دراسة السيادة الوطنية في ظل المتغيرات العالمية : قيود متزايدة وتحديات شاقة

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز


المؤلف : يوسف أحمد أحمد
نوع الوثيقة : مقال
الموضوع : الدولة - السياسة

شهد النظام العالمي في العقدين الأخيرين تطورات أحدثت تغيراً جذرياً في أبنيته السياسية والاقتصادية، فقد تحولت بنية القيادة فيه من الثنائية إلى الأحادية،ولو إلى حين، تغلب النموذج الرأسمالي للنمو الاقتصادي على غريمه الاشتراكي، وارتبطت هذه التحولات ببروز ظاهرة العولمة بأبعادها المختلفة، وفجر هذا كله جدلاً صاخباً تناول قضايا شتى كان من بينها تأثير هذه التطورات كافة على السيادة الوطنية للدول،وتراوح المشاركون في الجدل ما بين القول بأنها ولت إلى غير رجعة في زمن العولمة، والقول بأنها باقية دوماً وإن تأثرت سلباً بطبيعة الحال بالمتغيرات التي سبقت الإشارة إليها.

ثمة اتفاق إذن على أن المتغيرات الدولية الراهنة قد أرست قيوداً على "السيادة الوطنية" للدول، لكن هذا الحكم يفضي بنا إلى تساؤل منهاجي واجب: هل يعني هذا أن السيادة الوطنية كانت حرة من أي قيد قبل هذه المتغيرات إلى أن أتت فقيدتها؟ الواقع أن الإجابة على هذا السؤال تبدو ضرورية كي يمكننا أن نحدد بدقة معقولة، طبيعة ودرجة القيود التي استجدت مع تلك المتغيرات.

كان الدرس الأول لدارسي السياسة والقانون الدستوري في السنة الأولى من المرحلة الجامعية يبدأ تقليدياً بالحديث عن تعريف الدولة وظاهرة السيادة فيها، و عندما كان النقاش يصل إلى تناول خصائص السيادة كانت خاصية الاطلاق (بمعنى انه لا توجد سلطة أعلى من سلطة الدولة لا في داخلها أو خارجها) تبرز عادة كأولى هذه الخصائص، وفي أغلب الأمر كان الأساتذة، ذوو التوجه النظري المحض يكتفون بشرح معنى إطلاق السيادة دون إشارة لنسبيته، أما أولئك الذين امتلكوا فهماً سليما للواقع فكانوا عادة يواجهون معضلة الموازنة بين الحديث عن إطلاق السيادة وإدراك حقيقة وجود قيود فعلية عليها. لم تكن المعضلة تبدو واضحة أو مربكة في السياق الداخلي، فحتى عندما كان يشار إلى أن سلطة الدولة لا تطول كل إقليمها بالضرورة، أو أن ثمة جماعات ضغط تؤثر على هذه السلطة، أو أن هناك حرباً أهلية تقسم دولة ما إلى فريقين أو أكثر يسيطر كل منهما أو منها على جزء من إقليم الدولة، ولا يعترف بسيادة السلطة الحاكمة عليه كان التذرع ممكناً بأن هذه أوضاع استثنائية، أو أنها في الواقع لا تمس جوهر إطلاق السيادة.

لكن المطعن الذي لم يكن ممكناً تجنبه في إطلاق السيادة كان يرتبط دائما بوضع الدولة في المجتمع الدولي، إذ كان تفاوت القوة بين الدول واضحاً إلى الحد الذي يجعل من المضحك أن نتحدث عن سيادة مطلقة لدولة متناهية في الصغر في مواجهة دولة كبرى أو عظمى،و مع ذلك فإن التفاوت في القوة لم يكن هو المصدر الوحيد للقيود على سيادة الدولة وإنما كانت هناك مصادر أخرى يمكن إجمال أهمها بالإضافة إلى الخلل في موازين القوى بين الدول في الثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال و ترتيبات التكامل الإقليمي والعالمي.

ـ أما الخلل في موازين القوى الدولية فأثره بين على إطلاق السيادة، و أوضح مؤشر لذلك أن الدولة التي تهزم في حرب ضد دولة أخرى نتيجة هذا الخلل تجد نفسها مضطرة في معظم الأحيان إلى قبول قيود مقننة على سيادتها في ما يتعلق بحدود قدرتها العسكرية أو أوضاع القوات المسلحة في مناطق معينة من إقليمها ،إلخ.. وقد يقال أن هذه القيود تكون مؤقتة عادة، وهو قول ليس صحيحاً على إطلاقه، بيد أنه حتى لو كان صحيحاً لا ينفي أن قيوداً واضحة ترد على سيادة دولة ما لسنوات طويلة أو حتى لعقود من السنين.

