دراسة التهديدات الأمنية في المغرب العربي : مقاربة الأمن الإنساني

دور الصين

باحث الموسوعة
باحث مميز




التهديدات الأمنية في المغرب العربي :
مقاربة الأمن الإنساني




د
.أمحند برقوق ،قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية ،جامعة الجزائر






يشكل المغرب العربي ،كنقطة تماس جيو- حضارية بين إفريقيا و أوروبا و العالم العربي مصدرا فعليا لاهتمام تنافسي للقوى الكبرى حسب منطق استباقي مرتبط بمقتضيات التموقع التأسيسي للعالم المستقبلي مع تطلع الإتحاد الاروبي و الصين من جهة لأن يكونا قطبين فاعليين في البنى الكونية المستقبلية ،و عزم الولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على نسق هيمنتها العالمية من جهة أخرى .​


فالمغرب العربي ،من هذا المنظور الجيو إستراتيجي و الإستشرافي ، يشكل حلقة وصل فعلية بين بناء البيت الاروبي المشترك و التموقع الإستباقي في المجال المتوسطي للاتحاد الاروبي مع رغبة الحفاظ على النفوذ التاريخي لبعض الدول (فرنسا و بريطانيا) كضمان فعلي للتحكم في حركية التغيير التركيبة للقوة في المستقبل المتوسط و البعيد .​

أما الصين ، فتعمد على توسيع مجالات نشاطها الاقتصادي في إفريقيا كما هو جلي في الزيارات المتكررة للقيادات الصينية و حصولها على مشاريع ضخمة في مجالات البنى التحتية ، الطاقة و استغلال الموارد الطبيعية ، لحاجتها الماسة لتموين مضمون لآلتها الإنتاجية بحكم توفر الصين على امتياز إيجابي هو التصنيع السريع و الحركة التجارية العالمية التي تجعل من الصين أول مصدر للمواد من العالم و أول مطور للابتكارات العلمية المخترعة في الغرب و الولايات المتحدة على وجه الخصوص .​


أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فيمكن حصر دوافعها في المغرب العربي فس الثلاثية التالية :​

أ-الرغبة في احتواء المد المستقبلي للإتحاد الأوربي جنوبا و منعه من تكوين مجال حيوي مستقل قد يكون مدخلا لبناء قطب كوني أروبي منافس .​


ب- التموقع من أجل استغلال نفعي لمصادر الطاقة في المغرب العربي و بالخصوص في الجزائر مع التحكم في طريق الطاقة من نيجيريا نحو أوروبا (عبر المغرب العربي مستقبلا ) و لكن أيضا في الواردات الأوربية من الغاز الجزائري​


ج- التعامل الأمني مع مصادر الإرهاب كما يظهر من مبادرة الساحل الصحراء أو إنشاء قيادة أمريكية لإفريقيا من أجل التعامل الميداني مع الإرهاب و التطرف عندما يشكل تهديدا لمصالحها الآنية أو المستقبلية خاصة مع وجود احتمال فشل عدد من الدول من إفريقيا عموما و في شريط الساحل خصوصا (السودان ،التشاد ،مالي،النيجر و موريتانيا ).​


أمام هذا الاهتمام المتزايد بمنطقة المغرب العربي ،ما هي التهديدات الأمنية التي تواجه المجال الجيو سياسي المغاربي (المغرب الجزائر تونس) ؟ما هي مصادر التهديدات؟ و كيف يمكن التعامل معها؟​



الأمن الإنساني: مقاربة اتيمولوجية


يشكل الأمن الإنساني مقاربة شاملة للأمن إذ أنه لا يقتصر فقط على التهديدات المرتبطة بالمجالات العسكرية و الاقتصادية فحسب بل يتعداه للتهديدات النابعة عن عجز الدول على مستويات التنمية الإنسانية و البناء الديمقراطي ،أي أنها ترتبط بضعف حركيات صناعة الاستقرار السياسي و الحفاظ على التجانس الاجتماعي في ظل عولمة التحديات و المخاطر مع بروز مجموعة من المظاهر البنيوية و النسقية العابرة للأوطان (الجريمة المنظمة ،الإرهاب الهجرة السرية ،التلوث ،الأوبئة....إلخ) .​


