1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    [​IMG]
    ملف شامل عن المواطنة ( المفهوم، الأسس،الأهداف...)

    تعد المواطنة من القضايا القديمة المتجددة التي ما تلبث أن تفرض نفسها عند معالجة أي بعد من أبعاد التنمية بالمفهوم الإنساني الشامل بصفة خاصة ومشاريع الإصلاح والتطوير بصفة عامة.
    ويفسر ذلك ما تناله المواطنة من اهتمام على المسارات التالية :
    تشريعياً: حيث تتضمن دساتير جميع دول العالم تقنيناً لحقوق المواطن وواجبا ته.
    تربوياً : حيث نظم التنشئة التي تسعى إلى تكريس وعي المواطنة قيماً وممارسات لدى النشء من أجل تحقق الاندماج الوطني.
    سياسياً : في صورة بنى وآليات مؤسساتية تستوعب مشاركة أفراد المجتمع في بنية الدولة الوطنية الديمقراطية .
    في هذا السياق احتلت هذه القضية مساحة كبيرة في الدراسات السياسية والاجتماعية والتربوية ، وتعددت أبعاد المواطنة في علاقاتها الممتدة عبر قضايا تتمحور في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة من خلال أطر قانونية منظمة للحقوق والواجبات ، ومبينة مواصفات المواطن وأبعاد المواطنة حسب المنابع الفكرية للدولة ومرجعية نظرياتها السياسية .
    وأنتجت أطروحات الفكر في مختلف دول العالم، العديد من الرؤى الفكرية حول مفهوم المواطنة ومبادئها ، حقوقها وواجباتها ، تنوعت بتنوع مبادئ الفكر ونظرياته السياسة.
    وفي العالم العربي اختلفت أطياف الفكر كذلك ليس فقط حسب الاختلاف المنهجي القطري بل أيضاً في داخل القطر الواحد باختلاف الأيديولوجيات التي تعاقبت بتعاقب مراحل الحكم وإدارة الدولة في الحقب الزمنية المختلفة، مما أوجد أنماطاً متعددة من الوعي لدى الشعوب العربية تداخلت أحياناً وتصادمت أحيانا ً أخرى ، وأثرت على دوائر الانتماء مما أدى إلى العديد من الانعكاسات السلبية على مبدأ المواطنة ذاته، فضلاً عن ممارساتها من قبل الأفراد ومع تغير طبيعة العالم المعاصر من حيث موازين القوى ، وسيطرة القطب الواحد، وظهور التكتلات السياسية والاقتصادية ، وتنامي البنى الاجتماعية الحاضنة للفكر الليبرالي وعبوره للحدود الجغرافية والسياسية على الجسور التي مدتها تكنولوجيا الاتصال ، والتركيز على خيارات الفرد المطلقة كمرجع للخيارات الحياتية والسياسية اليومية في دوائر العمل والمجتمع المدني والمجال العام ، مع هذه التغيرات العامة، بالإضافة إلى التغيرات الخاصة التي تحيط بالعرب والمسلمين شهد مفهوم المواطنة تبدلاً واضحاً في مضمونه واستخداماته ودلالاته والوعي الفردي بمبادئه وما يرتبط به من قيم وسلوكيات تمثل معول هدم أو بناء لواجهة المجتمع وهيكل الدولة .
    وعلى رغم ما تنفرد به المواطنة وما يتداخل معها من مفاهيم الانتماء، من خصوصية في المرجعية وآليات التشكيل والبناء والممارسة، إلا أنها وعلى مدى السنوات القليلة الماضية شهدت تحدياً جديداًَ يتمثل في عملية الانفتاح الثقافي الذي تعددت آلياته ووسائله، لتخاطب الشباب عن بعد وتقدم العديد من التفسيرات والتأويلات المنحرفة أو الملتوية للأحداث
    الإقليمية والدولية ، وتسلط الضوء على قضايا مجتمعية تمس جوهر هذا المفهوم لدى الفرد ، وتعرض إطاراً مفاهيمياً مغلفاً بشعارات تأخذ بالمشاعر وتؤثر على مسارب تفكير العقول ،خاصة لدى فئة الشباب ومن هم في سن القابلية للاحتواء أو الاختطاف الفكري والثقافي بحكم خصائص المرحلة العٌمرية التي يعيشونها، ويثير ذلك جدلاً في الأوساط السياسية والدينية والتربوية حول مدى تأثر مفهوم المواطنة لدى الشباب بهذه الأفكار التي يحملها الأثير عبر الحدود ، ودور مؤسسات المجتمع في الحفاظ على البنية السليمة لوعي المواطن وممارسته للمواطنة .
    لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي أحداثاً متلاحقة وتطورات سريعة جعلت عملية التغيير أمراً حتمياً في معظم دول العالم، وقد انتاب القلق بعض المجتمعات من هذا التغير السريع، ومنها الدول العربية والإسلامية التي تخشى أن تؤدي هذه التحولات الاجتماعية المتسرعة والمرتبطة بالتطور العلمي السريع إلى التأثير على قيمها ومبادئها وعاداتها وتقاليدها بفعل الهالة الإعلامية الغربية.
    والمملكة المغربية إحدى هذه المجتمعات التي مرت بتغيرات سريعة شملت معظم جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مما أثر على تماسك المجتمع واستقراره، وأدت إلى ظهور اتجاهات وقيم وأنماط تفكير لا تتفق وطبيعة المجتمع المغربي. ولذلك تستعين الدولة، كغيرها من الدول، بالنظام التربوي باعتباره من أهم النظم الاجتماعية، حيث يقوم على إعداد الفرد وتهيئته لمواجهة المستقبل، وكذلك المحافظة على القيم والمبادئ الأساسية للمجتمع، والتجاوب مع الطموحات والتطلعات الوطنية.
    والمفهوم الحديث للمواطنة يعتمد على الإنفاق الجماعي القائم على أساس التفاهم من أجل تحقيق ضمان الحقوق الفردية والجماعية ، كما أن المواطنة في الأساس شعور وجداني بالارتباط بالأرض وبأفراد المجتمع الآخرين الساكنين على الأرض وهي لا تتناقض مع الإسلام لأن المواطنة عبارة عن رابطة بين أفراد يعيشون في زمان ومكان معين أي جغرافية محددة، والعلاقة الدينية تعزز المواطنة.
    لذا نجد أن سياسة التعليم في المملكة المغربية تنص على إعداد المواطن الصالح وفقاً لقيم هذا المجتمع التي تنبع من تعاليم الدين الإسلامي وقيمه الحميدة. بالإضافة إلى إعداد مواطن مؤمن برسالة الإسلام ، وقادراً على إتقان العمل وتنمية المعرفة الإنسانية. ونظراً لأهمية المواطنة قررت (وزارة التربية والتعليم) تدريس مادة مستقلة للتربية الوطنية في التعليم العام تشمل المراحل الثلاث، وبرر ذلك بوجود ثلاثة أسباب تدعو إلى تدريسها:
    1 - ضرورة وطنية لتنمية الإحساس بالانتماء وبالهوية.
    2 - ضرورة اجتماعية لتنمية المعارف والقدرات والقيم والاتجاهات، والمشاركة في خدمة المجتمع، ومعرفة الحقوق والواجبات.
    3 - ضرورة دولية لإعداد المواطن وفقاً للظروف والمتغيرات الدولية.
    ونهدف في هذا البحث إلى مايلى :
    1- التأصيل النظري لمفهوم المواطنة والانتماء وإلقاء الضوء على المصطلحات المرتبطة بالمواطنة، كالوطن والوطنية والتربية الوطنية والمواطنة.
    2- تحديد أهم المتغيرات العالمية المعاصرة التي انعكست على مفهوم المواطنة.
    3- استخلاص أهم أبعاد المواطنة بمفهومها العصري من خلال أدبيات الفكر السياسي والاجتماعي.
    4- الوقوف على الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، من خلال بعض التجارب العالمية، في تربية المواطنة.
    5- توظيف التقنية والنماذج المقترحة لاستخدامها في الارتقاء بالمواطنة
    6- المواطنة في المغرب و التعرف على طبيعة وعي الشباب المغربي بأبعاد المواطنة (الهوية - الانتماء - التعددية - الحرية والمشاركة السياسية).
    7- وثيقة حقوق المواطنة المغربية و الوقوف على الفروق بين وعي الشباب بأبعاد المواطنة باختلاف متغير الجنس - نوع التعليم - محل الإقامة - المستوى الاقتصادي للأسرة - مستوى تعليم الأب.
    8- تقديم رؤية مقترحة حول آفاق تفعيل مبدأ المواطنة ودور مؤسسات المجتمع ذات العلاقة في ذلك و التوصل إلى تصور مقترح لتربية المواطنة ملائم للبيئة المغربية.
    9- مواثيق واتفاقيات تشمل المعاهدات والصكوك الدولية لحقوق الإنسان.

    [​IMG]

    أهم المفاهيم المرتبطة بالمواطنة وعلاقتها بالانتماء

    ورد في لسان العرب بأن مفهوم الوطن لغة يشير إلى المنزل يقيم فيه الإنسان، فهو وطنه ومحله.
    أما اصطلاحاً فتعرفه آمنة حجازي بأنه بشكل عام قطعة الأرض التي تعمرها الأمة، وبشكل خاص هو المسكن فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن. وينظر الحقيل للوطن بأنه "البلد التي يقيم فيها الإنسان ويتخذها مستقراً له. ولذلك فهو شبيه بالمنزل، فالمنزل هو المكان الصغير الذي يسكن فيه فرد مع أسرته، والوطن هو المنزل الكبير الذي يضم عدداً كبيراً من الأفراد والأسر .

    المواطنة في اللغة
    بما أنه لا تتكشف دلالة المصطلح إلا بواسطة شرطين:
    أو لهما: مفهومه الذي اكتسبه في حقل معرفة ما عبر ظروف تاريخية معروفة.
    وثانيهما: اندراجه في علاقات تفاعل مع مصطلحات مماثلة تبين مدى اختلافه عنها. وحيث أن المفهوم لا يكون رمزاً ذا دلالة كاملة إلا حين يكون مدلوله محدداً معلوماً ذا مكان وزمان محددين فإن مفهوم المواطنة – في ظل ما تسعى إليه الدراسة الحالية – بحاجة إلى تحديد دلالاته واستكشاف مضامينه واستجلاء قيمه في سياق فكر خاص يبين النسق النظري والعملي للمواطنة في الوعي العربي ويتشكل وفق معطيات معينة ( فكراً وتشريعاً وممارسة ) ويقتضي ذلك معالجة مفهوم المواطنة على النحو التالي :
    المواطنة والمواطن مأخوذة في العربية من الوطن : المنزل تقيم به وهو " موطن الإنسان ومحله" ، وطن يطن وطناً : أقام به ، وطن البلد : اتخذه وطناً ، توطن البلد : أتخذه وطناً ، وجمع الوطن أوطان : منزل إقامة الإنسان ولد فيه أم لم يولد ، وتوطنت نفسه على الأمر : حملت عليه ، والمواطن جمع موطن : هو الوطن أو المشهد من مشاهد الحرب، قال الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ..." ،والمواطن : الذي نشأ في وطن ما أو أقام فيه . وأوطن الأرض : وطنها واستوطنها ، و اتطنها أي أتخذها وطنا ً ومواطنة : مصدر الفعل واطن بمعنى شارك في المكان إقامة ومولداً لأن الفعل على وزن (فاعل ).
    أما في الاصطلاح فالوطنية تأتي بمعنى حب الوطن Patriotism في إشارة واضحة إلى مشاعر الحب والارتباط بالوطن وما ينبثق عنها من استجابات عاطفية ، أما المواطنة Citizenship فهي صفة المواطن والتي تحدد حقوقه وواجبا ته الوطنية ويعرف الفرد حقوقه ويؤدي واجبا ته عن طريق التربية الوطنية ، وتتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه وخدمته في أوقات السلم والحرب والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي الرسمي والتطوعي في تحقيق الأهداف التي يصبو لها الجميع وتوحد من أجلها الجهود وترسم الخطط وتوضع الموازنات .

    وتشير دائرة المعارف البريطانية إلى أن المواطنة " علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة متضمنة مرتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات وتسبغ عليه حقوقاً سياسية مثل حقوق الانتخاب وتولي المناصب العامة . وميزت الدائرة بين المواطنة والجنسية التي غالباً ما تستخدم في إطار الترادف إذ أن الجنسية تضمن بالإضافة إلى المواطنة حقوقاً أخرى مثل الحماية في الخارج. في حين لم تميز الموسوعة الدولية وموسوعة كولير الأمريكية بين الجنسية والمواطنة فالمواطنة في (الموسوعة الدولية) هي عضوية كاملة في دولة أو بعض وحدات الحكم، وتؤكد الموسوعة أن المواطنين لديهم بعض الحقوق مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة وكذلك عليهم بعض الواجبات مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم. وفي موسوعة (كولير) الأمريكية المواطنة هي " أكثر أشكال العضوية اكتمالا في جماعة سياسية ما ".
    مفهوم المواطنـة
    تعرف الموسوعة العربية العالمية المواطنة بأنها "اصطلاح يشير إلى الانتماء إلى أمة أو وطن". وفي قاموس علم الاجتماع تم تعريفها على أنها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة)، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق القانون". وينظر إليها فتحي هلال وآخرون من منظور نفسي بأنها الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية ألذات من الأخطار المصيرية".
    لا ريب أن مفهوم ومبدأ المواطنة من نتاج التحولات المجتمعية السياسية المقترن بولادة الدولة الحديثة، وهو وان وكان قديماً ومعهوداً لدى العديد من الحضارات الإنسانية كما عند اليونان والرومان إلا أن صيغته المعاصرة قد خرجت عن نطاقها التقليدي إلى حق ثابت في الحياة السياسية والاجتماعية بين الدول ورعاياها، وبذلك يكون مفهومه وفروضه على النقيض حتى من الدول الملكية والأرستقراطية، فالمواطنة حصيلة ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة وما تقوم عليه من سيادة لحكم القانون والمشاركة السياسية الكاملة في ظل دولة المؤسسات.
    وبالرجوع إلى أهم المراجع التي تناولت المواطنة وبالتعريف كما في دائرة المعارف البريطانية وموسوعة الكتاب الدولي وموسوعة كولير الأمريكية يمكننا إجمال تعريف المواطنة بأنها: عضوية كاملة تنشأ من علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن البلد وبما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق تولي المناصب العامة في الدولة.
    وعليه تكون المواطنة من اشد أنماط عضوية الفرد اكتمالاً في الدولة الحديثة، فهي هنا ليست صورة باهتة لانتساب صوري بين أفراد المجتمع بدولتهم المعينة بقدر ما هي كينونة لجنس العلاقة الرابطة بين الفرد ومن ثم المجتمع بدولتهم التي يستظلونها وينتمون إليها وهي على ذلك من مستلزمات الانتماء للمجموعة السياسية أو للدولة كوحدة سياسية متكاملة والتي تتألف من وطن (كإقليم جغرافي) وأمة (أو شعب) ونظام وسلطة. ومثل هذا الانتماء يفرض حقوقاً ويستلزم واجبات كمنظومة متكاملة لا تعرف الفصل والتفكيك في أنظمتها واستحقاقاتها، انطلاقاً من هذه العضوية المسماة بالمواطنة في ظل الدولة المعاصرة والتي تكتسب بشكل عام في ظل الأنظمة القانونية الحديثة، على أساس الولادة في الدولة والانحدار من أبوين مواطنين والتجنس .
    ويرى الكاتب عبد الكريم غلاب إلى أن المواطن يأخذ جذره من الوطن في أوسع معانيه الذي يمنحه الإقامة، الحماية التعليم، الاستشفاء، الحرية، حق الحكم والتوجيــه واستعمـــال الفكــر واليد واللسان.
    ويرى بعض الباحثين أن المواطنة تعني من بين ما تعنيه الاعتراف الشرعي والدستوري بحق الفرد في المشاركة وإدارة البلاد وفي تقرير شؤونه ولعل ركائز المواطنة كافة تستند في عمقها إلى منظومة الحقوق والواجبات كأسس تنبثق عنه قيم المساواة ومنح الحريات وتطبيق العدالة.
    ومنظومة الحقوق والواجبات وان كانت أساسا جوهرياً في التشكيل الحديث للدولة إلا أنها منظومة قيمة إنسانية في حقيقتها قبل أي شيء أخر وما الدولة سوى ظاهرة إنسانية تسند إلى القواعد القيمية لكسب مشروعيتها وسلطتها الواقعية.
    والمواطنة تتعدى العلاقات والروابط الاجتماعية الأخرى كالعشائرية والمذهبية والقومية والعرقية والاثنية والدينية.
    غير أن الفرد من حيث هو عضو في طائفة فهو موجود إذن في كيان يحيط به من جميع الجهات وهذه الاحاطة الشاملة المفروضة عليه بصفة كيا نية غير قابلة للنقاش.
    والمواطن هو ذلك الفرد الذي خرج من الدائرة البيولوجية ودخل الدائرة الاجتماعية بمحض إرادته وبوعيه الذاتي عليه الالتزام بمنظومة الحقوق والواجبات والوعي السياسي بهويته كمواطن والدور المنبثق عن المواطنة بوصفها العلاقة القانونية والشعورية بين الفرد والدولة والانخراط في عمل طوعي في إطار المجتمع المدني .
    والمواطنة عضوية كاملة تنشأ من علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات كدفع الضرائب والدفاع عن البلد بما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق تولي المناصب العامة في الدولة.
    وتصبح المواطنة اقرب إلى المفهوم الاجتماعي لحقوق المواطن وإنسانية تطابقاً يقترب معه من مدينة الفارابي حيث ينتشر الكمال وتشيع الطمأنينة وهناك مصطلحان هما الفرد والمواطن، أما الفرد فهو ذلك الكائن البيولوجي الذي يعيش في دائرة مغلقة قوامها الهم الحياتي الشخصي والعائلي الصغير أما المواطن فهو ذلك الفرد الذي خرج من الدائرة البيولوجية ودخل الدائرة الاجتماعية بمحض اراداته وبوعيه الذاتي .
    وملخص القول في ذلك وفقاً لهذه التعاريف التي أوردناها هي
    التعبير القانوني للمواطنة في القانون الدولي هي الجنسية وهي رابطة قانونية تربط شخصاً بدولة، فهي رابطة قانونية بين الشخص والدولة تترتب عليها حقوق والتزامات متبادلة بينهما وهي رابطة سياسية لأنها أداة لتوزيع الأفراد جغرافياً بين الدول وتجعل الشخص احد أعضاء شعب الدولة.
    فالشعب وهو ركن أساسي من أركان الدولة يتكون من مجموع الأفراد الذين يرتبطون في الدولة قانونياً وسياسياً برابطة الجنسية ويصبحون بموجبها وطنيين يتمتعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات ويختلف من جراء ذلك مركزه القانوني في الدولة عن المركز القانوني للأجانب، خاصة للتمتع بالحقوق السياسية وحق العمل وتملك العقارات وأداء الخدمة العسكرية.
    أما التعريف الإسلامي للمواطنة فينطلق من خلال القواعد والأسس التي تنبني الإسلام،ؤية الإسلامية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهة أخرى.
    وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام، وهي (وطن الإسلام) وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغيرهم.
    ويؤكد ذلك القحطاني بقوله إنَّ مفهوم المواطنة من المنظور الإسلامي هي "مجموعة العلاقات والروابط والصلات التي تنشأ بين دار الإسلام وكل من يقطن هذه الدار سواء أكانوا مسلمين أم ذميين أم مستأمنين".
    كما أن هناك مستويات للشعور بالمواطنة أوردها رضوان أبوالفتوح في النقاط التاليـة :
    1 - شعور الفرد بالروابط المشتركة بينه وبين بقية أفراد الجماعة كالدم والجوار والموطن وطريقة الحياة بما فيها من عادات وتقاليد ونظم وقيم وعقائد ومهن وقوانين وغيرها.
    2 - شعور الفرد باستمرار هذه الجماعة على مر العصور، وأنه مع جيله نتيجة للماضي وأنه وجيله بذرة المستقبل.
    3 - شعور الفرد بالارتباط بالوطن وبالانتماء للجماعة، أي بارتباط مستقبله بمستقبلها وانعكاس كل ما يصيبها على نفسه، وكل ما يصيبه عليها.
    4 - اندماج هذا الشعور في فكر واحد واتجاه واحد حركة واحدة.
    ومعنى ذلك أن مصطلح المواطنة يستوعب وجود علاقة بين الدولة أو الوطن والمواطن وأنها تقوم على الكفاءة الاجتماعية والسياسية للفرد، كما تستلزم المواطنة الفاعلة توافر صفات أساسية في المواطن تجعل منه شخصية مؤثرة في الحياة العامة، والتأثير في الحياة العامة والقدرة على المشاركة في التشريع واتخاذ القرارات .
    وإذا ربطنا مفهوم المواطنة بالديمقراطية نجد أن المواطنة ركيزة الديمقراطية، فلا يوجد مجتمع ديمقراطي، لا يعتمد في بنيانه على كل مواطن.
    مفهوم الوطنيـة
    تعرف الموسوعة العربية العالمية الوطنية بأنها "تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن. ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة".
    كما تعرف بأنها "الشعور الجمعي الذي يربط بين أبناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة، والاستعداد لبذل أقصى الجهد في سبيل بنائها، والاستعداد للموت دفاعاً عنها".

    أ/ المواطنة والوطنيـة
    في تقديرنا أن الوطنية هي الإطار الفكري النظري للمواطنة. بمعنى أن الأولى عملية فكرية والأخرى ممارسة عملية.
    والمواطنة "مفاعلة " أي مشاركة. وبهذا يكتمل ويتكامل معنى التجريد بالتجسيد. وقد يكون الإنسان مواطناً بحكم جنسيته أو مكان ولادته أو غيرها من الأسباب لكن التساؤل: هل لديه " وطنية " تجاه المكان الذي يعيش فيه؟. هل لديه انتماء وحب وعطاء... ذلك هو المعنى الذي نحن بصدد بحثه ودراسته وتجسيده.
    يشير عدد من الباحثين بأن مفهوم الوطنية/المواطنة اصطلاح حديث..، إلا أن المعنى الذي تستهدفه الوطنية قد تناولته من قبل أفكار الفلاسفة والمفكرين الاجتماعيين. ويذكر العلواني أن الاهتمام بهذا المصطلح قد نشأ مع ظهور الدولة الحديثة وحدودها الجغرافية والسياسية. ولفظ "مواطن" تعبير لم يظهر إلا بعد الثورة الفرنسية سنة(1789) م أما قبلها فالناس ملل وشعوب وقبائل لا يعتبر التراب - إلا تبعاً لشيء من ذلك- وسيلة من وسائل الارتباط (الغنوشي: 1989).
    والذي يبدو لنا من وجهة نظر خاصة أن الرسول كان أول من وضع المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة المسئولة والمحدودة بحدود وضعها الرسول على جنبات المدينة المنورة كعلامات تقع مسؤولية من أخل بداخلها تحت دائرة حكم الإسلام ومرجعيته، ويوضح ذلك دستور المدينة(صحيفة المدينة التي تعد مرجعية دستورية لسكان المدينة النبوية).
    وتعرض بنود صحيفة المدنية( 47 بنداً) مبادئ مهمة لفكرة المواطنة، حيث نصت على تكوين مفهوم الوطنية/المواطنة واحترام حقوق وواجبات كل من سكن المدينة مسلماً كان أو غير مسلم. إضافة إلى تحديد النطاق الجغرافي الذي يحاسب عليه أي إنسان اقترف جرماً داخل ما يسمى بجوف المدينة كما في البند رقم(39 - 44). كما تؤكد الصحيفة مفهوم النصرة المتبادلة بين سكان المدينة مسلمين وغيرهم كما في البند (16 – 37) ، وتعرض الصحيفة في مواضع مختلفة أن الاحتكام حين التشاجر والاختلاف هو لله ورسوله(بند23 – 42)مما يعني تأكيد السيادة الشرعية.
    وتتعدد مفاهيم الوطنية وتعريفاتها فمنها ما يحمل معنى عاطفياً وانتماءً وجدانياً للمكان الذي ألفه الإنسان، ومنها ما يحمل معنى فكرياً يفضَّل فيه المكان على شريعة الرحمن ومنها ما يؤسس لمعنى قانوني يعبر عن واجبات المواطن وحقوقه تجاه وطنه.
    ويعرض الزيدي (1417ه) لعدد من التعريفات منها أن الوطنية تعني "العاطفة التي أجله.ن ولاء الإنسان لبلده". والوطنية عند آخرين تعني "تقديس الوطن وتقديمه في الحب والكره بل والقتال من أجله.. حتى تحل الرابطة الوطنية محل الرابطة الدينية " والوطنية في معناها القانوني الحديث تعني "انتماء الإنسان إلى دولة معينة يحمل جنسيتها ويدين بالولاء لها". وتعرِّف الموسوعة العربية العالمية" الوطنية بأنها تعبير قومي يعني حب الشخص وإخلاصه لوطنه .
    ويستخلص الحسان (1995) تعريفاً للمواطنة بأنها "عبارة عن مجموع من الحقوق والواجبات يتمتع ويلتزم بها في الوقت ذاته كل طرف من أطراف هذه العلاقة".
    ويرى هويدي (1995) بأن المواطنة: "تعبير عن جوهر الصِّلات القائمة بين دار الإسلام وبين من يقيمون في هذه الدار من مسلمين وذميين مستأمنين" (الحسان،1995).
    ويضمِّن عدد من الكتاب (الحقيل 1417،و الشيخ،1420) مفهوم المواطنة أصول مفاهيم الإسلام حيث تستوجب عدم الإشراك بالله!! والتحلي بالصبر والصدق ..الخ وهي على حد تعبير ابن الشيخ "ذلك الإنسان الذي يتحلى بصفات العقيدة الإسلامية!!.
    وفي الموسوعة السياسية (1990) المواطنة هي "صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن.
    ويشير السيد ياسين ( 2002) بأن مفهوم المواطنة " قانوني في المقام الأول" ثمدينية،أن المواطنة هي أساس الشرعية ذلك أن مجموع المواطنين هم الذين يختارون حكومتهم عن طريق الانتخاب.وبالتالي لا يمكن أن نفهم المواطنة من غير تأسيس ديمقراطي في المجتمع.. ثم يضيف بأنه في المجتمع الديمقراطي "فإن العلاقات بين الناس لم تعد علاقات دينية، ولكن أصبحت سياسية ذلك أن العيش المشترك لا يعني بالضرورة الاشتراك في ديانة واحدة، ولكن معناه الخضوع لنفس النظام السياسي"... وهنا من المهم الإشارة إلى أنه لا يعني أيضاً أن العيش المشترك يستلزم إزاحة سيادة دين الغالبة وإحلال الوطنية لتكون هي المرجعية.
    ويطرح قطب (1983) منتقداً مفهومي الوطنية والقومية وأنهما من منتجات الغرب فيقول بأن "الوطنية تعني أن يشعر جميع أبناء الوطن الواحد بالولاء لذلك والتعصب له أياً كانت أصولهم التي ينتمون إليها وأجناسهم التي انحدورا منها" بمعنى أن الولاء للأرض بغض النظر عن أي اعتبار آخر. ثم يتحدث عن مفهوم القومية الذي يتعدى حدود الأرض ليكون الولاء لأبناء الجنس الواحد أو اللغة الواحدة.
    ونجد التجاوز في أبعاد معنى الوطنية والقومية لتشكل مفهوم العقيدة والدين على سبيل المثال في كتاب (قضية العرب) لعلي ناصر الدين إذ يقول "العروبة نفسها دين عندنا نحن "القوميين العرب" المؤمنين من مسلمين ومسيحيين لأنها وجدت قبل اٍلإسلام وقبل المسيحية في هذه الحياة الدنيا ..مع دعوتها – أي العروبة- إلى أسمى ما في الأديان السماوية من أخلاق وفضائل وحسنات!"( المرصفي 1997) وشواهد مختلفة في كتابات عديدة تحكي هذا المعنى (انظر البنا 1987 ).
    وإلى ذلك يشير محمد قطب (1983) في كتابه "مذاهب فكرية معاصرة " بأن هذين المفهومين تم تصدير هما من الغرب لقصد إماتة نزعة الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار ومن ثم تحو يلهما إلى حركات وطنية وبالتالي تحويل هذه الحركات إلى قوى وطنية سياسية ليسهل التعامل معها دون لغة الجهاد. ويذكر أن هذا الاتجاه المستورد إنما ولد في دار المندوب السامي البريطاني ليكون بديلاً عن الراية الإسلامية. ثم يؤكد على رفض هذين المفهومين بالقول بأن هذا المنهج الفكري "يعني بكل صراحة أن يكون المشرك الذي يشاركك في قوميتك أقرب إليك من المسلم الذي ينتمي إلى قومية أخرى".
    وتتراوح طروحات الوطنية/المواطنة في منظور الغربيين وفلسفاتهم بين رؤى تختصر العلاقة بين الفرد ودولته إلى أدنى درجة ممكنة وبين أخرى ترى أن الفرد لا يعني شيئاً أمام دولته، ففي الأولى لم توجد الدولة إلا من أجل الفرد وفي الأخرى لم يوجد الفرد إلا لخدمة دولته.
    ويعتمد منظرو فلسفة المذهب الفردي أمثال "جون لوك" و"جان جاك روسو" على أساس الاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته العامة باعتبار هما حقوقاً طبيعية لكل فرد وليست مكتسبة، ومهمة الدولة احترام وضمان تلك الحقوق.
    وإذا كان المذهب الفردي يتجه إلى المساواة النظرية بين أفراده فإن الواقع الفعلي يؤكد عدم تساوي الأفراد في ظروفهم وقدراتهم وبالتالي فإن "البقاء للأصلح" كمبدأ يتبناه هذا الاتجاه لا يتفـق مع القيم الإنسانية والشرائع السماوية بل ويهدم حقيقة المواطنة الحقة التي هي مقصد هذا البحث، ذلك أن هذا التوجه الفكري يرسخ سلبية الانتماء للمجموع (الوطن) وبالتالي يعزز الأنانية ويعمق الفصل بين الأفراد ودولتهم.
    وفي مقابل الجدل القائم لضمان مجتمع آمن ومستقر من خلال مواطنة عادلة ومسئولة، يطرح المذهب الاشتراكي أنه لا معنى للحرية الفردية في ظل صراع المصالح الخاصة للطبقة الرأسمالية وما جدوى الحرية المضمونة بالدستور إذا كان الإنسان لا يجد الحماية من المخاطر والابتزاز بل وما فائدة حرية العمل إذا كان المواطن يترك فريسة للبطالة مما يضطره إلى التنازل عن حريته وكرامته ليواجه شروطاً حياتية صعبة.
    وهكذا يطرح هذا التوجه كما تذكر بعض الدراسات (قطب 1983، الحسان 1995) أساس فكرة المواطنة على أن الدولة مسئولة عن الفرد ابتداءً وانتهاءً فلا مظهر لملكية فردية فالكل يخدم الدولة والدولة تحدد دخول الأفراد حسب الحاجة وتشرف على الإنتاج ونوع المنتج وتلحق الإفراد جميعاً في خدمة الدولة سعياً لمحو الطبقية وتحقيقاَ للمساواة. وكان من رواد هذا التوجه (فرنسوا فريبية، وروبرت أوين) ولكن الشخص التي ارتبط اسمه بهذا التوجه الفكري هو( كارل ماركس).
    وترتكز فلسفة هذا الفكر على إلغاء الملكية الفردية الذي يُعتقد أنها الباعث الحقيقي لعملية الصراع الاجتماعي. ولذلك اعتمدت على مبدأ العمل للدولة فقط وفق شعار " كل حسب طاقته ولكل بحسب حاجته".
    ويشير قطب بأن الملكية الجماعية لا تعني إمكانية امتلاك مجموعة من الناس لمصنع أو متجر أو مزرعة، وإنما المعنى أن المالك الوحيد هو"الدولة " ، والدولة في حس هؤلاء تمتلك هذه الأشياء نيابة عن طبقة (البوليتاريا = Proletarait) ذلك أن العامل بجهده هو المنتج الحقيقي للمادة. ومن الواضح بأن هذا التوجه الفلسفي يلغي معنى الشخصية ويقتل المبادرات الفردية ويحطم القدرات ويعزز تسلط الدولة بل ويخلق السلبية تجاه الوطن نظراً لحرمانه من فطرة حب التملك.
    وإذا كان التوجه الاشتراكي ينزع إلى محو طبقة الرأسمالية وتحكمها في سير الأمور، فإنه في الوقت ذاته خلق تسلطاً أكثر قسوة وبطشاً من خلال سلطة الحكومة.
    وهكذا تتراوح الرؤى والفلسفات في الغرب بشكل ينقض بعضه بعضاً من أجل خلق مواطنة فاعلة ومنتجه ومسئولة.
    وإذا كان الفكر الاشتراكي قد استنفذ أغراضه وتساقط فإن التخوف قائم ومشاهد لدى كثير من المفكرين الاجتماعيين على أن الغرب الليبرالي هو في الطريق إلى ذلك. ويعزو المفكر المستقبلي (اينشارد ابكرسلي) التفكك الاجتماعي في الغرب إلى الفشل في إعطاء " معنى وانتماء وهدفٍ لحياتنا، وعدم وجود إطار عمل لقيمنا، وبتجريدنا من معنى أوسع لحياتنا، فقد دخلنا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا بشكل مرضي (ايبرلي، 2003).
    وقد وثق المفكر الدارس للتقاليد (جون هوارد) الالقرارات".ضة من المفردات وما تشتمل عليه من مفاهيم والتي اختفت من فوق التراب الأمريكي، فقد اختفت كلمات مثل التواضع، والاحتشام، والأمانة، والاستقامة، والتأدب، والفضيلة، والنخوة، وعكسها مثل العار والعيب من الاستخدام الحالي. "وهي لا تدخل في حسابات المناقشات العامة وصنع القرارات" .. وإلى هنا يتساءل "أبراهام لنكولن" هل أصبح الأمريكيون منهمكين في شؤونهم الخاصة ولا يحركهم سوى الوعد بالمزيد من الحقوق والمكتسبات أكثر مما تحركهم الدعوة "للواجب الوطني".
    وهنا نجدها لمحة اجتماعية مهمة ووقفة حول تركيز معنى المواطنة على أنها فقط مجرد مسألة حقوق وواجبات دون بعد يحمل معنى (الضابط الأخلاقي) ذلك أن حركة الإنسانية إذا ربطت فقط بمعنى القانونية (حق وواجب) فإن آداباً وسلوكيات عدة سوف تغيب عن معنى الحياة الاجتماعية كما هي تغيب اليوم عن حياة المجتمع الغربي بشهادة خبرائهم الاجتماعيين.
    ولذلك فالسمو على الحسابات الشخصية هو في تقديرنا "مبدأ روحي لمعنى المواطنة".
    ويعد إيبرلي(2003) تغذية التعاطف الاجتماعي الصادق بين الناس هو العنصر الرئيسي لخلق المواطنة، كما أن تجديد المواطنة يعني إعمال الفرد في المشاركة الاجتماعية وعدم تفويض شؤون الحياة العامة والمساعدة العامة بكاملها إلى اختصاصيّ الحكومة، وأن تسعى البرامج إلى تعزيز البني الوسيطة..وجمع الفقراء وغير الفقراء معاً كجيران ومتطوعين وشركاء في المسؤولية الاجتماعية.
    وإذا ما تجردت حياتنا الاجتماعية من مضموناتها الدينية/الأخلاقية فإن مادية الحياة العصرية سوف تعيد إشكالية التوتر والصراع إلى الوجود. ومما تجدر الإشارة إليه هنا بأن تجربة المجتمعات الغربية إجمالاً سواء اقتربت أو ابتعدت من/عن تفعيل معنى المواطنة/الوطنية فإن للمجتمع المسلم وبالأخص بلاد الحرمين الشريفين خصوصية في ذلك،.. ذلك أن الالتزام الديني حينما يضاف إلى الممارسة العملية لمفهوم المواطنة/الوطنية، يشكل مرجعية في ضبط هذا المعنى دون مغالاة أو إجحاف لكل من حق الفرد في الحرية وحق الحكومة في السيادة.
    وفي تقديرنا أيضاً يجب ألاّ تصاغ الوطنية على أنها عملية "حق وواجب "وذلك أن هذا الطرح لا يسمو إلى كون الوطنية انتماءً طبيعيّاً مغروزاً في الإنسان يستثير الإنسان للعمل والغيرة على بلده دون الحاجة (ابتداءً) إلى أن يكون ذلك متطلب قانوني أو مشروع سياسي. ذلك أن الالتزام الوطني الأخلاقي هو الفاعل والمفعِّل لمنظومة الحقوق والواجبات. كما أن المنظور الديني يجعل ذلك أكثر كمالاً وتماماً وبالتالي أجراً يوم القيامة.
    وإذا كان الوطن يعني في اللغة المكان الذي يستوطنه ويسكنه الإنسان فيعكس جانباً من الارتباط والاستقرار فيه، فإن الوطنية تعني الانتماء والولاء فكراً لهذا الموقع، والمواطنة أي المشاركة في كل ما يخدم هذا المكان الذي يعيش فيه الإنسان.
    واستجماعاً لما ذكر يمكن القول إنّ مفهوم الوطنية وممارسة المواطنة يعكس التزاماً أخلاقياً تجاه المكان الذي يسكنه الإنسان بدءاً بالحب وانتهاءً بتجسيد متطلباته فكراً بالولاء والشعور بالانتماء وعملاً بالعطاء المتبادل البنَّاء بين الوطن ومسئوليه ومن يسكن فيه.
    وإلى هنا يتبين من خلال هذه الجولة المختصرة لمفهوم الوطنية مدى تباين المفاهيم وسعة الاختلاف فيما بينها (رفضاً وقبولاً) مما يؤكد الحاجة إلى طرحها للنقاش للوصول إلى فهم أكثر عمقاَ وواقعية علمية ذلك أن هناك من يتحدث عن المفهوم – كما تبين- ويخلط بينه وبين مفاهيم العقيدة والشريعة الإسلامية ومنهم من يجعله عقيدة في ذاته إلى غير ذلك مما سبق طرحه.
    والملا حظ المهم إزاء ذلك كله أن هناك من يتحدث دون تخصص من جهة ويلغي من حساباته أحياناً اختلاف البلاد وأنظمتها وسياساتها وخصوصياتها من جهة واختلاف استخدام المفاهيم والمصطلحات العلمية وما يترتب عليه من جهة أخرى.
    ولبيان الفرق بين مفهوم المواطنة والوطنية يجب إدراج مفهوم آخر لا يقل أهمية عن المفهومين السابقين وهو مفهوم التربية الوطنية الذي يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه، وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الإيجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي.
    ومعنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقاً من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة، فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى جماعة أو لدولة معينة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.
    وقد أشار عبد التواب إلى أن الحديث عن المواطنة والوطنية يختلف عن الحديث عن الانتماء والولاء، فأحد هما جزء من الآخر أو مكمِّل له. فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، والولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، أما الانتماء فقد لا يتضمن بالضرورة الولاء، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله.
    ولذلك فالولاء والانتماء قد يمتزجان معاً حتى أنه يصعب الفصل بينها، والولاء هو صدق الانتماء ، وكذلك الوطنية فهي الجانب الفعلي أو الحقيقي للمواطنة. والولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء "الوطني"من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل.