كذلك فإن الخلل في موازين القوى قد يفضي بالدولة الأضعف إلى أن تقيد سيادتها دون أن تهزم في حرب أو حتى تدخلها، وذلك بسبب ممارسة الردع ضدها، والردع هو تهديد من دولة لدولة ما باستخدام القوة ضدها ما لم تغير سلوكها أو تمتنع عن المبادرة بسلوك معين كانت تنتويه بافتراض أن تغير السلوك أو الامتناع عن المبادرة بسلوك يحقق في الحالتين مصلحة الدولة مصدر التهديد،بل أن الردع يؤتي أحيانا ثمرته دون أن تضطر الدولة الأقوى إلى إطلاق التهديدات، وذلك عندما يكون الخلل في ميزان القوى فادحاً إلى الحد الذي تكيف الدولة الأضعف سلوكها من الأصل مع رغبات ومصالح الدولة الأقوى.

ـ أما الثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال فقد أحدثت اختراقاً أخطر لسيادة الدولة، ففي الحالة الأولى ـ ي حالة الخلل في موازين القوى ـ مكن تصور مجتمع متماسك في دولة ضعيفة بمعايير القوة العسكرية، و لذلك فإنها تهزم في حرب أو تردع نتيجة تهديد أو ترضى بالدونية من تلقاء نفسها، لكن هذا المجتمع قد يشرع نتيجة تماسكه في بناء قوة متزايدة يمكن أن تفضي به إلى استعادة سيادته المهددة أو المقيدة، أما في حالتنا فقد هددت الثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال باختراق الدولة التي تملك ناصية هذه الوسائل الحدود المادية لأية دولة معادية أو منافسة والوصول إلى عقول أبناء شعوبها في محاولة لتغيير إدراكهم للأمور، ومن ثم إمكانية التأثير على سلوكهم، وقد يحدث انقسام داخلي نتيجة لذلك، أو قد تتمرد جماعة أو جماعات على سلطة الدولة، و قد يصل الأمر إلى التأثير على السلوك الخارجي الرسمي لدولة ما نتيجة خشية نخبتها الحاكمة من إغضاب مصادر الدعاية المضادة ذات التأثير.
ـ وأخيرا فإن ترتيبات التكامل العالمي والإقليمي الطوعي قد لعبت هي الأخرى دوراً في إيجاد قيود على سيادة الدولة شريطة أن يكون دخول الدولة في هذه الترتيبات طواعية، لأن القول بغير ذلك يدخلها في شريحة الإكراه نتيجة الخلل في ميزان القوى، فالدول تنضم طواعية لمنظمة الأمم المتحدة، وتعني واقعة انضمامها أنها تقبل إمكانية أن يطبق عليها مجلس الأمن الترتيبات المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق والتي قد تصل إلى استخدام القوة ضدها إذا أتت بما يخل بالسلم والأمن الدوليين، و يعني ذلك ضمناً احتمال أن تحرص دوما على تكييف سلوكها في الساحة الدولية بحيث لا تعرض نفسها لهذه العقوبات، أو حتى لقرارات إدانة قد تضر بشرعية النظم الحاكمة فيها. كذلك فإن الدول الداخلة في ترتيبات تكامل اقتصادي إقليمي قد تصل إلى مرحلة (كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الحالي) تتنازل فيها بالفعل عن جزء من سيادتها في القرارات المتعلقة بعدد من القطاعات التي يحدث فيها تكامل فعلي.


لم تكن القيود على السيادة وليدة المتغيرات الدولية الراهنة إذن، ولكنها كانت موجودة قبلها على النحو السابق بيانه، فما الذي أحدثته هذه المتغيرات تحديداً ؟

يبدو للوهلة الأولى أن الفرضية المناسبة في هذا الخصوص قد تتمثل في أن تلك المتغيرات أوجدت فارقاً كبيراً في الدرجة و ليس في طبيعة الأمور، بمعنى أن القيود الواردة على السيادة وإن كانت سابقة على زمن العولمة الراهنة إلا أن وطأة هذه القيود تبدو وكأنها قد تفاقمت على نحو لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه.