فمقاربة الأمن الإنساني ، من هذا المنظور ،توسع مجال البحث ليشمل مجموعتين من مصادر التهديد في المغرب العربي و هي: المصادر الخارجية و المصادر الداخلية :​


1)- المصادر الخارجية :


ويقصد بها مجموعة المتغيرات التي تنتج عن حركيات و أزمات تقع خارج مجال الدراسة و تشمل بالأساس خمس مصادر كبرى :​

أ- السياسة الانفرادية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم العربي و الإسلامي (العراق ،أفغانستان...)والتي تنتج حالة إحباط عند بعض شرائح المجتمع بشكل يغذي التطرف وينتج معه احتمالات الإرهاب (كما ظهر في تفكيك شبكات تجنيد المغاربة وتونسيون للذهاب للعراق مثلا)​


ب-استمرار ثنائية التعامل مع مسألة الشرق الأوسط مع وجود انحياز واضح و فاضح لإسرائيل على حساب حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشريف ،مما يخلق أيضا و باستمرار حالات من الإحباط قد تشكل أرضية خصبة لتغذية التطرف الديني في دول المغرب العربي .​


ج- حالات الأزمات التنموية في دول الساحل و التي تنتج عنها حركيات للهجرة السرية مع احتمال ارتباطها بالجريمة المنظمة و المتاجرة بالأسلحة الخفيفة .​


د-بروز أزمات سياسية و أثنية في إفريقيا تنتج حركيات من الانتقال السري و غير الشرعي للأشخاص .​


ه-انتشار وباء السيدا في إفريقيا مع احتمال انتقاله للشمال بفعل الهجرة السرية وبناء شبكات الدعارة و التجارة الجنسية.​


(2)- المصادر الداخلية :


تشكل الحركيات الأزموية الداخلية أساس المعضلة الأمنية في المغرب العربي. من بين هذه اامدخلات السببية بمكن ذكر مايلي:​


أ-ضعف البنى الاقتصادية لتميزها بالتبعية الإنتاجية (النفط في الجزائر ،الزراعة و السياحة في تونس ،الزراعة و السياحة و الموارد الطبيعية في المغرب ) مما يخلق بالأساس ضعف في التخطيط الإستراتيجي للتنمية ، ضعف القدرة على تعبئة الموارد المالية و ذلك بالنظر لتذبذب أسعار المواد الطاقوية ،الأولية و الزراعية في الأسواق العالمية مع عدم الاستقرار الايجابي للمنتوجات الصناعية المستوردة من خارج المنطقة.​


ب-ضعف الأداء الديمقراطي في هذه الدول خاصة في تونس و المغرب لضعف التعددية ،ضعف الشفافية ،تراجع فلسفة الخدمة العامة مع غياب دولة الحق و القانون ،و هذا ما يجعل من احتمال بروزالتهديدات للاستقرار السياسي الداخلي جدية .​


ج- ضعف التنشئة السياسية في هذه البلدان حسب منطق المواطنة و العصرنة مع ترك المجال العام مفتوحا لاستخدام الدين الإسلامي (في الدول الثلاثة) و الأمازيغية ( في المغرب و الجزائر ) كأحصنة تروادة مما يضعف من فكرة "الانتماء المطلق " للوطن و احتمال بروز أشكال جديدة أو متجددة من التطرف الديني أو اللغوي.​


د-ضعف التعاون البيني لدول المغرب العربي على مستويات التنمية و التعامل مع ظاهرة اللاأمن (الجريمة المنظمة،مكافحة المتاجرة بالمخدرات ،....إلخ)​


ه-تعثر عمليات تسوية قضية الصحراء الغربية مما ينتج تشنجات على مستوى العلاقات البينية في المنطقة.​


