أميركا تستبيح العالم للمحافظة على هيمنتها الدولية

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
أميركا تستبيح العالم للمحافظة على هيمنتها الدولية

لقد جلست أميركا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، على عرش الهيمنة العالمية دون منافس مؤثر، وصارت تقوم بسَوق العالم أمامها بالعصا الغليظة، من أجل خدمة سياساتها ومصالحها الإمبريالية، وتتحكم باقتصاديات العالم أجمع؛ عبر طريق ممارسة شتى أصناف الابتزاز والسطو المنظم وغير المنظم، وتوزيع الأدوار هنا وهناك، وممارسة المقاطعة والحروب التجارية والتحكمات الاقتصادية… وغير ذلك من أساليب شريرة تُظهر الهيمنة والسطوة وشبه التفرد الدولي. وإذا شاركت بعض الدول في أعمالها السياسية أو الاقتصادية في الابتزاز والسطو والسيطرة؛ فإنما يكون ذلك ببعض الفتات من أجل تسخيرها في جني الكثير…
تشهد العلاقات الأوروبية الأمريكية في الآونة الأخيرة توترا شديدا، من حيث الهيمنة السياسية والاقتصادية، وباتت أمريكا تعتمد على سياسة جديدة تعادي حلفاء الأمس (دول أوروبا الغربية)، وظهر هذا التوتر وطفا على السطح وبقوة في عهد الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.
ترى أمريكا حين تتعامل مع الدول الأوروبية أنها هي التي دفعت التكاليف الدفاعية أمام الخطر السوفياتي سابقا، وهي التي خاطرت، فبالتالي يجب أن تحوز هي على المصلحة كاملة دون نقصان، وتريد من الدول الأوروبية الغربية أن تدفع تكاليف مغامرات أمريكا في سبيل حيازة هذه المصلحة. والدول الأوروبية أيضا دول تحكمها الرأسمالية، ولديها مصالح، وتسعى لامتلاك وحيازة مصالح أخرى، وهكذا بدأ الاختلاف في النظرة إلى المصلحة ومن يحوزها يطفو على السطح، طالما أن أمريكا تنظر من زاوية أنها يجب أن تحوز على مزيد من المصالح ولو على حساب حلفاء الأمس، وهنا وصلت الأمور إلى حد حقيقي، وبدأ الصراع يظهر للعالم جليا بعد أن كان خفيا.
إنه يمكن القول، وبكل بساطة، بأن أميركا قد أصبحتْ الشرَّ المستطير الذي يكتوي العالم بناره، وبالحروب التي تصنعها هنا وهناك، وأصبحت هي المسؤول الأول عن كل الويلات العالمية، والفقر والتشرد، وغرق آلاف المهجرين من ديارهم عبر البحار والصحارى والبراري… وإن هذا المارد العملاق الشرير لا يكتفي بتربعه على عرش العالم وممارسة البلطجة والتسلط؛ وإنما أخذ يمارس سياسة الاستباحة، ويقود المكائد الدولية، ويمارس شتى صنوف الانحطاط في الأعمال؛ من أجل إبقاء هذا التفرد والهيمنة؛ وحتى لا ينزل من عرشه في الشر والإرهاب والتسلط… فما هي الأعمال السياسية والاقتصادية التي تمارسها أميركا؛ من أجل بقائها على عرش العالم مهيمنةً على رموز اقتصاده ودوله الصغيرة منها والكبيرة؟!. إن الأعمال التي تمارسها أميركا، وتظهر في أرض الواقع، أو تظهر آثارها الشريرة، كثيرة ومتعددة ومتجددة ولا تقف عند حدّ… ومن هذه الأعمال:
الحرب الظاهرة والخفية على الإسلام السياسي للحيلولة دون تطبيق الإسلام في أرض الواقع، وخاصة بعد انكشاف عملائها السياسيين وظهور عوراتهم، وبعد انهيار الفكر الرأسمالي الاقتصادي، والتحولات والتحريفات التي جرت على كثير من أفكاره الأساسية…