لا يجب أن ننسى بداية أن مصادر القيود التي سبقت الإشارة إليها على السيادة مازالت موجودة و إن زادت وطأة بعضها كالثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال التي بلغت حداً غير مسبوق، وجعلت من العالم بالفعل قرية بالمعنى الإعلامي، وإن كانت قرية ببنية استبدادية للسلطة الإعلامية حيث تتحكم القلة في تدفق الأخبار والمواد الإعلامية على نحو يعزز الخلل في موازين القوى المادية بين الدول، وهكذا تفاقم الاختراق الإعلامي للكيانات السياسية، وإن يكن في اتجاه واحد من الشمال الذي تسيطر رموزه المتقدمة على معظم مقاليد القوة، إلى الجنوب المتخلف بشكل مركب بما في ذلك التخلف الإعلامي، وهكذا تعززت القيود على السيادة التي يفرضها الأقوى على الأضعف بآلة إعلامية عالمية طاغية تعمل على نحو نشعر به في حياتنا اليومية، ونلمس آثاره في شتى المجالات بما في ذلك مجال السيادة على نحو ما سبق أن بينا.

غير أن المسألة تجاوزت منذ ما يزيد على عقد من الزمان هذه الحدود وصولاً إلى فاق أخطر بكثير، فقد انهارت البنية القيادية الثنائية للنظام العالمي، والتي تبلورت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحلت محلها ولو مؤقتاً بنية أحادية القطب انفردت فيها الولايات المتحدة بمقاليد الهيمنة العالمية، وهو ما أثر تأثيراً بنيوياً فادحاً على السيادة الوطنية للدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة، ففي ظل النظام القديم (ثنائي القطبية) كانت هذه الدول تستطيع أن تلوذ من طغيان أحد القطبين إلى القطب الآخر متفادية بذلك إمكان إرغامها على فعل ما لا تريده أو التوقف عن فعل ما تريده،أو على الأقل مقللة من هذا الاحتمال بدرجة أو بأخرى، أما في ظل الأوضاع الدولية الجديدة الراهنة فإن تلك الدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة لم يعد أمامها سوى بديل واحد للحركة إما أن تتبناه طوعاً أو كرها وإما أن تخاطر بمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تتحسب لها بأقصى درجة من العقلانية والحسابات الرشيدة، خاصة وأن البنية القيادية الراهنة للنظام الدولي أتاحت للدولة العظمى الوحيدة سيطرة حقيقية على مجلس الأمن مكنتها من أن تستظل كثيراً في تدخلها في شؤون الدول بما يسمى بالشرعية الدولية، وأصبح الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمثل أملاً حقيقياً لشعوب عديدة مازالت تحبو في طريقها الطويل إلى الديمقراطية، وإنما يتخذ كذريعة من الدولة العظمى وحلفائها للتدخل في شؤون هذه الشعوب إن تجرأت حكوماتها على تحدي مصالح القوى المهيمنة في الأوضاع الدولية الراهنة، وأضيفت صفة "الإنساني" إلى "التدخل" لتبرر النكوص عن واحد من أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي، وهو "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

ولم يقف تفاقم القيود على السيادة الوطنية بسبب التطورات في بنية النظام العالمي عند الأمور الاستراتيجية السياسية، وإنما امتد إلى الأمور الاقتصادية أيضاً و هكذا اصبح "الإصلاح الاقتصادي" و"التكيف الهيكلي" شرطاً ضرورياً للقبول في المنظومة الاقتصادية العالمية، وقد قُصد بهذين المصطلحين وبغيرهما التخلي التام عن أي ترتيبات اقتصادية تتعارض مع النموذج الرأسمالي الذي اعتبره واحد من المنظرين الساذجين للأوضاع العالمية الراهنة "نهاية للتاريخ"، كما أن سيادة الدولة على قراراتها الاقتصادية أخذت في التقلص مع إقرار اتفاقية الجات التي قضت بالإزالة التدريجية والتامة لأية عوائق أمام تدفق حركة التجارة الدولية التي تسير بطبيعة الحال في اتجاه يعزز تقدم المتقدمين و يكرس تخلف المتخلفين، و حتى هنا أيضا ساد ازدواج المعايير، إذ بينما تم الاتفاق على إزالة كافة العقبات أمام حركة السلع فإن حركة البشر بقيت مقيدة لأن اتجاهها سوف يكون أساساً من الجنوب إلى الشمال وليس من الشمال إلى الجنوب كما هو الحال في حركة السلع.