و بالنظر لما سبق من مصادر التهديد فيمكن القول على أنها مشكلة من تهديدات بنيوية و أخرى نسقيه .​


2)-التهديدات الأمنية :مقاربة بنيوية ونسقيه :


يمكن تصنيف طبيعة التهديدات التي يواجهها المغرب العربي إلى مجموعتين:​


1-التهديدات البنيوية :​


و يقصد بها تلك المرتبطة بضعف الأداء السياسي و الاقتصادي للدول و التي تنتج معها الفقر و الإقصاء و التهميش، و تغذي مع ذلك التطرف و احتمالات ظهور حركيات للعنف السياسي و ضعف الاستقرار و التجانس الاجتماعي . و من هنا يمكن إدراج التهديدات التالية ضمن هذه المجموعة :​


أ- انتشار التطرف الديني بين الشرائح الاجتماعية المهمشة و الفقيرة بشكل يغذي معه الانقسامية الاجتماعية و التشرد السياسي و هذا بطبعه ينتج حركيات إضعاف الاستقرار السياسي و الاجتماعي و كذلك حركيات التوظيف السياسي للقيم المجتمعية لأغراض تغيير الدولة و المجتمع (ثنائية التطرف و الإرهاب)​


ب-انتشار التطرف اللغوي و احتمال إنتاج أزمات على مستوى الهوية (أزمة القبائل في الجزائر و أزمات الريف في المغرب )​

.​

ج-انتشار ثقافة العنف السياسي لانسداد الاتصال السياسي التفاعلي بين النظام السياسي و المجتمع مما يفقد أو يضعف الثقة في مؤسسات الحكم و يجعل من خيار العنف احتمالا واردا.​


د-بفعل الفقر و التهميش ظهرت حركيات الهجرة الداخلية و ما تنتجه من أزمات على مستويات المدن الكبرى (الجريمة ، الفساد الأخلاقي ،المخدرات ، الدعارة...)​



2- التهديدات النسقية :​


و يقصد بها التهديدات النابعة عن ضعف التفاعل الايجابي داخل النسق السياسي (النسق العالمي ) النسق الفرعي ( المغرب العربي ) أو في ما بينها . و من بين هذه التهديدات يمكن ذكر :​


أ-انتشار الجريمة المنظمة على مستويات تبييض الأموال ، المتاجرة بالمخدرات ، الدعارة المتاجرة بالأسلحة الخفيفة ،التهريب مع كل ما تحدثه هذه الجرائم من تاثبرات سلبية على الأنسجة الاقتصادية و الاجتماعية لدول المغرب العربي خاصة و أن هنالك تداخل و تلاحق بين الشبكات الإجرامية الوطنية مع الجهوية ( بين دول المغرب العربي مع إفريقيا) أو العالمية .​


ب- الإرهاب كظاهرة عالمية عابرة للأوطان تتميز بالتشكل على المستويات العقدية و العملياتية و على مستويات " التعبير المادي" لأعمالها في دول المغرب العربي و في الساحل الإفريقي مع وجود ارتباطات فكرية و مادية بل وحتى عضوية مع الإرهاب العالمي.​


ج- الهجرة السرية من الدول الإفريقية التي تجعل من المغرب العربي منطقة عبور نحو أوربا مع كل ما تخلفه منتداعيات سلبية على مستوى الإدارة الأمنية و الإنسانية لهذا المشكل خاصة مع ارتباط الهجرة السرية في أغلب الحالات مع الجريمة المنظمة.​


د- المتاجرة بالمخدرات سواء لكون المغرب منتجه للقنب الهندي أو لتحول بعض هذه الدول و موانئها و مطاراتها و حدودها منفذا لهذه المواد السامة القادمة من آسيا و أمريكا اللاتينية نحو أوربا .​


و أمام هذه الطبيعة المركبة للتهديدات الأمنية على مستوى مصادرها طبيعتها و أشكال التعبير عنها ، فعلى الدول المغاربية تبني حلولا و إستراتيجيات تتماشى مع هذه التهديدات .​