    ب/المواطنة و الوطنية
    ما أبعد الشقة بين الكلام والعمل وما أبعد المسافة بين النصوص والواقع، وعلي أي حال فهذه سمة من سمات التخلف، أن يكون الكلام والنصوص في ناحية والعمل والواقع في ناحية، الحقوق بعيدة كل البعد ومختلفة كل الاختلاف.
    ما الذي نعنيه عندما نتحدث عن المواطنة ؟

    نعني أن الرابطة في الدولة الحديثة بين الدولة والشعب، هي رابطة تقوم علي علاقة الجنسية، فكل من يحمل جنسية الدولة، يعد من مواطني الدولة، ومواطنو الدولة يتمتعون بنفس الحقوق، ويتحملون ذات الواجبات، وفي ذلك يقول الدستور المغربي:
    الفصل الخامس "جميع المغاربة سواء أمام القانون".
    لا تفرقة بينهم بسبب الدين أو الجنس أو الاعتقاد، فكل مغربي يساوي أي مغربي آخر بصرف النظر عن لونه أو دينه أو جنسه أو اعتقاده.
    المسيحي والمسلم واليهودي ومن لا دين له كلهم مواطنون، الأبيض والأسود ومن هو بين بين كلهم مواطنون، الماركسي والرأسمالي والاشتراكي ومن يؤمن بالتعاون ومن لا يؤمن بشيء من ذلك كله كلهم مواطنون، وبما أنهم جميعاً مواطنون فهم جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات.
    هذا هو معني المواطنة. المواطنون أمام القانون سواء.
    هذا ركن من أركان الدولة الحديثة، ولكن هذا الركن ليس وحده الذي تقوم عليه الدولة.
    يكمل هذا الركن ويجعله فاعلاً ركن آخر يقول:
    الفصل الرابع "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له، وليس للقانون أثر رجعي".
    سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، ذلك أنه لا يكفي أن يوجد القانون ـ فما أكثر القوانين حين تعدها ـ وإنما يجب أن يكون القانون محترماً، يجب أن يكون القانون فوق الإيرادات جميعاً، أرادات الحاكمين قبل أرادات المحكومين، وهذا هو معني سيادة القانون.
    ودستورنا بعد أن قال القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة أردف قائلاً ويجب على الجميع الامتثال له بما فيهم الدولة نفسها.
    وهذا نص رائع وجميل.
    ويبقي السؤال: هل هذا النص مطابق للواقع الفعلي أم هو مجرد نص جميل في وثيقة يقال لها الدستور.
    الأمر يتوقف علي ركن آخر من أركان الدولة الحديثة ويرتبط به ارتباطاً لا يقبل الانفصال، ذلك الركن يعني أن الدولة الحديثة هي دولة مؤسسات وليست دولة أفراد، وأن الأفراد في الدولة الحديثة لا "يملكون" سلطة وإنما يباشرون "اختصاصاً" وهذا الاختصاص يحدده القانون، ومن يخرج علي القانون من الحكام أو يجاوز اختصاصه المرسوم فإنه يخرج علي مبدأ المشروعية الذي هو أيضاً ركن من أركان الدولة الحديثة.
    وهذا ما نص عليه الدستور المغربي:
    الفصل الثاني "السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية".
    فهل نحن فعلاً دولة مؤسسات تعمل وفقاً لقاعدة القانون أم أننا دولة يحكمها أفراد لا رادع لإرادتهم ولا رقيب عليها في غالب الأحوال.
    والدولة الحديثة تقوم علي فكرة التعددية وليس هناك فريق ولا أحد يملك الحقيقة أو يدعي أنه يتحدث باسم الحقيقة المطلقة، الدولة الحديثة دولة تتعدد فيها الآراء وتختلف وتتفق وتتحاور ومعيار الترجيح هو قانون الأغلبية.
    والأغلبية وفقاً لكل الأنظمة الديمقراطية في العالم هي أغلبية متغيرة ومن هنا فإن تداول السلطة أمر طبيعي وضروري وركن أساسي من أركان الدولة الحديثة.
    إن بقاء السلطة لمدد طويلة في يد فرد واحد أو أفراد معينين هو المقدمة الأساسية للاستبداد، والاستبداد هو المقدمة لكل الشرور.
    هذه هي أركان الدولة الحديثة التي تقول إنها تقوم علي فكرة المواطنة.
    فما هو مفهوم المواطنة باعتبارها ركيزة من ركائز الديمقراطية.
    تعني المواطنة أداء واجبات محددة والتمتع بحقوق معينة. والمواطنة هي مفتاح الحرية والمسئولية، حرية شخصية ومسئولية تجاه الدولة والمجتمع وغيرنا من المواطنين. فما الذي يجعأساسية:لمواطنة من القضايا و الحقائق المهمة ?
    ثلاثة حقائق أساسية:

    الحقيقة الأولى
    هي أن درجة وعي الأفراد بأنهم مواطنين تختلف من فرد إلى آخر ، ويرتبط ذلك بعدة عوامل منها مستوى التعليم ونوعيته ، ومدى انخراطه في العمل العام فهناك فرق بين الشخص الواعي المتعلم والشخص الأمي الذي لا يعرف كثيراً ماله من حقوق وما عليه من واجبات ، على عكس الشخص المتعلم المثقف الذي يعرف حقوقه واجبا ته ويستطيع أن يطالب بحقوقه إذا ما تم الاعتداء عليه من قبل الدولة أو الأفراد .

    الحقيقة الثانية
    وهي أن المواطنة ركيزة الديمقراطية ، فلا يوجد مجتمع ديمقراطي لا يعتمد في بنيانه على كل مواطن ، والديمقراطية ببساطة هي أن يختار الشعب الحكومة وممثليه في المجالس النيابية من خلال انتخابات حرة .
    الحقيقة الثالثة
    وتتمثل في التفاوض الواضح بين الدول في مدى احترامها لمبدأ المواطنة ، فالدول الديمقراطية المتحضرة أنشأت القواعد والمبادئ الكفيلة باحترام الحق في المواطنة، حيث يشعر المواطن فيها بالأمن والأمان وفي الوقت ذاته يلتزم المواطن بأداء واجبا ته اتجاه الدولة والمجتمع ، هذا في حين نجد أن المجتمعات المتخلفة ما زالت تنتهك حقوق المواطنة ، ولا يشعر المواطن فيها بالأمن والأمان.
    وهذه هي الحقائق الأساسية للمواطنة الحقيقة الأولى تخص المواطن ككيان قانوني له حقوقاً وعليه واجبات ، أما الحقيقة الثانية فتربط بين المواطنة والديمقراطية وبما أن الديموقراطية مسألة سياسية فإن المواطن ينظر إليه باعتباره كيان سياسي ، وأخيراً الحقيقة الثالثة والتي تركز على مشكلة المواطنة المنقوصة أو الناقصة . ونتعرض بعد ذلك إلى كل حقيقة من هذه الحقائق.
    السيادة،لرغم من أن الحضارات القديمة عرفت بدون فكرة المواطنة إلا أنها لم تبلور إلا حديثاً منذ نحو ثلاثة قرون وتحديداً مع بداية ميلاد الدولة الحديثة التي نعرفها باسم دولة القانون والمؤسسات المستندة إلى الإرادة ة الشعبية وهذه العناصر الثلاث هي :
    السيادة، القانون، والمؤسسات الديمقراطية، وهي التي تعطى لمفهوم المواطنة مفهومها الحقيقي.

    المواطنة ككيان قانوني :
    عندما نصِف المواطنة بأنها كيان قانوني فالمقصود بذلك هو الجانب من ممارسات وسولوكيات الأفراد الذي ينظمه القانون سواء على مستوى علاقة الفرد بأفراد آخرين أو على مستوى علاقته بالدولة ، والدساتير والقوانين ما هي إلا أدوات لتنظيم هذه العلاقات، حتى يتحقق التوازن بين المصلحة العامة للمجتمع ككل والمصلحة الخاصة للفرد المواطن . ومن هذا المنطلق فإن كل فرد في المجتمع هو كيان خاضع للقانون له حقوق وعليه واجبات فإذا أخل بواجباته تعرض للعقاب وإذا ما انتهكت حقوقه يلجأ إلى القضاء للحصول على حقوقه بموجب الدستور .

    المواطنة ككيان سياسي :
    إن تعريف المواطن ككيان سياسي يعني أنه أساس العملية الديمقراطية، فكما ذكرنا قبل قليل أن المواطن هو الذي يختار حكامه من خلال انتخابات حرة. وعندما يباشر المواطن حقوقه السياسية من خلال الترشيح والانتخابات فسوف تأتي مجالس نيابية معبرة عن مصالح الناس أو على الأقل على قدر معقول من المصالح ، ولأن هذه المجالس هي المسئولة عن وضع التشريعات والقوانين فهي بالتالي ستحدد وفقاً للدستور الحقوق والواجبات التي يلتزم بها المواطن ككيان قانوني .

    المواطنة المنقوصة:
    والمقصود بها هي انتهاك حق أو حقوق المواطنة لفرد أو لمجموعة الأفراد أو الشعب كله. وقد يطول هذا الانتهاك كل من الجانبين القانوني والسياسي لمبدأ المواطنة وهناك أسباب عديدة ، لإنقاص الحق في إنقاص المواطنة لعل أهمها :
    1- التمييز
    2- استبداد الدولة
    3- غياب مبدأ استقلال القضاء
    والمواطنة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تتحقق كل الأركان ويشد بعضها بعضاً.
    لا توجد مواطنة في دولة لا يسود فيها حكم القانون، لأن حقوق الأفراد وحرياتهم وواجبا تهم التي هي قوام فكرة المواطنة مرتبطة ارتباطاً ضرورياً بسيادة حكم القانون.
    وعلى هذا يسوغ لنا أن نسأل.. هل نحن جميعاً مواطنون أم نحن جميعاً من الرعايا.
    منذ أكثر من ستين عاماً ـ وقبل ١٩٥٢ ـ أصدر الأستاذ المرحوم خالد محمد خالد المفكر الإسلامي المستنير كتاباً بعنوان «مواطنون لا رعايا» فهل نحن محتا جون الآن لإصدار كتاب بنفس العنوان. أم إصدار كتاب بعنوان " المواطنة".
    [​IMG]
    نبذة تاريخية عن مفهوم المواطنة
    يعد الحفر في الأصول اللغوية والاصطلاحية للمواطنة في الفكر العربي والغربي أمراً لا يقتضيه اختلاف النظم المرجعية التي استمدت منها المفاهيم فحسب ،بل يضاف إليه اختلاف حقول المعرفة التي كانت محتضنا مباشراً لكل مصطلح وموجهاً لدلالته في الثقافتين العربية والغربية ومن ثم تتضح أهمية تأصيل المفهوم وبحثه في إطار المحا ضن الفكرية بمنطلقاتها المرجعية والتي توجب على الباحث القراءة التاريخية لهذا المصطلح.
    لقد أقترن مبدأ المواطنة بحركة نضال التاريخ الإنساني من أجل العدل والمساواة والإنصاف. وكان ذلك قبل أن يستقر مصطلح المواطنة وما يقاربه من مصطلحات في الأدبيات السياسية والفكرية والتربوية، وتصاعد النضال وأخذ شكل الحركات الاجتماعية منذ قيام الحكومات الزراعية في وادي الرافدين مروراً بحضارة سو مر وأشور وبابل وحضارات الصين والهند وفارس وحضارات الفينيقيين والكنعانيين .
    وأسهمت تلك الحضارات وما انبثق عنها من أيديولوجيات سياسية في وضع أسس للحرية والمساواة تجاوزت إرادة الحكام فاتحة بذلك آفاقاً رحبة لسعي الإنسان لتأكيد فطرته وإثبات ذاته وحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات الأمر الذي فتح المجال للفكر السياسي الإغريقي ومن بعده الروماني ليضع كل منها أسس مفهومه للمواطنة والحكم الجمهوري ( الذي كان يعني حتى قيام الثورة الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر ، الحكم المقيد في مقابلة الحكم المطلق وليس الحكم الجمهوري كما نفهمه اليوم ) وقد أكد كل من الفكر السياسي الإغريقي والروماني في بعض مراحلها على ضرورة المنافسة من أجل تقلد المناصب العليا و أهمية إرساء أسس مناقشة السياسة العامة باعتبار ذلك شيئاً مطلوباً في حد ذاته.
    تعتبر دولة الإغريق هي أول من توصلت إلى معنى لمفهوم المواطنة المعاصرة في التاريخ والذي اعتبر نموذجاً للممارسة الديمقراطية في أثينا. على الرغم من قصور هذا المفهوم من حيث الفئات التي يمثلها وعدم تغطيته لبعض النواحي التي يتضمنها المفهوم المعاصر للمواطنة إلا انه قد نجح بتحقيق المساواة على قاعدة المواطنة بين الأفراد المتساوين وذلك من خلال إقرار حقهم في المشاركة السياسية الفعالة وصولاً إلى تداول السلطة ووظائفها العامة.
    لاحظ اليونانيون بعقلهم الفلسفي الثاقب إن الكون بما فيه من حيوان ونبات وجماد يسير حسب نظام محدد وقواعد لا تتبدل، فاعتقدوا بوجود قوة عليا تسير حسب نظام محدد وقواعد لا تتبدل فاعتقدوا بوجود قوة عليا تسيّر الكون، أطلق عليها بعض فلاسفتهم اسم (الطبيعة) ونسبها آخرون (الآلهة) وذهب كل من هؤلاء وأولئك إلى اعتبار أحكام (نظام الطبيعة)، أو قانونها عامة وأولية وثابتة، ولذلك احلوا هذا القانون في المحل الأول بالنسبة للقانون الذي هو من صنع البشر واعتبروا قانون الطبيعة صورة العدل المطلق أو القانون الصالح كما نسب إلى أفلاطون في كتابه ((القوانين)) وأما أرسطو فقد اسماه بالعدل الطبيعي الذي أعدته الطبيعة ليعم على جميع الناس، بينما قال عن القانون الوضعي انه العدل التشريعي أو العرفي وهو خاص وضعته كل امة لنفسها.
    استنتج اليونانيون من هذا التصوير أن على كل مشرع من البشر أن يجعل من القانون الطبيعي مثله الأعلى الذي يسعى إلى تشريع قوانينه على منواله أو على الأقل أن تكون قريبة منه، حتى إذا تعارضت أحكام القانون الوضعي مع سقراط، وقد طورت بعض المدارس الفلسفية هذه الفكرة وصاغت منها نظريات في الأخلاق تقوم على الزهد والتقشف
    وقد استمد الرومان مبادىء العدالة في أول الأمر من قانون الشعوب وبعد ذلك من مفهوم القانون الطبيعي الذي نادت به الفلسفة اليونانية.
    كان القانون القديم قد وضع للرومان وحدهم أما الأجنبي عنهم فكانوا يقولون بان ليس له أن يتمتع بالحقوق إلا في بلده الأصلي، غير أن الرومان ما لبثوا أن غيروا نظرتهم إلى هذه إلى الأجانب فسمح للأجنبي أن يقيم في روما إذ احتمى مؤقتاً بأحد الرومان اوخضع له بصورة دائمة كنزيل لديه هذا بصورة فردية وإما بصورة جماعية فقد أبرمت روما مع المدن معاهدات تقضي بحماية رعايا كل مدينة إذا جاءوا إلى المدينة الأخرى .
    ولعل الحضارات القديمة والشرائع والأديان، قد ساهمت في وضع أساس للمساواة أعلى من إرادة الملوك والحكام لقيم أسس العدل والمساواة في الأرض مبتدئة بذلك خطوات حسنة لسعي الإنسان إلى تأكيد إنسانيته وحقوقه واعتباره، مما أدى ذلك بالفكر الروماني السياسي والقانوني بتحديد أسس المواطنة والحكم الجمهوري.
    وبعد تراجع مبدأ المواطنة في الفكر السياسي خلال العصور الوسطى واندثار التجارب الديمقراطية المحددة في ظل الحضارتين الإغريقية والرومانية، تم العمل على إعادة اكتشاف مبدأ المواطنة عند بروز بوادر النهضة الأوربية نتيجة حركات الإصلاح الديني وما تلاها من حركات النهضة والتنوير في الحياة السياسية، حيث استفاد هذا الفكر من الفكر السياسي الإغريقي والفكر الروماني.
    وأفرزت تلك التجارب التاريخية معانٍي مختلفة للمواطنة فكراً وممارسة تفاوتت قرباً وبعداً من المفهوم المعاصر للمواطنة حسب آراء المؤرخين. وحتى في التاريخ المعاصر تنوعت إفرازات مفهوم المواطنة بحسب التيارات الفكرية السياسية والاجتماعية التي لا يمكن قراءتها وفهمها ونقدها بمعزل عن الظروف المحيطة بها أو بعيداً عن الزمان والمكان بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والتربوية ، ومن ثم لا يمكن التأصيل السليم لمفهوم المواطنة باعتباره نتاجاً لفكر واحد مبسط وإنما باعتبار أنه نشأ ونما في ظل محا ضن فكرية متعددة تنوعت نظرياتها وعقائدها بل وظروف تشكلها على المستوى المحلي والقومي والدولي . ولأن قضية المواطنة محوراً رئيساً في النظرية والممارسة الديمقراطية الحديثة ، فإن تحديد أبعادها وكيفية ممارستها ينبع من الطريقة التي يمنح بها هذا النظام أو ذاك حقوق المواطنة للجميع ومدى وعي المواطنين وحرصهم على أداء هذه الحقوق والواجبات.
    دشنت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1798 الخطوات الأولى لتثبيت الحقوق المدنية / الاجتماعية للمواطن/ الإنسان حيث جاءت تلك النقلة النوعية نتيجة للصراع الضاري بين الملكية المطلقة وقوانينها الإقطاعية وبين البرجوازية المكافحة في سبيل نشر علاقات الإنتاج الرأسمالية وسوقها الوطنية الموحدة، وما يشترطه ذلك من تحرير القوى المنتجة المكبلة بملكية الأرض وموروثها الإقطاعي.وهنا من المفيد التذكير بأن مفهوم المواطنة ارتبط في فكر الثورة البرجوازية بوحدة الوطن ووحدة أسواقه الداخلية، لذلك فان شعار" دعه يمر دعه يعمل" يلخص رفض البرجوازية الثورية لنمط الإنتاج الإقطاعي المبني على التجزئة وتقييد حركة القوى المنتجة.
    لقد كرست الثورة الفرنسية رؤيتها للعالم الجديد بإعلان حقوق الإنسان ,والدفاع عنها بعد إغناءها بروح المواطنة وبذلك رفعت البرجوازية الصاعدة مصالحها الطبقية إلى مصاف مصالح الوطن والأمة.
    إن الأفكار التي نادت بها الثورة الفرنسية المرتكزة على اعتبار المواطن أساس شرعية الحكم وديمقراطيته انتشرت بسرعة كبيرة بعد تحولها إلى أداة لدك العالم القديم المتمثل بالحكومات الملكية الإقطاعية ومؤسسات حكمها المطلق. وفي هذا الاتجاه نشير إلى أن حقوق الإنسان المواطن الذي جرى تجسيدها في قوانين نابليون عام 1804 شكلت عوامل دافعة لانتصارات الثورة الفرنسية في القارة الأوربية.

    زود التطور الكبير الذي أحدثته الثورة الفرنسية بجانبيه الفكري / السياسي الحركات اليسارية العمالية ببرامج جديدة لتطور حركتها الثورية الصاعدة, حيث استطاعت كومونة باريس ورغم قصر ممارستها السياسية في تثبيت الكثير من الحقوق الفعلية للمواطن العامل, الأمر الذي استفادت منه ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى حينما ركزت على الجوانب السياسية / الاجتماعية التي نادت بها الثورات البرجوازية/ الديمقراطية وربطتها بخيارها الاشتراكي بعد نقل حقوق الإنسان من إطارها الشمولي العام ووضعها في محيطها الطبقي، الذي تجسد بمرسوم حقوق الشعب العامل الذي أصبح صيغة قانونية شاملة جرى اعتمادها في دستور جمهوريات الاتحاد السوفيتي الاشتراكية.
    أدى انقسام العالم إلى ازدواجية خيار التطور الاجتماعي رأسمالي / اشتراكي إلى نشوء حالة من التوازنات الدولية تجسدت في ظهور الأمم المتحدة التي أصبحت ميداناً دولياً للصراع بين الأيدلوجيتين المتناقضتين الأمر الذي سمح بإصدار الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان التي جرى إقراراها في الجمعية العمومية عام 1948 حيث تمت المزاوجة بين الحقوق السياسية والاجتماعية للإنسان حيث جاء في مقدمتها التأكيد على ضرورة خلق عالم ( يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة ).
    ساعد انهيار نموذج الدولة الاشتراكية وولوج العالم مرحلة الرأسمالية المعولمة على إعلاء شأن الحقوق السياسية للإنسان / حق الرأي، التظاهر، حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب بموازاة تخفيض الضمانات الاجتماعية للإنسان، ويقترن تغييب الحقوق الاجتماعية للمواطن بالليبرالية الجديدة الساعية إلى تفكيك آليات تدخل الدولة في تطوير الضمانات الاجتماعية للإنسان المواطن. وفي هذا السياق تبرز مفاهيم جديدة منها عالمية المواطن، وما يعنيه ذلك من نقل مصير الإنسان وحقوقه إلى قوى مجهولة لن تستطع الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية من خوض صرا عات وطنية ملموسة لنيل حقوقها الاجتماعية ، وبهذا السياق تتساوى الليبرالية الجديدة الأمريكية مع الفوضوية الرافضة للحدود والسلطة الوطنية رغم اختلاف النزعتين التاريخيتين. وفي هذا المنحى نشير إلى أن رفض الدستور الأوربي جاء تعبيراً عن جوهر الصراعات الجديدة بين الحقوق الوطنية الملموسة التي جسدتها قوانين السوق الاجتماعي في دول الرفاه الاجتماعي وبين سعي الاحتكارات الدولية الرامي إلى صياغة حقوق هلامية ومواطنة عالمية شكلية لا تلزم المؤسسات الدولية بأية معايير اجتماعية، بهذا المعنى فان الصراع المحتدم حول الدولة والمواطنة في أوربا سيبقى السمة المميزة لتطورات العولمة في ظروفنا التاريخية الملموسة.
    تدعو الليبرالية الجديدة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية إلى نشر الديمقراطية وتفكيك المراكز القمعية للدول التسلطية إلا أن شعاراتها الديمقراطية لا تترابط والدعوة إلى حقوق المواطنة وذلك لاعتبارات عدة منها:
    ـ تسعى الليبرالية الجديدة إلى تفكيك دور الدولة في رعاية الضمانات الاجتماعية، بمعنى تمييع الحقوق الاجتماعية للإنسان بعد نقلها إلى قوى السوق المنفلت.
    ـ تهدف العولمة الرأسمالية إلى تفكيك مفهوم المواطنة بعد تمييع دور الدولة وذلك من خلال تشتيت دائرة انتماء الإنسان إلى قوى وتجمعات احتكارية كبرى في المراكز الرأسمالية وتجمعات بدائية / الطائفة / العشيرة / العرق في الدول الوطنية الأمر الذي يعني تحجيم الولاء للوطن والكفاح في إطاراته السياسية / الجغرافية.
    ـ الليبرالية الجديدة تدعو إلى التركيز على الحقوق السياسية للإنسان دون الحقوق الاجتماعية، و بهذا المعنى فإنها تطلق العنان لحرية الفوضى والتفكك والصراعات الاجتماعية.
    تلخيصاً لما جرى استعراضه نحاول صياغة بعض الاستنتاجات الضرورية:
    1: ـ ترتبط حقوق الإنسان ارتباطاً وثيقاً بطبيعة نمط الإنتاج السائد تاريخيا. بكلام آخر إن حقوق الإنسان ذات معطى تاريخي متغير تأخذ أشكالها الملموسة استناداً إلى مضامين الصراعات الاجتماعية السائدة في اللحظة التاريخية الملموسة.
    2: ـ يرتبط مفهوم المواطنة ارتباطاً وثيقاً بظهور الدولة القومية وما نتج عن ذلك من تلازم مفهومي المواطنة والدولة وعلاقة ذلك بالشرعية الوطنية للنظام السياسي.
    3: ـ هناك علاقة بين المواطن والوطنية والديمقراطية. بكلام آخر إن الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة الوطنية تدفع المواطن للدفاع عن المصالح الوطنية. وبعكسه فان سيادة الاستبداد والاستحواذ على الثروة الوطنية تعني انهيار المواطنة وفضلاً عن مستلزمات الدفاع عن الوطن.
    4: ـ يتعرض مفهوم المواطنة خاصة في الدول الوطنية إلى انتهاكات صارخة تتمثل في طبيعة النظم الاستبدادية من جهة وميول العولمة الرأسمالية الهادفة إلى تفكيك مفهوم الدولة من جهة أخرى.
    وفي القرن الحادي والعشرين شهد مفهوم المواطنة تطوراً مال به منحى العالمية وتحددت مواصفات المواطنة الدولية على النحو التالي:

    - الاعتراف بوجود ثقافات مختلفة .
    - احترام حق الغير وحريته.
    - الاعتراف بوجود ديانات مختلفة .
    - فهم وتفعيل أيديولوجيات سياسية مختلفة .
    - فهم اقتصاديات العالم .
    - الاهتمام بالشؤون الدولية .
    - المشاركة في تشجيع السلام الدولي .
    - المشاركة في إدارة الصراعات بطريقة اللاعنف.

    وهذه المواصفات لمواطن القرن الواحد والعشرين يمكن فهمها بشكل أفضل في صورة كفاءات تنميها مؤسسات المجتمع لتزيد فاعلية الارتباط بين الأفراد على المستوى الشخصي والاجتماعي والمحلي والقومي والدولي ويكون ذلك بتنمية قدرات معينة للتفكير تحسم وتنظم في الوقت نفسه الاختلافات الثقافية ، ومواجهة المشكلات والتحديات كأعضاء في مجتمع عالمي واحد .
    ويستند هذا المنحى في إرساء مبدأ المواطنة العالمية على ركيزتين:

    الأولى: عالمية التحديات في طبيعتها كعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ، والامتلاك غير المتساوي لتقنيات المعلومات وانخفاض الخصوصية ، والتدهور البيئي وتهديد السلام .
    الثانية: أن هناك أمماً ومجتمعات ذات ديانات وثقافات وأعراف وتقاليد ونظم مختلفة.

    ولقد أسفرت الاجتهادات الغربية المعاصرة لتحليل طرفي هذه المعادلة عن تفاعلات جدية تتلخص في صياغة عناصر جديدة للمواطنة ، وتأسيس مصطلح جديد في الخطاب المعاصر هو (المواطنة العالمية) أو (المواطنة عديدة الأبعاد) التي لخصت في (البعد الشخصي – البعد الاجتماعي – البعد المكاني – البعد الزماني) وأهابت بالمؤسسات السياسية والتربوية تحقيقها من خلال العناصر التالية:
    1) الإحساس بالهوية .
    2) التمتع بحقوق معينة .
    3) المسؤوليات والالتزامات والواجبات .
    4) مسؤولية المواطن في لعب دور ما في الشؤون العامة .
    5) قبول قيم اجتماعية أساسية.
    وعلى الرغم مما وصل إليه مفهوم المواطنة من وضوح في الفكر الغربي المعاصر إلا أنه ما زال يشهد في الوعي العربي بعض التداخلات مع مفهوم الانتماء ، ويقتضي ذلك وفق أهداف الدراسة التأصيل النظري لمفهوم الانتماء .
     
    أعجب بهذه المشاركة tamer nady
  2. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    مكونات المواطنة
    الوطنية - كما أشرنا سابقاً - ليست مفهوماً سياسياً فحسب، بل إنها مفهوم يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية. وهذا الفكر مقيد بحدود الزمان والمكان. ولا يستطيع البحث العلمي النزيه أن يُجرد الفكر الوطني الإنساني من حدود الزمان والمكان. وإذا كان الإسلام يعطي لمفهوم الأمة تصوراً شاملاً أو كلياً يتخطى حدود المكان والزمان. فإن ذلك التصور لا يتعارض مع تصور الوطنية في حدود الزمان والمكان. ذلك أن التصور السليم للوطنية له مستويان هما:
    أ ‌- مستوى العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي.
    ب- مستوى العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي.
    ورقيِّ الوسط الثاني يعتمد اعتماداً كلياً على رٌقي الوسط الأول. فإذا حافظ الفرد على اتزان حبه وانتماءه لوطنه وأهله وأبناء عشيرته فإنه من الطبيعي أن يحافظ على ذلك بالنسبة للأمة..بل والعالم أجمع.
    غير أن القوى العالمية المعاصرة لا تريد للوطنية أن تنمو في هذين المستويين. وإنما تريد هذه القوى استبدال الوطنية/المواطنة المحلية بالتغريب Westernization والوطنية/المواطنة العالمية بالعولمةGlobalization ولا شك أن عملية الاستبدال هذه تتم بوسائل الترغيب والترهيب. ووسائل الترغيب كثيرة منها الانضمام إلى اتفاقيات التجارة العالمية والمشاركة في المشروعات وإقامة منطقة تجارية عالمية في المنطقة الإسلامية وغيرها من المنظمات والشركات العالمية. ووسائل الترهيب كثيرة منها: الحرب الإعلامية على القيم الإسلامية، والغزو العسكريهي:ذية الصراعات الطائفية.
    للمواطنة عناصر ومكونات أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة وهذه المكونات هي:

    I- الانتماء
    ا - مفهوم الانتماء

    يشير مفهوم الانتماء إلى الانتساب لكيان ما يكون الفرد متوحداً معه مندمجاً فيه ، باعتباره عضواً مقبولاً وله شرف الانتساب إليه ، ويشعر بالأمان فيه ، وقد يكون هذا الكيان جماعة ، طبقة ، وطن ، وهذا يعني تداخل الولاء مع الانتماء والذي يعبر الفرد من خلاله عن مشاعره تجاه الكيان الذي ينتمي إليه .
    ولقد ورد في الانتماء آراء شتى للعديد من الفلاسفة والعلماء و تنوعت أبعاده ما بين فلسفي ونفسي واجتماعي ، ففي حين تناوله ماسلوMaslo من خلال الدافعية ، اعتبره إريك فروم Fromm حاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته ووحدته ، متفقاً في هذا مع وليون فستنجر Leon Festinger الذي اعتبره اتجاهاً وراء تماسك أفراد الجماعة من خلال عملية المقارنة الاجتماعية ، وهناك من اعتبره ميلاً يحركه دافع قوي لدى الإنسان لإشباع حاجته الأساسية في الحياة .
    وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول الانتماء ما بين كونه اتجاهاً وشعوراً وإحساساً أو كونه حاجة أساسية نفسية – لكون الحاجة هي شعور الكائن الحي بالافتقاد لشيء معين، سواء أكان المفتقد فسيولوجياً داخلياً ، أو سيكولوجياً اجتماعياً كالحاجة إلى الانتماء والسيطرة والإنجاز- أو كونه دافعاً أو ميلاً، إلا أنها جميعاً تؤكد استحالة حياة الفرد بلا انتماء، ذاك الذي يبدأ مع الإنسان منذ لحظة الميلاد صغيراً بهدف إشباع حاجته الضرورية ، وينمو هذا الانتماء بنمو ونضج الفرد إلى أن يصبح انتماءً للمجتمع الكبير الذي عليه أن يشبع حاجات أفراده . ولا يمكن أن يتحقق للإنسان الشعور بالمكانة والأمن والقوة والحب والصداقة إلا من خلال الجماعة ، فالسلوك الإنساني لا يكتسب معناه إلا في موقف اجتماعي، إضافة إلى أن الجماعة تقدم للفرد مواقف عديدة يستطيع من خلالها أن يظهر فيها مهاراته وقدراته ، علاوة على أن شعور الفرد بالرضا الذي يستمده من انتمائه للجماعة يتوقف على الفرص التي تتاح له كي يلعب دوره بوصفه عضواً من أعضائها.

    ب - أبعاد الانتماء
    يعد مفهوم الانتماء مفهوماً مركباً يتضمن العديد من الأبعاد والتي أهمها:

    1) الهوية Identity :
    يسعى الانتماء إلى توطيد الهوية، وهي في المقابل دليل على وجوده، ومن ثم تبرز سلوكيات الأفراد كمؤشرات للتعبير عن الهوية وبالتالي الانتماء.

    2) الجماعية Collectivism :
    إن الروابط الانتمائية تؤكد على الميل نحو الجماعية ، ويعبر عنها بتوحد الأفراد مع الهدف العام للجماعة التي ينتمون إليها ، وتؤكد الجماعة على كل من التعاون والتكافل والتماسك ، والرغبة الوجدانية في المشاعر الدافئة للتوحد. وتعزز الجماعية كل من الميل إلى المحبة ، والتفاعل والاجتماعية ، وجميعها تسهم في تقوية الانتماء من خلال الاستمتاع بالتفاعل الحميم للتأكيد على التفاعل المتبادل .

    3) الولاء Loyalty :
    الولاء جوهر الالتزام، يدعم الهوية الذاتية ، ويقوي الجماعية ، ويركز على المسايرة ، ويدعو إلى تأييد الفرد لجماعته ويشير إلى مدى الانتماء إليها ، ومع أنه الأساس القوي الذي يدعم الهوية ، إلا أنه في الوقت ذاته يعتبر الجماعة مسئولة عن الاهتمام بكل حاجات أعضائها من الالتزامات المتبادلة للولاء ، بهدف الحماية الكلية .

    4) الالتزام Obligation :
    حيث التمسك بالنظم والمعايير الاجتماعية ، وهنا تؤكد الجماعية على الانسجام والتناغم والإجماع ، ولذا فإنها تولد ضغوطاً فاعلة نحو الالتزام بمعايير الجماعة لإمكانية القبول والإذعان كآلية لتحقيق الإجماع وتجنب النزاع.
    5) التواد:
    ويعني الحاجة إلى الانضمام أو العشرة Affiliation، وهو- التواد- من أهم الدوافع الإنسانية الأساسية في تكوين العلاقات والروابط والصداقات ويشير إلى مدى التعاطف الوجداني بين أفراد الجماعة والميل إلى المحبة والعطاء والإيثار والتراحم بهدف التوحد مع الجماعة ، وينمي لدى الفرد تقديره لذا ته وإدراكه لمكانته ، وكذلك مكانة جماعته بين الجماعات الأخرى ، ويدفعه إلى العمل للحفاظ على الجماعة وحمايتها لاستمرار بقائها وتطورها ، كما يشعره بفخر الانتساب إليها.