ما تفعله أميركا من مكائد دولية وإقليمية، وإشعال الحروب هنا وهناك؛ من أجل بقاء هيمنتها وتدخّلاتها السياسة، وفرض نفسها كطرفٍ راع للسلم الدولي احيانا وتغاضيها عن المجازر في حق بعض الشعوب لمعارضة ذلك مصالحها احينا اخرى، ورعاية المعاهدات الدولية والإقليمية وانسحابها كذلك من بعض الاتفاقيات، وزرع المكائد الدولية والفتن التي لا تسلم منها حتى الدول الكبرى أحيانًا، ومثال ذلك ما تفعله من إثارة لحالة الشحناء بين الكوريتين لإبقاء هيمنتها في منطقة بحر الصين الجنوبي، وما تفعله بين إيران ومنطقة الخليج، وما تفعله كذلك في أرض الشام من مكائد دولية وإقليمية…
ومن ذلك المسألة الجديدة في نظرة أمريكا - في عهد ترامب - وهي إلزام العالم بالدفع مقابل الحماية الأمريكية لهم، وقد طالب ترامب بشكل وقح بأن تدفع دول العالم لأمريكا مقابل حمايتها لها من الأخطار، وشمل الطلب كلاً من اليابان وكوريا، ودول أوروبا الأطلسية، ودول الخليج الغنية ليست استثناءً، بل هي أسهل الصيد، وهذا الأمر يقتضي حتما شيطنة إيران وإظهار خطرها على الخليج من أجل دفع الأموال لأمريكا مقابل الحماية وعقد صفقات الأسلحة ذات الأرقام الفكلية.
الحروب التجارية، وإثارة المشاكل الاقتصادية للدول من أجل إبقاء الهيمنة الاقتصادية. والحروب التجارية هي إحدى أدوات أميركا التي مارستها، وما زالت تمارسها على الدول؛ مثل فرض القيود الجمركية على بعض السلع والخدمات التي تدخل الأسواق الأميركية، ورفع سعر الفائدة في البنوك الأميركية لجلب رؤوس الأموال الخارجية، والتأثير في رفع وخفض أسعار البترول… والقيام بإجراءات اقتصادية حمائية كفرض ضرائب على البضائع القادمة من أوروبا في مجال الحديد والصلب والألمنيوم، والضرائب التي فرضتها على شركات السيارات القادمة من أوروبا والنسبة الأكبر منها ألمانية وفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية وغيرهم من الدول.
سياسات السلب والنهب لثروات الشعوب وأموالها، وممارسة التحكمات الاقتصادية والتجارية على بلادها، وذلك عن طريق عملائها السياسيين، أو عن طريق الشركات العملاقة عابرة القارات، أو عن طريق صفقات الأسلحة الوهمية بمليارات الدولارات، والتي تدفعها الدول العميلة مقابل تلك الصفقات التي لا فائدة منها…
ضرب الاتحادات ومحاولات الوحدة بين الدول؛ سواء أكان ذلك للدول الكبرى أم الصغرى، والعمل على تمزيق الدول الأخرى في العالم الإسلامي، ومثال ذلك ما تفعله هذه الأيام لتمزيق الاتحاد الأوروبي بسياسات متعددة، منها اقتصادي ومنها سياسي…
العمل على استقطاب وتسخير روسيا والصين، كدول عظمى، في مناطق عديدة من دول العالم، أو حتى داخل بلادها، عن طريق الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، وذلك كما حصل مع روسيا في حربها مع أوكرانيا، أو كما جرى في دخولها الحرب في أرض الشام… وابتزازها سياسيًا وعسكريًا خلال هذه المآزق السياسية… وكما هو حاصل في سياساتها تجاه الصين بإثارة الأزمة الكورية، أو عن طريق سياسات المصالح التجارية المشتركة.