3)- كيف التعامل مع هذه التهديدات ؟:


بالنظر لتنوع مصادر التهديد و أشكالها و ارتباط الداخلي بالخارجي ،فعلى دول المغرب العربي أن تتبنى مجموعة من الآليات المناسبة للتعامل معها و منها:​


1-ضرورة بناء فلسفة حكم قائمة على قيم الحكم الراشد ،الديمقراطية المشاركاتية و حقوق الإنسان​


2- ضرورة بناء فلسفة تنمية متمحورة حول الإنسان، محققة لحاجاته و غاياته و محققة لمبادئ العدالة في التوزيع مع تكريس مبدأ المساواة في الفرص و أمام القانون​


3- ضرورة تطوير آليات إستباقية في التعامل مع الأزمات الاجتماعية و السياسية​


4- ضرورة التعامل بثبات مع الجريمة المنظمة و الإرهاب و كل مصادر التهديد الأمني​


5-ضرورة بناء استراتيجيات للتنشئة السياسية تكرس و تقدس المواطنة و تنبذ كل أشكال التطرف​


6- حل القضية الصحراوية بتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره و تمكين المغرب العربي الكبير من بناء مؤسساته الاندماجية و التكاملية​


7-تطوير آليات جماعية للوقاية من الإرهاب و الهجرة السرية و الجريمة المنظمة و محاربتها .​



الخاتمة


بالنظر للموقع الاستراتيجي ، الحضاري و الاقتصادي للمغرب العربي و انفتاحه على كل أشكال التهديدات الأمنية فإنه من الضروري على هذه الدول تطوير إستراتيجيات تكاملية لاحتواء وحل كل مصادر التهديد دون التركيز حصريا على المظاهر الخارجية أو التعبيرية لهذه التهديدات ، كما يجب عليها أيضا القيام بالإصلاحات البنيوية الداخلية الضرورية لتكريس فلسفة دولة الحق و القانون ،المواطنة و الحكم الراشد كقيم واقية من ظواهر التطرف و الإرهاب مع تمكين المؤسسات الأمنية من الوسائل الفعلية و الفعالة للتعامل معها حماية للمجتمعات ،الوطن و المواطنين .​









مقاربة الأمن الإنساني




د
.أمحند برقوق ،قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية ،جامعة الجزائر












يشكل المغرب العربي ،كنقطة تماس جيو- حضارية بين إفريقيا و أوروبا و العالم العربي مصدرا فعليا لاهتمام تنافسي للقوى الكبرى حسب منطق استباقي مرتبط بمقتضيات التموقع التأسيسي للعالم المستقبلي مع تطلع الإتحاد الاروبي و الصين من جهة لأن يكونا قطبين فاعليين في البنى الكونية المستقبلية ،و عزم الولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على نسق هيمنتها العالمية من جهة أخرى .



فالمغرب العربي ،من هذا المنظور الجيو إستراتيجي و الإستشرافي ، يشكل حلقة وصل فعلية بين بناء البيت الاروبي المشترك و التموقع الإستباقي في المجال المتوسطي للاتحاد الاروبي مع رغبة الحفاظ على النفوذ التاريخي لبعض الدول (فرنسا و بريطانيا) كضمان فعلي للتحكم في حركية التغيير التركيبة للقوة في المستقبل المتوسط و البعيد .

أما الصين ، فتعمد على توسيع مجالات نشاطها الاقتصادي في إفريقيا كما هو جلي في الزيارات المتكررة للقيادات الصينية و حصولها على مشاريع ضخمة في مجالات البنى التحتية ، الطاقة و استغلال الموارد الطبيعية ، لحاجتها الماسة لتموين مضمون لآلتها الإنتاجية بحكم توفر الصين على امتياز إيجابي هو التصنيع السريع و الحركة التجارية العالمية التي تجعل من الصين أول مصدر للمواد من العالم و أول مطور للابتكارات العلمية المخترعة في الغرب و الولايات المتحدة على وجه الخصوص .



أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فيمكن حصر دوافعها في المغرب العربي فس الثلاثية التالية :

أ-الرغبة في احتواء المد المستقبلي للإتحاد الأوربي جنوبا و منعه من تكوين مجال حيوي مستقل قد يكون مدخلا لبناء قطب كوني أروبي منافس .



ب- التموقع من أجل استغلال نفعي لمصادر الطاقة في المغرب العربي و بالخصوص في الجزائر مع التحكم في طريق الطاقة من نيجيريا نحو أوروبا (عبر المغرب العربي مستقبلا ) و لكن أيضا في الواردات الأوربية من الغاز الجزائري



ج- التعامل الأمني مع مصادر الإرهاب كما يظهر من مبادرة الساحل الصحراء أو إنشاء قيادة أمريكية لإفريقيا من أجل التعامل الميداني مع الإرهاب و التطرف عندما يشكل تهديدا لمصالحها الآنية أو المستقبلية خاصة مع وجود احتمال فشل عدد من الدول من إفريقيا عموما و في شريط الساحل خصوصا (السودان ،التشاد ،مالي،النيجر و موريتانيا ).



أمام هذا الاهتمام المتزايد بمنطقة المغرب العربي ،ما هي التهديدات الأمنية التي تواجه المجال الجيو سياسي المغاربي (المغرب الجزائر تونس) ؟ما هي مصادر التهديدات؟ و كيف يمكن التعامل معها؟





الأمن الإنساني: مقاربة اتيمولوجية



يشكل الأمن الإنساني مقاربة شاملة للأمن إذ أنه لا يقتصر فقط على التهديدات المرتبطة بالمجالات العسكرية و الاقتصادية فحسب بل يتعداه للتهديدات النابعة عن عجز الدول على مستويات التنمية الإنسانية و البناء الديمقراطي ،أي أنها ترتبط بضعف حركيات صناعة الاستقرار السياسي و الحفاظ على التجانس الاجتماعي في ظل عولمة التحديات و المخاطر مع بروز مجموعة من المظاهر البنيوية و النسقية العابرة للأوطان (الجريمة المنظمة ،الإرهاب الهجرة السرية ،التلوث ،الأوبئة....إلخ) .



فمقاربة الأمن الإنساني ، من هذا المنظور ،توسع مجال البحث ليشمل مجموعتين من مصادر التهديد في المغرب العربي و هي: المصادر الخارجية و المصادر الداخلية :



1)- المصادر الخارجية :



ويقصد بها مجموعة المتغيرات التي تنتج عن حركيات و أزمات تقع خارج مجال الدراسة و تشمل بالأساس خمس مصادر كبرى :

أ- السياسة الانفرادية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم العربي و الإسلامي (العراق ،أفغانستان...)والتي تنتج حالة إحباط عند بعض شرائح المجتمع بشكل يغذي التطرف وينتج معه احتمالات الإرهاب (كما ظهر في تفكيك شبكات تجنيد المغاربة وتونسيون للذهاب للعراق مثلا)



ب-استمرار ثنائية التعامل مع مسألة الشرق الأوسط مع وجود انحياز واضح و فاضح لإسرائيل على حساب حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشريف ،مما يخلق أيضا و باستمرار حالات من الإحباط قد تشكل أرضية خصبة لتغذية التطرف الديني في دول المغرب العربي .



ج- حالات الأزمات التنموية في دول الساحل و التي تنتج عنها حركيات للهجرة السرية مع احتمال ارتباطها بالجريمة المنظمة و المتاجرة بالأسلحة الخفيفة .



د-بروز أزمات سياسية و أثنية في إفريقيا تنتج حركيات من الانتقال السري و غير الشرعي للأشخاص .



ه-انتشار وباء السيدا في إفريقيا مع احتمال انتقاله للشمال بفعل الهجرة السرية وبناء شبكات الدعارة و التجارة الجنسية.