    6) الديمقراطية:
    هي أساليب التفكير والقيادة، وتشير إلى الممارسات والأقوال التي يرددها الفرد ليعبر عن إيمانه بثلاثة عناصر:
    أ - تقدير قدرات الفرد وإمكانياته مع مراعاة الفروق الفردية، وتكافؤ الفرص، والحرية الشخصية في التعبير عن الرأي في إطار النظام العام، وتنمية قدرات كل فرد بالرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
    ب- شعور الفرد بالحاجة إلى التفاهم والتعاون مع الغير ، ورغبته بأن تتاح له الفرصة للنقد مع امتلاكه لمهارة تقبل نقد الآخرين بصدر رحب ، و قناعته بأن يكون الانتخاب وسيلة اختيار القيادات ، مع الالتزام باحترام النظم والقوانين ، والتعاون مع الغير في وضع الأهداف و المخططات التنفيذية وتقسيم العمل وتوزيعه ومتابعته وهي بذلك تمنع الديكتاتورية، وترحب بالمعارض ، مما يحقق سلامة ورفاهية المجتمع .
    ج- إتباع الأسلوب العلمي في التفكير .
    في ضوء ما سبق ذكره من أراء متعددة حول الانتماء وجماعة الانتماء، يمكن استخلاص عدة خصائص ، كمؤشرات لدينامكية العلاقة الجدلية بين الانتماء وجماعة الانتماء أهمها :

    · الانتماء مفهوم نفسي، اجتماعي، فلسفي، وهو نتاج العملية الجدلية التبادلية بين الفرد والمجتمع أو الجماعة التي يفضلها المنتمي.
    · باعتبار الانتماء ذا طبيعة نفسية اجتماعية ، فإن وجود المجتمع أو الجماعة هام جداً كعالم ينتمي إليه الفرد ، حيث يعبر عن الانتماء بالحاجة إلى التجمع والرغبة في أن يكون الفرد مرتبطاً أو يكون في حضور الآخرين ، وتبدو هذه الحاجة وكأنها عامة بين أفراد البشر .
    · يفضل أن تكون جماعة الانتماء بمثابة كيان أكبر وأشمل وأقوى لتكون مصدر فخر واعتزاز للفرد، وأن يكون الفرد العضو في جماعة الانتماء في حالة توافق متبادل معها ليتم التفاعل الإيجابي بينهم.
    · يعبر عن جماعة الانتماء بالجماعة المرجعية ، تلك التي يتوحد معها الفرد ويستخدمها معياراً لتقدير ألذات ، ومصدراً لتقويم أهدافه الشخصية ، وقد تشمل الجماعة المرجعية كل الجماعات التي ينتمي إليها الفرد كعضو فيها.
    · على الفرد أن يثق ويعتنق معايير ومبادئ، وقيم الجماعة التي ينتمي إليها ومن ثم يحترمها ويلتزم بها.
    · على الفرد نصرة الجماعة التي ينتمي إليها، والدفاع عنها وقت الحاجة والتضحية في سبيلها إذا لزم الأمر مقابل أن توفر الجماعة له الحماية والأمن والمساعدة.
    · أن يكون توحد الفرد مع الجماعة ضمن إطار ثقافي مشترك، وتعتبر اللغة والمعايير الثقافية الأخرى عناصر أساسية للجماعة، ويتحدد مدى الانتماء بدرجة التمسك بها.
    · الانتماء بمثابة حاجة أساسية ( إنسانية ، طبيعة سيكولوجية ) في البناء النفسي ، باعتباره خاصية نفسية اجتماعية .
    · الانتماء متعدد الأنماط، اتساعاً وضيقاً، تباعداً وتكاملاً، وللتنشئة الاجتماعية دور إما في إضعاف الانتماء أو تقويته، إذ عن طريقها يتشبع الفرد بالقيم المعززة للانتماء ومفردات الثقافة كاللغة والفكر والفن.
    · يتأثر الانتماء بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة، ولذلك فإن أنماط السلوك التي يصعب تفسيرها أو تبريرها أحياناً ما تكون نتيجة لفشل الفرد في الشعور بالانتماء وإحساسه بالعزلة عن الجماعة.
    · إذا أنكر المجتمع على الفرد إشباع حاجاته ، فإنه- الفرد- قد يتخذ موقفاً سلبياً إن لم يكن أحياناً عدائياً للمجتمع ،إذ قد يلجأ إلى مصادر بديلة ، يوجه إليها اهتمامه وانتماءه ، وقد تكون مصادر غير مرغوب فيها أحياناً ، ولها عواقبها السيئة على كل من الفرد والمجتمع .
    · لا انتماء بلا حب ولذا فالحب جوهر الانتماء.
    · يشير ضعف الانتماء إلى الاغتراب وما يصاحبه من مظاهر السلبية واللامبالاة نحو المجتمع، وغالباً كلما زاد عطاء المجتمع لإشباع حاجات الفرد، كلما زاد انتماء الفرد إليه، والعكس صحيح إلى حد ما.
    · الانتماء يؤدي إلى نمو ألذات وتحقيقها ، وكذا تحقيق تميز الفرد وفرديته ، وتماسك المجتمع .
    · الانتماء يدعم الهوية باعتبارها الإدراك الداخلي الذاتي للفرد، محددة بعوامل خارجية يدعمها المجتمع، والانتماء هو الشعور بهذه العوامل، ويترجم من خلال أفعال وسلوكيات تتسم بالولاء لجماعة الانتماء أو المجتمع.
    · الولاء متضمن في الانتماء والانتماء أساس الوطنية .
    · للانتماء أبعاد حددها البعض بثمانية هي:( الأمان – التوحد – التقدير الاجتماعي – الرضا عن الجماعة – تحقيق ألذات – المشاركة – القيادة – الإطار المرجعي) وبينها جميعاً قدر من الانسجام ويمكن من خلالها دراسة دوافع الانتماء .
    · الانتماء باعتباره قيمة جوهرية متعدد المستويات بتعدد أبعاد القيمة ( وعي ، وجدان ، سلوك ) ، فهو (مادي) لحظة عضوية الفرد في الجماعة ، و(معلن) لحظة تعبير الفرد عنه لفظياً مؤكداً مشاعره تجاه جماعة الانتماء ، و(سلوكي) عندما يتخذ الفرد مواقف سلوكية حيال جماعة الانتماء ، وقد تكون هذه المواقف إيجابية تعبر عن قوة الانتماء ، أو سلبية تعبر عن ضعف الانتماء .
    وانطلاقاً من أهمية هذا المفهوم في حياة البشر ، والذي أعطاه العلماء والباحثون جل اهتمامهم ، كان من الضروري إعداد وسائل تقيس السلوك والمشاعر المرتبطة بمظاهر الانتماء قوة أو ضعفاً ، مستندا في ذلك إلى نظريات علمية ، ومن ذلك على سبيل المثال محاولة (ريتشارد . م .لي )و (ستيفن . ب . روبنز)- التي استندت إلى نظرية علم نفس ألذات للعالم (هل) 1984 م - في تطوير مقياس الانتماء من خلال مقياس الترابط الاجتماعي ومقياس التأمين الاجتماعي وجاءت أبعاد الأول ( الترابط – التواد – العشرة ) ، وأبعاد الثاني ( التواد- العشرة ) ، بما تتضمن هذه الأبعاد من قيم إيجابية .
    وكذلك حاولت إحدى الدراسات العربية تصميم مقياس للانتماء واستندت في تصميمه إلى سبعة عشر عنصراً – تمحورت في أربعة محاور ( المشاركة – المسؤولية – تقبل أهداف ومعايير المجتمع ، الفخر والاعتزاز بالمجتمع ) – وطبقته ميدانيا على سكان أحد الأحياء في القاهرة .

    ج- التعريفً النظريً للانتماء للوطن
    هو اتجاه إيجابي مدعم بالحب يستشعره الفرد تجاه وطنه ، مؤكداً وجود ارتباط وانتساب نحو هذا الوطن – باعتباره عضواً فيه – ويشعر نحوه بالفخر والولاء ، ويعتز بهويته وتوحده معه ، ويكون منشغلاً ومهموماً بقضاياه ، وعلى وعي وإدراك بمشكلاته ، وملتزماً بالمعايير والقوانين والقيم الموجبة التي تعلي من شأنه وتنهض به ، محافظاً على مصالحه وثرواته ، مراعياً الصالح العام ، ومشجعاً ومساهما في الأعمال الجماعية ومتفاعلاً مع الأغلبية ، ولا يتخلى عنه حتى وإن اشتدت به الأزمات .
    د- تصنيف الانتماء
    وحسب هذا المفهوم تتعدد محاولات تصنيف الانتماء التي أفرزتها كتابات الباحثين والمتخصصين على النحو التالي :
    1) تصنيف حسب الموضوع ( الانتماء للإسلام – الأسرة – الوطن) والمستويين الآخرين متفرعين عن الأول.
    2) تصنيف نوعي ( مادي يعتبر الفرد عضو في الجماعة، ظاهري يعبر عن مشاعره لفظياً، إيثاري يعبر عن الموقف الفعلي).
    3) تصنيف حسب طبيعته ( إما قبل عضوية الفرد في الجماعة - أو بعد عضويته فيها )
    4) تصنيف في ضوء السوية ( سوي يتفق مع معايير الجماعة - وغير سوي يتخذ مواقف عدوانية منها ) .
    5) تصنيف كيفي ( شكلي بحكم العضوية تحت تأثير الجنسية واللغة، وموضوعي حقيقي يدرك الفرد فيه حقائق الواقع ويكون فيه مشاركاً، زائف حيث الرؤية غير الحقيقية للواقع).

    ه- أنماط أللانتماء
    1)
    انتماء حقيقي:
    يكون فيه لدى الفرد وعي حقيقي لأبعاد الموقف ، والظروف المحيطة بوطنه داخلياً وخارجياً ، ويكون مدركاً لمشكلات وقضايا وطنه ، وقادراً على معرفة أسبابها الحقيقية وطبيعة هذه المشكلات ، وموقفه منها ، والاكتراث بآرائها ونتائجها ، ويكون المنتمي هنا مع الأغلبية ويعمل لصالحها ، ويؤمن بأن مصلحة الأغلبية والعمل من أجل الصالح العام وسلامة المجتمع ونموه وتطوره ، هو الهدف الذي يجب أن يسمو على الفردية والأنانية .

    2) انتماء زائف:
    هو ذاك الانتماء المبني على وعي زائف ، بفعل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي قد تشوه حقيقة الواقع في عقول المواطنين ، وبالتالي قد تصبح رؤيتهم للأمور والمواقف غير حقيقية وغير معبرة عن الواقع الفعلي، ومن ثم يصبح الوعي والإدراك لهذا الواقع وعياً مشوهاً وبالتالي ينبثق عنه انتماء زائف ضعيف .

    3) انتماء لفئة بعينها:
    وهنا يعمل الفرد على مصالح الفئة التي ينتمي إليها دون سواها من الفئات داخل المجتمع الواحد ، وبالرغم من أن وعيه بها وعي حقيقي وانتماءه لها انتماء حقيقي ، إلا أنه قياساً على انتمائه للمجتمع ككل فهو وعي غير حقيقي وانتماء غير حقيقي ، لأنه يعمل وينتمي لجزء من الكل فقط ، فلا يعي ولا يدرك ولا يعمل إلا لصالح هذا الجزء ، ويترتب على ذلك آثار وخيمة من تفتيت لبنية المجتمع وربما كان سببا لوجود الصراع بين فئاته ، ويزداد حدةً كلما ازدادت الهوة بين هذه الفئات والمحصلة النهائية تدهور المجتمع وتفككه ، إذ ستعمل كل فئة في الغالب الأعم لصالحها هي فقط ، ولو على حساب غيرها من الفئات .
    إن التأصيل النظري لمفهوم المواطنة والانتماء يبين أن المواطنة هي الدائرة الأوسع التي تستوعب مختلف الانتماءات في المجتمع كما أنها تضع من المعايير التي تلزم الأفراد بواجبات والتزامات معينة تحقق الاندماج والتشاركية في تحقيق مصالح الأفراد والوطن من ناحية ، ومن ناحية أخرى تتسم المواطنة وسبل تكريسها بالمسؤولية العامة والأهداف الوطنية التي يمكن تحقيقها من خلال أطر رسمية وبنية وعي مخطط لها ويتم الإشراف عليها وتقييمها من قبل أجهزة الدولة والمحاسبة على الإخلال بمبادئها من خلال مؤسسات الدولة كل حسب تخصصها وطبيعة عملها ، في حين أن الانتماء يلعب الدور الأساس في تشكيله العديد من القوى الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية التي قد لا يمكن السيطرة عليها ، إذ يتم ذلك في الأسر والقبائل والعشائر ، و من خلال الدوائر الفكرية والدينية الأخرى التي ربما تفضي في بعض الأحيان إلى ممارسات مناوئة لمبدأ المواطنة ذاته .
    ومن ثم تعد المواطنة هي البوتقة التي تضمن انصهار جميع الانتماءات لصالح الوطن ضمن أطر نظامية ومن خلال الالتقاء على أرضية المصلحة الوطنية العامة، ويتم ذلك بناء على معطيات الفكر العالمي اليوم والتي يروج لها في ساحاتنا الفكرية ومنتدياتنا الثقافية من خلال الأبعاد التالية :
    1) الهوية.
    2) الانتماء.
    3) التعددية وقبول الآخر.
    4) الحرية والمشاركة السياسية.
    فما هو موقف الشباب المغربي محل هذه الدراسة الاستكشافية من الأبعاد الأساسية الأربع لمفهوم المواطنة في ظل المتغيرات العالمية التي نمر بها، وما هي أهم هذه المتغيرات المصاحبة للانفتاح الثقافي المعاصر، وما هي أهم الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة ?.

    II- الحقــوق
    هناك نوعان من الحقوق في النظام الدستوري على اختلاف توجهاته ومنطلقا ته هما:
    حقوق الإنسان، وحقوق المواطن. وتمثل الأولى مجموعة الحريات التي يجب أن تتوفر لكل فرد من أفراد الجماعة الاجتماعية دون أن يترتب على ممارسته لها ارتكاب عمل يخالف القانون، ومن تلك الحريات حرية التعبير عن الرأي، وحرية الاعتقاد ، وحرية الانتقال، إضافة إلى حق الملكية (في النظم اللبرالية) وحرمة مكان الإقامة، وتوفير الأمان للحياة الشخصية. هذه الحزمة من الحقوق يتمتع بها كل من يسكن البلد المعني وفق نظام الإقامة الذي يوفره القانون، ولا تقتصر مظلتها على المواطنين وحدهم، وهو ما يطلق عليه "الحقوق المدنية".
    النوع الثاني من الحقوق فيقتصر على كل من يتمتع بالمواطنة وهو أوسع مدى إذ يكفل لصاحبه حق المشاركة السياسية باختيار أعضاء المجالس النيابية، وحق الترشيح لتلك المجالس، وإبداء الرأي في كل أمر من الأمور السياسية والانتماء إليها، وممارسة الاحتجاج السياسي بمختلف مظاهره ووسائله، وهذه الحزمة من الحقوق هي ما يعبر عنه "بالحقوق السياسية" وتمثل جوهر "المواطنة".
    ولا توجد تلك الحقوق في النظم السياسية غير الدستورية حيث تولى الحكم أرستقراطية تمارس السلطة الأبوية أو تستمد شرعيتها بالوكالة من سلطة سيادة أجنبية ولا تنظر إلى الشعب المكون لنسيج الجماعة الاجتماعية سوى النظرة إلى الرعية التي يقع على كاهلها إعالة حكامها، وتدين لهم بالسمع والطاعة، عندئذ لا يحصل هؤلاء على أي نوع من الحقوق إلا مما تمنحهم إياه الطبقة الحاكمة. كما لا تعدم السلطة الدكتاتورية- في النظم الدستورية اسما- لا تعدم السبيل إفراغ النصوص الدستورية المتعلقة بالحقوق السياسية من مضمونها وبذلك يتم تقييد حقوق المواطنة، وحرمان المواطنين من المشاركة السياسية.
    ولما كانت الحركة الدستورية في بلد ما تأتي نتاج قيام القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في وضع حد للسلطة المطلقة بتحريك الجماهير لانتزاع الحقوق السياسية للأمة من خلال الدستور.
    إن مفهوم المواطنة يتضمن حقوقاً يتمتع بها جميع المواطنين المغاربةوهي في نفس الوقت واجبات على الدولة والمجتمع منها:
    - جميع المغاربة سواء أمام القانون.
    - الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.
    - الرجل والمرآة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية.
    - حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة.
    - حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع.
    - حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم. ولا يمكن أن يوضع حد لممارسة هذه الحريات إلا بمقتضى القانون.
    - لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
    - المنـزل لا تنتهك حرمته ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
    - لا تنتهك سرية المراسلات.
    - يمكن جميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها.
    - التربية والشغل حق للمواطنين على السواء.
    - حق الإضراب مضمون.
    - حق الملكية وحرية المبادرة الخاصة مضمونان.
    هذه الحقوق يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين بدون استثناء سواء أكانوا مسلمين أم أهل كتاب أم غيرهم في حدود التعاليم الإسلامية فمثلاً حفظ الدين يجب عدم إكراه المواطنين من غير المسلمين على الإسلام قال تعالى : ¼لا إكراه في الدين» (البقرة : 256)، وكذلك الحرية فهي مكفولة لكل مواطن بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه، بشرط ألا تتعدى إلى حريات الآخرين أو الإساءة إلى الدين الإسلامي.

    III- الواجبـات:
    تختلف الدول عن بعضها البعض في الواجبات المترتبة على المواطن باختلاف الفلسفة التي تقوم عليها الدولة، فبعض الدول ترى أن المشاركة السياسية في الانتخابات واجب وطني، والبعض الآخر لا يرى المشاركة السياسية كواجب وطني.
    ويمكن إيراد بعض واجبات المواطن في المملكة المغربية التي منها :
    - على المواطنين جميعهم أن يساهموا في الدفاع عن الوطن.
    - على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده الصلاحية لإحداثها وتوزيعها حسب الإجراءات المنصوص عليها في الدستور.
    - على الجميع أن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد.
    هذه الواجبات يجب أن يقوم بها كل مواطن حسب قدرته وإمكانياته وعليه الالتزام بها وتأديتها على أكمل وجه وبإخلاص.

    VI - المشاركة المجتمعية
    إن من أبرز سمات المواطنة أن يكون المواطن مشاركاً في الأعمال المجتمعية، والتي من أبرزها الأعمال التطوعية فكل إسهام يخدم الوطن ويترتب عليه مصالح دينية أو دنيوية كالتصدي للشبهات وتقوية أواصر المجتمع، وتقديم النصيحة للمواطنين وللمسئولين يجسد المعنى الحقيقي للمواطنة.

    V - القيم العامـة
    وتعني أن يتخلق المواطن بالأخلاق الإسلامية والوطنية والتي منها:
    · الأمانة: ومن معاني الأمانة عدم استغلال الوظيفة أو المنصب لأي غرض شخصي.
    · الإخلاص: ويشمل الإخلاص لله في جميع الأعمال، والإخلاص في العمل الدنيوي وإتقانه، والإخلاص في حماية الوطن.
    · الصدق: فالصدق يتطلب عدم الغش أو الخداع أو التزوير، فبالصدق يكون المواطن عضواً نافعاً لوطنه.
    · الصبر: يعد من أهم العوامل التي تساعد على ترابط المجتمع واتحاده.
    · التعاضد والتنا صح: بهذه القيمة تجعل المجتمع مترابطاً، وتتألف القلوب وتزداد الرحمة فيما بينهم.
     
  3. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    المواطنة في التشريع الإسلامي
    الإسلام لا يحكم على أساس قومي ولا عرفي فالناس عنده سواء. هذا إذا كانت الدولة الإسلامية تتحرك بمنطق الإسلام، وبمفهوم الإسلام وبقيم الإسلام، وبأحكام الإسلام، فلو كان فيها اختلاف قومي وعرقي أو لوني أو لغوي وجب على هذه الدولة أن تساوي بين الجميع في كل الحقوق كما تساوي في كل الواجبات فان الدولة الإسلامية تعترف بهذه الأقليات العرقية بثقافتها التي لا تتنافى مع الثقافة الإسلامية.
    كما أن الإسلام يعترف بالثقافة القومية أي إذا كانت هناك أكثرية عربية في دولة ما كالعراق أو أكثرية فارسية مثلاً كما إيران فلو طلب الأكراد أن يكون هناك برنامج لثقافتهم ولغتهم لتبقى لهم ثقافتهم، فعلى الدولة أن تكفل لهم ذلك.
    ولو فرضنا أنهم طلبوا بعض الحقوق التي تتصل بوجودهم بصفتهم شعباً معيناً له خصائصه دون أن تتنافى مع المصالح العليا للشعب، لا مع كيان الدولة ووحدتها فعلى الأمة الإسلامية أن تكفل لهم ذلك.
    أما بالنسبة للأقليات الدينية فالإسلام اعترف بالأديان الأخرى (كل من امن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) البقرة/285.
    إن الإنسان المسلم يعترف بالتوراة والإنجيل والقرآن كما يعترف بكل الكتب الأخرى كزبور داوود وصحف إبراهيم وما إلى ذلك، فعندما يعترف الإسلام بالديانات فانه يحتضنها وان اختلف معها.
    عندما ندرس وضع المسيحيين في العالم الإسلامي ووضع اليهود في العالم الإسلامي، فإننا نجد أن الإسلام لم يلغ اليهود بل استمروا حتى الآن وعاشوا مع المسلمين أكثر مما عاشوا مع الغربيين بعكس ما هو الحال في الغرب، حيث كان يمنع دخول الكلاب واليهود إلى أماكن معينة.
    هكذا نجد المسيحيين موجودين في العالم العربي وان حدثت مشاكل بين المسلمين والمسيحيين فهي كالمشاكل التي تحدث بين المسلمين أنفسهم كأي مجتمع متنوع يعيش مشاكل يومية وغير يومية.
    اماالعلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب فهي قائمة على عنوانين :
    عنوان(الذمة) الذي يجعل الأقلية الدينية في ذمة الأكثرية الإسلامية الممثلة بالدولة بمعنى حمايتها لهم والدفاع عنها والعدل فيهم ومنحهم الحريات العامة والحقوق الإنسانية بما يتناسب مع النظام العام وعدم فرض المشاركة في الحروب الإسلامية مع الآخرين ولاسيما إذا كانوا من أتباع دينهم إلا إذا اختاروا المشاركة في التوافق مع الدولة.
    والثاني: عنوان المعاهدة التي تنظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم فهي أساس الدراسة المشتركة لكل القضايا الحيوية المتصلة بالخط الفكري والعملي مما يقبله هذا أو ذاك ويرفضه في خط التعايش القائم على الاحترام المتبادل في نطاق الوضع العام وانطلقت التجربتان في الواقع الإسلامي التاريخي وعرضت كل واحد منها لنكسات واقعية وتعقيدات تطبيقية ولكنهما بقيتا في بعدهما الفكري الإنساني تشيران إلى ضرورة الوقوف على الكلمة السواء بينهم.
    ويقدم الإسلام الإنسان بوصفه كائناً مكرماً ومحترماً، ويعتبره خليفة الله في الأرض، ويشير بان خالق العالم قد جعل الكون كله تحت تصرفه، ومنَّ عليه بمواهب وقوى واستعدادات كي يصيب حظه من الاستمتاع بما في الوجود من مواهب ونعم وألاء، ويكون بالمستوى المطلوب في التصرف بها واستثمارها ويكشف رموزها وأسرارها
    وجاءت هذه الحقيقة في القرآن الكريم مسجلة في قوله تعالى( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني اعلم ما لا تعلمون) البقرة/3.
    وجاء في مكان آخر من القرآن قوله جل من قائل (( ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا))/ الإسراء/70.
    ولوحظ ثناؤه على الإنسان في قوله عز شأنه ((وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) الجاثية/ 13.
    ويرى الإسلام أن جميع الناس متساوون في هذه الكرامة والشرف الذاتي، ويعتبر كل إنسان يجسد معنى الإنسانية قميناً بهذه الكرامة العظيمة، ويلغي الاختلافات الاعتيادية والعنصرية، وقد أعلن النبي الأكرم (ص) في احد خطاباته التاريخية بصراحة قائلاً " كلكم لآدم وادم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".
    وكان رسول الله ذات يوم جالساً مع جمع من أصحابه فمرت جنازة فقام لها احتراماً فغمز احد أصحابه قائلاً: انه يهودي فقال: أليست نفساً؟ .
    وفي ضوء هذا الاحترام والكرامة الذاتية اعتبر الإسلام جميع الناس امة واحدة، وأمة تستوعب المجموعات الإنسانية برمتها وأعلن القران هذه الوحدة الأصيلة بصراحة، واعتبر ألوان التفرقة والاختلافات عرضية ومنبعثة عن إتباع الأهواء، وصرح أن السر من بعثة الأنبياء يكمن في علاجات هذه الخلافات وقيادة الركب البشري قال تعالى(( وما كان الناس إلا امة واحدة فاختلفوا))يونس/19.
    وقال عز من قائل:(( كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم)) البقرة/ 213.
    إن القران لا ينظر إلى اختلاف اللغات والألوان كعقبة في طريق الوحدة الإنسانية، بل يرى أن هذا الاختلاف من السنن الكونية ومن مظاهر القدرة الإلهية قال تعالى(( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم)) الروم/22.
    ويتطرق القرآن أيضا إلى الاختلافات القبلية والعنصرية بوصفها باعثاً على ترسيخ الوحدة والعلاقات الاجتماعية والتعاون بين اعضاءالمجتمع البشري قال جل شأنه(( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)) الحجرات/13.
    ويسوغ القرآن حتى فلسفة الاختلاف في المستوى المعيشي للشرائح الاجتماعية لئلا يساء استغلاله كما حث على التمييز والاستعلاء وقال تبارك اسمه((نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون)) الزخرف/32.
    من جهة أخرى فأن القرآن لا ينظر إلى الفارق الجنسي بوصفه باعثاً على الاختلافات في الأبعاد الإنسانية، وكان يوبخ الذين يتبرمون من ولادة الأنثى، قال تقدس ذكره((وإذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)) الزخرف/17.
    وفي مجال آخر، عندما يروم القران تقويم المثل المادية والظواهر الدنيوية في مقابل الحياة الإنسانية الشريفة الخالدة، فانه يعلن هذه الحقيقة مرة أخرى فيقول((ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون))الزخرف/33.
    ولا يسمح القران أبدا أن يشكل التفاوت في المواهب البشرية أو المواقع الاجتماعية المتنوعة، أو بقية الفوارق الطبيعية، حاجزاً ومانعاً في المجتمع الإسلامي، فينقسم المجتمع إلى شرائح مختلفة في ضوء هذه الفوارق، وعند ذلك تتولد التكثلات والتجمعات، -فتصبح سبباً في التمايز، وقد تؤدي إلى الظلم والإجحاف، قال تعالى((إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)) الأنعام/159.
    تمثل هذه التعاليم والنداءات في الحقيقة تنشيط معنوياً في توطيد الوشائج والأواصر لمجتمع امن بأصل هذه التعاليم والنداءات وأنشد إليها من أعماقه ويمكن أن تشكل إنذارا لتوعية الأمة وإيقاظها أمام كل لون من ألوان الغزو والتفريق الذي تمارسه القوى الشيطانية المعادية للبشرية ووحدتها وفي الوقت نفسه، هي صمام أمان في مواصلة الطريق ومقاومة ضرب من ضروب الانصهار والذوبان.
    هناك عدد من العناصر المهمة التي تمثل وجهة نظر الإسلام تمثل المواطنة في الدولة الإسلامية وهي :
    1- عنصر الفكر والعقيدة
    من الجدير بالذكر أن الأسس الفكرية والعقائدية هي من انجح الدعائم وأهمها في إنشاء النظم وكيفية تطبيق متطلباتها من اجل إيجاد الحياة الاجتماعية والمحافظة على بنائها. ولما كان لابد لهذه النظم من أن تكون منسجمة ومتطابقة تماما مع الحقائق والأسرار التي تخص خلق الإنسان والعالم، فانه يبقى في قياس القيمة الحقيقية لهذه النظم الاجتماعية أن تأخذ بنظر الاعتبار حجم الأسس الفكرية والعقائدية ويمكن عن هذا الطريق تحديد الصواب والخطاب، والضرورة، وعدم الضرورة، ومدى الحاجة إلى تلك لنظم. وعندما ننظر إلى الإنسان، كما ينظر إليه عدد من علماء الاجتماع، فنفرضه كائناً مجرداً من الدافع الذاتي( كونه اجتماعياً) فطرياً، ونعتبر حياته الاجتماعية حالة عرضية وتعاقدية، فلا بد لنا من الإذعان لهذه الحقيقة مرة أخرى وهي أن مبدأ (الفكر والعقيدة) يؤدي دوراً مهماً في هذا العقد وما لم تكن هناك أسس فكرية وعقائدية، فان تحقق مثل هذا لعقد واستمرار يته أمر متعذر وخلاصة القول( إن العقيدة أساس الحياة الاجتماعية) .
    وهناك مبدأ آخر لان المبدأ المذكور لا يكفي وحده لإثبات الهدف الأساس المواطنة على أساس العقيدة وهذا المبدأ الآخر هو المبدأ القائل بان( العقيدة ضامنة لوحدة حياة المجتمع)
    إن مبدأ التعاون الذي يعد من المبادىء الضرورية للمجتمع وبقائه، ولا تزدهر الحياة الاجتماعية ولا تنسجم بد ونه، لا يتحقق في مجال وحدة العقيدة.
    والناس الذين يحملون عقائد مختلفة وآراء وميول متضاربة ورغبات متعارضة لا يبدون أي استعداد للتعاون فيما بينهم، ولا تتضافر جهودهم أبدا من اجل سد الحاجات القائمة وعلاج المشاكل المعيشية كما يليق بمجتمع موحد.
    2- عنصر الإيمان
    يعد الإيمان في الإسلام مميزاً للشعب وعنصراً حقيقياً يدخل في تكوينه وتتألف الأمة الإسلامية من أفراد وجماهير تؤمن بالإسلام وعقائده وقوانينه، وفي ضوء ذلك يستعمل الإسلام اصطلاح الأمة بديلا عن اصطلاح الشعب ويعتبر الأمة المؤمنة بالإسلام امة واحدة.
    ويعلن القران هذه الحقيقة قائلاً ((إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) الأنبياء/92.
    إن القانون الإسلامي لا يعبأ بالتفرقة على أساس العنصر والدم والأرض ويرى أن المسلمين كافة متساوون أمام القانون كأسنان المشط.
    وقد صرح النبي الأكرم (ص) بهذه الحقيقة الإسلامية مؤكداً عليها في خطبته التاريخية التي ألقاها في (حجة الوداع) قال فيها:
    ((يا أيها الناس، إن ربكم واحد وان أباكم واحد. كلكم لآدم وادم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم ليس لعربي على أعجمي ولأعجمي على عربي ولا لأحمر على ابيض ولا لأبيض على احمر فضل إلا بالتقوى ألا بلغت، اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب)) .
    إن الوحدة في العناصر المادية مهما كانت قوية ومهما اتفقت إلى تضامن أكثر لاتسطيع أن تشكل دعامة الحياة مشتركة وأهداف ومصالح مشتركة إذ أن التضارب بالمطالب، والتباين في الأفكار، والاختلاف في الرغبات وأخيرا الاختلاف في تحديد المصالح وتعيين الأهداف في الحياة، كل ذلك عقد سيفصم عقد المجتمع ويقوض أساس الوحدة الاجتماعية والتنسيق الاجتماعي.
    بينما لو اتسم مجتمع مؤلف من أفراد مختلفين من حيث العنصر والأرض والدم بوحدة الفكر والعقيدة والهدف، سيكون قادراً على تنظيم برنامج واحد على أساس المصالح المشتركة وتطبيق ذلك البرنامج بتنسيق خاص، وتتضافر جهود أبنائه للمحافظة عليها .
    وفي ضوء ما تقدم نخلص إلى أن وحدة الفكر والعقيدة كما تضمن الوحدة الاجتماعية فهي تضمن وحدة القومية أيضا وتمثل مؤشراً لها وينبغي تحديد الفوارق بين الشعوب والمجتمعات وتعيين حدود القومية في اختلاف العقيدة أو وحدتها.
    إن العلاقة المعنوية والمتماسكة للمواطنة في الإسلام تتألف بشكل أروع وأكثر إنسانية ذلك أنها تتخذ طابعاً اخوياً، وفي صور الإسلام الكامل بان المسلم اخو المسلم فان وحدة الإيمان استبدلت بوحدة أخرى أهم منها وهي ما تعبر عنها بوحدة الدم ومن هذا المنطلق يبقى القول إن المجتمع الإسلامي مجتمع اخوي وهذا أسمى من مظاهر الحياة الاجتماعية الإنسانية التي تليق بمقام الإنسان الرفيع.
    ناقش الفقهاء بشكل ضمني نوعاً من التحزب السياسي في قالب مسألة قانونية من خلال طرح أنواع العقود والاتفاقيات المشروعة مع الشعوب والجماعات المختلفة لان كل واحد من هذه العقود عنوان خاص في الفقه كما نجد الصلح، والمهادنة والمحايدة والذمة والاستئمان والموادعة، مفردات معدة للتعبير عن جماعة خاصة وهكذا فان الشعوب التي تشكل طرفاً في هذه العقود وتنقسم من الناحية العقائدية والسياسية إلى أقسام متنوعة.
    إن أهم تقسيم فقهي يخص الشعب هو:
    1- شعب تسوده علاقة الأخوة الإسلامية ويعيش في سلم تام وكل أفراده يعتنقون الإسلام والتمييز بينه ليس قانونياً.
    -2أصحاب الأديان السماوية وهم اليهود والنصارى والمجوس ويسمى القران هؤلا ء أهل الكتاب وعندما يكون لهم عقد ذمة مع المسلمين فإنهم يسمون أهل الذمة أو أهل الجزية.
    3- الكفار الذين ليس لهم أعمال عدائية ضد الإسلام والمسلمين وتركوا عقد معاهدة مع المسلمين فيسمى هؤلاء : أهل الحياد.
    4- جماعة تنهي تعاملها ألعدائي من خلال الهدنة مع المسلمين بيد أنها ترفض عقد معاهدة معهم وتسمى هذه الجماعة: أهل الاعتزال.
    5- الشعوب التي عقدت مع المسلمين معاهدة الصلح وتسمى أهل الصلح.
    6- جماعة استفادت من عقد الأمان، ويطلق عليها اسم المستأنسة وقد خصص الفقهاء باباً واسعا للبحث حول عقد الأمان وشروطه وحقوق المستأمنين.
    إن الوطن في اصطلاح الفقهاء عبارة عن الأرض التي يتخذها الإنسان سكناً له فينشاً بينها نوع من التعلق والانسداد والتخصيص مما ترتب عليه من أحكام وأثار فقهية كثيرة من الناحية الفقهية ويقسم الفقهاء الوطن إلى ثلاثة أقسام:
    1- الوطن الأصلي: الذي يولد فيه الإنسان ويعيش فيه أبواه يجد الطفل نوعا ً من العلاقة القانونية بالمحل الذي يسكنه أبواه متبعاً لهما وبعد بلوغه تشمله أثاره الفقهية ولاتاثير للملكية في الأرض على الآثار القانونية لهذا الوطن.
    2- الوطن العرفي: أو المستجد ويعني المحل الجديد الذي يختاره الإنسان لسكنه خارج وطنه الأصلي ويكفي قصد السكن الدائم فيه ليصدق عليه عنوان الوطن العرفي وليس ثمة ضرورة لعلاقة الملكية في هذا الوطن المستجد ومتى عاش هذا الإنسان مدة في الوطن الجديد بحيث يعتبر وطنه في عرف الناس، فستترتب عليه الآثار القانونية والفقهية للوطن
    إن هذه المدة الضرورية للصدق العرفي للوطن تتباين تبعاً للأشخاص أنفسهم فتتغير مع الظروف المعيشية والعمل والبيئة ولعل الإقامة شهراً واحداً يصدق عليها اسم الوطن عرفاً بالنسبة إلى البعض وربما يكفي اقل من شهر أيضا بالنسبة إلى البعض الآخر
    وآيا كان الموضوع فالفقهاء يصرحون بأنه لا ضرورة لإقامة ستة اشهر بيد أن قصد السكن الدائم يحقق عنوان الوطن العرفي علماً أن بعض الفقهاء لم يشترط وجود ذلك القصد أيضا، لكن اشترط عدم وجود مدة معينة لقصد الإقامة، وكثير من الفقهاء لم يشترط القصد أيضا بل اعتبروا الوطن صادقاً من خلال طول الإقامة، وهكذا يمكن أن يكون للشخص الواحد أكثر من وطن.
    3- الوطن الشرعي: وهو المعبر عنه في بعض الروايات بالاستيطان، ينقل ابن بزيع احد أصحاب الإمام موسى الكاظم (ع) قائلاً : فقلت ما الاستيطان؟فقال: أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة اشهر فإذا كان ذلك يتم فيها متى دخلها.
    يشترط الفقهاء في صدق الوطن الشرعي شرطين جوهريين هما :
    الأول: الإقامة ستة اشهر كحد أدنى.
    الثاني: التملك.
    بيد أن كثير من الفقهاء لا يرون الوطن الشرعي مقيداً ويعدونه فاقداً للأثر الفقهي والقانوني.
    وأما الأقليات الدينية فإنها تستطيع بعد عقد الذمة وانتساب المواطنة في ضوئه أن تعيش كسائر المسلمين في أي بقعة من بقاع الوطن الإسلامي تراها مناسبة لها وتتخذها سكناً دائما أو مؤقتاً وكذلك تستطيع أن تغادر الوطن الإسلامي وتخرج من حدوده. بيد أن عقد الذمة في هذه الحالة يفقد أثره تلقائياً وتلغي الآثار المترتبة على المواطنة المكتسبة على أساس عقد الذمة.
    ويمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية:
    1- لا ضرورة من امتلاك أهل الكتاب والذمة سكناً دائما بالمعنى المتقدم وان تعيين السكن تابع لرغبة الأقليات الدينية واختيارها الشخصي ولا قسر ولا إلزام في هذا المجال إلا في الحالات الاستثنائية التي يتطلب فيها عقد الذمة أو مصالح الطرفين تحديد سكن معين لهم
    2- يمكن أن تتعدد مساكن أهل الذمة.
    3- أن سكن أهل الذمة ليس دائما فهم يستطيعون تغيير مساكنهم باختيارهم أنى شاءوا .
    ولكي نعطي هذا البحث إطاره القانوني ولغته القانونية الدقيقة فإننا نعرف المواطنة على ضوئه بأنها العضوية في الأمة ذات الاستقلال السياسي- أي ذات الوطن.
    فالأفراد داخل حدود الوطن ينقسمون إلى مواطنين وأجانب.
    المواطنون هم الذين يعتبرون أعضاء في تلك الأمة والأجانب هم الذين يحملون صفة العضوية.
    كما أن المواطنة ليست قراراً يتخذ، فقد وضعت الدولة الحديثة شروطاً وضوابط للفرد المواطن للتمييز بينه وبين الأجنبي، واصطلاح المواطنة بالمفهوم الحديث له غير موجود في القاموس الإسلامي ومن هنا فقد يبدو الحديث في المواطنة في الإسلام أمرا غريباً إلا أن المواطنة بمعنى العضوية في الأمة موجود في الفكر السياسي الإسلامي وان لم يكن هذا الاصطلاح مستعملاً وعلى ذلك كان الحديث على المواطنة في الإسلام ليس تحميلاً على المفاهيم الإسلامية وليس فرضاً عليها.
    والحديث عن واجبات المواطن وحقوقه هو حديث عن واجبات الفرد تجاه الدولة ومسؤولية الدولة اتجاهه.
    ولتأخذ هنا فكرة عامة عن واجبات وحقوق المواطن في الدول الحديثة ثم نقارن بينها وبين ما يمثلها في الإسلام.
    يكتب( اوستن رني) عن هذا الموضوع قائلاً:- الواجب الأساس في المواطنة في الدول الحديثة هو الإخلاص والولاء للأمة فالمنتظر من كل مواطن أن يضع مصالح أمنه وسيادتها فوق مصالح أي امة أخرى وسيادتها.
    وان من أهم واجبات المواطن التي تنبعث من هذا الواجب الأساس تتمثل في عدة أمور منها :
    إطاعة قوانين الأمة، ودفع الضرائب، والخدمة في القوات المسلحة عندما يدعى ذلك ثم يتحدث عن امتيازات المواطن وحقوقه فيقول:-للمواطن امتيازا ن أساسيان:
    اولهما: أهلية إذا ما وصل إلى سن الرشد الذي تحدده الدولة للمساهمة في عمليات اتخاذ القرارات التي تحدد سياسة الدولة وذلك عن طريق بعض الوسائل مثل حق التصويت وحق تولي الوظائف.
    وثانيها: حقهم في أن تقوم الدولة في الداخل والخارج في حماية ملكه ونفسه.
    فإذا كانت المواطنة بمعنى العضوية في الأمة، فان المواطنة في المفهوم الإسلامي ستكون أوسع من الحدود الجغرافية للوطن الإسلامي.
    إن كل فرد مسلم يعتبر مواطناً بهذا المعنى لأنه عضو في الأمة الإسلامية له كل الحقوق والامتيازات كما عليه الواجبات والمسؤوليات.
    إن الانتماء إلى الإسلام هو أساس هذه العضوية، وكل الحدود الأخرى لا تفصل المسلمين ولا تجعلهم أمتين كما لا تجعل واحداً منهم فاقداً لعضويته في الأمة الإسلامية.
    كما أن الموقع الذي أعطى للأمة الإسلامية يشترك فيه كل أفراد الأمة بما فرضه من مسؤولية وواجبات، انه موقع الشهادة على العالمين كما جاء في قوله تعالى ((وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)) البقرة/143.
    ومعنى ذلك أن عضوية الفرد المسلم في الأمة الإسلامية التي تمثله مجموعة مسؤوليات كما تفرض له مجموعة حقوق، هذه العضوية قائمة على أساس عقيدي فقط لا أساس جغرافي أو قومي.
    أما شروط المواطنة في الدولة الإسلامية فهناك رأي يقول بوجود شرطين وهما:
    1- الإسلام.
    2- الهجرة إلى دار الإسلام أو اتخاذها وطناً له واعتماداً على قوله تعالى ((والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)) الأنفال/72.
    ولقد تحدث الأستاذ المورودي عن هذه الآية قائلاً :
    هذه الآية تبين أساسين للمواطنة: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها، فإذا كان المرء مؤمناً ولكنه ما ترك تبعية دار الكفر، أي لم يهاجر ها إلى دار الإسلام ولم يستوطنها فلا يعد من أهل دار الإسلام.
    إلا أن هناك رأيا أخر يقول إن هذه الآية الكريمة لم تتحدث عن قانون عام لتستفيد فيها شرطاً عاماً ودائما في المواطنة. إن ما تحدثت الآية الكريمة عن قضية خاصة أوجب الله تعالى فيها الهجرة على المؤمنين حسب الظروف السياسية التي كانت تحكمه في مكة والمدينة وحيث كانت الهجرة واجبة وإلزامية فقد سجل الشارع أن من يتخلف عنها برئت منه ذمة المسلمين وتنقطع الصلة بينه وبينهم.
    إن القرآن الكريم هنا لم يسجل قانوناً مطرداً، وإنما قانوناً في حالة خاصة أوجب فيها الشارع الكريم الهجرة إلى بلد المسلمين وهو المدينة المنورة يومئذ ومن المعلوم أن هذا الحكم ليس عاماً، فلا احد يستطيع القول اليوم مثلاً أن على كل المسلمين في العالم الهجرة إلى دار الإسلام واتخاذها وطناً لهم ودليل أخر على ما نقول أن الآية الكريمة لا تفيد مجرد توقف المواطنة على الهجرة وسكنى دار الإسلام، إنما تفيد قطع كل الروابط مع الذين لا يهاجرون، حتى روابط الولاء والمودة، وبالتأكيد فان هذا الحكم لا يقبله احد كقانون عام يحكم المسلمين في كل زمان ومكان، ومهما كانت الظروف فهل مقبول أن المسلم الذي لا يهاجر إلى دار الإسلام في زماننا مثلاً، أو حتى أيام الدولة الإسلامية ماعدا العهد الأول من هجرة رسول الله (ص) إلى المدينة حيث كانت الهجرة واجبة تنقطع معه كل الروابط حتى روابط الود والولاء والتعاطف؟ .
    الحقيقة إن الآية الكريمة أفادت حكماً خاصاً في ظروف وحالات خاصة وحكمت فيها ما يلي:
    بوجوب الهجرة أولا،ً وبسقوط المواطنة عن غير المهاجرين ثانياً، وبالقطيعة التامة بينه وبين المسلمين ثالثاً.
    وهذه الأحكام الثلاثة لا يمكن الالتزام بها كقاعدة عامة ولم يدعها احد في غير زمن الهجرة في عهد رسول الله(ص) .
    ويضيف السيد صدر الدين القبانجي بقوله:- إننا من خلال دراسة النصوص والتجربة الإسلامية نستطيع أن نستنتج وجهة النظر التالية أن هناك ثلاثة شروط للمواطنة:
    الشرط الأول:- الإسلام، فغير المسلم لا يكون مواطناً بما تعنيه المواطنة من حقوق وامتيازات بل من رعاية الدولة ومن الجدير بالذكر إن من حق الدولة الإسلامية منح هؤلاء الرعايا الحقوق الكاملة للمواطن، كما هو حالياً في قانون الجمهورية الإسلامية إلا أن هذا الحق يعتبر منحة من الدولة الإسلامية وليس حقاً إلزاميا في صلب النظام الإسلامي.
    الشرط الثاني: موافقة الدولة الإسلامية، بالنسبة للمسلمين خارج حدود الدولة الإسلامية، والذين لا يعتبر البلد الإسلامي وطنا فعلاً ولا بالأصل كالمسلمين في بلاد إفريقيا مثلاً لا تعتبر الجمهورية الإسلامية-القائمة اليوم في إيران- وطناً لهم، بالنسبة لهؤلاء يشترط من اجل أن يكونوا مواطنين في الدولة الإسلامية ويتمتعون بحق المساهمة في الحكم وحق الحماية اللازمة لهم، أن تقبلهم الدولة الإسلامية وتمنحهم صفة المواطنة.
    ومعنى ذلك إن المواطنة- بالنسبة لهؤلاء المسلمين في خارج حدود الدولة الإسلامية- تعتبر منحة من الدولة تستطيع أن تقبلها وان لا تقبلها.
    فالذين هاجروا إلى الدولة الإسلامية وهم مسلمون أيضا، يوجد إمام الدولة الإسلامية خيار من احد خيارين، أن تقبلهم بصفتهم مواطنين وتمنحهم صفة المواطنة، ويكون لهم كل حقوق المواطنة وامتيازاتها وبامكانها أن لا تقبلهم ولا تمنحهم صفة المواطنة وبالتالي فليس لهم حق المساهمة ولا حق الحماية المطلقة.
    صحيح أن الدولة الإسلامية مسؤولة عن جميع المسلمين، بل جميع المظلومين في العالم، إلا أن الدولة الإسلامية تستطيع أن تتنازل عن هذه الحماية حسب ظروف ومصالح واتفاقات سياسية بالنسبة إلى غير المواطنين فقط، فهي إذن ليست حماية مطلقة لازمة بخلاف الحماية التي يستحقها المواطنون، فان الدولة الإسلامية ملزمة، ولا تستطيع التنكر لها باتفاق سياسي أو معاهدة، مهما كانت الظروف ومهما كانت القدرات. نعم إذا كانت عاجزة عن حمايتهم فان المسؤولية تسقط عنها للعجز كما تسقط كل التكاليف والالتزامات عند العجز.
    وفي ضوء هذا الشرط سوف نعرف أن المواطنة ليست حقاً لكل من يلجا إلى الدولة الإسلامية من المسلمين بل هي حق للؤلئك الذين يتمتعون بموافقة الدولة على التحاقهم بها وتجنسهم بجنسيتهم.
    ومن التاريخ الإسلامي في عهد رسول الله (ص) نملك شاهداً عن هذا الشرط في الاتفاق الذي جرى بين رسول الله(ص) وبين قريش في صلح الحديبية وقد ذكر في كتاب الصلح: انه من أتى رسول الله(ص) من قريش بغير إذن وليه رده عليه ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله(ص) لم ترده عليه. وفي الوقت الذي أمضى الرسول (ص) وختم هذا الاتفاق قدم (أبو جندل بن سهيل) هارباً من أبيه إلى رسول الله (ص) . فلما رأى سهيل (وكان هو طرف الاتفاق مع رسول الله (ص) في الصلح أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه... فقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذاقال صدقت، فجعل ينثره ويجره ليرده إلى قريش. وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني. فقال رسول الله(ص):-يا أبا جندل، احتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً... وإننا لا نغدر بهم.
    الشرط الثالث: طاعة الإمام، بالنسبة إلى المسلمين داخل حدود الدولة الإسلامية، يشترط فيهم من اجل أن تكون لهم حقوق المواطن إطاعة الإمام وعدم الخروج عليه، أما الخارجون على إمام زمانهم فإنهم أجانب عن الدولة الإسلامية لا يتمتعون بشيء من امتيازات المواطن بل تجب مطاردتهم ومحاربتهم بهذا الصدد نذكر ما كتبه أمير المؤمنين(ع) للخوارج في قوله:- كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسكبون دماً حراماً، ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا احد فان فعلتموا نبذت إليكم الحرب.
    الواجبات والامتيازات
    تجب على المواطن في الدولة الإسلامية المسؤوليات التالية:
    1- الولاء للدولة الإسلامية.
    2- الدفاع عنه.
    3- التكافل الاجتماعي.
    4- المساهمة في الدفاع عن القيم الإسلامية.
    5- الطاعة للقيادة العليا للدولة الإسلامية.
    وهذه الواجبات لا تخص المواطن وحده، وإنما تشمل كل مسلم في داخل البلد الإسلامي أو خارجه.
    ويتمتع المواطن بما يلي:
    1- حق المساهمة في الحكم بمختلف الطرق والأشكال القانونية.
    2- حرية التحرك السياسي في ضوء الضوابط التي يضعها القانون.
    3- يتمتع بحماية الدولة الإسلامية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والصحي والثقافي والأمني.
    والرعايا في الدولة الإسلامية ينقسمون إلى قسمين:
    1- رعايا غير مواطنين أو مواطنون من الدرجة الثانية-وهم غير المسلمين من أهل الكتاب.
    وهؤلاء على نوعين:
    النوع الأول: وهم الذين يصطلح عليهم إسلاميا بأهل الذمة وهو اصطلاح يقصد به أهل الكتاب الذين تعاهدوا مع الدولة الإسلامية بعد الحرب على أن يسكنوا داخل حدودها بالشروط التي يتفقون عليها.
    النوع الثاني: من الرعايا غير المواطنين هم الداخلون في أمان المسلمين دون حرب سابقة.
    إن هؤلاء الرعايا وفي كلا النوعين تحتضنهم الدولة الإسلامية وتوفر لهم كامل حقوقهم إلا أنهم لا يساهمون في حكومة الدولة الإسلامية بالمستوى الذي يساهم فيه المسلمون حيث لا يحق لهم الترشيح إلى موقع القيادة ولا رئاسة الجمهورية وان ساهموا في ما دون ذلك.
    كما أنهم لا يتمتعون بنفس الحقوق الاجتماعية والثقافية التي يتمتع بها المسلمون حيث لا يحق لهم- مثلاً التبليغ لأديانهم ونشر ثقافتهم، كما لا يحق لهم بناء معابد جديدة لهم، بل ذكر الفقهاء انه لا يسمح بان يعلو بناؤهم على أبنية المسلمين في إشارة إلى موقعهم الأدنى من موقع المسلمين.
    أما حماية الدولة الإسلامية فإنها ثابتة لهم، على السواء مع المواطنين المسلمين، طالما كانت شروط الذمة التي تعاهدوا عليها محفوظة.
    وقد ذكر فقهاء الإسلام مجموعة أحكام لأهل الذمة وهي:
    1- لا يكون أهل الذمة إلا من أهل الكتاب، أما المشركون والكفرة فلا ذمة لهم مع الإسلام، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) إن رسول الله (ص) كتب إلى أهل مكة: اسلموا والا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى النبي (ص): أن خذ منا الجزية، ودعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي (ص) إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب.
    وقد كان هذا الكتاب من رسول الله(ص) للسنة الأولى من الهجرة.
    2- دفع الجزية، قال تعالى:
    (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة/29.
    وليس للجزية قدر محدد وإنما في تحديدها للإمام ففي الحديث عن الإمام الصادق(ع) حين سئل عن الجزية قال:-ذلك إلى الإمام يأخذ من كل إنسان منهم ما يشاء على قدر ماله وما يطيق.
    3- يبقى أهل الذمة على دينهم، ويمارسون أعمالهم بحرية كاملة عدا ما يؤثر منها على البيئة الإسلامية.
    ومن هنا إنهم يمنعون عن التبشير لدينهم وتحريف عقيدة المسلمين رغم أنهم يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية وعلن كما أنهم يمنعون عن المجاهرة بالمحرمات التي تلوث البيئة الإسلامية وفي الحديث عن الإمام الصادق(ع).
    إن رسول الله (ص) قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله ورسوله(ص).
    وفي حديث آخر عنه (ص)أيضا:-إنما أعطى رسول الله(ص) الذمة وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهودوا أولادهم ولا ينصروا.
     