ابتزاز العالم اقتصاديًا عن طريق تحكم الدولار. فالمعروف أن الدولار هو بمثابة الغطاء النقدي لجميع العملات في العالم تقريبًا، وهو الاحتياطي العالمي عند معظم دول العالم، حتى عند بعض الدول في الاتحاد الأوروبي. وعن طريق الدولار تستطيع أميركا أن تمارس معظم تحكماتها وابتزازاتها الاقتصادية؛ سواء أكان ذلك بإنقاذ العجز الكبير في ميزانيتها، أم الديون الكبيرة المستحقة عليها داخليًا وخارجيًا، أم بمعالجات أمور التضخم… وغير ذلك مما تواجهه أميركا هذه الأيام من مشاكل اقتصادية كبيرة…لذلك جاء قرار نيكسون للتحرر من إرتباط الدولار بالذهب من جهة، ومن جهة أخرى أرسى دولار أمريكا عملة عالمية بلا منازع ودون أي دور للذهب، بحيث تتمكن من طرح أي كمية من الدولارات المكشوفة (دون غطاء نقدي) في الأسواق لتغطية مشكلتي السيولة والعجز، حيث تصبح قيمة تلك الأوراق النقدية الإلزامية نابعة من قوة الاقتصاد الأمريكي، وكذلك للعب دور عالمي لأمريكا في النظام النقدي الدولي بسبب موقعها كدولة أولى في العالم، صحيح أن لهذه الإستراتيجية مخاطر كبيرة ومؤلمة لكنها رحَلت المشكلة لعقود طويلة ومسحت كل آثار النظام النقدي القديم.
ما تقوم به أميركا من فرض سياسة التحكم بالتجارة العالمية والأسواق؛ وخاصة السلع الحيوية. فمعظم السلع الحيوية التي تدرّ أرباحًا عالية ومميزة تحتكرها أميركا في كثير من الدول، وتحتكر أسواقها، وخاصة تجارة الأسلحة بشتى أصنافها، وتجارة بعض الإلكترونيات المتعلقة بالاتصالات. فهذه التجارة تدر على أميركا مليارات الدولارات، وتدعم الشركات العملاقة الداخلية، وبالتالي تساعدها على بسط الهيمنة العالمية…
ما تمارسه أميركا من تحكمات ومضاربات في موضوع البترول والذهب وأسعار الفائدة… فالبترول سلعة حيوية لا تستغني عنها الدول الصناعية. ومعظم الدول المنتجة للبترول، خاصة في العالم الثالث، تهيمن عليها أميركا سياسيًا، وتفرض عليها سياسات موجهة تتعلق بالإنتاج والتصدير، وتفرض على دول أخرى طوقًا من العقوبات الاقتصادية، فتمنع التصدير كما يحصل هذه الأيام مع إيران..