ثم أتت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتزيد الأمور سوءاً، وسواء كانت الأحداث من تدبير تنظيمات إرهابية غير أمريكية أو تمت بتواطؤ مع قوى أمريكية داخلية أو تم التعامل مع مقدماتها باستخفاف تام من أجهزة الأمن الأمريكية لغرض في نفس يعقوب، فإن السياسة الأمريكية في أعقابها قد نحت نحواً لا نقول انه جديد ولكن السلوك الأمريكي بموجبه بات يتسم بخصائص مقلقة، فلم تعد الدوائر الأمريكية الرسمية معنية بتأسيس حركتها على ما يسمى بالشرعية الدولية، أو تقديم الأدلة القانونية الكافية حتى من وجهة نظرها التي تبرر ما تنزله من عقوبات بهذه الدولة أو تلك، أو تهدد به من ضربات سوف تطول دول محور الشر على حد التسمية الأمريكية التي استندت بدورها إلى معايير ذاتية وليس إلى أي توافق دولي يتجاوز حدود الولايات المتحدة الأمريكية.

والخلاصة أن السيادة الوطنية للدول باتت تواجه وضعاً خطراً شهد تفاقماً واضحاً لقيود عرفتها هذه السيادة منذ وقت ليس بالقصير إن لم يكن منذ نشأة الدولة الوطنية ذات السيادة أصلا، ووصلت الأمور على هذا النحو إلى حد أن بات فريق من المحللين والمعلقين يتحدث عن زوال أو اختفاء ظاهرة السيادة الوطنية،وهو حكــم يراه البعض ـ ومنهم كاتب هذه السطور ـ مبالغاً فيه، وإن كان ثمة اتفاق على خطورة ما ألم بالسيادة الوطنية للدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة. فواقع الأمر أن ظاهرة السيادة الوطنية لم تنته تماماً، إذ مازالت هناك فئة من الدول قادرة على أن تختلف مع الإرادة الأمريكية دون أن تختفي من خريطة العالم كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفياتي، فالصين وبعض الدول الأوروبية وبعض الدول ذات الأدوار الإقليمية القيادية مازالت قادرة على التعامل مع تلك الإدارة بحسابات رشيدة، ومعقدة تجعل القيود على سيادتها في حدها الأدنى، أو على الأقل ترسم خطاً أحمر أمام المصالح الحيوية لتلك الدول لا يمكن للقيود على السيادة أن تتجاوزه، ومن المؤكد أن تعزيز التطور الديمقراطي الداخلي في الدول سوف يزيد من قدرتها على تحدي القيود الخارجية على سيادتها بقدر ما يوجده هذا التطور من مجتمع متماسك في وجه محاولات الهيمنة الخارجية، وكذلك بقدر ما يقضي على بعض ذرائع التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومنها القول بانعدام الديمقراطية أو عدم احترام حقوق الإنسان فيها.

وبالإضافة إلى هذا فإن حلم التكامل القومي بالنسبة للعرب، والإقليمي بالنسبة لغيرهم من المجموعات الإقليمية ذات الروابط الخاصة مازال يمثل مخرجا حقيقياً من هذا المأزق على أساس أن ما لا تستطيعه دولة بمفردها قد تتمكن من أن تفعله بتكتيل إمكاناتها مع غيرها من الدول، وليس معنى هذا أن هذا البديل ـ أي بديل التكامل القومي والإقليمي ـ بديل سهل. ذلك أن صعوبات حقيقية تتعلق بنموذج العلاقات بين الدول الداخلة أو التي تنوي الدخول في علاقة التكامل هذه وكذلك بالممانعة الخارجية لجهود التكامل من قبل القوى العالمية المهيمنة.غير أن خطورة الموقف العالمي الراهن من ناحية والآفاق التي يفتحها بديل التكامل القومي والإقليمي من ناحية أخرى تسوغ لنا أن نندفع بكل قوانا وأن نستخدم كل ما لدينا من طاقات في اتجاه هذا الحلم من أجل حاضر أفضل ومستقبل من لشعوبنا التي كتب عليها أن تناضل دون انقطاع ضد قوى الهيمنة.
 