  4. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    المواطنة في التشريعات الحديثة والقانون الدولي
    تظهر المواطنة من جانبها المواطن باعتباره مشاركا فعالاً في المجتمع السياسي، إن المواطنة مشروطة حتى الآن بالجنسية، لذلك فان المجموعة الدولية اهتمت بقضايا الدولة المستقلة مجدداً، أي تلك التي نالت استقلالها، وتلك التي كانت موضوعاً لمسيرة حل الدولة وانفصالها، وحيث تناولت مسألة منح جنسيتها للأفراد وفيما يتعلق بالحقوق الإنسانية، إن القانون الدولي لا يعارض التفريق بين المواطنين والأجانب، ولا يعتبر انه تمييز غير مبرر، بيد أن هذا الخطر من التمييز قد اتخذ بعض التوسع مما أدى إلى اهتمام القانون الدولي بموضوع منح الدولة لجنسيتها حيث تحدد الحقوق السياسية للمواطنين وإمكانية مشاركتهم في الشؤون العامة وترتبط إذن بالتنظيم الديمقراطي للدولة، تحدد المواطنة والجنسية كلتاهما صلة قانونية، بيد أن صلابة هذه الصلة متفاوتة والجنسية تتصل بارتباط الفرد بالدولة كما أكدت محكمة العدل الدولية في القرار المتعلقة بقضيةNottebohm، كما أن وظيفة الجنسية إسناد مركز موضوع حيث تنجم عنه بالنسبة للدولة سلطات والتزامات في علاقاتها مع رعاياها ونظرائها ورعايا هذه الأخيرة.
    ويعترف القانون الدولي بسلطة الدولة لتحديد القواعد المتعلقة بجنسيتها بيد أن الحد من هذا الاختصاص قائم على قاعدة عدم حجية وسريان الجنسية غير النظامية دولياً، إن التطور الراهن للقانون الدولي يتركز بمصلحة المجموعة الدولية بشرط منح الجنسية في حدود حيث تؤدي إلى مخاطر تحد من عدد الأفراد الذين يمكنهم من ممارسة الحقوق السياسية في الدولة.
    والواقع، إن الجنسية التي تشكل العلاقة الفعالة والحقيقة بين الفرد والدولة يبدوا أنها معيبة في معظم هذه الحالات، كما أن القانون الدولي يمكنه أن يعارض مرة واحدة: قوانين الجنسية التقييدية جداً، والتي لا تعترف بالنتيجة بالعلاقة الفعالة بين بعض الأفراد ودولتهم المقيمين فيهاـ ثم القوانين الواسعة جداً التي على العكس تخفف هذه العلاقة ولا تعترف بها كخيار منح الجنسية إن النقطة المشتركة بين هذين النموذجين من القوانين أنها لا تعتبر العلاقة الفعالة والحقيقة بين الفرد والدولة معياراً لمنح المواطنة.
    إن قوانين الجنسية المعتمدة في الدول المستقلة مجدداً تحدد، من جهة الأشخاص الذين يشكلون السكان الأصليين للدولة وتطرح من جهة أخرى، الشروط التي تسمح لأشخاص آخرين بالحصول على الجنسية وبصورة غير مباشرة المواطنة.
    إن الرهانات على مسائل الجنسية والمواطنة مهمة من حيث حقوق الإنسان ولاستتباب السلم والأمن الدوليين وخاصة في بعض مناطق أوربا التي تضم مختلف الأصول القومية، لذلك فان لجنة الخبراء عن الجنسية في المجلس الأوربي كانت قد كلفت بصياغة اتفاقية عن الجنسية، هذه الاتفاقية تعترف بان يبقى ضمن اختصاص الدولة تحديد مواطنيها وهذا الاختصاص يجب أن يمارس وحقاً للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي العرفي ومبادىء القانون المعترف بها عامة في موضوع الجنسية وتفرض كمبدأ عام بان لكل شخص الحق في جنسيته، ولا يجوز تجريد احد من جنسيته تعسفاً ولا يقبل أي تمييز كما وضعت من جانب آخر بعض المبادىء المتعلقة بإسناد الجنسية وبالمصادقة على هذه الاتفاقية تتعهد الدولة بمنح الحق الكامل بالجنسية لكل طفل يكون احد والديه من رعايا الدولة والأشخاص الذين ولدوا على أرضها والا أصبحوا عديمي الجنسية، كما تتعهد الدولة بان تفتح إمكانيات التجنس للأشخاص المقيمين فيها وبصورة قانونية واعتادوا على إقليمها ولا يجوز ان تزيد مدة الاقامة المطلوبة على عشر سنوات.
    المواطنون المنتمون للاقليات:
    ادرجت مسألة حماية الاقليات مجدداً على جدول اعمال المنظمات الدولية العالمية والاقليمية فقد دفعت احداث يوغسلافيا السابقة انهيار الكتلة السوفيتية مسألة الاقليات الى المستوى الاول للضمير العالمي.
    ان مصلحة المجموعة الدولية في موضوع الاقليات حتى التوت منذ عام 1945 وحتى 1989 بفعل التعارض بين الكتلتين الذي رسخ منظوراً ثنائي القطب لمشاكل العلاقات الدولية.
    هذه المصلحة تركزت اليوم مجددا على مفهوم الاثنية بسبب عدة عوامل كاعادة اكتشاف تضامنات محلية تجاه العولمة او انبعاثات انظمة سياسية قائمة على الرابطة الاثنية- القومية وكان للمنظمات الدولية دور مهم مارسته لتقوية التقدم الذي حصل في الموضوع من قبل بعض الدول وشجعت الاخرى على تحسين قوانينها وممارساتها. ان التنظيم الراهن لحقوق الاقليات تعدد ولكنه لم يؤد الى نظام منسق وشامل لحماية الاقليات القومية في القانون الدولي.
    وضع وتقنين حقوق الاقليات:
    منذ الثورة الفرنسية عام1789 وحتى الحرب العالمية الاولى لم تقحم قضية الاقليات حيث (انه ليس هناك قضية اقليات قومية) اهمل حقوق الانسان والمواطن الصادر عام 1789 حقوق الاقليات ولم يهتم الا بحقوق الانسان بصورة مجردة. كل حق ناتج عن الثورة الفرنسية يقوم على مفهومين: الانسان والدولة.
    ولد حق الاقليات مع عصبة الامم التي شكلت حماية حقوق الاقليات جزءاً مهماً من برنامجها وادارة معاهدات السلام في عامي 1919-1920 م للمرة الاولى في التاريخ ضمان حقوق الاقليات.
    وهذه الحقوق محدودة جوهرياً بحقوق الافراد المنتمين للاقليات دون ان يجري الاعتراف السياسي بها.
    ان النظام الذي اقيم بمعاهدات الاقليات ورقابة عصبة الامم تتضمن على كل حال بذرة عناصر نظام لحماية حقوق الانسان: وجود قاعدة مشتركة عليا لحقوق الدول وقانون العلاقات الدولية واعتماد مؤيد جزائي للقاعدة بإقامة رقابة ثلاثية وسياسية ودبلوماسية من قبل مجلس عصبة الأمم ورقابة قضائية من محكمة العدل الدولية الدائمة.
    الفكر الإسلامي للمعاهدات كانت كما فسرتها محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية مدارس الأقليات في ألبانيا لضمان تمتع المجموعات الاجتماعية المدمجة في الدولة بإمكانية التعامل السلمي وذلك بالمحافظة على الخصائص التي تختلف فيها عن الأغلبية لبلوغ هذا الهدف يجب أن يضمن للا فراد المنتمين للأقليات مساواة كاملة مع الرعايا الآخرين للدولة وذلك بإعطائهم إمكانية المحافظة على خصائصهم الاثنية وتقاليدهم.
    إن نظام حماية الأقليات الذي وضع من قبل عصبة الأمم لم يطبق بسبب انحيازها، بينما كانت القوى الكبرى غير خاضعة لنفس الالتزامات التي كانت دول أوربا الوسطى والشرقية ملتزمة بها بسبب فشل يحمل أحكام المنظمة الدولية.
    وقد تمسكت الحركة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لحماية حقوق الإنسان باعتبـارهـا حقاً فردياً يتمتـع به كــل شخص دون تمييـز شخصي مبني على العرق أو الجنس أو الدين، وأصبح مبـــدأ عدم التمييز احد المبادىء الجوهريـة لحقوقه الفرديـة ويسـمح بحمـاية ضمنيــة للأقليات.
    الإطار العالمي الشامل لحقوق الأقليات:
    يتشكل الإطار العالمي لحماية الأقليات من نوعين من النشاطات التي قادتها الأمم المتحدة، نشاط معياري ونشاط رقابي.
    1- النشاط المعياري للأمم المتحدة:
    النص الأول التحريض كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي أعلن في مادته الثانية الاعتراف بالحقوق الأساسية لكل فرد دون تمييز مبني على العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين هذا المبدأ ورد بدقة في إعلان اليونسكو حول العرق والمعتقدات العرقية الصادر عام1978 وفي إعلان القضاء على كافة أشكال التعصب والتمييز المبني على الدين أو المعتقد الصادر عام1981 ثم تسارعت النصوص بالنمو: اتفاقية منع وقمع جريمة الابادة الجماعية في سنة 1948 واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري عام1965.
    أي من هذه النصوص لم يورد صراحة ذكراً للأقليات ولكن احترامها من الدول يتطلب المساواة في معاملة جميع الأفراد مهما كان دينهم أو عرقهم ويحظر إذن أن يكون للإفراد المنتمين للأقليات موضع تدابير تمييزية على أساس خصائصهم الاثنية والثقافية.
    بينما يكمل العهد الدولي الحقوق المدنية والسياسية الصادرة عام1966 الحقوق المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأكد مبدأ عدم التمييز فانه يمثل العودة إلى مراعاة الأقليات في إطار حقوق الشعوب بفضل المادة 27منه التي نصت على انه لا يجوز في الدول التي يوجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتمون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافاتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائرهم أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.
    على الرغم من أن هذه المادة تشكل تقدما في حماية حقوق الأقليات إلا أنها تتضمن بعض النقاط السلبية لأنها أشارت فقط إلى الأقليات الموجودة أي أنها تلك المعترف بها مما يجيز لبعض الدول بان تعلن أنها ليست لديها أقليات على أراضيها، يضاف إلى ذلك أن الحقوق المعلنة ليست حقوقاً فردية باستبعاد أي حق للأقليات كونها مجموعة. وأخيرا فان المنحى السلبي للجملة يقترح مجرد التزام بالتسامح من الدولة دون التزام لاتخاذ تدابير ايجابية لتعزيز ثقافة ودين أو لغة الأقلية.
    على أن تفسير المادة 27 في تطور، فقد اعترفت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام المؤرخ في 6/نيسان/1994 على المادة 27 بأنه رغم التقارير السلبية المستخدمة فان المادة 27 تعلن عن وجود حق وتتطلب أن هذا الحق لا يجوز رفضه من أي شخص كما تتطلب أيضا تدابير ايجابية يجب أن تتخذ لحماية حقوق الأشخاص المنتمين للأقليات ضد أعمال الدولة نفسها وضد أعمال الأفراد والآخرين على إقليم الدولة.
    إن الحماية المضمونة بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد اكتملت مؤخراً بنص خاص اعتمد من لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة بناء على مقترح من يوغسلافيا وهو إعلان حقوق الأشخاص المنتمين للأقليات القومية أو الاثنية والدينية واللغوية الصادرة في 21/شباط/1992.
    إن هذا النص ليس ذا طبيعة قسرية ضاغطة، انه نص توجيهي يتضمن قائمة من حقوق الأقليات، انه يربط حماية حقوق الأقليات بالاستقرار السياسي والاجتماعي للدول وتقوية الصداقة والتعاون بين الشعوب، لقد اكتملت الحقوق المنصوص عليها في المادة 27 من العهد الدولي بحق تشكيل جمعيات وبحق الاتصالات السلمية مع غيرها من الأقليات وخارج الحدود ويمكن أن تمارس الحقوق فردياً أو جماعياً، حتى ولو كان هذا النص هو الأول الذي لم يعالج إلا الأقليات فانه يتضمن بعض الضعف كغياب تعريف الأقلية وغياب ضمان الحقوق الجماعية وغياب آلية الرقابة الخاصة وتشكل هذه النقطة الأخيرة احد جوانب الضعف في حماية حقوق الأقليات وتتطلب أن تتوقف على نشاط رقابة الأمم المتحدة في هذا الميدان.
    2- نشاط رقابة الأمم المتحدة:
    هذا النوع من النشاط يتوزع إلى نوعين من الرقابة: رقابة ذات طبيعة سياسية ورقابة خبراء مستقلين على شكاوى فردية، إن أصول الرقابة السياسية تتركز جوهرياً على تسمية لجنة حقوق الإنسان لمقررين خاصين أو مجموعات عمل تكلف بمهمة موضوعية أو قطرية وتمارس ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً على سلطات الدول التي توجد فيها انتهاكات لحقوق الأقليات، المواضيع التي تناولتها هي مسألة التعصب الديني عام 1987 وموضوع الأقليات عامــة لـF.Capotorti عام 1994 أما الولايات القطرية فتتعلق برومانيا عام 1990 والعراق عام 1992، إن الهدف من المقررين العامين هو تسهيل الحوار لمحاولة إيجاد حلول منتظمة ودائمة وغالباً.
    ومن ناحية أخرى، فان اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تملك صلاحية بموجب البرتوكول الاختياري للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لدراسة الشكاوى الفردية المثبتة على المادتين 26 (مبدأ عدم التمييز) و27(حقوق الأقليات) من العهد، أنها معنية بصورة خاصة سكان البلاد الأصليين والأقليات اللغوية.
    القضية الأولى المهمة تعلقت بهندية من كندا وحقها في العيش في مكان محدد للتحفظ، خلصت اللجنة إلى انتهاك المادة 27 من العهد إذ أن الحق بالعيش في تحفظ لا يجوز في أن يضمن كما جاء في المادة 27 وان الشرعية لا يمكن أن تجد مجموعة إلا في التحفظ وكان يجب السماح لها بإعادة الاندماج في التحفظ نتيجة هذا القرار عمدت كندا إلى تعديل قانونها حول الهنود وإعادة الرغبة إلى التحفظ.
    كان على اللجنة أن تصدر أحكاما في قضايا أخرى عن مزاعم انتهاك المادة25 من العهد التي تنص على الحق في المشاركة في القرارات المتعلقة بالأقلية، ومن جانبهم فان الفرنسيين من بروتون أرسلوا عدة حالات إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بموجب المادة27 بيد أن فرنسا عند انضمامها إلى العهد الدولي أعلنت بان المادة 27 غير قابلة للتطبيق على إقليم الجمهورية بموجب مبدأ عدم التجزئة المعلن في المادة 2 من الدستور، اعتبرت اللجنة بان هذا الإعلان معادلة للتحفظ ورفضت بالتالي شكاوى عديدة من أهالي بروتون، وخلافاً لذلك فان فرنسا قد اعترفت بحق مواطنيها المنتمين في الواقع إلى الأقلية بالمساواة وعدم التمييز لذلك فان اللجنة تمكنت من إصدار أحكام من قضايا أخرى على أساس احترام فرنسا لالتزاماتها التعاهدية وخاصة المادة 24 من العهد الدولي لضمان محاكمة عادلة.
    نظريات تحديد المواطن:
    اختلفت الاتجاهات في الفقه والقضاء بصدد أسس تعيين القانون الذي يحدد به المواطن، ويمكن تلخيص هذه الاتجاهات كما يلي:
    1- نظرية الإرادة:
    هناك اتجاه يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً لإرادة ورغبة الشخص بشرط أن تكون هذه الإرادة كاملة وصحيحة قانوناً وصريحة وغير مخالفة للنظام العام فالمواطن حسب هذا الاتجاه مسالة شخصية أساسا والنية احد عنصريه المكونين له ويجب الرجوع إلى إرادة الشخص عند تحديد موطنه، أما إذا كان التعبير عن الإرادة غير صريح فعندئذ تقوم تصرفات ووقائع خارجية مقام التعبير عنها، وقد انتقد هذا الاتجاه لان آثار المواطنة تتعلق بسيادة الدولة، كتطبيق قانون معين أو انعقاد الاختصاص لمحكمة مختصة، فلا يصح ترك تحديد ذلك لمشيئة وإرادة الشخص فضلاً عن أن الإرادة قد تكون ناقصة فلا يمكن التعبير عنها أو غير صريحة فلا يمكن إثباتها وإزاء هذه الانتقادات هجر الفقه والقضاء هذا الاتجاه في جميع الدول.
    2- نظرية القانون الشخصي:
    هناك اتجاه ثان يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً للقانون الشخصي الذي قد يكون هو قانون الدولة التي ينتمي إليها الشخص بجنسيته في الدول التي تجعل القانون الشخصي هو قانون الجنسية لفرنسا وقد يكون هو قانون المواطن في الدول التي تجعل القانون الشخصي هو قانون المواطن كإنكلترا.
    ويستند هذا الاتجاه إلى أن المواطن يترك أثارا متعلقة بسيادة الدولة كتعيين القانون واجب التطبيق والمحكمة المختصة، فلا يمكن والحالة هذه أن يترك لقانون دولة أجنبية ليحكم فيما إذا كان الشخص متوطناً في الدولة أو في الخارج، وفضلا عن ذلك يؤكد هذا الاتجاه أن المواطن عنصر في الحالة ومن ثم هو يتحدد وفقاً للقانون الذي يحكم الحالة وهو قانون دولة الشخص.
    لقد انتقد هذا الاتجاه أيضا لإهماله حالة عديم الجنسية الذي لا يمكن تحديد موطنه عند التنازع لأنه لا يحمل جنسية أي دولة، خاصة في الدولة التي تعتبر القانون الشخصي هو قانون الجنسية، كما أن الأخذ بهذا الاتجاه يؤدي إلى حلقة مفرغة إذا كانت الأحوال الشخصية تخضع لقانون المواطن كما هو الحال في إنكلترا. لأنه إذا قلنا أن المواطن يتحدد بالقانون الشخصي، والقانون الشخصي هنا يكون قانون المواطن، ولمعرفة هذا القانون يجب أن تعرف أين المواطن أولا، ولمعرفة هذا المواطن لابد من معرفة القانون الذي يتحدد به أولا وهكذا دواليك.
    وحتى في حالة اعتبار القانون الشخصي هو قانون الجنسية، وليكن هذا القانون الإنكليزي مثلاً فانه يحيل مسالة تحديد المواطن إلى قانون المواطن ولمعرفة المواطن يجب الرجوع إلى قانون الجنسية، وقانون الجنسية يحيلنا من جديد إلى قانون المواطن وهكذا دواليك.
    وإزاء هذه الانتقادات لم يأخذ القضاء بهذا الاتجاه كثيراً، حيث هناك بعض قرارات صدرت بالاستناد إليه، ومنها قرار محكمة (جراس) المدنية عام 1926 وقرار محكمة جنيف عام1919 وقرار محكمة(جاندة) في بلجيكا عام 1920 وقرار محكمة أمستردام عام1916.
    3- نظرية قانون المحكمة:
    ويذهب اتجاه ثالث إلى ضرورة تحديد المواطن وفقا لقانون القاضي المعروض عليه النزاع(Tex Fort) على أساس أن المواطن عبارة عن علاقة قانونية بين شخص ودولة وان تعيينه مسألة متعلقة بتكييف هذه العلاقة والغالب في التكييف أن يخضع لقانون القاضي فعندما تثار مسألة تحديد المواطن أمام القاضي لتطبيق قاعدة من قواعد تنازع القوانين بشأنها فان تحديد المواطن حينذاك يكون بحد ذاته بمثابة تحديد لهذه القاعدة أو بمثابة عنصرا شرط في تطبيقها وهو أمر يجب أن يخضع لقانون القاضي المتعلقة بالسيادة.
    برغم أن الفقه قد أيد هذا الاتجاه في فرنسا وإنكلترا وألمانيا وهولندا ولبنان إلا انه انتقد أيضا لأنه يؤدي إلى بعض النتائج غير المنطقية، وخاصة عندما يكون الشخص المراد تحديد موطنه في غير دولة القاضي.وقيل أيضا إن مسالة معرفة ما إذا كان الشخص يتوطن في بلد من البلدان، لا يمكن أن تعد من مسائل التكييف بأنه حال من الأحوال.
    4- نظرية القانون الإقليمي:
    ويذهب اتجاه رابع إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً للقانون الإقليمي أي قانون الإقليم الذي يدعى الشخص انه متوطن فيه باعتبار أن الجنسية والمواطن هما نقطتا الارتكاز اللتان يقوم عليها القانون الدولي الخاص فكما أن الجنسية أداة لتوزيع الأشخاص دولياً وان بيان من يتبعون الدولة ومن لا يتبعونها أمر متروك للدولة وحدها بصرف النظر عن مصالح الدول الأخرى فان حق تحديد من هو متوطن في إقليم دولة معينة يجب أن يترك لقانون تلك الدولة وبالتالي يجب أن يكون أمر تحديد المواطن خاضعاً لقانون الدولة التي يدّعي الشخص انه متوطن فيها دون قوانين سائر الدول الأخرى. ومن جهة أخرى فان الدولة لا تستطيع أن تفرض بقانونها اعتبار شخص ما متوطناً في دولة أخرى شان القاعدة في ذلك شانها في الجنسية حيث لا تستطيع الدولة أن تفرض على دولة أخرى اعتبار شخص ما تابعاً لها في الجنسية.وهناك اتجاه توفيقي يذهب إلى ضرورة تحديد المواطن وفقاً لقانون القاضي والقانون الإقليمي معاً، بحيث يتم تحديد المواطن بتطبيق قانون القاضي أولا لمعرفة ما إذا كان للشخص موطن في بلد القاضي أولا فإذا اتضح انه غير متوطن في بلد القاضي ترك القاضي قانونه الوطني وطبق قانون الدولة المطلوب الفصل في اعتبار الشخص متوطناً فيها فيتحدد الموطن حينذاك وفقاً لقانون تلك الدولة.
    فهذا الاتجاه يوفق بين بعض من الاتجاهات السابقة ولا يتنافى مع فكرة السيادة في الوقت نفسه، لأنه يستبعد مساوىء الانطلاق من فكرة تطبيق قانون القاضي لتحديد الموطن خارج بلدة كما انه يضبط مبدأ تطبيق القانون الإقليمي ويكفل عدم إهدار سيادة قانون القاضي عندما يلزم القاضي بتطبيق قانونه الوطني أولا.
    وقد أخذت بهذا الاتجاه قوانين بعض الدول وتبنته مؤتمرات دولية كمجموعة(بوستا منتي) الخاصة بالقانون الدولي الخاص بين دول أمريكا العام 1938 ويصرح القانون الدولي في كمبريدج الذي قرر سنة 1931 انه لا يمكن لشخص من الأشخاص أن يدعي بان له موطناً في دولة معينة ما لم يكن قانون هذه الدولة يعترف به.
    وبدءاً يتضح أن هذا الاتجاه هو أوفق الاتجاهات لان المواطن عبارة عن رابطة بين شخص والدولة وهو بذلك يخضع للقانون العام ويتأثر بالاعتبارات السياسية ومبدأ السيادة الإقليمية مما يجب أن يتأثر به وتحديده قانون كل دولة لبيان من يعتبر متوطناً فيها ومن لا يعتبر.
    خلاصة القول:
    إن اثر ونفوذ الحقوق السياسية على مفهوم المواطنة يتضمن ثلاثة جوانب:
    الاتجاه لتا طير شروط منح المواطنة، صياغة مبادىء تتعلق بفئة خاصة من المواطنين المنتمين للأقليات، إحداث تفريق في فئة غير المواطنين بين الأجانب المنتمين إلى المجموعات والأجانب خارج المجموعات، يؤدي أيضا إلى التساؤل عن بناء ديمقراطية متعددة الثقافات تأخذ بالاعتبار تعريفاً جديداً للأمة: امة متعددة الثقافات عائدة لوجود أقليات وأجانب والجدل الداخلي والخارجي حول الأنموذج السياسي لدولة الأمة.
    كذلك يوجد ترابط معياري بين مفاهيم المواطنة والديمقراطية. إن مسائل حقوق الأقليات أو الأجانب نزعت أكثر فأكثر أسلحة النظرية السياسية الليبرالية لأنها وضعت موضع البحث النموذجي الديمقراطي الليبرالي، تفترض الديمقراطية المتعددة الثقافات مسبقا تنوعاً في الانتماءات الثقافية والأخلاقية والقيمية على إقليم الدول يتطلب البحث عن المواطنة التي يجب أن تكون متوافقة مع تعدد ولادات الأفراد، يجب التفكير إذن في مجتمع ديمقراطي لا يتطلب التطابق الحتمي مع المجموعة الثقافية والمجموعة السياسية يختلف الليبراليون وأنصار المجموعات على بناء المواطنة في هذا الإطار حيث يعتبر الليبراليون المواطنة كونها مركزاً قانونياً وان المشاركة تعود فيها إلى الخيارات الشخصية وعلى النقيض من ذلك يرى أنصار المجموعات بان المواطنة ممارسة وتعهد في المجال العام.
    إن البعد الأساسي لأنموذج الديمقراطية المتعددة الثقافات هو في إدماج الاختلافات، مما يتعـــين العمــل بان يكون الدستور مكاناً للتعبير عن هذه الديمقراطية الجديدة.
    وإذا كان يمكن أن تكون التطورات في الحقوق السياسية موضع جدل ونزاع كونهـــــا عنصراً لمركــــز الفـــرد الحر، فان تطـــــور القواعـد الدوليــة لم يؤد بعد إلى انسجــــــــام حقيقي في الحقـــوق المدنيــة
     
  5. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة
    لبيان الاتجاهات الحديثة لتربية المواطنة يجب التأكيد علي أنه لا يوجد اتفاق بين المجتمعات حول الأولوية التي يجب أن تعطي لأي من أهداف النظام التعليمي، هل تكون الأولوية للأهداف الإدراكية "المعرفية" التي تعنى بتعليم الأفراد المهارات والمعارف؟ أو تكون للأهداف القيمية التي تعنى بإعداد الأفراد لكي يكتسبوا المواطنة، وإيجاد مواطن يحتفظ بقيم صحيحة للمشاركة في حياة المجتمع؟ أو تكون لأهداف التنشئة الاجتماعية التي تحاول أن تجعل الأفراد أكثر توافقاً للدخول في علاقات شخصية متبادلة مع الآخرين؟.
    ولو نظرنا إلى جميع النظم السياسية نجد أنها تسعى بشكل أو بآخر من أجل تحقيق درجة قصوى من الانسجام السياسي بين مواطنيها، وتبرز التنشئة السياسية كموضوع رئيس يمتد من التربية الوطنية في العالم الغربي، إلى مفهوم تدريب الشخصية في النظم الاشتراكية السابقة، وإلى مفهوم التوجيه أو الإرشاد الروحي في الأنساق السياسية الكاريزمية، وفي كل الحالات تتحكم في العملية عدة متغيرات أهمها المواقف والأهداف والو لاءات تجاه السلطة السياسية.
    وقد تمت الإشارة إلى أنَّ مجموعة الدول الاشتراكية قد حرصت قبل التحولات الضخمة التي بدأت في الثلث الأخير من عام 1989م على التأكيد على أن التعليم بها يستهدف خدمة النظام السياسي، فعلى سبيل المثال كان الغرض الرئيسي للنظام التعليمي في تشيكوسلوفاكيا هو الاهتمام بفكرة المدرسة السياسية لتربية الشباب على القيام بدور نشيط في بناء دولة شعبية ديمقراطية.
    أما في يوغوسلافيا فهدفه تمكين الأجيال الصغيرة من المساهمة في التنمية المستمرة لقوى الإنتاج، وتقوية الروابط الاجتماعية، وتربيتهم على روح الولاء لوطنهم. ويلعب تدريس التربية الوطنية دوراً أساسياً في بث الروح الاشتراكية في هذه المجتمعات. فكان الهدف من تدريسها في رومانيا هو التأثير في أخلاقيات الشباب وإعدادهم بشكل إيجابي للاشتراك في مستقبل المجتمع الاشتراكي. وتهدف التربية الوطنية في ألمانيا الشرقية إلى تزويد الطلاب بالمعرفة التاريخية والسياسية للتعرف إلى قوانين التطور الاجتماعي. وتبقى ثمة حقيقة هامة وهي أن أمكانية النظام التعليمي ودوره في نقل القيم والمعتقدات السياسية لا تختلف من مجتمع ليبرالي ديمقراطي أو مجتمع شمولي سلطوي، إلا في جانب واحد وهو ما يطلق عليه التغذية الراجعة التي يمكن من خلالها أن يؤثر الطلاب في النظام السياسي والقيم التي يعتنقها.