المحافظة على تفوقها العسكري، وحجم الإنتاج الكبير للسلع والخدمات. فالمعروف أن أميركا متفوقة على دول العالم في مجال التسلح، والأساطيل الحربية العملاقة العابرة للمحيطات، والقواعد العسكرية البحرية والبرية على السواء، ومتفوقة في حرب النجوم وغزو الفضاء الخارجي. وأميركا أيضًا تتصدر دول العالم في حجم الإنتاج والصناعات المتنوعة…
سياسة الاحتواء للدول الصاعدة والتي تعتبر منافس حقيقي لأمريكا بارهاقه اقتصاديا وعسكريا، كما كانت سياسة الاحتواء للاتحاد السوفياتي تمتاز بإرهاق الاتحاد السوفياتي في سباق تسلح من شأنه تبديد ثروات الكيان وزعزعة أمنه ، فإن الولايات المتحدة تنتهج السبيل ذاته في احتوائه الصين ، ولنا أن نذكر ما جاء في جواب سؤال حول انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية لحزب التحرير حيث يقول :
“الصعود الصيني الكبير وما يلزم أمريكياً لمواجهته: تضع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المعمول بها منذ ولاية أوباما الثانية الصين في مقدمة الأولويات الأمريكية، وقد صعَّد ترامب من هذه الأولوية فهو يخوض مع الصين حرباً تجارية لوقف صعودها، وخاصة وأن القوة الاقتصادية الجبارة للصين تجعلها قادرة على بناء جيش قوي لا تنقصه الأسلحة النووية، ويمكن تطويرها وتشكيل المزيد من المخاطر للقوة والهيمنة الأمريكية. فالميزانية العسكرية التي تعلنها الصين (228 مليار دولار) هي أكبر من الميزانيات العسكرية للدول الأربع التالية للصين (روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مجتمِعات) ولا تستبعد أمريكا أن تكون الصين تخفي بعض برامجها العسكرية، إذ إن اقتصادها يؤهلها للمزيد من الإنفاق العسكري. هذا من ناحية… ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا التي ترهقها الحرب الاقتصادية مع الصين بسبب تقارب الاقتصادين في القوة تريد أن تنقل جهودها للحد من نمو الصين إلى الساحة العسكرية التي هي متفوقة فيها بشكل حاسم مقارنةً بالصين. ولهذا فأمريكا تريد أن تتحلل من القيود (معاهدة الصواريخ مع روسيا) التي تمنعها من إحاطة الصين بالأسلحة النووية المتوسطة والقصيرة المدى التي يمكن لها نصبها في كوريا الجنوبية واليابان وبلدان أخرى حول الصين… وبعبارة أخرى تريد تبديد القوة الاقتصادية الصينية عن طريق دفعها إلى سباق تسلح فتقوم الصين بتصنيع المزيد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة رداً على الخطوات الأمريكية المحتملة في محيط الصين في وقت توظف فيه أمريكا ليس فقط طاقاتها الاقتصادية بل وطاقات غيرها كاليابان وكوريا الجنوبية في سباق التسلح للشرق الأقصى، فيحمل ذلك الاقتصاد الصيني إلى النزول عن مرتبته الحالية.”
هذه أهم الأمور والمجالات التي تساعد أميركا في استمرار هيمنتها على العالم، وتحكمها بالتالي في سياسات العالم، حتى داخل الدول الكبرى؛ مثل الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا واليابان، ولا يوجد منافس حقيقي حتى الآن لهذا العملاق والمارد الاقتصادي؛ يؤثر فيه بشكل فاعل.
فالاتحاد الأوروبي، كما نرى ونشاهد، من خلال أعماله ومواقفه الدولية هنا وهناك، ليس له موقف موحدة إزاء القضايا الدولية كاتحاد واحد، وجهته واحدة، ورأيه واحد. وكذلك ليس له التأثير الفاعل فيما يجري على الساحة من قضايا تتحداه بها أميركا؛ مثل التعرفة الجمركية التي فرضتها أميركا على بعض السلع الداخلة لأميركا من الاتحاد الأوروبي، أو قيام أميركا بفرض الحصار والعقوبات على بعض الدول خلاف رغبة الاتحاد الأوروبي؛ كما جرى في هذا العام تجاه قضية إيران وفرض العقوبات عليها، أو كما جرى عندما فرضت أميركا عقوبات على تركيا، وتسبَّب ذلك بخسارات كبيرة للاتحاد الأوروبي قدرت بالمليارات. فأوروبا ليست قادرة وحدها على الوقوف المؤثر في وجه أميركا في القضايا السياسية أو الاقتصادية على السواء.
وأما روسيا فإنها، كما ذكرنا، بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفياتي، فإنها أصبحت ضعيفة اقتصاديًا، لا تقوى على صيانة أسلحتها النووية، ولا تقوى على دعم الدول المحيطة بها في الاتحاد السوفياتي السابق، ولا حتى القيام على شؤونها الاقتصادية الداخلية، وعندما هبطت أسعار البترول واجهت عجزًا كبيرًا في ميزانيتها؛ لأنها لا تعتمد على أمور حيوية أخرى مثل صادرات الأسلحة، أو التحكم في اقتصادات العالم ؛كما تفعل أميركا عن طريق الدولار، وليس عندها أيضًا صناعات صالحة للمنافسة في الأسواق، كما هو الحال عند الصين.