المرفقات


الكاتب: politics-dz
Article Title: دراسة السيادة الوطنية في ظل المتغيرات العالمية : قيود متزايدة وتحديات شاقة
Source URL: مكتبة الدراسات السياسية والإستراتيجية-https://www.politics-dz.com/community/
Quote & Share Rules: Short quotations can be made from the article provided that the source is included, but the entire article cannot be copied to another site or published elsewhere without permission of the author.

بولحية كمال

عضو جديد
م


المؤلف : يوسف أحمد أحمد
نوع الوثيقة : مقال
الموضوع : الدولة - السياسة

شهد النظام العالمي في العقدين الأخيرين تطورات أحدثت تغيراً جذرياً في أبنيته السياسية والاقتصادية، فقد تحولت بنية القيادة فيه من الثنائية إلى الأحادية،ولو إلى حين، تغلب النموذج الرأسمالي للنمو الاقتصادي على غريمه الاشتراكي، وارتبطت هذه التحولات ببروز ظاهرة العولمة بأبعادها المختلفة، وفجر هذا كله جدلاً صاخباً تناول قضايا شتى كان من بينها تأثير هذه التطورات كافة على السيادة الوطنية للدول،وتراوح المشاركون في الجدل ما بين القول بأنها ولت إلى غير رجعة في زمن العولمة، والقول بأنها باقية دوماً وإن تأثرت سلباً بطبيعة الحال بالمتغيرات التي سبقت الإشارة إليها.

ثمة اتفاق إذن على أن المتغيرات الدولية الراهنة قد أرست قيوداً على "السيادة الوطنية" للدول، لكن هذا الحكم يفضي بنا إلى تساؤل منهاجي واجب: هل يعني هذا أن السيادة الوطنية كانت حرة من أي قيد قبل هذه المتغيرات إلى أن أتت فقيدتها؟ الواقع أن الإجابة على هذا السؤال تبدو ضرورية كي يمكننا أن نحدد بدقة معقولة، طبيعة ودرجة القيود التي استجدت مع تلك المتغيرات.

كان الدرس الأول لدارسي السياسة والقانون الدستوري في السنة الأولى من المرحلة الجامعية يبدأ تقليدياً بالحديث عن تعريف الدولة وظاهرة السيادة فيها، و عندما كان النقاش يصل إلى تناول خصائص السيادة كانت خاصية الاطلاق (بمعنى انه لا توجد سلطة أعلى من سلطة الدولة لا في داخلها أو خارجها) تبرز عادة كأولى هذه الخصائص، وفي أغلب الأمر كان الأساتذة، ذوو التوجه النظري المحض يكتفون بشرح معنى إطلاق السيادة دون إشارة لنسبيته، أما أولئك الذين امتلكوا فهماً سليما للواقع فكانوا عادة يواجهون معضلة الموازنة بين الحديث عن إطلاق السيادة وإدراك حقيقة وجود قيود فعلية عليها. لم تكن المعضلة تبدو واضحة أو مربكة في السياق الداخلي، فحتى عندما كان يشار إلى أن سلطة الدولة لا تطول كل إقليمها بالضرورة، أو أن ثمة جماعات ضغط تؤثر على هذه السلطة، أو أن هناك حرباً أهلية تقسم دولة ما إلى فريقين أو أكثر يسيطر كل منهما أو منها على جزء من إقليم الدولة، ولا يعترف بسيادة السلطة الحاكمة عليه كان التذرع ممكناً بأن هذه أوضاع استثنائية، أو أنها في الواقع لا تمس جوهر إطلاق السيادة.

لكن المطعن الذي لم يكن ممكناً تجنبه في إطلاق السيادة كان يرتبط دائما بوضع الدولة في المجتمع الدولي، إذ كان تفاوت القوة بين الدول واضحاً إلى الحد الذي يجعل من المضحك أن نتحدث عن سيادة مطلقة لدولة متناهية في الصغر في مواجهة دولة كبرى أو عظمى،و مع ذلك فإن التفاوت في القوة لم يكن هو المصدر الوحيد للقيود على سيادة الدولة وإنما كانت هناك مصادر أخرى يمكن إجمال أهمها بالإضافة إلى الخلل في موازين القوى بين الدول في الثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال و ترتيبات التكامل الإقليمي والعالمي.