    I - المنطلقات النظرية لتربية المواطنة
    تعد تربية المواطنة نمطاً من أنماط التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها مؤسسات تربوية رسمية أو غير رسمية. والتنشئة الاجتماعية من العمليات الأساس في حياة الإنسان، ذلك لأن مقومات شخصية الفرد إنما تتبلور من خلالها. وتكمن أهمية تلك العملية في" أنها تقوم بتحويل الفرد من مخلوق ضعيف عاجز إلى شخصية قادرة على التفاعل في المحيط الاجتماعي الذي يحتويها منضبطا بضوابطها". كما تساعد الفرد على الانتقال من الاتكالية المطلقة والاعتماد على الآخرين والتمركز حول ألذات في المراحل الأولى من عمره إلى الاستقلالية والإيجابية والاعتماد على النفس وذلك عبر المراحل الارتقائية من عمره. وتقوم المؤسسات الاجتماعية بدور مهم في التنشئة الاجتماعية لكل مرحلة من المراحل العمرية للفرد، فالأسرة والاصدقاء و الدين مؤسسات تقوم بتزويد الفرد بجزء من مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد ومعتقدات المجتمع.
    من هنا فإن لكل مؤسسة من هذه المؤسسات أهميتها الخاصة في عملية التنشئة الاجتماعية، ولكن الأسرة تلعب أهم الأدوار وأقواها تأثيرا في حياة الأفراد، حيث إنها –أي الأسرة - تحتضن الطفل منذ بداية حياته ونعومة أظفاره، فتقوم بتشكيل سلوكه ومقومات شخصيته وتزويده بقيم ومعتقدات مجتمعه بل والأنماط السلوكية المقبولة التي تسهم كثيرا في عملية الضبط في ذلك المجتمع. وعملية التنشـئة الاجتماعية إنما تتم عن طريق تلك الأسـاليب التي تـتعامل بها الأسـرة عند تنشئـتها لأبنائها، وكذا الأسـاليب التي تتعامل بها بقية المؤسـسات الاجتماعية الأخرى مع أفراد المجتمع التي يتحدد من خلالها شكل " الأجيال القادمة من البشر الذين يعملون على تقدم المجتمع أو تخلفه. وعليهم يتوقف نمو حضارتهم وانحسارها".
    وعليه فإن الرؤية للمنطلقات النظرية لتربية المواطنة هي ذاتها المنطلقات والنظريات التي تفسر التنشئة الاجتماعية وأساليبها. ويشمل ذلك نظرية التفاعل الرمزي (Symbolic Interaction Theory)والنظرية البنائية الوظيفية (Structural Functionalism Theory) ونظرية التبادل (Exchange Theory) ونظرية الصراع (Conflict Theory). وحتى لا ينحرف بنا البحث كثيراً في التنظير لذلك، فإنه من المناسب التركيز على أهم مؤسسات تربية المواطنة ومناقشة الصيغ التي تبرز تأثير كل منها في تربية المواطنة، وبالتالي تحديد الإطار الذي يمكن أن تتفاعل فيه تلك المؤسسات بشكل تكاملي لتحقيق ذات الهدف. وبناء عليه فسيتم دراسة دور كل من الأسرة والمسجد والمدرسة بشكل تفصيلي في تربية المواطنة ويمكن التعريج على ذكر ملامح أساس لبقية المؤسسات الأخرى.
    وارتباط الإنسان بوطنه وبلده مسألة فطرية مستقرة في النفوس فالوطن مسقط الرأس ، ومقر التنشئة الاجتماعية، ومكان العرض والشرف، على أرضه يحيا الفرد ويعبد ربه ومن خيراته يعيش ومن مائه يرتوي ، ومن كرامته ينال عزته ، به يعرف ، وعنه يدافع ، والوطن نعمة من الله على الفرد والمجتمع، ومحبته، وولائه، دائرة أوسع من دائرة محبة الأسرة، والحي الواحد، وهى في الوقت ذاته أصغر من دائرة الانتماء، والمحبة، والولاء للإسلام. والانتماء للوطن إنما هو معزز للانتماء الإسلامي الذي هو الدائرة الكبرى كوطن أكبر للمسلمين. ومن إحسان الانتماء للوطن تنشئة الأفراد على المحبة والألفة والتماسك بينهم ويمكن أن يتم هذا في إطار الخلية الأولى للمجتمع وهى الأسرة التي اهتم بها الدين الإسلامي وأوضح أنه من لا خير فيه لأهله فلا خير فيه لوطنه وأن من لم يتعود القيام بواجب الانتماء – بعد الإسلام – لأبيه وأمه، فلن يرجى منه القيام به تجاه وطنه.
    إن تربية المواطنة مسلك مهم من مسالك البناء، فهي تزرع في نفوس الصغار كيف أن عزتهم وكرامتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بعزة الوطن وإعلاء شأنه، ولذلك فإنها في المؤسسات التربوية تعد عاملاً مصيرياً ترتبط به المسيرة التنموية حاضراً ومستقبلاً، فعندما يتعلم أولادنا قيمة الوطن تعلو في نفوسهم قيمتهم، فالمواطن نواة الوطن، والوطن حصاد المواطن، ومن هنا تأتي أهمية تربية المواطنة التي هي عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالواجب تجاه المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، وتعريف الناشئة بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، وأنها لم تأتِ مصادفة بل ثمرة عمل دءوب وكفاح مرير، ولذا من واجبهم احترامها ومراعاتها.
    ويستلزم مفهوم تربية المواطنة تنشئة الصغار والشباب وتهيئتهم للمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، وتمكينهم ليصبحوا مواطنين مدركين لمسؤولياتهم وحقوقهم وواجبا تهم، ملتزمين بالقيم الإسلامية والمبادىء الســــياسية للمجتمع والدولة، مالكين للمعارف والمهارات الأساسية اللازمة للمشاركة الفاعلة في الحياة.
    ومن المؤكد أن تربية المواطنة هي حصيلة مجموعة من الجهود التي تقوم بها مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية، وأنه لا يمكن تعلمها بشكل كلي في الكتب والمقررات الدراسية، بل تعتمد بالدرجة الأولى على الممارسات والتطبيقات التي تتم داخل المدرسة أو خارجها. وتربية المواطنة عملية مستمرة، بحيث ينبغي العمل بشكل دائم على تكوين المواطن وتنمية وعيه بنظام حقوقه وواجبا ته، وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في دينامكية المجتمع الذي ينتمي إليه. فالتربية على المواطنة في جوهرها تربية على المسؤولية ، إذ من المفترض أن تجعل المواطن مسئولا كامل المسؤولية، ومشاركا بشكل فعال في مجتمعه. إن غرس وإدراج ثقافة وقيم المواطنة في المنظومة التعليمية، يتطلب أفقا زمنيا طويل الأمد حتىتؤتي أكلها وتنضج ثمارها، وهي في جميع الحالات في حاجة إلى التكامل والتواصل المستمر مع مؤسسات المجتمع الأخرى. كما أن أهداف تربية المواطنة لا تتحقق بمجرد تسطيرها وإدراجها في الوثائق الرسمية، بل إن تحقيق الأهداف يتطلب ترجمتها إلى إجراءات عملية وتضمينها المناهج والكتب الدراسية، ومناهج إعداد رجال التربية وتهيئة المجتمع المدرسي لإدراك تلك الأهداف.
    II- الدراسات السابقة
    تحظى قضية المواطنة في التعليم باهتمام كبير من جانب االاكاديميين و مراكز البحوث. وفي هذا السياق عقد مؤتمر المواطنة في التعليم بجمهورية مصر العربية, والذي ركز على دور المؤسسة التعليمية في دعم ثقافة المواطنة. وتناول المؤتمر مفهوم المواطنة في التعليم من ناحية إجرائية في محاولة لتحديد الحقوق والواجبات، مع عرض لدور المعلم والإدارة و المدرسية في تدعيم ثقافة المواطنة وزرع المواطنة الحقيقية في نفوس التلاميذ. كما تناول المؤتمر ازدواجية التعليم وما لها من آثار إيجابية وسلبية في تحقيق وتعميق مفهوم المواطنة, وتم تحديد صور هذه الازدواجيات في عدة محاور هي: ازدواجية التعليم الحكومي والتعليم الخاص بنوعيه الاستثماري والأجنبي, ازدواجية التعليم الفني والتعليم العام, ازدواجية تعليم البنات وتعليم البنين, ازدواجية الأميين والمتعلمين, ازدواجية التعليم الديني والتعليم المدني. كما ناقش المؤتمرون دور المناهج التربوية في تدعيم ثقافة المواطنة, وذلك من خلال تحليل الواقع الموجود بالمناهج, التي يدرسها التلاميذ في المدرسة.
    ويؤكد ابن الشيخ (1421هـ) على ركنين أساسين تميزت بها المملكة العربية السعودية على الأخص (على مستوى الدولة والمواطن) وهما الولاء الديني للإسلام، وولاء المواطن للسلطة. كما يوضح أبرز الأسس للنظام الأساسي للحكم باعتباره المنظم لعلاقة الحاكم بالمحكوم والمواطن بالوطن، ويتجه نحو الوطن الصغير للإنسان وهو (الأسرة) مخصصاً الفصل الرابع من كتابه للحديث عن رسالة المواطن نحو أسرته من تربية للأبناء وعشرة صالحة للزوجة وقبل هذا بر بالوالدين. ويختتم الكاتب كتابه ببيان أبرز الحلول للمشكلات التي تواجه المواطنة الصالحة وذلك عبر تفعيل دور الأسرة وتكويناتها الأساسية إضافة لدور المسجد و المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام نحو ترسيخ المبادئ الوطنية والتصدي للعوائق التي تعترضها.
    وقام المنوفي (1991م) بدراسة توصل من خلالها إلى أن التنشئة المدرسية ترمي إلى اكتساب الطفل هويته الوطنية؛ فالمقررات التي يدرسها ترتبط بالوطن أرضاً، وتاريخاً، وبشراً، وتستثير لديه مشاعر الزهو بالانتساب إليه. ويشير متولي (1416هـ) إلى أن المرحلة الثانوية تعد دعامة مهمة لمساعدة التلاميذ على تفهمهم لذلتهم وتنمية قدراتهم إلى أقصي حد ممكن، وأن هذه المرحلة فعالة في تنمية المهارات اللازمة للمواطنة الناضجة بأبعادها المختلفة.
    وتفيد دراسة حديثة أن المدارس أحرزت أفضل النتائج في تربية المواطنة عندما تم تدريس محتوى ومهارات المواطنة ضمن جو الفصول الدراسية المفتوحة لمناقشة قضايا المواطنة والتركيز على أهمية العمل الوطني، و تشجيع التكامل بين المدارس ومؤسسات المجتمع. وكانت هذه النتيجة من ضمن النتائج التي توصلت إليها دراسة مقارنة حول التربية الوطنية في ثمان وعشرين دولة شارك فيها تسعون ألف طالب ممن تقع أعمارهم في حدود أربعة عشر سنة وتم اختبارهم في المحتوى المعرفي والمهاري للتربية الوطنية كما تم التعرف على آرائهم حول مفاهيم المواطنة ومواقفهم تجاه المؤسسات الحكومية والمدنية. (Torney-Purta, 2002
    ووفقاً لبيستك (1423هـ) فقد أظهرت دراسة أولية أجريت في 12 مدرسة بريطانية تدرس بها التربية الوطنية، أن لتعليم التلاميذ كيف يكونون مواطنين صالحين أثرا أكبر وأعمق بكثير من مجرد إشباعهم بالإحساس بالمسؤولية. كما كشفت الدراسة عن العلاقة بين «مشاركةالطالب» في عملية اتخاذ القرار ونمو ثقته بنفسه وزيادة رغبته وإقباله علي التعلم.
    وبمقارنة هذه المدارس بالمدارس المماثلة، وجد أن درجات طلبة شهادة الثانوية العامة جاءت أعلى من المتوقع، وذلك لأن التربية الوطنية لا تعني إشراك الطلاب في عملية اتخاذ القرارات فحسب، لكنها تولِّد لديهم الإحساس بالاستقلال والمسؤولية وثقة الآخرين بهم أيضا.
    ويشير نعيمي وآخرون ((1998 في دراسة بعنوان تربية المواطنة: ما الذي يجعل التلاميذ يقبلون على تعلمها إلى أن هناك عمليات معرفية ينبغي للمربين التركيز عليها عند تعليم التربية الوطنية وكانت هذه الدراسة تحليلا لواقع المدارس الأمريكية الثانوية و ما الذي يتعلمه الطلاب عن حكومتهم وعن السياسة وآليات تعلمهم. وقد طور المؤلفون نموذجا يرونه مناسبا لتعليم التربية الوطنية بشكل فاعل. وحاولوا تحديد ما يعرفه التلاميذ فيما يتعلق بتربية المواطنة ووجدوا تفاوتا كبيرا بينهم في المعرفة الوطنية تبعا لبعض المتغيرات مثل الجنس, والعرق, نوع المدرسة, وخصائص أخرى مرتبطة بالمنزل والمدرسة و الفرد. لقد اثبت المؤلفون أن التعليم يمكن أن يسهم بفاعلية في تعلم المفاهيم الوطنية وتربية المواطنة.
    وتناقش أندولينا وآخرون (2002) نتائج دراسة ضخمة أجريت على المجتمع الأمريكي للتعرف على العلاقة بين تربية المواطنة و السلوك السياسي مع شئ من التركيز على فئة الشباب. ويشيرون إلى أنه في بدايات هذه المرحلة من الدراسة تم الاستماع إلى قضايا الشباب التي يهتمون بها وتصوراتهم المرتبطة بالمشاركات الوطنية. كما تضمنت الدراسة تفصيل الصعوبات التي تواجه مشاركة الشباب في الخدمة الوطنية.
    ويشير كامبل (2003) في دراسة عن تأثير نظام التعليم الكندي في تربية المواطنة.إلى انه لم يثبت لديه أن التعليم الكندي أسهم سلبا في تربية المواطنة بل أن النتائج تؤكد أن هناك مجموعة من القيم و الممارسات و التوجهات التي تثري علاقة الفرد بوطنه يتم تعلمها في المدرسة.
    ويؤكد فينكل(2000) أن الحكومة الأمريكية تعول كثيرا على برامج تربية المواطنة لأنها تقوم بتعليم قيم الديموقراطية واحترام المكتسبات الوطنية وتعزيز الانتماء والتماسك الوطني. وهذا ما يجعلها تنفق عشرات الملايين من الدولارات سنويا على تلك البرامج. ويضيف فينكل إلى أنه ثبت لديه من دراسة ميدانية على بعض الدول النامية أن تعليم الديموقراطية في المدارس يسهم بدلالة إحصائية إيجابية في احترام الرأي الآخر وفي التعايش مع الآخرين وتحملهم مما له الأثر الملموس في مفاهيم تربية المواطنة.

    ويشير بيستك (1423هـ) أن التربية الوطنية صارت تدرَّس بجميع المدارس في بريطانيا كجزء من منهج التعليم القومي، لكن غرس المعنى الحقيقي للمواطنة لا يتم إلا بتضافر جهود المدرسة والأسرة، وبقية مؤسسات المجتمع. ويضيف مستشهداً بمقابلات أجراها مع بعض المعلمين والمديرين إلى أن أحدهم يقول "نحن نحاول تشجيع التلاميذ على المشاركة في عملية اتخاذ القرار بالمدرسة، لكي يدركوا منذ الصغر أهمية تحمل مسؤولية أنفسهم، بالإضافة إلى مراعاة الآخرين، وعندما تراهم الآن في اجتماعات مجلس الطلبة فإنك ترى أمامك نموذجا صالحاً للمواطنين ." و هذه المبادرة الجديدة التي قامت بها الحكومة البريطانية قد تختلف من مكان لآخر في كافة أنحاء البلاد، لكنها تهدف بشكل موسع إلى مساعدة التلاميذ على التفهم الكامل لوا جباتهم ومسؤولياتهم.

    وفي دراسة أخرى قام لوسيتو (2003) بالتعرف إلى أثر مناهج التربية الوطنية في نظام التعليم الإيطالي ومدى الكفاءة النوعية لمشاركة الطلاب في النشاطات والفعاليات الوطنية مما يحقق أهداف التربية على المواطنة. ويشير لوسيتو إلى أنه ينظر للتربية الوطنية على أنها هدف أساس من أهداف نظام التعليم الإيطالي, ولذا فهي تؤكد على مفاهيم ومنطلقات سياسية وطنية تحث على المحافظة على الدستور واحترام حقوق الوطن والتعريف بحقوق المواطنين. وقد حظيت مناهج التربية الوطنية بعدة مراجعات وإصلاحات بهدف إدخال مفاهيم وقيم جديدة من مثل التعليم من أجل السلام, التعايش مع الآخرين, احترام الأقليات, التربية البيئية....الخ. وفي مجال مشاركة الطالب في النشاطات المنهجية وغير المنهجية المرتبطة بتربية المواطنة، أشار الباحث إلى أن طلاب المرحلة الثانوية يمارسون أنشطة تنمي لديهم العمل التطوعي والمشاركة الديموقراطية في انتخابات المدرسة. وهم يعقدون اللقاءات التنظيمية ولجان الانتخابات التي يختارون من خلالها ممثلهم في اللجان الرئيسة في المدرسة. وتسهم المناهج الدراسية في تأصيل هذه الأنشطة والتشجيع عليها. ولكن لوسيتو يخلص من دراسته إلى التأكيد على وجود فجوة بين المناهج المخطط لها وبين الواقع الفعلي لتنفيذها في المدارس وهذه الفجوة تشمل ممارسات المعلمين وعدم القدرة على تحقيق الأهداف التعليمية التي بنيت عليها تلك المناهج. كما أن الوقت الذي يمضيه المعلم في تدريس تلك المقررات أقل من الوقت المحدد لها في الخطة. وهناك أسباب أخري تعود لدمج مفاهيم التربية الوطنية بالمواد الاجتماعية الأخرى كالتاريخ إذ يطغى تدريسه على تدريس التربية الوطنية. وختاما فقد أكد الباحث على أن دراسته التي قاس فيها مدى استيعاب الطلاب لمفاهيم التربية الوطنية توصلت إلى نقص أساسي في ذلك.

    وفي تقرير حديث جداً (ديسمبر,2004) صدر عن منظمي حملة الرسالة الوطنية للمدارس الأمريكية (Campaign for the Civic Mission of Schools) بعنوان: (من الفصل الدراسي إلى المواطنين: المواقف الأمريكية تجاه التربية الوطنية) يشير إلى أنه بالرغم من اعتقاد غالبية الشعب الأمريكي بأن التربية الوطنية قادرة على تعليم الطلاب الديموقراطية وأسس الحياة المدنية إلا أن هناك من يرى أن المدارس لا تحقق رسالتها الوطنية ولا تؤدي دورها المطلوب بشكل كاف في إعداد المواطن الصالح الذي يشارك ويتفاعل مع قضايا مجتمعه مما يجعله عاجزاً عن ممارسة واجبا ته الوطنية. ومن هنا فإن التقرير ينادي إلى أن تتولى المؤسسات التعليمية مسؤولية النهوض بالتربية الوطنية حتى تحقق ما أنيط بها من توقعات على المستوى الشعبي والوطني و الرسمي.
    أما قالستون (Galston, 2001) فيرى أن تربية المواطنة في المجتمع الأمريكي بدأت تعود للسطح بعد غياب طويل. إذ إن الوعي السياسي لخريج الجامعة في الوقت الحاضر لا يساوي ما كان عليه خريج الثانوية في الماضي أي قبل ما يزيد عن خمسين عاما. ويرى قالستون أنه لكي يتحقق التعليم الصحيح للمواطنة في المدارس لابد من شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي يتم خلالها الإسهام في جهود المدرسة والتفاعل معها بشكل إيجابي.

    وفي أسبانيا يشير نافال وآخرون (2003) إلى أن نظام التعليم الأسباني أدرك أهمية التركيز على إصلاح برامج تربية المواطنة خاصة بعد تنامي دعاوى العولمة وبعد قيام الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يمد ظلاله على الدول الأوروبية كافة بعيدا عن حواجز اللغة والثقافة. لقد انتشرت المناداة بتعليم الديموقراطية في المدارس وتفعيل دور المدرسة لإعداد المواطن الجديد في القرن الحادي والعشرين, ولن يتم كل ذلك إلا بعمل إصلاحي عميق تتم فيه مراجعة البرامج التعليمية وإجراء البحوث العلمية وصياغة السياسات التربوية وإصلاح المناهج الدراسية على أسس حديثة. وتؤكد الدراسة أن عملية إصلاح برامج تربية المواطنة ليست مسؤولية المدرسة فحسب بل هي مسؤولية الأسرة والمجتمع ووسائل الأعلام وكافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

    و في دراسة مقارنة قام ستار كي (2000) بالتعرف إلى تربية المواطنة في كل من بريطانيا وفرنسا. وقد وجد أن كلا الدولتين اهتمتا أكثر بالتركيز على تربية المواطنة في أواخر التسعينات الميلادية. إلا أن نظام التعليم الإنجليزي كان يهتم بخلق مجتمع متنوع الثقافات ولكنه متوحد في وطنيته وولائه. في الوقت الذي اخذ النظام التعليمي الفرنسي على عاتقه التأكيد على الالتزام بنبذ العنصرية وبالمناداة بحقوق الإنسان ومعارضة الممارسات غير العادلة. وهذا الاختلاف في التوجه يعكس اختلاف الأيدلوجية السياسية التي انطلق منها النظامان السياسيان في بريطانيا و فرنسا. ولقد انعكس ذلك الاختلاف في نوعية برامج تربية المواطنة المقدمة في النظامين, فبينما يقوم نظام التعليم الفرنسي بالتأكيد على اندماج الأفراد في إطار النظام السياسي الجمهوري, يهدف النظام الإنجليزي لخلق مجتمع جديد و هوية وطنية جديدة. ومهما كان الاختلاف بين النظامين إلا أنهما يتفقان على توعية المواطنين بواجباتهم وحقوقهم ودفعهم للعمل الإيجابي في خدمة الوطن وتحقيق مصالحه.

    III- الأساليب والطرق التدريسية للمواطنة
    يتأثر تدريس التربية الوطنية والمواطنة بالغايات التربوية التي تقوم عليها، سواءً كمادة دراسية مستقلة أو متضمنة في الدراسات الاجتماعية، وقد أورد (Martorella, 1991) خمسة مجالات يمكن تدريس التربية الوطنية من خلالها:
    ا. عند تدريس الدراسات الاجتماعية من أجل نقل التراث أو ثقافات الجيل الأول للجيل الذي يليه، فإن التربية الوطنية تهدف إلى نقل المعارف والمعلومات التقليدية والقيم كإطار أو هيكل لاتخاذ القرارات.
    ب. عند تدريس الدراسات الاجتماعية، كالعلوم الاجتماعية، فإن التربية الوطنية تهتم بتعليم مفاهيم وتعميمات العلوم الاجتماعية لبناء قاعدة معلومات يتم تعلمها فيما بعد.
    ج. عندما تدرس الدراسات الاجتماعية من أجل التفكير ألتأملي والبحث والاستقصاء، فإن التربية الوطنية تسعى إلى استخدام عمليات التفكير والحصول على المعارف والمعلومات التي يحتاج المواطن معرفتها لاتخاذ القرارات وحل المشكلات التي تواجهه.
    د. عند تدريس الدراسات الاجتماعية من أجل النقد الاجتماعي، فإن التربية الوطنية تسعى إلى تنمية قدرة الطالب لاختبار ونقد وتنقيح التراث السابق أو التقليدي والوضع الاجتماعي القائم من خلال استخدام طريقة حل المشكلات.
    ه. عند تدريس الاجتماعيات من أجل نمو الشخصية، فإن التربية الوطنية تهتم بتطوير ونمو المفهوم الذاتي الإيجابي وتطوير شخصية الطالب بفاعلية وإحساس قوي.
    وبيّن (Grelle, & Metzger, 1996) أن الدراسات الاجتماعية تعد أفضل أداة نقل لإبراز التآلف أو التنشئة الاجتماعية(Socialization)، ولإعداد الطلاب بالبنية الاجتماعية الموجودة أو القائمة في المدرسة والمجتمع، حيث إن نقطة القوة الوحيدة في طريقة التنشئة التقليدية، حسب قو لهما، أسهمت بدور بارز في جعل الدراسات الاجتماعية تقوم بدور فعال في مهمة التربية الوطنية في المجتمع الأمريكي.
    ويبين (Engle and Ochoa) قو لهما بأن التعليم الذي يركز على حقائق منعزلة أو جامدة، فإنها غالباً ما تكون غير مفيدة، بل إنها مضرة على تحصيل الطالب وتنمية قدراته الفكرية، وهناك موضوع واحد مهم في التعليم ألا وهو الحياة بكل مظاهرها.
    ويؤيد (Chapin & Messick, 1989) ما أكده (Engle and Ochoa) حول ضرورة ربط ما يتعلمه الطلاب عن المواطنة في مدارسهم بمجتمعهم الذي يعيشون فيه، حيث تعد عملية ربط منهج التربية الوطنية بواقع الطلاب وحياتهم من العناصر المهمة في تطوير المواطنة وتحقيق أهدافها، وحتى يتم تحقيق ذلك فلابد من ممارسة الطلاب للأنشطة والخبرات في مجتمعهم وبيئتهم بشكل مباشر.
    وقد أورد (Chapin) مجموعة من النشاطات التي يمكن أن يقوم الطلاب بها من خلال زيارة بعض الأماكن المهمة في المجتمع، وذلك لمعرفة الطلاب بها وتطوير معنى المواطنة لديهم، مثل : الشرطة لأطفال الروض، الدفاع المدني للصف الأول، البلدية للصف الثاني، المواصلات للصف الثالث، الصحة للصف الرابع، المحكمة للصف الخامس، الخدمة الاجتماعية للصف السادس، صحة البيئة للصف السابع ، المجالس الإقليمية للصف الثامن ...).
    كما بين (Entwistle, 1994 & Martorella, 1991) أن التربية الوطنية يتم تعلمها داخل المدرسة من خلال المنهج الرسمي للمدرسة والمنهج الخفي، حيث تقوم سياسة المدرسة وأعرافها وعاداتها وأنشطتها وأحكامها ونماذجها بدور بارز في اكتساب الاتجاهات والمعلومات التي لها علاقة بالتربية الوطنية، وهنا يبرز دور المنهج الخفي. أما داخل حجرة الصف ، فإن (مادة) التربية الوطنية (Civic Education)، كما يوضح ذلك (Oppenhiem & Tomey, 1974) ، لا تقف عند نقل المعارف (Knowledge) للطلاب ، ولكنها تهدف إلى غرس الاتجاهات والقيم المشتركة، مثل مبدأ المسؤولية السياسية والتسامح والعدالة الاجتماعية، واحترام المسئولين أو السلطات المسئولة ، ويتم استخدام جانب المحتوى المعرفي أو ألإدراكي في المنهج لإلقاء الضوء على الإيديولوجيات والمبادئ الأساسية للمجتمع، الأحكام أو القوانين الأساسية.

    1- دور الأسرة في تربية المواطنة
    تقوم الأسرة بدور هام في عملية التنشئة الاجتماعية وبالتالي في تربية المواطنة، وذلك لكونها المحيط الأول الذي ينشأ فيه الطفل ويقضي فيه معظم وقته إن لم يكن كله في أشهره الأولى، فعن طريق الأسرة يبدأ الطفل التعرف على ذاته الاجتماعية، ومنها ينطلق إلى إشباع حاجاته العضوية والاجتماعية عن طريق التفاعل الاجتماعي داخل الأسرة مع أفرادها وأول هذا التفاعل يكون مع الأم وخاصة في أشهره الأولى من ولادته حيث تجده دائم الالتصاق بها تعطيه الدفء والحب والحنان، ومنها يبدأ تكوين علاقاته الاجتماعية داخل نطاق الأسرة مع إخوانه وأخواته، وهنا تحدث عملية التنشئة الاجتماعية للطفل. وفي الأسرة يكون كل من الأب والأم العاملين الرئيسـين في مسألة تنشئة الابن وتشريه القيم المهمة في حياته. وتعتمد التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة على عدة عوامل مثل المستوى التعليمي للأبوين والمسـتوى الاقـتصادي والاجـتماعي، وجميع هذه العوامل تؤثر تأثيراً معـيناً في فاعلـية التنـشئة الاجتماعية إن إيجاباً أو سلباً.

    كما تعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية التي تعنى بالتماسك الاجتماعي لكونها مصدرا لتكوين الشخصية والانتماء والهوية الإنسانية والوطنية ومفرز المثل السلوكية والتكيف مع المجتمع من خلال الدور الذي تقوم به في تربية الناشئة. فالوطن بكافة أركانه ومؤسساته وبرامجه المنصبة نحو خلق الإنسان المسئول في المجتمع وتكوين البيئة الملائمة لرقي المواطنين لن يصل إلى مرامه المنشود إلا إذا ابتدأ سريان نفس هذه الروح ونفس هذه التوجهات نحو الأهداف ذاتها من داخل الأسرة. فدورها هو الأساس الذي تقوم على ركائزه برامج مؤسسات الوطن.

    ومن أهم مسئوليات الأسرة إعداد الفرد ولاسيما الناشئة نفسياً وجسمياً وعاطفياً واجتماعياً، وذلك بواسطة تغذيته بالأسس السليمة للحياة والعمل في المجتمع وتزويده بالمهارات والمواقف الأساسية التي يحتاجها، للتفاعل مع متطلبات ومحددات الثقافة المجتمعية. وبذلك يستطيع الفرد أن يتعايش في مجتمعه عن طريق كسب الاحترام الاجتماعي له ولإمكانياته. ومن هنا يبدأ في الانتماء إلى بيئته الأوسع وإلى مجتمعه ووطنه من خلال الترابط بين ما اكتسبه في بيئته الأولى وهي الأسرة وبين المكنونات المجتمعية لهويته الدينية والثقافية والاجتماعية المرتبطة بوطنه. ومن ثم يبدأ في التكيف السلس والسهل مع مسئولياته الوطنية.
    ولا يصح للأسرة الاتكال على المدرسة أو على المؤسسات التربوية الأخرى لتوجيه الأبناء وتعويدهم على مقومات المواطنة الصالحة. ومهما يكن أفراد الأسرة منغمسين في أعمالهم وانشغالاتهم، إلا أن ذلك لا يسقط عن كاهلهم تخصيص الوقت الكافي لتنشئة الأبناء التنشئة الصالحة. وعندما يكون لدينا مجتمع تتكامل فيه مسئوليات الأسرة مع المسئوليات التربوية للمؤسسات التعليمية، وتشترك فيه الأسرة مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى في أخذ زمام المسئولية في هذا المجال نستطيع بذلك أن نضع الخطوات الصحيحة على درب بناء وطن متقدم وزاهر يعيش ويسعد فيه كل مواطن.

    ومن أهم المجالات التي ينبغي للأسرة التركيز عليها لتعزيز تربية المواطنة الصالحة في أطفالها يشير شكيب (2002م) إلى ما يلي:
    1- ربط الطفل بدينه، وتنشئته على التمسك بالقيم الإسلامية، والربط بينها وبين هويته الوطنية، وتوعيته بالمخزون الإسلامي في ثقافة الوطن باعتباره مكونا أساسيا له.
    2- تأصيل حب الوطن والانتماء له في نفوس الناشئة في وقت مبكر، ويتم ذلك بتعزيز الشعور بشرف الانتماء للوطن، والعمل من أجل رقيه وتقدمه، والدعوة إلى إعداد النفس للعمل من أجل خدمة الوطن ودفع الضرر عنه، والحفاظ على مكتسباته، والمشاركة الفاعلة في خطط تنميته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
    3- تعويد الطفل على الطهارة الأخلاقية وصيانة النفس والأهل والوطن من كل الأمراض الاجتماعية والأخلاقية الذميمة، وحثه على التحلي بأخلاقيات المسلم الواعي بأمور دينه ودنياه.
    4- تعزيز الثقافة الوطنية بنقل المفاهيم الوطنية للطفل، وبث الوعي فيه بتاريخ و طنه وإنجازاته، وتثقيفه بالأهمية الجغرافية والاقتصادية للوطن.
    5- العمل على إدراك الطفل للمعاني التي يرمز لها "العلم"، والنشيد الوطني، ولاحترام قادة وولاة أمر الوطن.
    6- تعويد الطفل على احترام الأنظمة التي تنظم شئون الوطن وتحافظ على حقوق المواطنين وتسير شؤونهم. وتنشئة الطفل على حب التقييد بالنظام والعمل به.
    7- تهذيب سلوك وأخلاق الطفل، وتربيته على حب الآخرين والإحسان لهم، وعلى الأخوة بين المواطنين، وحب السعي من أجل قضاء حاجات المواطنين لوجه الله تعالى والعمل من أجل متابعة مصالحهم وحل مشاكلهم ما أمكن ذلك.
    8- تعويد الطفل على حب العمل المشترك، وحب الإنفاق على المحتاجين، وحب التفاهم والتعاون والتكافل والألفة بين كافة المستويات الاقتصادية في الوطن.
    9- تعزيز حب الوحدة الوطنية في نفس الناشئة، وحب كل فئات المجتمع بمختلف انتماءاتهم، والابتعاد عن كل الإفرازات الفئوية والعرقية والطائفية الممقوتة، مع التأكيد على الفرق بين الاختلاف المذهبي المحمود وبين التعصب الطائفي المذموم.
    10- نشر حب المناسبات الوطنية الهادفة والمشاركة فيها والتفاعل معها، والمشاركة في نشاطات المؤسسات الأهلية وإسهاماتها في خدمة المجتمع بالمشاركة في المهرجانات الوطنية التي تدل على تعاون المجتمع،سواء الثقافية أو الفلاحية والتجارية أو الفنية أو السياسية كأسبوع الشجرة وأسبوع المرور، وأسبوع العناية بالمساجد وغيرها كثير.
    11- تعزيز حب التعاون مع أجهزة الدولة على الخير والصلاح، مع التأكيد على الابتعاد عن كل ما يخالف الأنظمة من سلوكيات غير وطنية، ومفاسد إدارية ومالية ومقارعتها والسعي للقضاء عليها.
    12- تعزيز حب الدفاع عن الوطن ضد كل معتد عليه، والدفاع عنه بالقلم واللسان والسلاح.
    13- العطف على المواطنين الضعفاء والمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. وغرس روح المبادرة للأعمال الخيرية.
    14- غرس حب العمل التطوعي، وحب الانخراط في المؤسسات الأهلية الخادمة للوطن.