(2)- المصادر الداخلية :



تشكل الحركيات الأزموية الداخلية أساس المعضلة الأمنية في المغرب العربي. من بين هذه اامدخلات السببية بمكن ذكر مايلي:



أ-ضعف البنى الاقتصادية لتميزها بالتبعية الإنتاجية (النفط في الجزائر ،الزراعة و السياحة في تونس ،الزراعة و السياحة و الموارد الطبيعية في المغرب ) مما يخلق بالأساس ضعف في التخطيط الإستراتيجي للتنمية ، ضعف القدرة على تعبئة الموارد المالية و ذلك بالنظر لتذبذب أسعار المواد الطاقوية ،الأولية و الزراعية في الأسواق العالمية مع عدم الاستقرار الايجابي للمنتوجات الصناعية المستوردة من خارج المنطقة.



ب-ضعف الأداء الديمقراطي في هذه الدول خاصة في تونس و المغرب لضعف التعددية ،ضعف الشفافية ،تراجع فلسفة الخدمة العامة مع غياب دولة الحق و القانون ،و هذا ما يجعل من احتمال بروزالتهديدات للاستقرار السياسي الداخلي جدية .



ج- ضعف التنشئة السياسية في هذه البلدان حسب منطق المواطنة و العصرنة مع ترك المجال العام مفتوحا لاستخدام الدين الإسلامي (في الدول الثلاثة) و الأمازيغية ( في المغرب و الجزائر ) كأحصنة تروادة مما يضعف من فكرة "الانتماء المطلق " للوطن و احتمال بروز أشكال جديدة أو متجددة من التطرف الديني أو اللغوي.



د-ضعف التعاون البيني لدول المغرب العربي على مستويات التنمية و التعامل مع ظاهرة اللاأمن (الجريمة المنظمة،مكافحة المتاجرة بالمخدرات ،....إلخ)



ه-تعثر عمليات تسوية قضية الصحراء الغربية مما ينتج تشنجات على مستوى العلاقات البينية في المنطقة.



و بالنظر لما سبق من مصادر التهديد فيمكن القول على أنها مشكلة من تهديدات بنيوية و أخرى نسقيه .



2)-التهديدات الأمنية :مقاربة بنيوية ونسقيه :



يمكن تصنيف طبيعة التهديدات التي يواجهها المغرب العربي إلى مجموعتين:



1-التهديدات البنيوية :



و يقصد بها تلك المرتبطة بضعف الأداء السياسي و الاقتصادي للدول و التي تنتج معها الفقر و الإقصاء و التهميش، و تغذي مع ذلك التطرف و احتمالات ظهور حركيات للعنف السياسي و ضعف الاستقرار و التجانس الاجتماعي . و من هنا يمكن إدراج التهديدات التالية ضمن هذه المجموعة :



أ- انتشار التطرف الديني بين الشرائح الاجتماعية المهمشة و الفقيرة بشكل يغذي معه الانقسامية الاجتماعية و التشرد السياسي و هذا بطبعه ينتج حركيات إضعاف الاستقرار السياسي و الاجتماعي و كذلك حركيات التوظيف السياسي للقيم المجتمعية لأغراض تغيير الدولة و المجتمع (ثنائية التطرف و الإرهاب)



ب-انتشار التطرف اللغوي و احتمال إنتاج أزمات على مستوى الهوية (أزمة القبائل في الجزائر و أزمات الريف في المغرب )

.

ج-انتشار ثقافة العنف السياسي لانسداد الاتصال السياسي التفاعلي بين النظام السياسي و المجتمع مما يفقد أو يضعف الثقة في مؤسسات الحكم و يجعل من خيار العنف احتمالا واردا.



د-بفعل الفقر و التهميش ظهرت حركيات الهجرة الداخلية و ما تنتجه من أزمات على مستويات المدن الكبرى (الجريمة ، الفساد الأخلاقي ،المخدرات ، الدعارة...)