ـ أما الخلل في موازين القوى الدولية فأثره بين على إطلاق السيادة، و أوضح مؤشر لذلك أن الدولة التي تهزم في حرب ضد دولة أخرى نتيجة هذا الخلل تجد نفسها مضطرة في معظم الأحيان إلى قبول قيود مقننة على سيادتها في ما يتعلق بحدود قدرتها العسكرية أو أوضاع القوات المسلحة في مناطق معينة من إقليمها ،إلخ.. وقد يقال أن هذه القيود تكون مؤقتة عادة، وهو قول ليس صحيحاً على إطلاقه، بيد أنه حتى لو كان صحيحاً لا ينفي أن قيوداً واضحة ترد على سيادة دولة ما لسنوات طويلة أو حتى لعقود من السنين.

كذلك فإن الخلل في موازين القوى قد يفضي بالدولة الأضعف إلى أن تقيد سيادتها دون أن تهزم في حرب أو حتى تدخلها، وذلك بسبب ممارسة الردع ضدها، والردع هو تهديد من دولة لدولة ما باستخدام القوة ضدها ما لم تغير سلوكها أو تمتنع عن المبادرة بسلوك معين كانت تنتويه بافتراض أن تغير السلوك أو الامتناع عن المبادرة بسلوك يحقق في الحالتين مصلحة الدولة مصدر التهديد،بل أن الردع يؤتي أحيانا ثمرته دون أن تضطر الدولة الأقوى إلى إطلاق التهديدات، وذلك عندما يكون الخلل في ميزان القوى فادحاً إلى الحد الذي تكيف الدولة الأضعف سلوكها من الأصل مع رغبات ومصالح الدولة الأقوى.

ـ أما الثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال فقد أحدثت اختراقاً أخطر لسيادة الدولة، ففي الحالة الأولى ـ ي حالة الخلل في موازين القوى ـ مكن تصور مجتمع متماسك في دولة ضعيفة بمعايير القوة العسكرية، و لذلك فإنها تهزم في حرب أو تردع نتيجة تهديد أو ترضى بالدونية من تلقاء نفسها، لكن هذا المجتمع قد يشرع نتيجة تماسكه في بناء قوة متزايدة يمكن أن تفضي به إلى استعادة سيادته المهددة أو المقيدة، أما في حالتنا فقد هددت الثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال باختراق الدولة التي تملك ناصية هذه الوسائل الحدود المادية لأية دولة معادية أو منافسة والوصول إلى عقول أبناء شعوبها في محاولة لتغيير إدراكهم للأمور، ومن ثم إمكانية التأثير على سلوكهم، وقد يحدث انقسام داخلي نتيجة لذلك، أو قد تتمرد جماعة أو جماعات على سلطة الدولة، و قد يصل الأمر إلى التأثير على السلوك الخارجي الرسمي لدولة ما نتيجة خشية نخبتها الحاكمة من إغضاب مصادر الدعاية المضادة ذات التأثير.
ـ وأخيرا فإن ترتيبات التكامل العالمي والإقليمي الطوعي قد لعبت هي الأخرى دوراً في إيجاد قيود على سيادة الدولة شريطة أن يكون دخول الدولة في هذه الترتيبات طواعية، لأن القول بغير ذلك يدخلها في شريحة الإكراه نتيجة الخلل في ميزان القوى، فالدول تنضم طواعية لمنظمة الأمم المتحدة، وتعني واقعة انضمامها أنها تقبل إمكانية أن يطبق عليها مجلس الأمن الترتيبات المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق والتي قد تصل إلى استخدام القوة ضدها إذا أتت بما يخل بالسلم والأمن الدوليين، و يعني ذلك ضمناً احتمال أن تحرص دوما على تكييف سلوكها في الساحة الدولية بحيث لا تعرض نفسها لهذه العقوبات، أو حتى لقرارات إدانة قد تضر بشرعية النظم الحاكمة فيها. كذلك فإن الدول الداخلة في ترتيبات تكامل اقتصادي إقليمي قد تصل إلى مرحلة (كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الحالي) تتنازل فيها بالفعل عن جزء من سيادتها في القرارات المتعلقة بعدد من القطاعات التي يحدث فيها تكامل فعلي.


لم تكن القيود على السيادة وليدة المتغيرات الدولية الراهنة إذن، ولكنها كانت موجودة قبلها على النحو السابق بيانه، فما الذي أحدثته هذه المتغيرات تحديداً ؟

يبدو للوهلة الأولى أن الفرضية المناسبة في هذا الخصوص قد تتمثل في أن تلك المتغيرات أوجدت فارقاً كبيراً في الدرجة و ليس في طبيعة الأمور، بمعنى أن القيود الواردة على السيادة وإن كانت سابقة على زمن العولمة الراهنة إلا أن وطأة هذه القيود تبدو وكأنها قد تفاقمت على نحو لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه.

