مقال أميركا والقرن الأفريقي.. رؤية جديدة

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
د.بدر حسن شافعي (*)
لجولة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية، تيبور ناجي، أخيرا، في أربع دول من القرن الأفريقي، إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي وكينيا، فضلا عن مشاركته في الحوار الأميركي مع الاتحاد الأفريقي، أهمية خاصة، كونها الأولى له بعد توليه هذا المنصب، خلفا لدونالد يوكيو ياماموتو، الذي بات سفيرا للولايات المتحدة في الصومال، فضلا عن توقيتها، حيث تتزامن مع حالةٍ من الهدوء النسبي الذي تشهده دول القرن الأفريقي، بعد تسويات إقليمية تاريخية عديدة، بدأت بالمصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، وصولا إلى المصالحة بين الأخيرة والصومال، ثم إريتريا وجيبوتي، وهي مصالحات لعبت فيها أطراف خارجية، خصوصا الولايات المتحدة، وأطراف إقليمية أفريقية، مثل إثيوبيا، أو عربية، مثل السعودية والإمارات، دورا مهما في إنجاحها، خصوصا ما يتعلق بالاتفاق بين أسمرة وأديس أبابا، والذي تم توقيعه للمرة الثانية، وبحضور أفريقي وأممي في جدة، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
تتماشى هذه التسويات مع النهج الجديد للسياسة الأميركية صوب القارة السمراء في عهد الرئيس دونالد ترامب، فعلى الرغم من تصريحاته المسيئة للأفارقة، فضلا عن قراره منع دخول مواطني عدة دول إسلامية، منها الصومال والسودان وليبيا، ثم إريتريا، إلا أنه كرجل ينتمي للمؤسسة الرأسمالية، يسعى، في المقابل، إلى الاستفادة القصوى من القارة السمراء بأقل تكلفة.
فإذا كانت السياسات الأميركية لأسلافه، قبل الرئيس بيل كلينتون (1993- 2001) قامت على تقديم المساعدات والمنح، ثم جاء كلينتون ليدشن قانون الفرصة والنمو أوائل هذه الألفية، والقائم على فكرة المنفعة المتبادلة عبر إعفاء حوالي سبعة آلاف من منتجات 39 دولة أفريقية، بما في ذلك المنسوجات والسيارات والفاكهة والنبيذ، من رسوم دخول أسواق الولايات المتحدة، إلا أن ترامب يسعى إلى إلغاء هذا القانون، ووضع قواعد أخرى، تقوم على تحقيق مكاسب فقط. لذا تراجع حجم الدعم المخصص لأفريقيا في المنظمة الأميركية للمعونات (USAID) إلى أقل مستوى له.
والأمر نفسه بالنسبة للمساهمة الأميركية في عمليات حفظ السلام والحرب على الإرهاب. بل يمكن القول إن سياسة الولايات المتحدة، وإن أبقت على ورقة مكافحة الإرهاب، من خلال القيادة الأميركية لأفريقيا (أفريكوم)، إلا أنها تسعى الآن إلى تفعيل المهام الأخرى لهذه القوات، ومنها حماية تدفّق النفط الأفريقي إليها، فضلا عن مواجهة نفوذ القوى الكبرى، والتي قد تهدد المصالح الاستراتيجية، وبالتالي الأمن القومي الأميركي.
هذا التوجه الأميركي الجديد في ترتيب الأولويات، وإعطاء الجانب الاقتصادي ومواجهة القوى الكبرى، مكانة أكبر من مواجهة الإرهاب، عبّر عنه بوضوح وزير الدفاع، جيمس ماتيس، في يناير الماضي، في إطار حديثه عن استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018، حيث قال "إن تنافس القوى الكبرى، وليس الإرهاب، هو محور تركيز الأمن القومي الأميركي. نحن نواجه تهديدات متنامية من قوى ثورية، مثل الصين وروسيا. هؤلاء الذين يهدّدون التجربة الأميركية".
وهو ما أكد عليه قائد "أفريكوم"، في كلمته للكونغرس، في مارس/آذار الماضي، والتي حدد فيها الإطار الخاص لهذه الرؤية الأميركية الشاملة للقارة. ولكن في إطار منطقة القرن الأفريقي، فقد أشار إلى أن "الصين ستهدد المصالح الأميركية على مستوى العالم، خصوصا البحر الأحمر، إذا ما احتاجت إلى ميناء رئيسي في جيبوتي"، وذلك بعد موافقة الأخيرة في 2015 على منح بكين أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، والتي دخلت حيز التنفيذ في 2017، ثم الخلافات بين جيبوتي والإمارات بشأن ميناء دوراليه، وإنهاء جيبوتي التعاقد مع موانئ دبي قبل أشهر، وتردّد حينها أنها ربما تمنحه للصين، ما قد يؤثر على طرق الإمدادات اللوجيستية لقاعدة ليمونير الأميركية هناك.
هذه الرؤية الأميركية الجديدة جسّدها المساعد السابق لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية، ياماموتو، وأكد عليها مساعده في حينها، والذي حل محل تيبور ناجي، الذي عمل دبلوماسيا أكثر من 30 عاما، منها 22 عاما في ثماني دول أفريقية، والذي حدد، في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، رؤية الإدارة الأميركية صوب القارة السمراء، والقائمة على عدة ملفات رئيسية، أبرزها الملف التجاري، حيث قال "إن أفريقيا الأكثر ازدهارا وديمقراطية توفر فرصا تجارية هائلة للولايات المتحدة.
وفيما يتشابك الاقتصاد العالمي بشكل متزايد، وتمثل أفريقيا حصة أكبر من التجارة العالمية، أعتقد اعتقادا راسخا أن الشركات الأميركية قادرة على إقامة علاقات أعمق مع القارة الأفريقية، وهذا ما يجب أن تقوم به، ما قد يؤدي إلى أن تصبح قيمنا وطريقتنا في ممارسة الأعمال التجارية هي المعيار في أفريقيا". هذه الزاوية الاقتصادية كانت أحد المحاور التي ناقشها الحوار الأميركي مع الاتحاد الأفريقي، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في أديس أبابا، والذي ركز على قضايا تعزيز النمو الاقتصادي والتجارة والاستثمار والسلام والأمن، إضافة إلى تعزيز المؤسسات الديمقراطية والحكم الرشيد، وتعزيز الفرص والتنمية في أفريقيا.
ومعنى هذا أن تغيير الأولويات في الرؤية الأميركية لا بد أن يصاحبه تغيير في بعض الآليات والوسائل، خصوصا مع الدول التي ستصبح ركيزة لها في القرن الأفريقي، لمواجهة النفوذ الصيني تحديدا. إذ ستصبح الإشكالية هي كيفية تحقيق واشنطن الموازنة بين احتياجها هذه الدول، على الرغم من أنها أبعد ما تكون عن الديمقراطية، وتأخذ بالنموذج الاشتراكي الذي لا يفتح الآفاق واسعة أمام الشركات الأجنبية، خصوصا الأميركية.. هل سيتم الضغط في اتجاه الديمقراطية الحقيقية والانفتاح الاقتصادي الخارجي كحالة إثيوبيا، أم سيتم الإبقاء على النماذج الديكتاتورية، مع تحقيق الانفتاح الاقتصادي الخارجي (حالة إريتريا)؟ أظن أن الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج مقالات أخرى.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

أعلى