    ومن الوسائل المعينة للوالدين لتحقيق ما سبق أشار شكيب (2002م) لما يلي:
    1- اغتنام كل فرصة للحديث المباشر مع الأبناء حول مقومات المواطنة الصالحة.
    2- ترديد الأناشيد التي تدعو إلى فعل الخيرات والسعي لخدمة الوطن.
    3- تزويد مكتبة المنزل بكتب وأدبيات وأشرطة صوتية تحتوي على المفاهيم المعززة للمواطنة الصالحة.
    4- المشاركة مع الأبناء في رسم صور حول منجزات الوطن، ولصقها على جدران غرفهم.
    5- قص القصص المحفزة عن حب الوطن والموجهة لشخصية الطفل باتجاه المواطنة الصالحة.
    6- التعريف بالوطن تاريخه وجغرافيته وبيان أهميته العالمية.
    7- التعريف بصروح الوطن بأخذ الأبناء في جولات تشمل المواقع التاريخية والتراثية والمتاحف في البلاد، مع سرد قصة كل موقع منها.
    8- تنشئة الأبناء على العادات الإيجابية للمواطن المخلص لوطنه واحترام قواعد وأنظمة الأمن، والسلامة، والمرور، وأن يبينوا لهم بالأمثلة والشواهد المقربة إلى عقولهم بأن هذه الأنظمة والقوانين إنما وضعت للحفاظ على مصالحنا وحقوقنا ولتسيير شؤوننا الحياتية.
    9- تعريف الأبناء والأحفاد بالرموز الدينية والوطنية الذين طالما خدموا الوطن في الماضي في المجالات العلمية والدينية والاجتماعية وغيرها.
    10- إشراك الأبناء في الزيارات الاجتماعية التي يقوم بها الوالدان لأفراد المجتمع بجميع فئاته، وتعويدهم على مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم.

    2- دور المسجد في تربية المواطنة
    يعد المسجد مقراً للصلاة التي هي ركن من أركان الدين الإسلامي. وفي المسجد يتربى الفرد على القيم وأنماط السلوك السوي، فضلاً عن تعزيز المعاني الروحية التي تربط الفرد بخالقه وتؤصل فيه حقيقة خلقه ورسالته في الحياة. والوطن جزءٌ من أرض ممتدة تشكِّل بالنسبة إلى المسلم مسجداً، فلقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم : " وجُعِلتْ ليَ الأرض مسجدا ًوطهورا ً، فأيُّما رجلٌ مِنْ أمتي أدركته الصلاة فليصل ".
    وحب الوطن أمر مشروع جاء القرآن الكريم والسنة المطهرة لتؤصله وتحدد معالمه وأسسه التي توافق الطبيعة البشرية، ولسنا هنا بصدد الحديث عن مناقشة الأدلة التي تدل على ذلك ولكننا نؤكد على أن حب الوطن يستلزم القيام بحقوقه وتربية الأبناء على ذلك في كافة المؤسسات التربوية والاجتماعية، والتي من أهمها المسجد. فالوطن الذي تحبه النفوس وتهتز القلوب شوقاً لذكراه، والوطن الذي أعطانا الحب والخير، وفيه تعلمنا وعبدنا ربنا يطلب منا أن نعطيه حتى نحافظ عليه وعلى استمرارية عطائه لأجيالنا القادمة.
    وينبغي للمسجد أن يؤصل في نفوس أبناء المجتمع الافتخار بوطنهم، والدفاع عنه، والشعور العارم بفضله، والحرص على سلامته واحترام مقدراته. ولذا كان على خطب الجمعة مثلاً أن تؤكد على حقوق الوطن وأن تغرس في أبنائه القيام بواجبهم تجاهه بأمانة وإخلاص وتكاتف وتناصح بينهم. وأن يعمل كل منهم حسب مجاله وتخصصه فيما أسند إليه من مهام وما طلب إليه من أعمال، فكل مواطن هو في الحقيقة جندي من جنود الوطن.
    ومن حقوق الوطن التي يجب على المسجد التأكيد عليها الدفاع عنه وأن هذا يعد جهاداً في سبيل الله. والدفاع عن الوطن لا يعني حمل السلاح والمواجهة العسكرية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل معه كل إسهام يخدم الوطن، ويترتب عليه صلاح في الدين والدنيا. وحب الوطن الذي تتحقق فيه ممارسة العقيدة لابد أن يجعل أفراده يستميتون في سبيل حمايته والدفاع عنه والسعي خلف ولاة أمره لرد كل كائد أو حاسد وإلا كان الحب حباً فارغاً لا يؤثر في السلوك.
    ومن هنا يتضح أن هناك اتفاقاً عاماً بين المختصين على أن تحقيق المواطنة الصالحة يمثل الهدف الرئيس للنظام التربوي في كل الدول، مما أدى بها للاهتمام بالتربية الوطنية، ولكن هذا الاهتمام يتفاوت من دولة إلى أخرى. وعلى ضوء ذلك يجب التأكيد على دور المدرسة في تنمية المواطنة الصالحة والفعالة ويتمثل ذلك في تنمية الديمقراطية باستخدام التربية والتأكيد على طرق التدريس المختلفة داخل الحياة المدرسية لتنمية المواطنة .

    3 - دور المدرسة ضمن الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة
    المدرسة وحدة اجتماعية لها جوها الخاص الذي يساعد بدرجة كبيرة على تشكيل إحساس الطالب بالفاعلية الشخصية، وفي تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعي القائم. فهي تلعب دوراً حيوياً في عملية التنشئة السياسية خاصة أنها تمثل الخبرة الأولى المباشرة للطالب خارج نطاق الأسرة، وذلك من عدة زوايا، فهي تتولى غرس القيم والاتجاهات السياسية التي يبتغيها النظام السياسي بصورة مقصودة من خلال المناهج والكتب الدراسية والأنشطة المختلفة التي ينخرط فيها الطلاب، وليس بصورة تلقائية كما هو الحال في الأسرة أو المؤسسات الأخرى. كما أن المدرسة تؤثر في نوع الاتجاهات والقيم السياسية التي يؤمن بها الفرد، وذلك من خلال علاقة الأستاذ بالطالب، ومن خلال أداء الأستاذ لعمله، ومن خلال التنظيمات الإدارية:
    1. نوعية الأساتذة :
    عندما يكون الأستاذ متمكناً من مادته الدراسية متعمقاً فيها، فإنه يكتسب قدراً كبيراً من احترام الطلاب، وبالتالي يسهل عليه التأثير عليهم فكرياً، فإذا أضاف إلى ذلك معاملة يظهر فيها إيمانه بتوجهات النظام السياسي القائم وتحمساً له، فإن طريقه يصبح سهلاً لغرس قيم هذا النظام في قلوب الطلاب والعكس صحيح.
    2. العلاقة بين الأستاذ والطالب :
    تختلف العلاقة في الفصل الدراسي بين الأستاذ والطالب من أستاذ إلى آخر ومن بيئة مدرسية إلى أخرى، فقد تكون العلاقة ذات طبيعة سلطوية لا تسمح للطالب أن يناقش الآراء والأفكار التي يطرحها الأستاذ وقد يتجاوز ذلك إلى استخدام أساليب الاستبداد والقهر، أو يكون الأستاذ ذا طبيعة ديمقراطية يتعامل مع الطلاب بنوع من الحرية لتركهم يعبرون عن آرائهم وأفكارهم من خلال نقاش مفيد مما يساعد على نمو شخصياتهم وزيادة ثقتهم بأنفسهم، ولهذا الأسلوب أو ذاك تأثيره المؤكد على اتجاهات الطلاب سواء بالسلب أو الإيجاب.
    3. التنظيمات الإداريــة:
    لكل إدارة مدرسية أسلوب وتنظيمات معينة تدير بها المدرسة، ويتوقف نمو الإحساس لدى الطالب بالاقتدار الذاتي والانتماء الاجتماعي على إمكانية انضمامه إلى هذه التنظيمات والمساهمة في شؤون المدرسة، والحد الذي تسمح به لانسياب الآراء في معظم الاتجاهات.
    ومن هنا يتضح تأثير طبيعة النظام المدرسي على الطلاب، ففي نظام يعتمد على الحفظ والترديد، ويعد نتائج الامتحانات المؤشر الوحيد لتقويم الطلاب، تبرز النزعات الفردية وتتفشى ظاهرة الغش والمنافسة السلبية، بينما تختفي مثل هذه النزعات في نظام تعلم يقوم على القراءة والإطلاع الحر ويغرس قيم الابتكار والجماعية والتعاون.
    وقد أشار (القحطاني، 1418هـ) إلى البيئة المدرسية بأن لها تأثيراً مباشراً في تحقيق ما تهدف إليه التربية الوطنية، حيث إن تركيبة ونوعية الحياة داخل المدرسة تؤثر في الطالب أكثر من عمل المنهج الرسمي بمواده ومحتوياته المقررة، كما يعتقد بعض التربويين الذين يرون إمكانية تحسين أو تطوير التربية الوطنية من خلال المنهج الخفي، أي النظم والقواعد السائدة داخل المدرسة، فممارسة الطلاب لمسئولية تعليم أنفسهم، وحل الخلافات والمشكلات التي تواجههم في مدرستهم سوف تجعلهم يتعلمون كيف يعملون بمسئولية في مجتمعاتهم بينما تعتقد مجموعة أخرى من التربويين أنه يلزم الطالب الالتحاق بالمدرسة، ليتم الحكم على قدراته وكفايته عن طريق المنهج الرسمي حتى يمكنه القيام بدور المواطن البالغ المسئول في مجتمعه مستقبلاً.
    وهناك عدد من المبررات التي تجعل للمدرسة دوراً في التربية الوطنية، ويمكن إيجازها فيما يلي:
    1 - أن المدرسة تمثل بنية اجتماعية ووسطاً ثقافياً له تقاليده وأهدافه وفلسفته وقوانينه التي وضعت لتتماشى وتتفق مع ثقافة وأهداف وفلسفة المجتمع الكبير والتي هي جزء منه، تتفاعل فيه ومعه، وتؤثر فيه وتتأثر به بهدف تحقيق أهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
    2 - أن المقررات الدراسية إلزامية يدرسها كافة التلاميذ، ولذلك تعتبر أداة هامة لتحقيق التواصل الفكري والتماسك الاجتماعي في المجتمع.
    3 - تعد المدرسة من المؤسسات الرسمية التي توظفها السلطة السياسية في سبيل نشر القيم العليا التي تبتغيها لدى الطلاب .
    4 - احتوائها للفرد فترة زمنية طويلة سواء أكان ذلك بالنسبة لليوم الدراسي أم بالنسبة للعام الدراسي أو بالنسبة لعمر المتعلم، فتؤثر فيه وتعدل من سلوكه، إضافة إلى إكسابه المعلومات المختلفة التي تساعده في حياته.
    وتبلغ المدرسة أقصى درجات الفاعلية في التربية الوطنية إذا كان هناك تطابق بين مناهجها النظرية وبرامجها التطبيقية، ولكن حينما يوجد تناقض يصبح تأثير المدرسة في هذا المجال ضعيفاً. ومثال ذلك أن تتضمن مقررات التربية الوطنية والتاريخ قيماً مثل الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر، بينما تنطوي معاملة المعلمين للطلاب على كل شيء عدا الكرامة والمساواة. إذ يجب أن تتحول المدرسة إلى مجتمع حقيقي يمارس فيه النشء الحياة الاجتماعية الصحيحة، ويمارس فيها المسئولية والاستقلال والتعاون وإنكار ألذات، وأن يجد في ممارسة هذه الصفات ما يشجعه على التمسك بها في المستقبل ، وإذا ما تحولت مدارسنا إلى الفاعلية المطلوبة فإن ذلك سيؤدي إلى تنمية مواطنة فعالة.

    4 - التربية الوطنية من أجل السلام والتعايش السلمي
    السلام هدف إنساني وغاية نبيلة تسعى الإنسانية لتحقيقها على امتداد تاريخها الحضاري، وقد ازدادت الدعوة للسلام والعمل على إرساء دعائمه وتعميمه في العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية وقيام هيئة الأمم المتحدة كأداة تفاهم تجمع شعوب العالم حول هذا الهدف ، ويعتبر الاهتمام بالسلام ضمن المواطنة من الاتجاهات الحديثة وتبقى ثمة حقيقة هامة وهي أن السلام من الإسلام. وقد أرساه الإسلام في تشريعاته ، ولقد بدأ الاهتمام بدراسات السلام كميدان أكاديمي في الجامعات العالمية منذ الخمسينات، وكان التركيز في البداية على السلام في مواجهة العنف المباشر، كما هو الحال في الاعتداء والتعذيب والاضطهاد والحروب، ليتطور فيما بعد إلى تناول العنف غير المباشر، أي ما يعانيه الناس نتيجة للنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤدي إلى الموت أو الانتقاص من آدمية الإنسان وانتهاك حقوقه مثل : التمييز العنصري والتعرض للجوع وإنكار حقوق الإنسان.
    والتربية دعوة للحياة، والحياة في جوهرها هي السلام مع ألذات ومع الآخرين ومع البيئة المادية، ومن هنا فإن التربية من أجل السلام تتراوح في مداها من السلام بين الدول والشعوب إلى الأفراد داخل الأسرة أو الجماعة وأخيراً إلى الإنسان نفسه.
    والسلام مطلب إنساني بدو نه يعيش الإنسان في فزع وخوف يفقده اتزانه ويجعله يتعامل مع من حوله على أساس أنهم أعداء ويفقده صداقة الناس واحترامهم، والإنسان اجتماعي بطبعه فإذا فشل في التكيف، فإنه يفقد سلامه الاجتماعي ويشعر بالعزلة والتقوقع حول ألذات . والسلام مطلب اقتصادي لأن الخلافات تؤثر على قدرات الفرد الإنتاجية، تؤدي لتدني دخله وضعف إمكانياته الاقتصادية، والسلام العادل لا يكون على حساب مصالح الآخرين وإنما يحمي مصالح الفرد ليسعى في اتجاه التعاون والتنسيق مع الآخرين بهدف بناء اقتصاد متين، وعموماً فإن السلام كمطلب اقتصادي للفرد يؤثر ويتأثر بالسلام كمطلب اقتصادي وطني، فمستوى الرفاهية الذي قد يتمتع بها الفرد قد يعود بالدرجة الأولى للمستوى الاقتصادي للدولة التي يحمل هويتها.
    وهناك عدد من الأساليب التي يمكن من خلالها تعويد الطالب على التعايش والتعاون مع جيرانه المحليين والدوليين، منها :
    1 - وضع الطالب في مواقف تفاعلية حقيقية يدرك من خلالها أهمية الانتماء لوطنه.
    2 - ربط الطالب بفكرة أن المجتمعات الإنسانية كلها جاءت من نسل واحد، وهو آدم عليه السلام. وأن الإسلام دعا إلى تكريم الإنسان مهما كان جنسه أو عرقه أو لونه أو دينه قال تعالى: ¼ولقد كرمنا بني آدم وحملنهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء: 69).
    3 - ربط الطالب بفكرة أن الكرة الأرضية أرض مشتركة لجميع البشر مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم وأديانهم.
    4 - تعريف الطالب بأننا نعيش في عالم تحكمه مجموعة من المثل والقيم والأهداف والمبادئ الدولية المشتركة "ميثاق الأمم المتحدة".
    5 - إلقاء الضوء على بعض النجاح الذي تحقق في مجال التعاون الدولي "الصحة، العلوم، التعليم، الاقتصاد" .
    6 - إبراز الدور الهائل لوسائل الاتصال والمعاهدات التجارية والتشريعات الاقتصادية في إقامة علاقة قوية بين الدول.
    وتوجد طريقتان أساسيتان لتعليم المواطنة، هما:
    أولاً: إعداد المواطن الصالح: هذه الطريقة كانت واسعة الانتشار ومازالت سائدة في المناطق التي تولي التقاليد أهمية كبيرة، وتعطي تركيزاً لسيطرة المعرفة من أجل خلق الولاء للقيم التقليدية، ولا تشجع التحليل النقدي ولا تحتاج إلى إيضاح القيم.
    ثانياً : المسؤولية النقدية : تعتمد هذه الطريقة على تركيز التربية الاجتماعية على الاستعلام وحل المشكلات، وتضع الكثير من الاعتبار للتحليل التركيبي وتحليل القيم، وتتضمن تعليمات عن العملية الدستورية وقيم النظام السياسي، والاختلاف بين الطريقتين هو في نوعية الافتراضات التي تضعها كل منهم، وإذا كان تعليم السلام يختص أساساً بالتغيير فإن الطريقة الثانية تكون أكثر اتساقاً مع أهدافه .
    وتشير "شارب" إلى خمسة أنواع لتعليم مفاهيم السلام وهي:
    1 - تعليم السلام عن طريق التأكيد على القوة : هذه الطريقة تؤيدها الحكومات والقوات المسلحة، ويقوم هذا المبدأ على أساس أن الحفاظ على السلام يتم عن طريق الإبقاء على تعزيز قوة الجيش لتحقيق التفوق العسكري .
    2 - تعليم السلام عن طريق التوسط في الصراعات وحسمها : يقوم هذا النوع على تحليل الصراعات بين الأفراد والمجتمعات وحلها دون استخدام العنف، ولكن الخطورة في استخدام هذا النوع تكمن في احتمال ظهور عدم المساواة لعدم توازن القوى .
    3 - تعليم السلام عن طريق تحقيق السلام الشخصي : يؤكد هذا النوع بشكل أساسي على الحاجة الشخصية للتعاطف والتسامح والتعاون .
    4 - تعليم السلام كجزء من النظام العالمي: يأخذ هذا النوع في اعتباره الحاجة إلى الاعتراف بأن العنف غير "التكويني" هو العقبة الرئيسية في سبيل السلام، ويحتاج هذا النوع إلى تحليل تفصيلي للتغير الشخصي والتغير الاجتماعي.
    5 - تعليم السلام عن طريق إلغاء علاقات القوة: ينظر هذا النوع إلى قيم الناس كما لو كانت هي نفسها نتيجة لبعض المتغيرات البنيوية. ولذلك فإن التأكيد يكون على زيادة الوعي بالعنف البنيوي والتعاطف مع كفاح الجماعات المضطهدة .

    ثالثاً: المنهج التربوي الوطني وتربية السلام
    أهم مسؤوليات المنهج التربوي التي يجب القيام بها في مجال تربية السلام، أن يؤكد على عدم وجود تعارض بين الوطنية والإنسانية، فيكسب الطلاب مقومات الانتماء للوطن متمثلاً في الولاء للأسرة والمجتمع المحلي بمصالحه ومؤسساته، والمجتمع الوطني بمنظماته وهيئاته، ويكمل ذلك بالانتماء العالمي، وتنمية مسؤولية التلاميذ وتربيتهم بما يحقق البعد الإنساني الذي يقوم عليه المجتمع الدولي . ولذلك ينبغي أن يتضمن المنهج التربوي عدداً من الموضوعات التي عن طريقها يمكن تحقيق أهداف تربية السلام وصنع الإنسان الدولي على أن يتم تنفيذها عن طريق التدريب والممارسة في مواقف إجرائية حياتية تتم داخل المدرسة وخارجها، ومن أبرز الجوانب التي يجب أن يتضمنها المنهج :
    1 - الخبرات الإنسانية بمعناها الواسع، مع مراعاة أن تبدأ دراستها مبكراً في رياض الأطفال والسنوات الأولى للمرحلة الابتدائية وتمتد للمرحلة الثانوية .
    2 - بعض المشكلات الدولية وأسبابها، ويتطرق للمجتمعات والحضارات والنشاطات الإنسانية للأخذ بيد التلميذ نحو عالم اليوم والمستقبل .
    3 - خصائص الناس من حيث تشابههم واختلافهم واهتمامهم بالآخرين، ليتعلم التلميذ أهمية احترام الناس مهما كانت تبايناتهم المعيشية والاقتصادية، ومهما كانت الفروق الفكرية والأيديولوجية بينهم.
    4 - تطوير فلسفة عالمية للحياة تؤكد على القيم الإنسانية الدولية .
    5 - تربية المتعلم على التعايش السلمي، لكي يستطيع التأثير في قرارات السلم والحرب، وفي تحديد الأهداف السياسية .
    6 - تربية المتعلم على الحياة في مجتمع يقوم على التسامح والقيم السامية، ويرفض التعصب العرقي والديني والعقائدي.
    7 - إكساب المتعلمين ما يسهم في تحقيق الأهداف التي تؤكد على قيم السلام كأسلوب حياة للتعامل مع بعضهم ومع الآخرين .
    8 - إكساب المتعلم مقومات التنشئة التي تسهم في جعله يؤمن بوطنه القومي وبوطنه العالمي الإنساني، مما يحقق في المتعلم، "سلوكاَ فاعلاً ومتغيراً إزاء المشكلات، مهارات حل المشكلات، اهتمام بالمشاعر والحقائق على قدم المساواة، ممارسة النشاطات التربوية المحلية والعالمية" .
    وأخيراً إذا كانت المدرسة عاملاً مهماً في القضاء على التناقض ألقيمي والصراع الثقافي بين أفراد الأمة الواحدة، فإنها يمكن أن تلعب مثل هذا الدور على المستوى العالمي، لتسهم في التعاون والسلام العالمي، وإذا كانت المدرسة ذات أهمية للعب هذا الدور في الظروف العادية، فإن دورها يزداد أهمية خلال فترات التحولات الاجتماعية والتغير الثقافي حيث تنتقل المجتمعات من أوضاع اجتماعية مرتبطة بفكر وقيم وعوامل ضبط معينة إلى قيم وفكر وعوامل ضبط جديدة تحتاج إلى الفرز للانتقاء والاختيار من خلال الممارسة، والتربية المدرسية هي وسيلة ذلك كله.

    5 - التربية الوطنية من أجل الديمقراطية "الشورى"
    لقد تبين أنه خلال التطور الحضاري وتغير الظروف السياسية أصبحت الديمقراطية ذات معاني كثيرة، فقد عرفها بعضهم بأنها عقيدة سياسية تستوجب سيادة الشعب في نظام يقوم على احترام حرية المواطنين والمساواة بينهم دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة، أو أنها نظام اجتماعي يؤكد على قيمة الفرد وكرامته على أساس المشاركة في إدارة شئون المجتمع، أو أنها مبدأ إنساني ينادي بإلغاء الامتيازات الطبقية الموروثة ويطالب بأن يكون الشعب مصدر السلطة السياسية، أو أنها نظام سياسي يمارس الشعب من خلاله حقه في الحكم عن طريق انتخابات دورية لممثليه.
    والديمقراطية بمعناها العام: طريقة للحياة يستطيع كل فرد أن يتمتع بتكافؤ الفرص عندما يشارك في الحياة الاجتماعية.
    ومعناها الضيق : الفرصة التي يتيحها المجتمع لأفراده للمشاركة بحرية في اتخاذ القرارات بنواحي الحياة المختلفة.
    ويعد مبدأ الشورى أحد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية، وهو الإطار الفلسفي الذي ينبغي لها إتباعه كأساس لبناء نظامها السياسي، لأنه المنهج الإلهي الذي أمر به القرآن الكريم للحاكم والمحكوم ولأمة الإسلام سواء أكانوا جماعة أم دولة، قال تعالى : "¼والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” الشورى : 38.
    ولا تعد الشورى فرعاً من فروع الدين الإسلامي، ولكنها أصل من أصوله، والخطوة الأولى في طريق أولوية السلطة الربانية للعباد بصفتهم مواطنين كاملي الحقوق. ويعرف أحدهم الشورى بأنها "استطلاع رأي ذوي الخبرة للتوصل إلى أقرب الأمور للحق". ويعرفها أخر بأنها "استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور المتعلقة بها ". وهناك قيود للشورى يجب الالتزام بها، الأول : لا تتم الشورى في مسائل ورد فيها نص من الكتاب أو السنة، الثاني : لا تتوصل الشورى إلى نتائج تخالف نصاً ورد في الكتاب والسنة، مما يمنع الأخذ بها، أما ماعدا ذلك فإنه مجال للشورى.
    وإذا نظرنا إلى الديمقراطية كاتجاه عالمي، نجد أن مظاهر الديمقراطية تختلف من الحكومة النيابية كما في الولايات المتحدة إلى ديمقراطية المشاركة الشعبية كما في سويسرا، وقد شهدت الديمقراطية كنظام للحكم وأسلوب للعمل خلال الفترة الماضية انتصارات متلاحقة في الفكر السياسي والاجتماعي لدى معظم الشعوب، فأغلب دول العالم اليوم "61%" هي دول ديمقراطية، مقارنة بكونها كانت تمثل أقلية "42%" منذ عقد واحد فقط، وهذا التغير الأساسي حدث بطبيعة الحال في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق.
    والمعايير التي تستخدم لتصنيف الدول على أنها ديمقراطية هي "الانتخابات الحرة، وحكم الأغلبية" وهذه معايير وصفية بحتة، فالديمقراطية أكثر من مجرد صيغة معينة للحكم، حيث تمثل حالة نموذجية من المشاركة الشعبية، ولهذا يمكننا أن نتحدث عن دول أكثر أو أقل ديمقراطية، وهناك معياران لتقويم ديمقراطية ما، هما: مدى المشاركة الشعبية، ونوعيتها.
    وإذا نظرنا إلى العلاقة بين الديمقراطية والتربية نجد أن التربية عملية اجتماعية تقوم على تشكيل الفرد وإكسابه الصفات الاجتماعية التي تجعله يتكيف مع ثقافة المجتمع وأيديولوجيته. وإذا كان الفرد أساس المجتمع الديمقراطي، فإن تشكيله ديمقراطياً يكون هدفاً للتربية، ولا يتأتى ذلك إلا إذا اتخذت التربية من الفرد محوراً للعملية التربوية، ومن المبادئ والقيم الديمقراطية أسلوباً لها، ومن تقدم المجتمع هدفاً لها. والحكم على التربية كقوة اجتماعية إيجابية يتطلب قياس مخرجات النظم والحياة الاجتماعية السائدة، لمعرفة مدى اشتراك الأفراد في المصالح العامة، والحرية التي يتمتعون بها .
    ولا ينظر للديمقراطية كنظام حكم فقط، بل أيضاً كطريقة حياة تعد الإنسان قيمة في حد ذاته، فهو أداة التنمية وغايتها، ترفض القيود التي تقف أمام إطلاق طاقاته وتفتح قدراته، لتلتقي مع العمل التربوي على نفس الهدف، ولهذا كلما توفر المناخ الديمقراطي ازدهر العمل التربوي ومن ناحية أخرى تعد العملية التربوية الوسيلة الأساسية لتحويل المفاهيم الفلسفية الديمقراطية إلى قيم سلوكية يمارسها الإنسان ويدافع عنها .
    والسؤال المطروح الآن ما هي طرق التربية الديمقراطية ؟ للإجابة عن هأهمها:ال نجد أن هناك عدة طرق للتربية الديمقراطية من أهمها :
    1 - المدخل المجتمعي : يعتمد هذا المدخل على إشراك جميع الطلاب والأساتذة في صنع وفرض القواعد والسياسات الخاصة بحياة الطلاب وبالنظام ككل، ويتم تأسيس ذلك من خلال ديمقراطية المشاركة المباشرة "شخص واحد، صوت واحد"، ويميز هذا المدخل أنه يشرك جميع الطلاب في تحمل المسؤولية من خلال تحديد المعايير المشتركة وإدراك معنى الجماعة، ويتفهم الطلاب نموذج الديمقراطية من خلال ثلاث مراحل :
    أ ) أن يشعر كل طالب بأنه حر في التعبير عما في ذهنه والدفاع عن مصالحه الخاصة.
    ب) أن يعتاد الطلاب على الاستماع للآخرين، واحترامهم، والاهتمام بما يقولون، والتفكير فيما هو أصلح للأغلبية.
    ج) أن يعتاد الطلاب على الحوار المفتوح مع الاهتمام بوجهة نظر الأقليات والجماعة ككل .
    2 - مدخل مجالس الطلاب : يقوم هذا المدخل على ديمقراطية نيابية تضمن لمجموعة مختارة من الطلاب الدخول في خبرة من الحوار العلني، ويؤخذ على هذا المدخل أنه يقصر العملية على عدد محدود من الطلاب الذين يفوزون في الانتخابات، وهم غالباً أولئك الطلاب الملتزمون بالمدرسة الذين نمت لديهم نسبياً مهارات اجتماعية، وليس الطلاب المغتربين الذين يحتاجون بشدة للفوائد التي توفرها المشاركة الديمقراطية، ويلجأ إلى هذا المدخل بسبب الصعوبات البنيوية التي تواجه المدخل الأول، مثل "كبر حجم المدارس، والوقت المخصص" .
    3 - أنشطة المناهج الإضافية : تتخوف بعض المجتمعات من منح السلطة للطلاب، وعدم قدرتها على الوفاء بالإمكانيات الزما نية والمكانية التي يحتاج إليها التدريب على الديمقراطية في المدخل المجتمعي ومدخل مجالس الطلاب، مما يجعلها توجه اهتمامها إلى أنشطة المناهج الإضافية باعتبارها المجال المناسب للتربية الديمقراطية، لأنها تسمح بمزيد من المبادرات الطلابية وتحمل المسئولية لديهم، ومن أكثر أنشطة المناهج الإضافية دلالة على التقدم في تنمية الاتجاهات والقيم الديمقراطية هو نشاط خدمة المجتمع، حيث تشير عدد من الدراسات التي تمت على طلاب المدارس العليا في المجتمع الأمريكي، بتأثيره في التزام الطلاب على مساعدة الآخرين ومقاومة عدم المساواة الاجتماعية . وتقدم الأنشطة الرياضية كذلك فرصة للتربية الديمقراطية من خلال بناء الشخصية، ولكن الأمر يتوقف على المعلم وتركيزه على تنمية بعض الصفات مثل "الأمانة، والتعاون، والتوجيه الذاتي" أثناء اللعب . وتوجد فرص عديدة في المناهج الأخرى وأنشطتها.

    6 - وثيقة المـواطنـة البيئيــة
    تم تبني وثيقة "المواطنة البيئية" التي طرحها برنامج الأمم المتحدة للبيئة لدول غرب آسيا (UNEP) والذي أعلن رسمياً عنها في منتدى الجمعيات الأهلية العربية في سبتمبر 2001م.
    و"المواطنة البيئية" تعني أن يكون مواطن هذا العصر واعياً بأهم القضايا البيئية ليس داخل وطنه فحسب بل عضواً نشطاً وفاعلاً في مجموعة بشرية أوسع نطاقاً، أي أن يلتزم بواجبات تجاه شعوب تعيش خارج وطنه وهو بالتالي مواطن ذو صبغة عالمية. إلى جانب تعزيز السلوكيات السليمة الواعية والمسئولة لرفع كافة التحديات التي تواجه أجيال الحاضر والمستقبل.
    واثق من نفسه، متأهب لخوض التحديات ومواجهتها، مثقف وواعٍ لما يدور في مجتمعه رغم مرضه، مفعمٍ بالمحبة والحنان، مهيأ لأخذ دوره في محيطه ومجتمعه.
    أهداف الوثيقة:
    • إكساب المواطنين المهارات التي تساهم في الإصلاح البيئي من أجل تحقيق تنمية مستدامة.
    • وقاية البيئة من المشاريع التي تلحق الأضرار بها، والمطالبة بإثبات عدم وجود أضرار بعيدة المدى للمشاريع المقترحة.
    • الإسهام في رفع مستوى المعرفة والثقافة البيئية العامة للأفراد وتحفيزهم على المشاركة في اتخاذ القرارات ووضع الحلول المعنية بالشؤون البيئية والتنموية.
    • تبادل الخبرات بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية وبين اللجنة الخاصة ببرنامج المواطنة البيئية التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لدول غرب آسيا (UNEP).
    • تحسين السلوك البيئي المتبع في الحياة العامة.
    الجوانب الأساسية للوثيقة:
    ينقسم برنامج المواطنة البيئية إلى عدة أقسام تحقق التصور المتكامل المنشود لمفهوم المواطنة في وثيقة الأمم المتحدة من خلال البرامج الأساسية التالية:
    البرنامج الأول:
    يهتم بالتوعية العامة عن طريق الاحتفال بالمناسبات البيئية بصورة مبتكرة والاستفادة من هذه المناسبات لنشر المفاهيم البيئية الأساسية، وهو برنامج يستهدف مختلف الشرائح الاجتماعية.
    البرنامج الثاني: التواصل مع الجهات الدولية المعنية وطرح القضايا المشتركة التي لها تأثير على الوطن وعلى كوكب الأرض بشكل عام، حيث تبنّت الجمعية الحملة الوطنية لنشر مبادئ ميثاق الأرض في الاجتماع الإقليمي العربي حول ميثاق الأرض المنعقد في عمان – الأردن عام 2001م.
    البرنامج الثالث: برنامج تخصصي يستهدف فئات عمريه محددة، ويجري من خلاله إعداد مناهج تفصيلية تغطي أهم المواضيع التثقيفية البيئية بمستويات مختلفة حسب الفئة العمرية المستهدفة.
     