لا يجب أن ننسى بداية أن مصادر القيود التي سبقت الإشارة إليها على السيادة مازالت موجودة و إن زادت وطأة بعضها كالثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال التي بلغت حداً غير مسبوق، وجعلت من العالم بالفعل قرية بالمعنى الإعلامي، وإن كانت قرية ببنية استبدادية للسلطة الإعلامية حيث تتحكم القلة في تدفق الأخبار والمواد الإعلامية على نحو يعزز الخلل في موازين القوى المادية بين الدول، وهكذا تفاقم الاختراق الإعلامي للكيانات السياسية، وإن يكن في اتجاه واحد من الشمال الذي تسيطر رموزه المتقدمة على معظم مقاليد القوة، إلى الجنوب المتخلف بشكل مركب بما في ذلك التخلف الإعلامي، وهكذا تعززت القيود على السيادة التي يفرضها الأقوى على الأضعف بآلة إعلامية عالمية طاغية تعمل على نحو نشعر به في حياتنا اليومية، ونلمس آثاره في شتى المجالات بما في ذلك مجال السيادة على نحو ما سبق أن بينا.

غير أن المسألة تجاوزت منذ ما يزيد على عقد من الزمان هذه الحدود وصولاً إلى فاق أخطر بكثير، فقد انهارت البنية القيادية الثنائية للنظام العالمي، والتي تبلورت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحلت محلها ولو مؤقتاً بنية أحادية القطب انفردت فيها الولايات المتحدة بمقاليد الهيمنة العالمية، وهو ما أثر تأثيراً بنيوياً فادحاً على السيادة الوطنية للدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة، ففي ظل النظام القديم (ثنائي القطبية) كانت هذه الدول تستطيع أن تلوذ من طغيان أحد القطبين إلى القطب الآخر متفادية بذلك إمكان إرغامها على فعل ما لا تريده أو التوقف عن فعل ما تريده،أو على الأقل مقللة من هذا الاحتمال بدرجة أو بأخرى، أما في ظل الأوضاع الدولية الجديدة الراهنة فإن تلك الدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة لم يعد أمامها سوى بديل واحد للحركة إما أن تتبناه طوعاً أو كرها وإما أن تخاطر بمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تتحسب لها بأقصى درجة من العقلانية والحسابات الرشيدة، خاصة وأن البنية القيادية الراهنة للنظام الدولي أتاحت للدولة العظمى الوحيدة سيطرة حقيقية على مجلس الأمن مكنتها من أن تستظل كثيراً في تدخلها في شؤون الدول بما يسمى بالشرعية الدولية، وأصبح الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمثل أملاً حقيقياً لشعوب عديدة مازالت تحبو في طريقها الطويل إلى الديمقراطية، وإنما يتخذ كذريعة من الدولة العظمى وحلفائها للتدخل في شؤون هذه الشعوب إن تجرأت حكوماتها على تحدي مصالح القوى المهيمنة في الأوضاع الدولية الراهنة، وأضيفت صفة "الإنساني" إلى "التدخل" لتبرر النكوص عن واحد من أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي، وهو "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

ولم يقف تفاقم القيود على السيادة الوطنية بسبب التطورات في بنية النظام العالمي عند الأمور الاستراتيجية السياسية، وإنما امتد إلى الأمور الاقتصادية أيضاً و هكذا اصبح "الإصلاح الاقتصادي" و"التكيف الهيكلي" شرطاً ضرورياً للقبول في المنظومة الاقتصادية العالمية، وقد قُصد بهذين المصطلحين وبغيرهما التخلي التام عن أي ترتيبات اقتصادية تتعارض مع النموذج الرأسمالي الذي اعتبره واحد من المنظرين الساذجين للأوضاع العالمية الراهنة "نهاية للتاريخ"، كما أن سيادة الدولة على قراراتها الاقتصادية أخذت في التقلص مع إقرار اتفاقية الجات التي قضت بالإزالة التدريجية والتامة لأية عوائق أمام تدفق حركة التجارة الدولية التي تسير بطبيعة الحال في اتجاه يعزز تقدم المتقدمين و يكرس تخلف المتخلفين، و حتى هنا أيضا ساد ازدواج المعايير، إذ بينما تم الاتفاق على إزالة كافة العقبات أمام حركة السلع فإن حركة البشر بقيت مقيدة لأن اتجاهها سوف يكون أساساً من الجنوب إلى الشمال وليس من الشمال إلى الجنوب كما هو الحال في حركة السلع.