2- التهديدات النسقية :



و يقصد بها التهديدات النابعة عن ضعف التفاعل الايجابي داخل النسق السياسي (النسق العالمي ) النسق الفرعي ( المغرب العربي ) أو في ما بينها . و من بين هذه التهديدات يمكن ذكر :



أ-انتشار الجريمة المنظمة على مستويات تبييض الأموال ، المتاجرة بالمخدرات ، الدعارة المتاجرة بالأسلحة الخفيفة ،التهريب مع كل ما تحدثه هذه الجرائم من تاثبرات سلبية على الأنسجة الاقتصادية و الاجتماعية لدول المغرب العربي خاصة و أن هنالك تداخل و تلاحق بين الشبكات الإجرامية الوطنية مع الجهوية ( بين دول المغرب العربي مع إفريقيا) أو العالمية .



ب- الإرهاب كظاهرة عالمية عابرة للأوطان تتميز بالتشكل على المستويات العقدية و العملياتية و على مستويات " التعبير المادي" لأعمالها في دول المغرب العربي و في الساحل الإفريقي مع وجود ارتباطات فكرية و مادية بل وحتى عضوية مع الإرهاب العالمي.



ج- الهجرة السرية من الدول الإفريقية التي تجعل من المغرب العربي منطقة عبور نحو أوربا مع كل ما تخلفه منتداعيات سلبية على مستوى الإدارة الأمنية و الإنسانية لهذا المشكل خاصة مع ارتباط الهجرة السرية في أغلب الحالات مع الجريمة المنظمة.



د- المتاجرة بالمخدرات سواء لكون المغرب منتجه للقنب الهندي أو لتحول بعض هذه الدول و موانئها و مطاراتها و حدودها منفذا لهذه المواد السامة القادمة من آسيا و أمريكا اللاتينية نحو أوربا .



و أمام هذه الطبيعة المركبة للتهديدات الأمنية على مستوى مصادرها طبيعتها و أشكال التعبير عنها ، فعلى الدول المغاربية تبني حلولا و إستراتيجيات تتماشى مع هذه التهديدات .



3)- كيف التعامل مع هذه التهديدات ؟:



بالنظر لتنوع مصادر التهديد و أشكالها و ارتباط الداخلي بالخارجي ،فعلى دول المغرب العربي أن تتبنى مجموعة من الآليات المناسبة للتعامل معها و منها:



1-ضرورة بناء فلسفة حكم قائمة على قيم الحكم الراشد ،الديمقراطية المشاركاتية و حقوق الإنسان



2- ضرورة بناء فلسفة تنمية متمحورة حول الإنسان، محققة لحاجاته و غاياته و محققة لمبادئ العدالة في التوزيع مع تكريس مبدأ المساواة في الفرص و أمام القانون



3- ضرورة تطوير آليات إستباقية في التعامل مع الأزمات الاجتماعية و السياسية



4- ضرورة التعامل بثبات مع الجريمة المنظمة و الإرهاب و كل مصادر التهديد الأمني



5-ضرورة بناء استراتيجيات للتنشئة السياسية تكرس و تقدس المواطنة و تنبذ كل أشكال التطرف



6- حل القضية الصحراوية بتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره و تمكين المغرب العربي الكبير من بناء مؤسساته الاندماجية و التكاملية



7-تطوير آليات جماعية للوقاية من الإرهاب و الهجرة السرية و الجريمة المنظمة و محاربتها .





الخاتمة



بالنظر للموقع الاستراتيجي ، الحضاري و الاقتصادي للمغرب العربي و انفتاحه على كل أشكال التهديدات الأمنية فإنه من الضروري على هذه الدول تطوير إستراتيجيات تكاملية لاحتواء وحل كل مصادر التهديد دون التركيز حصريا على المظاهر الخارجية أو التعبيرية لهذه التهديدات ، كما يجب عليها أيضا القيام بالإصلاحات البنيوية الداخلية الضرورية لتكريس فلسفة دولة الحق و القانون ،المواطنة و الحكم الراشد كقيم واقية من ظواهر التطرف و الإرهاب مع تمكين المؤسسات الأمنية من الوسائل الفعلية و الفعالة للتعامل معها حماية للمجتمعات ،الوطن و المواطنين .
 

أعلى