أما الصين فإنها، رغم حجمها الاقتصادي الكبير وقدرتها على المنافسة التجارية والإنتاج العالمي، فإنها دولة منكفئة على محيطها وداخلها، وليس عندها طموح خارج أرضها ومحيطها في الوقت الحالي، ولا تتدخل بشكل فاعل في القضايا الدولية أو الصراعات الإقليمية خارج محيطها. وفي نفس الوقت فإن الصين دولة لها مصالح حيوية اقتصادية مع أميركا، سواء أكان ذلك داخل الصين في الشركات والمؤسسات الأميركية عابرة القارات، أم داخل أميركا من حيث التصدير لأسواق أميركا. والصين ليس عندها السلاح النقدي العالمي كما هو عند أميركا، عدا عن أن الصين عندها مخزون كبير من الدولار يقدر بأكثر من ثلاثة تريليون، معظمها سندات خزينة صادرة عن طريق البنك الفيدرالي الأميركي؛ لذلك فإن الصين تضعف أمام أي مشكلة تحصل بينها وبين أميركا. وقد برز ذلك جليًا في المسألة الكورية، ورأينا هذا الأمر كيف تدخلت الصين كوسيط في كبح جماح كوريا وإرغامها على الصلح مع أميركا، والتنازل عن كثير من الأمور.
هذه هي الدول الفاعلة في السياسة الدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثير في الموقف الدولي، لكنها أمام سطوة أميركا ضعيفة، وغير مؤثرة بشكل فاعل، بل إن أميركا تسخرها في معظم القضايا التي تخدم مصالحها؛ كما هو حاصل في الشام، وفي المسألة الكورية، وكما هو حاصل في الصراع الشرق أوسطي في القضية الفلسطينية، أو في إيران.... أو غيرها من قضايا دولية وإقليمية.
لذلك يمكن القول بأن الهيمنة الأميركية، وشبه التفرد ما زالت قائمة، وأنها تترسّخ بفعل سياسات أميركا الاقتصادية والعسكرية وغيرها. ولا يوجد في المنظور القريب من هو قادر على كسر هذا التفرد والهيمنة… إلا أن الأمور وسير الأحداث لا يبقى على نفس الحال. فالله سبحانه بيده مقادير الأمور؛ فيعزّ من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع أناسًا ويخفض آخرين، قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦﴾. فقد كان فرعون يقول للناس: ﴿ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾، ويقول: ﴿ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي ﴾. وإذا بفرعون وجنوده، بين عشية وضحاها، يبتلعه البحر، ويرث ملكَه وعرشَه من كانوا بالأمس عبيدًا عنده، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
والحقيقة، إن أميركا قائمة على أساس واهٍ ضعيف، وإنه يمكن أن تتعرض لهزات داخلية أو خارجية؛ تنزلها عن عرش شبه التفرد الدولي الذي تتمتع به وتتحكم في العالم من خلاله، أو تسقطها أرضًا فتقضي عليها فتتشرذم إلى عدة دول ودويلات؛ كما حصل مع سلفها الاتحاد السوفياتي سابقًا. ومن الأمور التي يمكن أن تحصل وتؤدي إلى نزول أميركا عن عرش عظمتها أو تفككها في المنظور القريب:
الأمر الأول: حصول هزات اقتصادية قوية داخل الولايات المتحدة. فالاقتصاد الأميركي قائم على أساس واهٍ ضعيف، ويعاني من أزمات متتالية وعميقة، ويمكن أن يشهد انهيارًا واسعًا ومدويًا في أية لحظة. وقد حذر أكثر من خبير اقتصادي من هذا الأمر. فإذا ما حصلت هزة اقتصادية قوية داخل أميركا؛ فإنها ستؤدي إلى كارثة داخل أميركا وفي العالم، وسوف تؤدي إلى تفكك أميركا إلى خمسين ولاية كما حصل مع الاتحاد السوفياتي.