  6. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة باحث مميز الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    7,221
    الإعجابات المتلقاة:
    20,093
    المتغيرات المعاصرة وأثرها على مفهوم المواطنة

    تشير الأحداث اليومية التي يؤكدها الواقع المعاش وتنشغل بها الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية والجماهيرية إلى تحد واضح متجدد لمبدأ المواطنة ومفاهيمها في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وتتعدد هذه العوامل التي يقف خلف هذا التحدي لتشمل متغيرات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية تبلورت في إطار القوة الواحدة في العالم ونظرتها لمن حولها وما تهدف إليه من مصالح جعلتها تروج لمفهوم جديد لمواطنة عالمية في عصر يعرف بعصر العولمة تدعمها في السعي الحثيث لتحقيق ذلك القوة السياسية والعسكرية التي تحت يدها، ومن أهم هذه المتغيرات التي تعد دواعي أساسية لانبعاث هذا المفهوم الجديد للمواطنة والذي سمي (المواطنة عديدة الأبعاد) ما يلي :
    1) إن عولمة الأسواق تؤدي إلى توحيد المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلاقات الثقافية بين المجتمعات .
    2) إن النمو في صناعة الاتصالات العالمية سوف يزيد من تأثير اللغة الإنجليزية في الحياة اليومية لشعوب العالم .
    3) الاختلاف الثقافي سوف يصبح النقطة المركزية للسياسات القومية والدولية.
    4) ألهويات الدينية والأخلاقية سوف تزداد بشكل مثير بما يؤثر في مركزية السلطة في العالم .
    5) في عالم تتزايد فيه إزالة الحدود فإن التعاون بين الأمم يجب أن يلعب دوراً أكبر ويتولى وظائف ومهام الأمة.
    6) إن مستوى التوتر الناشئ عن التنافس للنمو الاقتصادي من جهة والمسؤوليات الأخلاقية والبيئية من جهة أخرى سوف تزداد بشكل ملحوظ .
    7) إن التطور العلمي وكذلك القوة النووية تزداد بشكل مستمر كمصدر هام للطاقة رغم خطورتها البيئية .
    8) إن تقنية المعلومات ستشجع الاتصال وستسهم في توحد الإفهام عبر الثقافات والأمم والتأثير على الخصوصيات .
    9) الصراع داخل الجماعات ( الأخلاقي - الديني - الإقليمي ) سوف يزداد بشكل ملحوظ داخل الأمم وفيما بينها.
    10) إن تأثير ( التطرف والإرهاب ) من خلال أنظمة سياسية – طوائف – حركات – تيارات – سوف يتصاعد بشكل قلق.
    11) تأثير الإعلام العالمي في السلوك الإنساني سوف يزداد بشكل مثير .
    12) إن إحساس الناس بالمجتمع والمسؤولية الاجتماعية سوف ينحسر بشكل ملحوظ .
    13) تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم وتفجر العنف بل والإبادة الدموية ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها أيديولوجيا الحداثة من بلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي أو على يد قواه الكبرى ، بدءاً من الإبادة الصربية للمسلمين ، و انتهاء بالإبادة الأمريكية للعراقيين وللأفغان ومروراً بالإبادة المستمرة للفلسطينيين .
    14) بروز فكرة " العولمة " التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيات من ناحية أخرى ، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية ، وكلها مستويات شهدت تحولات نوعية .
    15) إن نمو الاتجاهات الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة في البلدان التي مثلت مهد التجربة الليبرالية قد أدى إلى مراجعة المفهوم والتأكيد على محوريته لمواجهة هذه الأفكار وآثارها في الواقع السياسي والاجتماعي الغربي المعقد مع وجود أقليات عرقية ودينية منها العرب والمسلمون ، هذا فضلاً عن وصول الفردية - كفكرة مثالية لتحقيقه حرية وكرامة الفرد- إلى منعطف خطير في الواقع الليبرالي ، بعد أن أدى التطرف في ممارستها وعكوف الأفراد عن ذو اتهم ومصالحهم الضيقة إلى تهديد التضامن الذي يمثل أساس وقاعدة أي مجتمع سياسي ، وتراجع الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن الخاص ، وتنامي ما يسميه البعض " موت السياسة " وبروز سياسات الحياة اليومية.
    16) إن الكثير من الأزمات والتوترات الرابضة على أرض بعض البلدان العربية هي في المحصلة النهائية من جراء تغييب مفهوم المواطنة والإعلاء من شأن عناوين خاصة على حساب الإطار الوطني العام. وعبر هذا المنهج الذي غيب أو ألغى المواطنة لصالح ولاءات خاصة وعبر متواليات وتأثيراته التي فاقت التصورات وزادت من الاحتقان السياسي وأدت إلى هشاشة الاستقرار الاجتماعي في بعض الدول قد أفضت إلى خلق جزر اجتماعية معزولة عن بعضها البعض لا يجمعها إلا الاسم والعنوان العام ، والنتيجة الطبيعية عديد من المشكلات التي تحرص الأنظمة السياسية حالياً على مواجهتها من خلال دراسة آفاق تفعيل مبدأ المواطنة .
    ويمثل ذلك تحدياً داخلياً في المجتمعات العربية ومنها المملكة العربية السعودية حيث أدى تداخل حدود الانتماءات الفكرية والثقافية مع أبعاد المواطنة إلى تكوين شكل هلامي في المفاهيم والممارسات وانعكست على الحقوق والواجبات ، خاصة في ظل التعدد الذي يصل إلى حد التناقض بين رؤى وتيارات الفكر السياسي والاجتماعي حيال المواطنة والتي أخذت شكل الإقصاء أو التنكر من جهة والتهميش والتغييب من جهة أخرى ، إذ شهد تطور الفكر السياسي العربي على مدى القرن الفائت بروز عدة اتجاهات تقاسمت القنا عات الشعبية ، واختزلت ممارساتها في رفع شعارات دون تأصيل للمفهوم وتجذ يره في بنية الوعي وإكساب آليات تحققه على أرض الواقع مما أدى بحق إلى هدر في الطاقات الوطنية وتدني الإفادة منها .
    وإذا كانت المتغيرات العالمية المعاصرة تلقي بتبعات ومسؤوليات جديدة على المواطنة تضاف إلى خللها وتشوهها في بنية الوعي العربي وما يترتب عليها من ممارسات وانشقاقات ، وإذا كان تقدم وسائل الاتصال والبث في العصر الحاضر أدى إلى نوع من الانفتاح غير المسبوق الذي يؤدي في مجال الفكر والمفاهيم السياسية والثقافية إلى اختلاط في الأوراق وخلل في الرؤية والاختيارات ، واختطاف أمام بريق الشعارات وخاصة لدى فئة الشباب وما يسمى خصوصيات ثقافة هذه الفئة في علم نفس الاجتماع من حب كل جديد ورغبة في التغيير وتأكيد ألذات ، والاستقلالية – والصراع مع ثقافة الكبار .
    1-المواطنة هي الوعاء الحقوقي للتسامح

    ظهر مفهوم التسامح كنتاج لعصر النهضة والتنوير اللذين سادا في أوروبا في القرن السابع عشر، على أنقاض حكم الإقطاع المتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية؛ وكان هذا الحكم لا يؤمن بالعلم والمعرفة والتعددية، بل كان يفرض مفهوماً قيمياً واحداً وشاملاً؛ لذلك كانت سمة تلك المرحلة هي الصراعات التي تتخذ الطابع الإثني، والمنطقي، والجغرافي، والمدني، رغم أن جوهر تلك الصراعات طبقي واقتصادي أساساً.
    أما رموز عصر التنوير أمثال هو بز، ولوك، وروسو، ومونتسكيو... الخ فقد طرحوا مفهوماً آخر يقوم على العقد الاجتماعي ما بين المواطنين والحكم، وعلى آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين أطراف المجتمع وبين المواطنين أنفسهم بالاستناد إلى القانون؛ وعليه فقد ساد مفهوم المواطنة، حيث تحول المواطن إلى ذات حقوقية وكينونة مستقلة، بعد أن كانت القبيلة أو العشيرة أو الوحدة العضوية هي ذلك الإطار، الذي ترتبط علاقاته بالآخرين بناءً على موازين القوى ومنطق القوة أصلاً.
    ومع ظهور قوانين حقوق الإنسان ومنها وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية وغيرها، وانتشار تلك المواثيق في المستوي الكوني، وبخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، وكذلك العهدين الحقوقيين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكذلك السياسي والمدني، اللذين صدرا عن الأمم المتحدة عام 1966، أصبحت هناك قيم ومفاهيم ومعانٍ جديدة تستند إلى منطق المواطنة، وعدم التمييز والمساواة في كل التعاملات المجتمعية في نفس الدولة أو على الصعيد العالمي؛ فهناك حقوق للبشر أينما تواجدوا تنظمها تلك المواثيق وتستند إلى التعامل بالتساوي مع أبناء البشر، وبغض النظر عن الدين، أو العرق، أو اللغة، أو الجنس، أو الأصل الاجتماعي.... الخ.
    وهذا ما أكدته الكثير من الدساتير في البلدان المحلية عندما أكدت أن الجميع أمام القانون سواء، فقد أصبح القانون هو الناظم في العلاقة ما بين المواطنين المتساوين الأحرار، وأبعدت بذلك منطق توازنات القوى أو محاولة أخذ القانون باليد، التي كانت سائدة بالاستناد إلى وجود البنى العشائرية والقبلية، فأصبح الذي يخالف القانون يجازى أمام القضاء الذي يفترض به النزاهة والعدالة والاستقلالية بغض النظر عن موقعه الوظيفي، أو مكانته الاجتماعية، أو أصوله الطبقية.
    وأصبحت هناك أجهزة للدولة مثل "الشرطة والجيش" تقوم وظيفتها الأساسية على حماية المواطن وأمن واستقرار وسيادة البلاد "الوطن" أيضا؛ ومثل تلك الأدوات "الشرطة والجيش" تكون في خدمة الدولة، والوطن، والمواطن؛ وذلك بغض النظر عن طبيعة الحزب السياسي الذي يحكم الدولة؛ فالمواطن لا يخضع لهذا الحزب الذي يتربع على سدة الحكم اليوم لأنه سيتغير غداً عن طريق مبدأ الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة، في إطار التعددية الحزبية والسياسية التي أخذت مكانها بدلاً من التعددية القبلية والعشائرية، بوصف الأحزاب السياسية تعبيراً راقياً عن قوى اجتماعية فاعلة في المجتمع ولكن بلغة سياسية؛ وهكذا وجد المواطن نفسه، بوصفه ذاتاً حقوقية مستقلة، يرتبط بعلاقة قانونية وتبادلية بينه وبين الدولة تضمن حقوقه وتفرض عليه واجبات، مستنداً إلى مضمون الحماية من أجهزة الدولة ومن القانون؛ فهو ليس بحاجة إلى الانضواء في بنى قبلية أو عشائرية للاحتماء الذاتي، والحفاظ على أمنه الشخصي، بل من خلال القضاء والقانون والشرطة وغيرها من الأجهزة التي من الضروري أن تفترض الأمن للجميع.
    ورغم أن المواطنة جاءت نتاجاً تحولياً اجتماعياً واقتصادياً أساساً في إطار تفكك البنى القبلية والعشائرية وسيادة المواطن كوحدة اقتصادية وحقوقية مستقلة، إلا أن ذلك النتاج تعزز من خلال منطق سيادة القانون وأجهزة حفظ الأمن الذاتي والأمن العام في الوطن؛ وبالتالي لم ينبر أحد للتفكير بأدوات للحماية الذاتية، بل انبرى الجميع للتفكير بالانخراط بأدوات تعبر عن مصلحة جمعية عن طريق الانضواء في حزب سياسي أو نقابة مهنية أو منظمة أهلية، يمارس بها المواطن دوره وفاعليته ونشاطه ومشاركته في الحياة الاجتماعية الوطنية العامة على قدم المساواة مع الآخرين، وما يميزه هو فاعلية دوره في تقدم المجتمع وليس أصله العرقي، أو الاجتماعي، أو الطبقي، أو جنسه أياً كان ذكراً أم أنثى.

    وعليه فقد أصبحت المواطنة هي الآلية للحد من الصراعات الإثنية، والعرقية، والاجتماعية، والجنسوية، على قاعدة مبدأي عدم التميز والمساواة، وأصبح من غير الغريب أن تجد مجتمعاً متعدد الأعراق والأصول كفئة موحدة وفق منظومة من البنى القانونية، والمفاهيم الاجتماعية والقيمية التي تشترط عدم التميز والمساواة في الحقوق والواجبات. وقد أدى هذا إلى إنهاء مفهوم العنصرية الذي أصبح مفهوماً مثيراً للاشمئزاز للإنسان، وتعزز ذلك عبر كفاح الشعوب ضد أنظمة الاستعمار من أجل إزالة نظام التمييز العنصري كما حصل في كفاح شعب جنوب إفريقيا، وكذلك عبر حركة الحقوق المدنية والتي عبر عنها مار تن لوثركنج في الولايات المتحدة الأمريكية، تلك الحركة التي أفضت إلى إلغاء كل القوانين العنصرية بحق السود الذين كان يتم التعامل معهم بوصفهم كائنات إنسانية من الدرجة الثانية أو الثالثة.
    كما تم إلغاء العديد من القوانين والإجراءات التمييزية بحق النساء، وأصبحنا نجد أن الكثير من النساء يتبوأن مراكز قيادية في الكثير من الأحزاب أو النقابات، أو يصبحن أعضاء برلمان، أو حتى رؤساء دول؛ واستطاعت الحركة النسوية العالمية تحقيق إنجازات رائعة على هذا الصعيد، كما حققت فئات اجتماعية كانت محرومة ومقهورة كثيراً من الإنجازات على صعيد حقوقها ومنها الحركة العمالية على سبيل المثال؛ وقد تعزز ذلك عن طريق المواثيق الدولية الكثيرة التي ضمنت حقوق العمال. ومؤخراً انتصر الزعيم "لولا" في البرازيل وهو قائد عمالي ونقابي سابق وأصبح رئيساً للدولة البرازيلية.

    لقد تحققت الإنجازات الواردة أعلاه بفضل مفهوم المواطنة، ومنطق القانون، وسيادته على قاعدة عدم التميز والمساواة؛ ولكنني أريد أن أشير في هذا السياق إلى أن مبدأ التسامح مبني أساساً على الحقوق، أي حقوق البشر جميعاً والشعوب أيضا؛ وكما هو الحال في الحديث عن الحرية التي تنتهي عند الاعتداء على حرية الآخرين وأنه لا يمكن اعتبار أي شعب حر إذا استغل شعباً آخر، ينطبق هذا أيضاً على مبدأ التسامح؛ فالشعوب وحدها لها الحق الثابت وغير القابل للتصرف في تقرير المصير، وهو حق كفلته المواثيق والقوانين الدولية، وعليه فلا تسامح مع المعتدي الاستعماري الغازي الذي يريد قهر حرية الشعوب والسيطرة على مقدراتها، ونهب تلك المقدرات.
    وكذلك لا يوجد تسامح عند اعتداء دولة على دولة أخرى أيضاً، فالتسامح ينتهى في هذه اللحظة، ويصبح المطلوب هو قيام الشعب أو الدولة المستهدفة بالكفاح المشروع والعادل ضد الاحتلال والغزو الاستعماري؛ كما أنه بعد جلاء الاحتلال عن البلاد التي كانت محتلة يجب عدم استخدام منطق التسامح، عبر غض النظر عن التعويض الذي يجب أن يدفعه الاحتلال، أو القوة الاستعمارية، لقاء الدمار والخراب الذي لحق بالوطن المحتل؛ وذلك لأن العلاقة ما بين الدول ينظمها القانون الدولي، وأن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب وحقوقه في تقرير المصير أيضا مبادئ غير قابلة للتصرف كفلها القانون الدولي.
    من الممكن، إذن، أن يتم البدء بتفعيل مفهوم التسامح عند قيام الدولة المعتدية وبعد الانسحاب بتقديم التعويضات اللازمة والاعتذار؛ ومن الممكن في هذه اللحظة أن يقوم الشعب الذي خضع للاحتلال، ويبدأ بفتح صفحة جديدة من العلاقة مع الطرف المعتدي سابقاً؛ إن التسامح قيمة إنسانية وأخلاقية عليا تفترض المساواة بين أعضاء الجنس البشري وبين المواطنين في دولة ما، ويعني بلغة بسيطة عدم القيام بالثأر، أو أخذ القانون باليد، أو الاعتداء على شخص آخر يختلف بالرأي أو المعتقد، أو من جنس آخر، أو من عرق أو دين آخر، أو عدم القيام بالاعتداء على دولة ضعيفة فالمواطنون أمام القانون سواء، كما أن الدول متساوية في الحقوق أمام القانون الدولي.
    إن هذا المنطق المدني والقانوني لا يطبق بالضرورة في الواقع، فالعالم والمنظمات والمؤسسات الدولية تخضع للطرف المهيمن والمسيطر اقتصادياً وعسكريا؛ ً وكذلك الحال في مجتمع ما، فإن الحكم كثيراً ما يكون لصالح الطبقة الاقتصادية الأكثر نفوذاً وسيطرة.
    غير أنه في الحالتين يجب الاستمرار بتبني مفهوم التسامح المبنى على الحقوق والحريات، ويجب الاستمرار في الكفاح الذي يفترض أن يكون شرعياً وعادلاً من أجل تعديل تلك الموازين على قاعدة المواطنة والمساواة أمام القانون سواء أكان محلياً أم دولياً.

    2-المواطنة و الديموقراطية

    في واقع الأمر ليس هناك وصفة قارة للديموقراطية, كما أنه ليس لهاتعريف يمكن اختزاله في تعليمات جاهزة للتطبيق و ذلك لأن هناك أنواعا من الديموقراطية, و لأنها قبل هذا و ذاك مفهوم و واقع و نظام حكم متطور و متبدل يتغير مع الزمن و الظروف. و هذا أمر أضحى مسلما به و لم يعد يحتاج للتدليل.
    فالديموقراطية نظام سياسي و اجتماعي و ثقافي مركب, لذلك فان ترويج و تكريس ثقافة الديموقراطية يعتبران أمرين حيويين و هامين للغاية. و ثقافة الديموقراطية لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في نشر تعريف لها أو وصلات اشهارية تلفزية بهذه المناسبة أو تلك. إن هذه الثقافة لا تستلزم تلقين الناس تعريفا مختزلا للديموقراطية و إنما تستوجب تعريفهم بمقوماتها الضرورية و التي بفقدانها أو غيابها تفتقد الديموقراطية مضمونها الحيوي, علاوة على أنها مقومات لا يمكنالاستغناء عنها في عملية إرساء و بناء الديموقراطية. و من أهم هذه المقومات الفصل بين السلط و استقلال القضاء و حكم الأغلبية بواسطة تمثيل برلماني و الفصل بين الحيز العام و الحيز الخاص, لأنه لا يمكن تصور أي نوع من أنواع الديموقراطية دون تلك المقومات التي تتطور هي كذلك عبر تفاعلها على الصعيد السياسي و الاجتماعي.
    و لعل من أهم تلك المقومات كذلك بالنسبة لبلادنا مفهوم و فكرة و واقعالمواطنة من المنظور الديموقراطي, علما أنه ليست كل مواطنة ديموقراطية, إلا أن المواطنة الحقة هي مقدمة النظام الديموقراطي. لكن هل يجب تعميم ثقافة الديموقراطية قبل إقامة النظام الديموقراطي أم العكس؟ أيهما يجب أن يسبق الآخر, إقامة النظام الديموقراطي وتعميم مقومات الديموقراطية أم ثقافة الديموقراطية؟
    إن محاولة الإجابة القاطعة على هذا السؤال من شأنها أن تدخلنا فيدوامة لا طائل وراءها, لاسيما في حالة عدم وجود إمكانية انتشار ثقافة الديموقراطية و ثقافة الحقوق سواء تعلق الأمر بعلاقة الفرد مع الدولة أو بعلاقته مع بقية الأفراد.
    وهل يمكن أن تكون ممارسة ديموقراطية قبل إرساء النظامالديموقراطي؟
    وهذا سؤال خلافا لسابقه, يمكن الجواب عليه بالقطع, إذ لا يمكنممارسة الديموقراطية قبل قيام نظام ديمقراطي دون تطوير و تكريس المواطنة. لأن المواطنة هي الإمكانية الوحيدة لتكريس سيادة القانون و المساواة أمامه و لممارسة الحد الأدنى من الحقوق, و من ضمن ذلك المطالبة بالحقوق.
    فإذا كان المواطن يتوقع حقوقا سياسية بحكم كونه مواطن و كونه دافعالضرائب, فان الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية و إنما التعامل بالحسنى و التسامح. لذلك تكون المواطنة هي المنطلق للمطالبة بالديموقراطية بغرض الوصول إلى السلطة و توسيع مفهوم المواطنة. لأن الديموقراطية هي في الحقيقة حكم ممثلي الأغلبية بموجب القيمالديموقراطية و على رأسها المواطنة.
    إن غياب المواطنة يقوض من جدلية العلاقة القائمة بين المواطن -المجتمع المدني- الدولة الديموقراطية, علما أن الدولة في غياب المواطن تعتبر دولة لا يمكنها, حتى إن حاولت, تجسيد مفهوم و فكرة سيادة الشعب, كما أن الرعية المحكومة في غياب المواطنة لا يمكنها تجسيد مفهوم الحقوق على أرض الواقع المعاش و تساهم فيتطويرها.
    ففي عصرنا الحالي تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته, أي من كونه مواطنا في الدولة. و بذلك تكون الدولة الديموقراطية هي دولة المواطنين. و تظل الإشكالية القائمة في المجتمعات الحديثة العهد بالديموقراطية هي تعويد الفرد أن يتصرف كمواطن و تعويد القوى السياسية أن تتبنى فعلا و فعليا مفهوم المواطنة و المساواة أمام القانون مادامت المواطنة تعتبر وجها من وجوه السيادة.

    ا) المواطنة الديمقراطية والفاعلية الاجتماعية
    المواطنة كانتماء عضوي بالدولة لا تحيا أو تتفعّل دونما حاضن ديمقراطي يهبها الانتماء والاعتراف والتجذّر، فالعلاقة بين المواطنة والديمقراطية علاقة توأمة لأية تجارب تُنتجها الجماعة السياسية المكونة للدولة، كون أنَّ الديمقراطية تقوم على أساس الاعتراف بالإنسان وحقوقه الأساسية من كرامة واختيار وحرية وإرادة، وعلى أساس حق المواطن بالتعبير والمشاركة وصُنع القرار.. وهي ذاتها مقومات المواطنة الفعّالة والصالحة في ظل الانتماء للدولة الحديثة، من هنا كانت المواطنة الديمقراطية أساس الفاعلية الاجتماعية لأنها تهب شروط النهضة وركائز الفاعلية الإنسانية والوطنية.
    وبالمقابل لا يمكن تصوّر نشوء أية فاعلية إنسانية أو وطنية حقيقية في ظل المواطنة الدكتاتورية،.. فالمواطنة القابعة تحت سيطرة الاستبداد والاستعباد، الفاقدة للحرية والإرادة، المحرومة من التعبير والمشاركة.. لا يمكنها أن تُبدع أو تُنتج، والفاعلية والإبداع لا يصدر عن مجتمع السادة والعبيد.. بل يصدر عن مجتمع المساواة والتكافؤ والمشاركة،.. والمواطنة الديمقراطية هي الأساس الموضوعي الواهب لإمكانيات النمو الفعّال صوب التكامل الوطني كونه يهب شروط النهضة ومقومات الفاعلية المتواصلة.
    إنَّ مؤشرات الركود أو الفاعلية لأي مجتمع، إنما هي رهينة الوجود والفاعلية المجتمعية المرتبطة جوهرياً بمنظومة الرؤى والبرامج المديرة للجهد الاجتماعي العام في تشكلا ته المعرفية والسياسية والاقتصادية. فعلى ضوء الفهم والتخطيط لطبيعة المجتمع وتشخيص ركائزه وثوابته الأساسية وإدراك مناحي حر كيته ومعالم تطوّره ضمن مسارات كُليّة مُحددة.. تنتج لدينا مؤشرات النهوض والتقدم المجتمعي العام. وأي عمل يتنافى مع طبيعة المجتمع أو يجهل آليات حركته أو يعجز عن رسم معالم تطوّره أو يفشل في حل إشكاليات السلطة لديه.. سيقود لكارثة لا تزيد الواقع الاجتماعي سوى تقهقراً ورائياً في مناحي واتجاهات الحياة برمتها. من هنا يرتبط وجود وفاعلية المجتمع الإنساني والوطني بالمشروع الاجتماعي - السياسي الصالح والناهض والقادر على حفظ الوجود الاجتماعي ودفعه قُدماً نحو التطوّر. ومشروع الدكتاتورية لا يمكنه ذاتاً من إنتاج الفاعلية والتطوّر كونه يؤسّس وجوده على الاستبداد والاستعباد القاتل للروح الإنسانية والانتماء الوطني، بخلاف المشروع الديمقراطي الذي يؤسّس كيانه على الاعتراف والمشاركة والحرية والإرادة.

    إنَّ المجتمع أساساً هو: الهيئة الحاصلة من اجتماع مجموعة من البشر يعيشون في بيئة واحدة ويتألف بينهم الترابط من جهة القيم والأنظمة والقوانين والتقاليد والآداب والحاجيات والأشغال والمصالح المشتركة لتنتج عنهم حياة اجتماعية.
    إنَّ الحياة الاجتماعية من الأمور الفطرية المودعة في كينونة المخلوق البشري، فالإنسان اجتماعي ومدني بالخليقة، أي أنها ميزة خَلقيّة طبيعية لا تتولّد عن الاضطرار أو الاختيار أو التعاقد، فالإنسان إنسان بالقوة "أي استعداد إنساني محض" وإنما تخرج إنسانيته إلى الفعل والتحقق من خلال المجتمع.
    ومع أنَّ وجود المجتمع - كوجود- يُعتبر وجوداً اعتبارياً،حيث أنَّ الموجود في الخارج هم الأفراد على سبيل التحقق، إلاّ أنَّ وجود المجتمع وجود حقيقي بالتتبع، لأنَّ الناتج من التفاعل القائم بين أفراد المجتمع إنما هو ناتج حقيقي وهو الروح أو الطبيعة الجماعية، وهذه الروح الجماعية هي في الحقيقة ناتج جديد حقيقي هي بمثابة نفس جديدة ناتجة عن النفوس الفردية الداخلة في التشكيل الاجتماعي، فالأفراد وحين انخراطهم في الهيئة الاجتماعية فإنهم يتفاعلون كموجودات حقيقية فيما بينهم من جهة الأفكار والمشاعر والأحاسيس والحاجيات والمصالح المتبادلة، وهنا فالناتج من تفاعلهم الحقيقي هذا هي الروح الجماعية أو الروح الاجتماعية التي هي وجود حقيقي بدوره، فيكون للمجتمع وجود حقيقي وإن كان اعتباريا من حيث الأصل.

    إنَّ للمجتمع أصالة كما للفرد أصالة، فأصالة الفرد محققة ذاته وعلمه وعمله وثقافته.. الخ، وأصالة المجتمع محققة من الروح والشخصية والإدراك والإرادة الجماعية العامة التي يؤلفها اجتماع الأفراد وما ينتج عنهم من تفاعل، فحياة وموت ورقي وتخلف المجتمعات حقيقة واقعية، فيمكنك أن تحكم على مجتمعٍ ما بالتخلف مع أنَّ صفة التخلف لا تصدق على جميع أفراده ففيهم الواعي والمتعلم والمثقف، وهنا فحكمنا جاء على المجتمع باعتبار أنَّ له وجوداً أصيلاً إلى جانب أصالة أفراده، من هنا كان للمجتمعات سُننها التاريخية الخاصة رقياً أو انحطاطاً مجداً أو ذلةً قوةً أو ضعفاً، وأنَّ لها أجلاً ومصيراً مشتركاً واحداً،.. لذا نعي: أنَّ العلاقة بين المجتمع وفاعليته وتأريخه هي علاقة تبعية بالضرورة، فالمجتمع هو الذي يصنع قدره ومصيره، من هنا كان عليه إعداد ذاته والارتفاع بمحتواه والرقي بمضامينه ومُثله وأخلاقياته واستعداداته في القوة والمناعة والعلم والعمل لضمان خلق مجده، وبخلاف ذلك فسيكتب بيده تأريخ اندحاره ليُشطَب من سجل التأريخ الإنساني كمجتمع حي وفاعل ومؤثر.
    وهنا يبرز السؤال الأهم: تُرى كيف يكسب المجتمع الحياة والفاعلية التاريخية؟ إنَّ الأمر مرهون بقدرة المجتمع على إدارة ذاته بحكمة وواقعية وتناغم وسلام.. وهي إدارة تتطلب مشروعاً سياسياً بالعمق يستطيع إنتاج دولة وسلطة قادرة على تمثيل الكل الإنساني والوطني بحيادية ونزاهة، وقادرة على خلق أنساق من الرؤى والمرتسمات على أرضية البقاء والبناء والتقدم، وهنا فالمواطنة الديمقراطية هي لبنة المشروع الاجتماعي السياسي الضامن لتمثيل الكُل الوطني المتناغم والفعّال، كونها تقوم على أساس الاعتراف والتكافؤ والمشاركة والحريات المسئولة والهادفة.

    إنَّ المشروع الحضاري الديمقراطي التي تُشكّل المواطنة الفعّالة عاموده الفقري هو الضامن لإنتاج فاعلية اجتماعية تصاعدية من خلال إنتاجه للسلطة الحيادية تقف على مسافة واحدة من الكُل الوطني بعيداً عن الإقصاء والتهميش والإكراه والحجر، وهو الموفر لمقومات البناء والبقاء من خلال حله لإشكاليات السلطة والإدارة العامة للمشروع الإنساني السياسي.
    من هنا كان المجتمع الديمقراطي هو ذلك المجتمع المتناغم في تشكيلاته الهادفة لإقرار المصالح العامة التي تعود على مؤسساته وأفراده بالنفع المباشر، وهو المجتمع الممتليء أصالةً وسيادةً ووعياً لذا ته وأدواره ومسؤولياته، وهو المجتمع الرافض ثقافياً ومعرفياً وعملياً لشرعية القوة والاحتكار السياسي للحياة العامة، وهو مجتمع الاختيار والقانون لا مجتمع القوة والاستبداد، إذ لا يتأسس على الغريزة والخوف بل يقوم على الحرية المُنتجة للاختيار والقانون المُنتج للنظام، لذا فالحركية والفاعلية والإبداع والتقدم نتائج موضوعية للمجتمع القائم على أساس المواطنة الديمقراطية.

    3-المواطنة والثقافة الوطنية
    ثمة علاقة في المضمون بين مفهومي المواطن والمواطنة. حيث إننا لا يمكن أن نحقق مواطنة بمعنى المشاركة وتحمل المسؤولية النوعية في الشؤون العامة، بدون مواطن يشعر بعمق بحقوقه وواجبا ته فيالفضاء الاجتماعي والوطني.
    فلا مواطنة بدون مواطن، ولا مواطن إلا بمشاركة حقيقية في شؤون الوطن على مختلف المستويات. لذلك فإن بوابة إنجاز حقيقة المواطنة في المجالين العربي والإسلامي، هي العمل على إنجاز مفهوم المواطن الذي يحررنا على المستويين الثقافي والاجتماعي من حالة السد يم البشري الذي لا شأن له في أمور حياته الكبرى، ولا يتدخل في بناء حاضره وصياغة مستقبله.
    وبدون الدخول في جدل لغوي أو سجلات أيدلوجية وسياسية حول مصطلح (المواطن) ومدى توافره في الفضاء الثقافي العربيوالإسلامي، فإننا نعتقد أن المضمون السياسي والحقوقي الذي يحتضنه هذا المفهوم، هو ذات المضامين التي يقرها الإسلام للأفراد وكل المسلمين. فالإنسان المسلم في التجربة السياسية الإسلامية بحقوقه ومكاسبه وواجبا ته ومسؤولياته هو ما نصطلح عليه اليوم مفهوم المواطن. فالمضمون والحقائق الكبرى واحدة بين هذين المفهومين.لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية تؤكد على حقوق الإنسان المسلم وضرورة صيانة حقوقه واحترام خصوصياته، وأنه على علاقة عضوية بين جميع أفراد المجتمع. فقد جاء في الحديث الشريف: (يا أيها الناس إن أباكم واحد وأمكم واحدة، كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).. وأن (المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم).. فهذه الحقوق التي تؤكد عليها النصوص الإسلامية، هي ذاتها الحقوق التي يتضمنها مفهوم المواطنة المعاصر.وبمقدار ما ينتقص من هذه يبرز الخلل السياسي والاجتماعي. فحينما يتطابق المثال والواقع على هذا الصعيد، يكون الاستقرار السياسي الحقيقي، وتنتهي كل موجبات الاهتزاز والانحراف. أما حينما يتفا رق الواقع مع المثال وتتسع الفجوة بينها، فإنه بمقدار هذه الفجوة، تبرز المشكلات وتتضخم التوترات والمآزق. من هنا فإن الاستقرار السياسي والأمن الشامل، لا يتحققان على الصعيد الواقعي، إلا بحصول المواطن على كل حقوقه، وبإمكانه الفعلي في ممارسة دوره الكامل في الحياة العامة. فحيثما كانت هناك ديمقراطية حقيقية ومشاركة سياسية نوعية، كان هناك الأمن والاستقرار. وبغياب الديمقراطية والمشاركة السياسية، تغيب الكثير من العوامل التي تساهم بشكل مباشر في الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي.. وعليه فإن الإصلاح السياسي المتواصل، الذي يطرد معوقات التقدم ويزيل كابح التطور ويحفز جميع شرائح المجتمع للمشاركة الفعالة، هو الضمان الحقيقي للأمن والاستقرار.
    واستقرار المجتمعات المتعددة الأيدلوجيات والثقافات، لا يتحقق إلا من خلال مواطنة متساوية، تسمح للجميع وبدون استثناء المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية والعامة. لذلك فإن مفهوم المواطنة لا يخص أو لا يتوجه فقط إلى الأقلية في مقابل الأكثرية، بل هو يستوعب الجميع، فهو يحافظ على حقوق الأقلية والأكثرية في نطاق مفهوم المواطنة الجامعة.وذلك لأن المواطنة في أحد تجلياتها تعني: المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن المعطيات الدينية أو المذهبية أو القبلية أو العرقية. فكل مواطن له كامل الحقوق وعليه كل الواجبات.
    وعلى ضوء هذا بإمكاننا القول: إن المواطنة بقيمها وحقوقها، وواجباتها ومسؤولياتها، هي الحجر الأساس لتطوير النظام السياسي وصيانةحقوق الإنسان وتجديد الحياة السياسية والثقافية وتنمية مقومات السلم الاجتماعي وعوامله وتعزيز الوحدة الداخلية. والمواطنة وفق هذا المنظور لا تبنى إلا في بيئة سياسية ديمقراطية- قانونية، تتجاوز كل أشكال الاستفراد بالسلطة والقرار أو الاستهتار بقدرات المواطنين وإمكانياتهم العقلية والعملية.
    والقاعدة العريضة التي تحتضن مفهوم المواطنة في الفضاء السياسي والاجتماعي، هي قاعدة العدالة والمساواة. فكلما التزم المجتمع بهذه القيم ومتطلباتها، أدى ذلك على المستوى العملي إلى بروز حقائق إيجابية في طبيعة العلاقة التي تربط بين مكونات الوطن الواحدوتعبيراته. فمقتضى العدالة الاعتراف بوجود التعددية في الفضاء الاجتماعي والسياسي وتنظيم العلاقة بين هذه التعدديات على أسس المواطنة المتساوية.
    فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع، وإنما تتعامل مع هذا الواقع منمنطلق حقائقه الثابتة، وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية في الفضاء الوطني. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مصانة بنظام وقانون يحول دون التعدي على مقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلباتها.
    والثقافة الوطنية تتشكل في خطوطها الرئيسة وآفاقها واولوياتها من الثوابت وطبيعة التفاعل بين الثقافات التي تكون مجموع التعددياتالمتوافرة في الفضاء الوطني. وعلى هذا فإن الثقافة الوطنية هي التي تكون تعبيراً عن حالة التنوع والتعدد الموجودة في الوطن. فليست ثقافة فئة أو مجموعة، وإنما هي ثقافة الوطن بكل تنوعاته وأطيافه وتعبيراته. ويكون دور الدولة ومؤسساتها في هذا الإطار هو توفير المناخ القانوني والاجتماعي وبناء الأطر والمؤسسات القادرة على احتضان جميع التعبيرات لكي تشارك في صياغة مفهوم الثقافة الوطنية وإثراء مضامينها بقيم المجتمع والعصر. "فالمعنى البديهي لتعبير الثقافة الوطنية يأتي من كونه تعبيراً عن حقيقة واقعة بالفعل، أي عن حقيقة اجتماعية- تاريخية قائمة وشاهدة.. بمعنى أنه ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أي ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك. فهذه مسألة قد لا يكون فيها خلاف لفرط وضوحها. أما الإشكاليات التي يتوقف على حلها تحديد المفهوم العلمي للثقافة الوطنية. فهي آتية من التشابك والتداخل بين جملة من العلاقات الموضوعية التي يتضمنها هذا التعبير في ما يتضمنه من الدلالات.
    إن هذه العلاقات تؤلف مركباً متشابكاً معقداً، ومتنامياً أيضاً بقدر تنامي الروابط في عصرنا، بين الثقافة وسائر مجالات النشاط البشري الاجتماعي دون استثناء. وذلك بناء على أن الثقافة ليست هي بذاتهاتتحرك وتنمو وتتطور، بل بما هي نشاط اجتماعي، أي بما هي مرتبطة عضوياً وديناميكياً بكل قوى الحياة التي تنتج تاريخ نمو المجتمع وتطوره المادي والروحي.
    وهذا الارتباط والتفاعل الحيوي بين الثقافة والحياة، يتواصل مع الحراك الاجتماعي والثقافي والعلمي والسياسي المتوافر خارج نطاقالوطن.
    إذ إننا اليوم وفي ظل ثورة وتقنيات الإعلام والتواصل، لا يمكن أن ننفصل عن نشاط المجتمعات والأمم المنتجة لتاريخ التطور والتقدم المعاصر. لذلك فإن التفاعل الديناميكي بين الثقافة والحياة، يتجاوز حدود المجتمع الخاص ويتفاعل ويتواصل مع إنتاج الآخرين وإبداعاتهم في عالم النشاط الإنساني-الاجتماعي.وتصاب بالتصحر والضمور تلك الثقافة الوطنية التي تقبل بخيار العزلة، وتمنع عن نفسها نهر التواصل الإنساني والحضاري. فالتفاعل والحيوية اللذان تبد يهما اليوم بعض الثقافات الوطنية تجاه الثقافات الإنسانية الأخرى، هما اللذان يساهمان في حمل عناصر الحيوية والخصوبة من تجارب تلك الثقافات والمجتمعات إلى ثقافاتنا ومجتمعاتنا.
    فالثقافة الوطنية المطلوبة اليوم، هي التي لا تؤسس للعزلة والخروج من حركة التاريخ، بل هي التي تؤسس للتواصل والإبداع والإنتاج. فالمطلوب هو تلك الثقافة الحية المتواصلة بحيوية مع كل التجارب والإبداعات الإنسانية.وهذا لا يتأتى على الصعيد العملي إلا بمواطنةمتساوية، تتجاوز كل عقد الانفتاح والتواصل مع المختلف والمغاير في الدائرة الواحدة. فالمواطنة بما تشكل من قيم العدالة والمساواة وسلطة القانون، هي التي توفر المناخ والبيئة المناسبين لانطلاق المجتمع الخاص بكل مكوناته للانفتاح والتواصل الفعال والرشيد مع إبداعات الحضارة ومكاسب العصر.
    ومن هنا تتضح طبيعة العلاقة بين مفهومي المواطنة والثقافة الوطنية. فثراء الثقافة الوطنية مرهون إلى حد بعيد بتوافر حقائق المواطنة في الفضاء الاجتماعي. فالثقافة الوطنية تستمد حيويتها وفعاليتها الداخلية من حقائق المواطنة. كما أن الثقافة الوطنية، هي التي تمنح المواطنة المدى الحيوي الذي تتحرك فيه على المستويات كافة.
    فإذا أردنا ثقافة وطنية وحدوية ومتواصلة مع العصر والحضارة، فعلينا تأسيس مفهوم المواطنة في واقعنا الاجتماعي والوطني. فالعلاقة جد عميقة بين هذين المفهومين، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال التخلي عن حقائقها ومتطلباتهما. وذلك لأن التحام مفهوم المواطنة بحقائق الثقافة الوطنية المستوعبة لكل العناصر والتعبيرات، هو الذي يمنحالمجتمع القدرة على التميز ومواجهة تحديات اللحظة التاريخية.. فالعلاقة بين مفهوم المواطنة ومفهوم الثقافة الوطنية، هي علاقة مشاركة إبداعية في خلق فضاء وطني جديد متجدد، يتجنب العزلة والانكفاء، ويحارب التعصب والشوفينية، ويؤسس للاندماج والوحدة على قاعدة الديمقراطية واحترام التعدد وصيانة حقوق الإنسان.



