبقاً بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم، وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان. وأقرب مثال إلينا هو المبدأ الشيوعي.

فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع الاستمرار أكثر من عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد. ذلك أن عقيدته صادمت فطرة الإنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه، فقالت "لا إله والحياة مادة".

فالفطرة الإنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة الخالق المدبر، والعقل يقطع ويجزم بأن الكون والإنسان والحياة كلها مخلوقة لخالق، وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز ولما يتجلى فيها من آثار الإبداع والإتقان التي تدل على مبدع حكيم أحسن خلقها. وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن فاسد هو النظام الاشتراكي، رفع الإنسان لحظة من عمر التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إلا وقد أرداه صريعاً خائر القوى لا يقدر على شيء.

أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسلاخ عن أوضاع العصور الوسطى في أوربا، فهو أيضاً مبدأ خاطىء. ذلك أن عقيدته - عقيدة فصل الدين عن الحياة - ليست عقيدة روحية. فهي بعد أن اعترفت بأن الإنسان مخلوق لخالق - علماً أنها لا تجزم بذلك - فصلت ذلك الإنسان عن خالقه وقالت له:" إن الخالق خلقك على هذه الأرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر أمرك كيفما شئت"( ). فخالفت بذلك فطرة الإنسان الذي يرى نفسه عاجزاً قاصراً محدوداً، ويرى خالقه مدبر أمره وحياته كلها.

وإذا كانت تلك العقيدة - التي هي أصل المبدأ - فاسدة خاطئة فمن الطبيعي أن تكون الأنظمة التي انبثقت عنها فاسدة، والحضارة التي قامت عليها منحرفة.

أما الإسلام، فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة. ذلك أن عقيدته التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعطت الفكرة الكلية الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة حين قررت أنها جميعها مخلوقة لخالق، وعما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، وعما بعدها وهو يوم القيامة، وحددت علاقة الإنسان بخالقه، وهي وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وربطت الإنسان وهو يعيش على هذه الأرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة إن هو فوّض أمره لخالقه سبحانه وانقاد لأوامره ونواهيه، وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى. يصف الله تعالى لنا رحلة الإنسان منذ نزوله إلى الأرض وحتى خروجه منها يوم الحساب قائلاً:
{ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }( ).

وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل الإنسان الذي يخاطبه القرآن الكريم قائلاً :{ أفي الله شك فاطر السموات والأرض }( ).

وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة الإنسان التي تنزع إلى عبادة الخالق المدبر، والتي تكلم عنها القرآن الكريم قائلاً: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطْرَتَ الله التي فطرَ الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }( ).

وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية( )، فلا تعارض في الإسلام بين المادة والروح أو الناحية الروحية. فإذا كانت الروح هي إدراك الصلة بالله تعالى، فإن الإسلام يكون قد ربط بين المادة والروح حين أمر الإنسان بأن يسيّر أعماله المادية بأوامر الله ونواهيه، فيدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال، فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان الله تعالى. وفي الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته.

هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة الإسلامية عن كل ما سواها من النهضات تميّزاً كلياً. وإذا كان لا بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة الإسلامية وغيرها، فمن الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى الأوربية، ذلك لأن العصور الوسطى الأوربية باعتراف الجميع لم تكن عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط. إذن فلتكن المقارنة بين نهضة الحضارة الإسلامية ونهضة الحضارة الغربية المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.
 

أعلى