الأمر الثاني: هو التفكك داخل المجتمع الأميركي، سواء أكان بين السكان البيض والسود، أم بين الوافدين ومن يعتبرون أنفسهم أقدمين. أم بين الأغنياء والفقراء من الطبقة الكادحة. أم بين الولايات الغنية والفقيرة داخل أميركا… فبذور الفرقة والتشرذم كامنة داخل المجتمع الأميركي، وربما تحدث أمور معينة توقظ هذا الأمر، كالهزات الاقتصادية، أو التنافس بين الحزبين الكبيرين.. أو غير ذلك من أمور قد تُفجر هذه القنابل الموقوتة داخل المجتمع الأميركي.
الأمر الثالث: هو احتدام شدة التنافس بين الدول الرأسمالية وبين أمريكا لتحقق كل دولة مصالحها الخاصة سواءا في محيط اقليمها أو في اي مكان يكون نفوذها فيه أو الاستحواذ او زرع نفوذ جديد في منطقة ما تحت نفوذ أمريكا او العكس كصراع امريكا وبريطانيا على النفوذ في بلاد المسلمين.
الأمر الرابع: هو بروز خصم حقيقي منافس لأميركا مبدئيًا: وهذا لا يوجد إلا في دولة الإسلام؛ والتي يمكن أن تقوم في أية لحظة في العالم الإسلامي، وتوحد أكثر من مليار ونصف المليار تحت لوائها.. وهذا أكثر ما تخشاه أميركا على المدى القريب او البعيد، وتعمل للحيلولة دون حصوله وحدوثه في أرض الواقع بكافة السبل وكل السياسات المتاحة لديها.
إن أميركا اليوم تستبيح العالم أجمع، وتتجاوز الديمقراطية المزورة من خلال تشجيع عملائها الحكام على القهر والظلم والبطش، وتصطنع الحروب هنا وهناك، وتشعل الفتن والشرور في أرجاء العالم… كل ذلك من أجل بقائها على عرش الهيمنة العالمية. وهذا ليس غريبًا على أميركا سيدة النظام الرأسمالي. فهذا من طبيعة المبدأ الرأسمالي على مستوى الشركات أو الأفراد أو الدول. فهو نظام التطاحن والتنافس والصراع الدموي على المصالح. وأكبر شاهد على ذلك هو الحربان العالميتان، الأولى والثانية، من أجل المصالح والمنافع، والسيطرة وحب الذات، وأزهقت أرواح الملايين من البشر، وخربت ودمرت الكثير . كذلك ما فعلته أميركا مع الاتحاد السوفياتي عبر خمسين عامًا متواصلة من سياسات التدمير الاقتصادي حتى أردته أرضًا ومزقته إلى دول ودويلات، وجعلته في التأثير الدولي كباقي الدول ليس له وزن ولا تأثير.
إن أميركا تصارع وتدبر وتفعل كل المحظورات، وتمكر الليل والنهار، كل ذلك من أجل بقائها على عرش العالم تستبيحه وتنهب ثرواته، وتستعبد أهله اقتصاديًا وسياسيًا، لكن إرادة الله فوق إرادة أميركا، فكما انهار مبدؤها فكريًا؛ فإنها هي كذلك ستنهار بأحد الأسباب التي ذكرنا، أو بغيرها من تدبير المولى عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧﴾ [7 الفتح].
فنسأله تعالى أن يخلص العالم من شرورها وحربها على الله ورسوله، قال تعالى: ﴿قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦ ﴾ صدق الله العظيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 

المواضيع المتشابهة


أعلى