ثم أتت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتزيد الأمور سوءاً، وسواء كانت الأحداث من تدبير تنظيمات إرهابية غير أمريكية أو تمت بتواطؤ مع قوى أمريكية داخلية أو تم التعامل مع مقدماتها باستخفاف تام من أجهزة الأمن الأمريكية لغرض في نفس يعقوب، فإن السياسة الأمريكية في أعقابها قد نحت نحواً لا نقول انه جديد ولكن السلوك الأمريكي بموجبه بات يتسم بخصائص مقلقة، فلم تعد الدوائر الأمريكية الرسمية معنية بتأسيس حركتها على ما يسمى بالشرعية الدولية، أو تقديم الأدلة القانونية الكافية حتى من وجهة نظرها التي تبرر ما تنزله من عقوبات بهذه الدولة أو تلك، أو تهدد به من ضربات سوف تطول دول محور الشر على حد التسمية الأمريكية التي استندت بدورها إلى معايير ذاتية وليس إلى أي توافق دولي يتجاوز حدود الولايات المتحدة الأمريكية.

والخلاصة أن السيادة الوطنية للدول باتت تواجه وضعاً خطراً شهد تفاقماً واضحاً لقيود عرفتها هذه السيادة منذ وقت ليس بالقصير إن لم يكن منذ نشأة الدولة الوطنية ذات السيادة أصلا، ووصلت الأمور على هذا النحو إلى حد أن بات فريق من المحللين والمعلقين يتحدث عن زوال أو اختفاء ظاهرة السيادة الوطنية،وهو حكــم يراه البعض ـ ومنهم كاتب هذه السطور ـ مبالغاً فيه، وإن كان ثمة اتفاق على خطورة ما ألم بالسيادة الوطنية للدول المتوسطة والصغيرة بصفة خاصة. فواقع الأمر أن ظاهرة السيادة الوطنية لم تنته تماماً، إذ مازالت هناك فئة من الدول قادرة على أن تختلف مع الإرادة الأمريكية دون أن تختفي من خريطة العالم كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفياتي، فالصين وبعض الدول الأوروبية وبعض الدول ذات الأدوار الإقليمية القيادية مازالت قادرة على التعامل مع تلك الإدارة بحسابات رشيدة، ومعقدة تجعل القيود على سيادتها في حدها الأدنى، أو على الأقل ترسم خطاً أحمر أمام المصالح الحيوية لتلك الدول لا يمكن للقيود على السيادة أن تتجاوزه، ومن المؤكد أن تعزيز التطور الديمقراطي الداخلي في الدول سوف يزيد من قدرتها على تحدي القيود الخارجية على سيادتها بقدر ما يوجده هذا التطور من مجتمع متماسك في وجه محاولات الهيمنة الخارجية، وكذلك بقدر ما يقضي على بعض ذرائع التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومنها القول بانعدام الديمقراطية أو عدم احترام حقوق الإنسان فيها.

وبالإضافة إلى هذا فإن حلم التكامل القومي بالنسبة للعرب، والإقليمي بالنسبة لغيرهم من المجموعات الإقليمية ذات الروابط الخاصة مازال يمثل مخرجا حقيقياً من هذا المأزق على أساس أن ما لا تستطيعه دولة بمفردها قد تتمكن من أن تفعله بتكتيل إمكاناتها مع غيرها من الدول، وليس معنى هذا أن هذا البديل ـ أي بديل التكامل القومي والإقليمي ـ بديل سهل. ذلك أن صعوبات حقيقية تتعلق بنموذج العلاقات بين الدول الداخلة أو التي تنوي الدخول في علاقة التكامل هذه وكذلك بالممانعة الخارجية لجهود التكامل من قبل القوى العالمية المهيمنة.غير أن خطورة الموقف العالمي الراهن من ناحية والآفاق التي يفتحها بديل التكامل القومي والإقليمي من ناحية أخرى تسوغ لنا أن نندفع بكل قوانا وأن نستخدم كل ما لدينا من طاقات في اتجاه هذا الحلم من أجل حاضر أفضل ومستقبل من لشعوبنا التي كتب عليها أن تناضل دون انقطاع ضد قوى الهيمنة.
 

أعلى