    4-المواطنة والوحدة الوطنية
    لقد اعتاد معظم المسئولون العرب، النظر دائما إلى الأقليات القومية والدينية والطائفية ليس باعتبار أفرادها مواطنين كاملي الأهلية في الحقوق وفي المشاركة في بناء الأمة، بل باعتبارهم أقل شأنا من غيرهم من المواطنين الآخرين. ولذلك كانوا، في أحسن الأحوال، يضعون لهم نسبا وحصصا تتناسب مع حجم تمثيلهم في عدد السكان. وفي الغالب كان يجري تجاهل هذه الأقليات ويغض الطرف عن استحقاقاتها.
    وقد شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ أن يضم وطننا العربي، في معظم أقطاره أقليات تأخذ طابعا عرقيا في مكان واثنيا في مكان آخر، ودينيا في هذا القطر وطائفيا في القطر الآخر. وكان بالإمكان أن يكون ذلك مصدر إثراء وإخصاب للثقافة العربية، وأن يجعل من أمتنا واحة خضراء تزهو بكل الألوان. كما كان من شأن ذلك أن يجعل أمتنا متميزة في عطائها وإبداعاتها. إلا أنه نتيجة للحيف والجور وغياب الحقوق التي عانت منها تلك الأقليات فقد حدث خلل في العلاقة بينها وبين الأوطان التي تنتمي إليها.
    وفي ظل هذا الخلل الفادح، نمت وتضاعفت صبوات تلك الأقليات للإنعتاق ولتثبيت هويتها الثقافية والقومية والدينية. وقد وجد بين القوى الخارجية التي تضمر الشر بالأمة العربية، قديما وحديثا، من هو على استعداد لاستثمار وجود تلك الصبوات ونوازع الإنعتاق، فأخذوا في تغذيتها، وقدموا الدعم المالي والسياسي وأحيانا العسكري وشجعوا تلك الأقليات على القيام بمحاولات انفصالية عن الوطن الأم، في بعض الأقطار العربية. وحتى لا يكون الكلام إغراقا في العموميات، نذكر بالمحاولات الجارية في شمال العراق وجنوب السودان، ومحاولات بعث لهويات مندثرة كالبربرية والفرعونية والفينيقية..
    إن التهديدات والاعتداءات الجارية الآن بحق أمتنا، وفي المقدمة منها حرب الإبادة المستمرة التي تجري بحق الشعب الفلسطيني واللبناني، والعدوان اليومي على العراق، والتقارير التي تصدر من دوائر غربية مشبوهة، في واشنطن ولندن حول مشاريع خبيثة تستهدف إعادة تشكيل الخارطة السياسية للوطن العربي بشكل دراماتيكي وغير مسبوق منذ توقيع اتفاقية سايكس بيكو في نهاية الحرب العالمية الأولى، التي قسم بموجبها المشرق العربي حصصا بين البريطانيين والفرنسيين، ووضعت بلاد الشام تحت الانتداب البريطاني، مقدمة لتنفيذ المشروع الصهيوني في اغتصاب فلسطين، تجعلنا نطرح موضوع الوحدة الوطنية من جديد بشكل صريح، وبجرأة ترقى إلى حجم التحديات المصيرية التي تواجه منطقتنا، وفي المقدمة منها بلادنا العزيزة. فلم يعد مقبولا أبدا دس الرؤوس في الرمال، والتظاهر بأن الأمور تجري على ما يرام. كما لم يعد مقبولا التعويل على علاقات "استراتيجية" ثبت وهنها، بعد حوادث سبتمبر 2001، التي لم يكن لنا فيها ناقة ولا جمل، مع عدو لا تتوانى ماكينة أعلامه وأجهزته العسكرية والإستخباراتية عن التهديد جهارا بحقدها وعدائها ونواياها الشريرة بحق ثقافاتنا وهويتنا ومعتقداتنا وحتى طريقة حياتنا.
    لا بد في هذه المرحلة العصيبة والحاسمة من تاريخ أمتنا أن يصار إلى تسمية الأشياء بمسمياتها، وأن نكاشف شعوبنا بحقيقة الأخطار المحدقة بأمننا. فأمتنا أمام خطر حقيقي داهم. والشهور، بل ربما الأيام القادمة حبلى بالأعاصير والبراكين. ومن رأفة الخالق عز وجل بنا أن أعداءنا لم يأتونا غدرا، وإن لم يتورعوا عن الطعن من الخلف. بل جاهروا بعدائهم ونواياهم بحقنا. ولم يتركوا لنا عذرا لكي نتلكأ عن التهيؤ لمتطلبات المرحلة القادمة، والتي يأتي في المقدمة منها البحث عن عوامل القوة والوحدة والتماسك والصمود بين أبناء المجتمع الواحد، من أجل تفويت الفرصة على الذين يضمرون الشر لهذا الوطن وأهله. واستنفار روح الانتماء والهوية واستحضار المحفز من التاريخ ومختلف مقاومات الأمة وحيلها الدفاعية في نفس كل فرد. وصولا إلى الارتقاء بمفهوم الوحدة الوطنية إلى مستوى الانصهار والتوحد.
    وفي كل الأحوال فإنه يجب أن لا يغيب عن الذهن أن تحقيق الوحدة الوطنية ليس تجميعا لكم مهمل وراكد، لا ينتج عنه أي فعل إيجابي، بل هو انصهار حقيقي وتفاعل خلاق ومبدع بين إخوة تجمعهم رابطة الانتماء إلى بلد ولغة ودين وهوية وقضية وآمال مشتركة، تجعل من وحدتهم سدا منيعا عصيا على الاختراق.
    ومن المؤكد أن ترسيخ الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد يتطلب أولا التسليم بمفهوم المواطنة، بما يعنيه هذا المفهوم في المجتمعات المدنية المتحضرة، تتحقق فيه المساواة بين البشر، وينال فيه الفرد موقعه الاجتماعي ووظيفته عن طريق كفاءته وقدراته ونزاهته، وليس عن طريق موقعه في السلم ألمناطقي والعشائري والطائفي. لا بد من تأسيس مفهوم جديد للمواطنة يقوم على أساس استكمال بناء مؤسسات المجتمع المدني، والاعتراف بأهمية دور الفرد، واحترام الرأي والرأي الآخر. وأن يصار إلى ترسيخ قيم التسامح والتكافؤ والتكافل بين الجميع.
    لسنا بحاجة إلى أن يذكرنا أحد من خارجنا بأهمية النظر في إعادة صياغة مناهجنا وتجديد هياكلنا وطريقة تفكيرنا بما يتناسب مع المرحلة التاريخية التي نعيشها. فذلك قانون حياتي وحتمي، عمل به أجدادنا من قبل، وجسدوه من خلال تجديد مناهجهم الفكرية والسياسية. وتمكنوا به أن يشيدوا واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخي الإنساني. ولم يكن صدفة أن يحتوي الكتاب الخالد، القرآن الكريم على ناسخ ومنسوخ، وأن يسن الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تشريعات جديدة تمس المؤلفة قلوبهم وتجدد التشريعات القائمة فيما يتعلق بإقامة الحدود. وبالقدر الذي تطورت فيه دولة الخلافة واتسعت حدودها وانضمت أقوام جديدة لها بالقدر الذي نشطت وتجددت فيه حركة الفكر والأدب والفلسفة، مؤدية إلى بروز مذاهب فلسفية وفقهية جديدة.. وكان أن نتج عن ذلك تطور من الغنوص إلى العرفان ومن ثم إلى بروز علم الكلام، ودخول الفلسفة إلى السجال الذي قاده العلماء دفاعا عن الإسلام.
    وقد شمل التجديد شؤون الأدب والفكر، فأصبحت هناك خصوصيات للفكر والأدب في صدر الإسلام وأخرى بالعصر الأموي وثالثة بالعصر العباسي وهكذا.. وشملت حركة التجديد مذاهب الفقه والأدب ومختلف الأنشطة الاجتماعية، مؤدية إلى تطور في حركة العلوم، وتأسيس لعلوم جديدة في الجبر والفيزياء والكيمياء والفلك.
    وهكذا فإننا حين ندعو إلى حركة تجديد شاملة في مفاهيمنا، تشمل مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية فإننا لا نعمل ذلك تحت ضغط من أحد، بل نتجانس مع نواميس الكون وقوانين التطور. مستلهمين ذلك من مورثنا الخالد وسيرة أجدادنا العظام، وجوهر رسالة ديننا الحنيف إقتداء بالقول المأثور "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا".
    5-الوحدة الوطنية كيف نفهمها ؟

    كثيرة هي المجالس التي أحضرها وأستمع فيها إلى أصوات كثيرة حولالوحدة الوطنية وأهمية المحافظة عليها خاصة في ظل التهديدات الكثيرة التي ظللنا نسمعها بين آونة وأخرى فالكل يريد أن يطمئن على وحدة ترابه الوطني وعلى قوة التلاحم بين أبناء المجتمع الواحد لأن الكل يدرك أن العدوان الخارجي يحسن استغلال الخلافات الداخلية والمتناقضات بين أبناء المجتمع.
    هذا الشعور هو الذي جعل كثيراً من المثقفين يواصلون الحديث عن موضوع الوحدة الوطنية وتلمس الجوانب التي تدفع في اتجاه تقوية هذه الوحدة... أما أنا فقد كنت أحرص على الاستماع أكثر من حرصي على الكلام، كنت أريد معرفة كيف يفكر القوم وكنت في الوقت نفسه أردد: هل يمكن أن يتحقق شيء مما يقولون حول هذه الوحدة؟؟ أحد الزملاء أصر على أن أتحدث عن هذه القضية وأن أخرج عن صمتي الطويل وسألني، كيف نفهم الوحدة الوطنية؟!.
    قلت له: قبل أن أدخل في صلب الموضوع يجب أن ندرك أن أعداء الأمة لا يفرقون بين مسلم وآخر فالمسلمون كلهم لديهم سواء، انظروا إلى إيران الشيعية وإلى سوريا السنية وإلى العراق التي تضم مذاهبمختلفة كل هؤلاء في ميزان واحد عند أعداء أمتنا، هؤلاء الأعداء عندما يقذفون قنابلهم على بلادنا العربية لن يفرقوا بين مذهب وآخر بل ولا بين دين وآخر ومن هنا وجب على الجميع أن يدركوا أنهم جميعا في سفينة واحدة فإن وضعوا أيديهم في أيدي البعض نجوا جميعاً إلا هلكوا جميعاً.
    الأمر الآخر: أن من حكمة الله سبحانه أن قضى بجعل الناس مختلفين: مختلفون في أشكالهم ولغاتهم وأديانهم ولو شاء لجعلهم أمة واحدةمتساوين في كل شيء لكن حكمته التي لا نعلمها شاءت أمراً آخر ومن هنا وجب علينا أن نتقبل هذا الاختلاف وأن نتعايش معه لا سيما نحن أبناء الوطن الواحد... هذا التعايش يمكن تحقيقه في إطار الوحدة الوطنية، إذا ما عرف كل فرد في المجتمع أن حقه مصان وأن أحداً لا يستطيع التعدي على هذا الحق كائنا من كان... هذا الشعور يدفع كل فرد للارتباط الوثيق بوطنه ويدفعه للدفاع عنه بنفسه وماله وكل ما يملك... ويوم أن ينتفي هذا الشعور سنجد أن كل فرد يشعر بالظلم لا يفكر إلا في نفسه وفي كيفية دفع الظلم عنه ولا يفكر في وطنه وحمايته.
    كثير منا يرددون قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص وابنه، هذه الحادثة الرائعة التي جعلت قبطيا يسافر من مصر إلى المدينة لرفع مظلمته للخليفة وضد ابن أمير مصر آنذاك داهية العرب عمرو بن العاص... هل تظنون أن هذا القبطي لو لم يكن متأكدا من أنه سيحصل على حقه هل كان سيسافر كل هذه المسافة ويتحمل كل تلك المشاق؟؟ وينصفه عمر ويأمره بضرب ابن الأكرمين - بعد أن استدعاه من مصر مع والده - وبعد أن يقتص القبطي لنفسه يطلب منه عمر أن يضرب عمرو بن العاص معللا هذا الطلب بأن ابنه ما كان ليقوى على ظلم الآخرين لولا أنه متحصن بمكانة والده، هل رأيتم كيف تصنع العدالة، وهل تتوقعون ألا يخلص هذا القبطي لوطنه مع أنه لا يدينبالإسلام؟ كثير من الناس دخلوا الإسلام بسبب مواقف مشابهة لأن الناس - كل الناس - يعشقون العدالة ويتغنون بها، والذي قال إن العدالة أساس الملك لم يكن مغاليا في هذا القول بل هو محق فيه كل الحق فلا يمكن أن تستقيم حياة الناس بدون العدل... وأفهم من الوحدة الوطنية أن إعطاء الآخرين - كل الآخرين - حريتهم الفكرية أمر لا مناص منهأعرف أن هناك فرقا بين الحرية الفكرية وبين الفوضى وأعرف أن هناك فرقا ما بين الحجر على الأفكار وبين إطلاق هذه الأفكار على سجيتها، الحرية الفكرية كانت سمة بارزة من سمات مجتمعنا المسلم في أزهى عصوره كان مجتمعنا لا يضيق بآراء الآخرين بل يستوعبهاويحتويها ويرحب بها، كنا نقرأ أن كل أصحاب الديانات والمذاهب المتنوعة كانوا يجتمعون معا ويتناقشون ويتحدثون في قضاياهم الفكرية ثم يفترقون لم يكن بعضهم يضيق بالآخر ولم يكن بعضهم يكمم أفواه الآخرين، انظروا إلى تراثنا الضخم وتنوعه لتعرفوا كيف كان أجدادنا يحترمون الحرية الفكرية ويحترمون خصوصية الآخرين هذا الواقع هو الذي جعل جوستاف لوبون يقول: "إن العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين... لقد كان اليهود والنصارى يتلاقون في تلك البلاد تحت ظلال الأمن والحرية "وإذا كان الإسلام لم يجبر أحدا على الدخول فيه وترك للناس حرية عبادتهم أفلا يسعه أن يترك للآخرين حرية معتقداتهم؟ انظروا إلى المعاهدات التي عقدها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أو خلفاؤه من بعده وانظروا كم هي رائعة... لقد تحدثوا بصراحة عن حريات الآخرين الدينية وأقروهم على دياناتهم وكنائسهم وكل ما يمت لفكرهم بصلة...
    أفهم أن الوحدة الوطنية تقتضي منا أن نتحاور وأن يحترم بعضنا بعضا ولنا في ديننا وما فعله أسلافنا أسوة حسنة، فهذا قرأننا يقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" وهذا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عندما سئل عن الخوارج - وكانوا يقاتلونه - أكفرهم؟؟ قال: بل من الكفر فروا قال تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم". بالحوار الهادف الهادئ يقترب بعضنا من البعض الآخر وبغيره تكثر المحن وتزيد الفرقة والبغضاء.
    إن علماء المسلمين قد يمهم وحديثهم أكدوا على أن إعطاء الآخرين كامل حقوقهم إنما هو جزء لا يتجزأ من الإسلام، انظروا ماذا يقول أبو الأعلى المودودي رحمه الله، يقول: "يكون لغير المسلمين في الدولة الإسلامية حق الدخول في جميع الوظائف الحكومية إلا المناصبالرئيسية المحدودة ولا ينبغي أن يعاملوا بشيء من العصبية وسيكون للأهلية والكفاءة مقياس واحد للمسلم وغير المسلم وينتخب أهل الكفاءة من بين الطائفتين بلا تمييز بينهم من أية جهة "فإذا كان هذا القول جائزا في حق غير المسلمين فكيف بالمسلمين وهل يجوز بعد هذا أن نميز بين مسلم وآخر، ثم هل الكفاءة هي المقياس الذي نحتكم إليه عندالاستعانة بالمواطنين في الوظائف؟ إن من المعروف أن غير المسلمين شغلوا وظائف عديدة في الدولة الإسلامية ابتداء من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم من جاء بعده من الخلفاء ومعروف كذلك أن عمر بن الخطاب عين قضاة من غير المسلمين ليقضوا لأبناء دينهم كما أن كثيراً من أصحاب المذاهب أفتى بجواز الاستعانة بغير المسلمين فيالوظائف التي فيها مصلحة للمسلمين.
    أقول: إذا كان كل هذا يجوز في حق غير المسلم فكيف سيكون شعور المسلم تجاه وطنه إذا رأى أنه لا يعطى حقه المشروع؟! إن من بديهيات المحافظة على وحدتنا الوطنية ألا يفضل شخص على آخر دون وجه حق وينبغي أن يتكاتف أبناء المجتمع الواحد على تحقيق مثل هذه العدالة كباراً وصغاراً، إن التهاون في مثل هذه المسألة سيكون كارثة حقيقية تصيب جميع أبناء الوطن دون استثناء. وإن متطلباتالوحدة الوطنية أن نقر بأخطائنا وأن نعمل سريعاً على تلافيها، المكابرة لا توصلنا إلى طريق آمن، كما أن التراخي في تحقيقها هو الآخر يجب أن نسعى معاً وبقوة على سرعة إزالته.
    هكذا أفهم الوحدة الوطنية وهكذا أتمنى أن أراها فهل من أحد يشاطرني هذا الفهم؟؟.
    6-هل للطائفي حقوق المواطنة ؟

    هل الطائفي يقدم ولاءه وانتماءه للوطن؟... وبالنتيجة هل يمكن أن يدافع الطائفي عن حدود وطن لا تربطه به صلة الولاء أو الانتماء لأسباب الاختلاف الطائفي؟... وهل يمكن المحافظة على أمن وسلامة واستقرار الوطن من ممارسات الطائفيين؟... وتبعاً لكل ذلك، هل يستحق الطائفي حقوق المواطنة؟. للإجابة على هذه التساؤلات يجب التعرف على حقائق وثوابت حول الطائفية والطائفيين.
    في الأصل إن الطائفية هي نقيض التساوي والمساواة في الحقوق والواجبات، لذلك اعتبرت الطائفية نقيضاً للوطنية. وأي تحديد أو تعريف آخر للطائفية يعد نوعاً من أنواع تجاهل العارف لما هو معروف، حيث أن كل المتحدثين عن الطائفية والممارسين لها على علم ومعرفة تامة بهذا التعريف. خلال العقود الخمسة الأخيرة أثبتت أحداث عالمية وإقليمية مختلفة إن الطائفية لم تعد نتاجاً لقصور أساسي في السياسات الداخلية لأي بلد، حيث يمكن حل مختلف جوانب القصور داخلياً وعلى المستوى الوطني عندما تنتفي المظاهر الطائفية في المجتمع ويتصرف أبناء الوطن الواحد تصرف المواطنين في وطنهمالحقيقي ويؤمنون أمنه وسلامته.
    لذلك ثبت أن الطائفية في العقود الأخيرة هي نتاج لسياسات إقليمية ودولية تهدف إلى إلغاء الانتماء الوطني من خلال خلق ثقافة الانتماءوالولاء للمذهب والطائفة الدينية، بما تحمله هذه الثقافة من مفاهيم القدسية والروحانية المولّدة للعصبية والتطرف عندما يتم إدماجها بقضايا سياسية ومادية. فالطائفية في عرف هذه السياسات الدولية هي النواة التي يتم زرعها ليحصدوا دولاً ضعيفة وعاجزة تسعى فيها الطوائف لتقاسم الحصص وتوزيع الخيرات والمغانم فيما بينهم، كما هو حاصل اليوم في العراق والسودان والجزائر ولبنان وغيرها... وكما هو مخطط له ويعمل به في الخليج بشكل عام... لأن الانتماء الوطني، الواحد والمتساوي عند الجميع، لا يمكن أن يبرر أي نوع من أنواع الاستيلاء والتقاسم... لذلك تعد الطائفية عَرَضاً مرضياً، ولا علاقة لها بمبادئ الأديان أو الأخلاق... بل باقتسام الحصص والمغانم. ويخطئ من يعتقد بأنه يمكن المحافظة على الحد الأدنى من الأمن في الوطن، بإبقاء الممارسة الطائفية ضمن الإطار السياسي، أي بالحفاظ دون أن تتنقل تلك الطائفية إلى الإطار الاجتماعي، أي دون أن تنتقل إلى صعيد العلاقات الشخصية بين المواطنين، فتبقى علاقات الصداقة والزيارة والتعليم والانتقال والبيع والشراء وغير ذلك، دون أن يحمل كل شخص جهازا للإنذار المبكر لكي يستدل به إلى طائفة الشخص الآخر الذي يتعامل معه... لان استمرار الأمن، في ظل المجتمع الطائفي، لا يعود إلى القانون في هذه الحالة، بل إلى نوع من توازن القوى بين الطوائف أو إلى التسويات والصفقات السياسية، من مقاعد نيابية ووزارية وسواها... فإذا اختل توازن القوى لسبب ما، أو برز على الأرض واقع جديد يتنافى مع التسويات والصفقات المعقودة والتي لا يمكن أن تدوم إلى الأبد، كونها قائمة على سلسلة من الترقيعات لا على حلول جذرية، تبدأ الطائفية بالظهور بوجهها القبيح، مرة أخرى كعَرَض لمرض لا علاقة له بمبادئ الأديان والطوائف، فتبدأ المشاحنات التي تصل إلى درجة الحروب الأهلية كما حدث ويحدث في بعض تلك الدول التي ذكرناها.
    إلى هنا، يمكن الإجابة على أسئلة المقدمة وهي، إن الطائفي لا يمكن أن يقدم ولاءه وانتماءه للوطن... ولا يمكن أن يدافع عن حدود وطن لا تربطه به صلة الولاء أو الانتماء لأسباب الاختلاف الطائفي، ولا يمكن لمن يمارس الطائفية أن يحافظ على أمن وسلامة واستقرار الوطن... وتبعاً لكل ذلك... لا يستحق الطائفي حقوق المواطنة.

    7-المواطنة... بين مثاليات الجماعة وأساطير الليبرالية

    تُعَدُّ "المواطنة" أحد المفاهيم الرئيسية في الفكر الليبرالي منذ تبلوره في القرن السابع عشر كنسق للأفكار والقيم، ثم تطبيقه في الواقع الغربي في المجالين الاقتصادي والسياسي في القرنين التاليين، وما ترتب على ذلك من آثار على الترتيبات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في القرن العشرين ثم مطلع قرننا هذا.
    وإذا كانت الليبرالية عند نشأتها قد دارت حول فكرة الحرية الفردية والعقلانية وتقوية مركز الفرد في مجتمع سياسي قام على قواعد عصر النهضة على أبنية اجتماعية حاضنة وقوية، فإن مفهوم المواطنة قد تطور وتحوّر عبر مسيرة الليبرالية ليتركز حول خيارات الفرد المطلقة وهواه كمرجع للخيارات الحياتية والسياسة اليومية في دوائر العمل، والمجتمع المدني، والمجال العام، ووقت الفراغ، وليصبح "المفهوم المفتاح" الذي لا يمكن فهم الليبرالية وجوهرها دون الإحاطة بأبعاده المختلفة وتطوراته الحادثة المستجدة، حيث يستبطن تصورات الفرد، والجماعة، والرابطة السياسية، ووظيفة الدولة، والعلاقات الإنسانية، والقيم والأخلاق.
    ا) عودة المواطنة
    وقد شهد هذا المفهوم تغيرات عديدة في مضمونه واستخدامه ودلالته، فلم يعد فقط يصف العلاقة بين الفرد والدولة في شقها السياسي القانوني كما ساد سابقاً، بل تدل القراءة في الأدبيات والدراسات السياسية الحديثة على عودة الاهتمام بمفهوم "المواطنة" في حقل النظرية السياسية بعد أن طغى الاهتمام بدراسة مفهوم "الدولة" مع نهاية الثمانينيات، ويرجع ذلك لعدة عوامل، أبرزها الأزمة التي تتعرض لها فكرة الدولة القومية التي مثلت ركيزة الفكر الليبرالي لفترة طويلة؛ وذلك نتيجة عدة تحولات شهدتها نهاية القرن العشرين:
    أولها: تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم، وتفجر العنف بل والإبادة الدموية، ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها عقيدة الحداثة من بلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي أو على يد قواه الكبرى، بدءاً من الإبادة النازية لجماعات من اليهود، ومروراً بالإبادة النووية في هيروشيما، ومؤخراً الإبادة الصربية للمسلمين، والإبادة الأمريكية للعراقيين وللأفغان، والإبادة الجارية للفلسطينيين واللبنانيين.
    وثانيها: بروز فكرة "العولمة" التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيات من ناحية أخرى، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية، وكلها مستويات شهدت تحولاً نوعياً.
    وعلى صعيد آخر فإن نمو الاتجاهات الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة في البلدان التي مثلت مهد التجربة الليبرالية قد أدى إلى مراجعة المفهوم والتأكيد على محور يته لمواجهة هذه الأفكار وآثارها في الواقع السياسي والاجتماعي الغربي المعقد مع وجود أقليات عرقية ودينية منها العرب والمسلمون، هذا فضلاً عن وصول الفردية كفكرة مثالية لتحقيق حرية وكرامة الفرد إلى منعطف خطير في الواقع الليبرالي، بعد أن أدى التطرف في ممارستها وعكوف الأفراد على ذو اتهم ومصالحهم الضيقة إلى تهديد التضامن الاجتماعي الذي يمثل أساس وقاعدة أي مجتمع سياسي، وتراجع الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن الخاص، وتنامي ما يسميه البعض "موت السياسة" وبروز "سياسات الحياة اليومية".
    ب) نهاية التاريخ
    والإشكالية التي تهم العقل العربي والمسلم في هذا الصدد هي أن الفكر الليبرالي لم يؤدِّ إلى تأسيس تجارب ديمقراطية في العالم الغربي فقط، بل يطرح نفسه الآن وبشكل شبه منفرد كبديل للواقع السياسي والفكري في دول العالم الثالث التي تشهد تحولاً نحو الديمقراطية، كما في أطروحة "نهاية التاريخ" وإعلان انتصار الليبرالية النهائي لباحث مثل فوكوياما، أو كطرف متماسك ومتجانس ومتقدم في مقابل حضارات أخرى (أو أدنى) في أطروحة مثل "صراع الحضارات" لهنتنجتون. فخيار المواطنة صار مثالية تروج لها الرأسمالية الليبرالية في الدول غير الغربية، ويتم تقديمها كحل لمشكلات الجنوب "على طريق التقدم" يرتهن بتحول الرابطة السياسية داخل مجتمعاتها من رابطة تراحمية عضوية أو قرابة - ريفية أو قَبَلية- إلى رابطة تعاقدية علمانية و"مدنية" للمواطنة؛ لذا فإن فهم دلالات "المواطنة" كرابطة تزعم أنها تجبّ روابط الدين والعرقية والأيدلوجية لَهُو أمر يحتاج مزيد تأمل وتقص، وتحريرا وتقويما، واختبارا في الواقع التاريخي بين النجاح والإخفاق.
    ج) من المواطن الرشيد إلى المواطن المستهلك
    لقد أدت التطورات السالفة الذكر التي شهدتها الساحة الدولية في العقود الأخيرة إلى تركيز بعض الدراسات على ظواهر وأحداث كان لها أكبر الأثر في تغيير مفهوم المواطنة ليشمل أبعادًا جديدة . فكتابات النظرية السياسية الليبرالية الأولى التي كان مفهوم العقلانية والرشد فيها مرتبطًا بالقيم المثالية والفلسفية ما لبثت أن تناولت مفهوم المنفعة بمعنى ذاتي/ نفسي ثم بمعنى اقتصادي/ مادي، وربطت في مجملها بين المفاهيم النظرية السياسية والرؤى الاقتصادية وهو ما أسماه البعض بالتحول من الديمقراطية الليبرالية إلى الليبرالية الديمقراطية بتقديم الاقتصادي على السياسي وغلبة المادية على الفكر الليبرالي. وما لبث الاقتصاد الليبرالي أن تحول من ليبرالية كلاسيكية تتحفظ على تدخل الدولة لليبرالية جديدة تؤكد على تدخل الدولة من أجل تحقيق الرفاهة في مجالات الأمن الاجتماعي. وهكذا صارت رابطة "المواطنة" منافع وحقوقا مادية محددة يطالب بها المواطن في مجالات الصحة والتعليم تهبط بالحقوق العامة السياسية لتفاصيل منافع مادية مباشرة، أي تم التركيز على الحقوق وليس الواجبات. ومن ناحية أخرى كان هذا يعني مزيدا من سلطة الدولة في الوقت الذي كانت تحولات الاتصال والعولمة ترشحها فيه للتآكل والذبول، فاستردت دورها في التوزيع السلطوي للقيم -المادية والمعنوية- وما لبثت أن بدلت هذا الدور شكلا في ظل تنامي الحديث عن الإدارة السياسية عبر الحديث عن الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني ورجال الأعمال، رغم أن سلطتها لا تقارن بالطرفين الآخرين، ونفوذها يخترقها على شتى المستويات.
    وعبر تفاعل هذه المعطيات تحول مفهوم المواطنة لدلالات نفعية وذاتية فر دانية أعمق، كما صار مؤسساً على واقع معقد لا يثمر نتائجه المثالية الأصلية المنشودة بسبب وجود الدولة الطاغي، رغم تحول هذا الوجود نوعياً وتغير وجهه وتجلياته بما أوحى للبعض بضعفها أو تراجع دورها لصالح آليات السوق العالمي، وهو ظن غير دقيق.
    هذا التناقض توازى أيضاً مع بروز تيارين متعارضين:
    أولهما: واقعي، يرتبط بالتأكيد المتنامي على المصلحة المباشرة (الآن وهنا) ويهمش المثاليات الكبرى والمنافع الجماعية والمؤجلة (التي انبنت عليها نهضة الرأسمالية الأولى).
    ثانيهما: تنويري، يتمثل في مناداة بعض الكتابات بإدخال البعد الأخلاقي في النظرية الاقتصادية، أي تجاوز الاقتراب الاقتصادي المادي النفعي لفهم السلوك الإنساني وتفسيره والتنبؤ به، واستعادة الأبعاد الإنسانية/ الاجتماعية/ الأخلاقية في النظرية والتحليل الاقتصادي، وهو ما يستلزم ربط مفهوم المواطنة عند تحليله بالأسئلة الكلية في الفكر الليبرالي، وأبرزها تصورات الفرد وتعريف السياسة وما يترتب على ذلك من تصور لطبيعة المجتمع السياسي. كذلك فإنه على الرغم من تناول العديد من الكتابات الليبرالية المعاصرة للتغيرات التي تتعرض لها المجتمعات الليبرالية في المجالات الاقتصادية والتقنية واستخدام مصطلحات جديدة تصف المجتمع والدولة في الواقع الليبرالي، مثل "مجتمع ما بعد الصناعة" أو "الدولة المتسعة" أو "الرأسمالية في شكلها الأخير" واختلاف مفهوم "القوة" في ظل التطور التكنولوجي والاتصالي وما لذلك من انعكاس على مفهوم السيادة -فإن الباحث نادراً ما يجد دراسة تقدم رؤية بانو رامية للتحول الذي تم وتفسره بدلاً من أن تكتفي بوصفه وحسب. ولعل من أبرز الكتابات باللغة العربية الرائدة في هذا الاتجاه كتابات الاقتصادي المصري الفقيد الراحل أ.د. رمزي زكي.
    د) مساحات جديدة ومسافات فكرية واسعة
    مع تنامي عولمة الرأسمالية وهيمنة الرؤى الليبرالية الجديدة لم يعد ما نحن بصدد ه عند الحديث عن المواطَنَة هو المفهوم البسيط، ولا بقي السؤال هو: مواطنة أم لا مواطنة؟ على غرار : نهضة أم تخلف؟ حضارة أم ضد الحضارة؟ (أسئلة اللحظة التاريخية الأمريكية الراهنة). الواقع أكثر تعقيداً من ذلك وهذه التصورات مضللة.. ومضلّة.
    أي مواطنة؟ هذا هو سؤال اللحظة الوجودية الإنسانية الحقيقي: مواطنة تنويرية تحترم الفرد وتؤسس مجتمعاً يكتسب وجوده الجمعي من تجاوزه لقوى الطبيعة وتصوره الإنساني للإنسان، أم مواطنة رأسمالية مدنية ما بعد حداثية؟
    مواطنة قانونية شكلية متساوية ذات بعد واحد، أم مواطنة مركبة عادلة اجتماعية ديمقراطية ثقافية في ظل مشروع حضاري إنساني؟
    مواطنة تتحدث عن الحرية والمساواة والجسد السياسي والعدل والشورى، أم مواطنة تتحدث عن اختزال القيم السياسية في حرية الجسد وتفكيك المجتمع لصالح نوع ضد نوع أو ثقافة ضد ثقافة ونفي التجاوز في الإنسان والتاريخ، وإعلاء سياسات الجسد واللذة على الجسد السياسي والخير العام والقيمة الإنسانية؟
    مواطنة في أي سياق مكاني؟ مواطنة التنوير والليبرالية في المدن الاجتماعية ذات الطابع الثقافي والمسافات الإنسانية، أم مواطنة المدن الرأسمالية العالمية السرطانية المعادية للمجتمع والقائمة على "التجمع" الذي يحسب حسابات الاقتصاد وتدويله قبل حسابات الهوية والجماعة والثقافة؟
    ثم أخيراً، مواطنة التدافع من أجل الغايات الإنسانية والنفع العام والسعي في دروب التطور الاجتماعي التاريخي، أم مواطنة اللحظة المتخيلة في تفاعل الشبكة الاتصالية الفردي التي تعيد تشكيل الوعي بالذات والهويات والأنا والآخر والـ"نحن"، وتعيد تشكيل مفاهيم الزمن والمكان بدون محتوى اجتماعي تفاعلي كما عرفته البشرية، وتعيد تشكيل حدود الخاص والعام وتهدد مفهوم المواطنة في كل تصوراته السابقة؟
    هذه هي الأسئلة وتلك مساحات الاجتهاد والجهاد.
    8- المواطنة والفضاء السياسي
    المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي - تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم. ولا يكتمل مفهوم المواطنة إلا في دولة الإنسان المدنية التي تمارس الحياد الإيجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيديولوجيات مواطنيها
    ثمة علاقة عميقة وجوهرية، بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. وذلك لأن الكثير من مضامين المواطنة على الصعيدين الذاتي والموضوعي، هو بحاجة إلى فضاء سياسي جديد، يأخذ على عاتقه تحريك الساحة بقواها ومكوناتها المتعددة باتجاه القبض على المفردات والعناصر الضرورية لهذا المفهوم.
    فالمواطنة كمبدأ ومرجعية دستورية وسياسية، لا تلغي عملية التدافع والتنافس في الفضاء الاجتماعي، تضبطها بضوابط الوطن ووحدته القائمة على احترام التنوع وليس على نفيه، والساعية بوسائل قانونية وسلمية للإفادة من هذا التنوع في تمتين قاعدة الوحدة الوطنية. بحيث يشعر الجميع بأن مستقبلهم مرهون بها، وأنها لا تشكل نفيا لخصوصياتهم، وإنما مجال للتعبير عنها بوسائل منسجمة وناموس الاختلاف وآفاق العصر ومكتسبات الحضارة. ولا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي، إلا بنشوء دولة الإنسان. تلك الدولة المدنية التي تمارس الحياد الايجابي تجاه قنا عات ومعتقدات وأيدلوجيات مواطنيها. بمعنى أن لا تمارس الإقصاء والتهميش والتمييز تجاه مواطن بسبب معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. كما أنها لا تمنح الحظوة لمواطن بفضل معتقداته أو أصوله القومية أو العرقية. فهي مؤسسة جامعة لكل المواطنين، وهي تمثل في المحصلة الأخيرة مجموع إرادات المواطنين.
    لذلك فإن مفهوم المواطنة لا ينجز في ظل أنظمة شمولية - استبدادية، لأن هذه الأنظمة ببنيتها الضيقة والخاصة، تحول مؤسسة الدولة إلى مزرعة خاصة، تمارس الإقصاء والتهميش، كما تمنح الامتيازات بمبررات دون مفهوم الوطن والمواطنة.
    فالدولة المدنية التي تحترم الإنسان وتصون كرامته، وتمنحه حرياته الأساسية، هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة، التي تبلور مفهوم المواطنة، وتخرجه من إطاره النظري المجرد إلى حقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة. فدولة الإكراه والاستبداد وممارسة القمع والتعسف، تجهض مفهوم المواطنة وتخرجه من مضامينه السياسية المتجهة صوب الموازنة الفذة بين ضرورات النظام والسلطة ومتطلبات الكرامة والديمقراطية. وكل الشعارات والمشروعات ذات الطابع التقدمي التي تحملها بعض السلط والدول، تبقى مجردة وفي دائرة الاستهلاك الإعلامي والسياسي بدون المواطنة التي تمارس حقوقها غير منقوصة وتلتزم بواجباتها دون مواربة. وعليه فإن مراعاة مصالح المواطنين والعمل على ضمان حقوقهم واحترام حرياتهم وصيانة كرامتهم، هو الذي يضمن الاستقرار السياسي، ويطور مستوى التفاهم والانسجام بين السلطة والمجتمع وتتبلور الإرادة الوطنية صوب القضايا الكبرى للوطن والأمة.
    لذلك فإن المواطنة وفق هذا المنظور، هي قوام الحياة السياسية الفاعلة والسليمة. وحينما تجرد الحياة السياسية من مقتضيات ومتطلبات المواطنة، تتحول إلى حياة مليئة بالنزاعات والانقسامات وتكريس مضامين التخلف والانحطاط المجتمعي.
    وذلك لأن المنابر الإعلامية ووسائط الثقافة في المجتمع، تشترك في عملية تفتيت مضمون المواطنة، عن طريق نشر ثقافة الكراهية والدعوة إلى المفاصلة والقطيعة مع بعض شرائح المجتمع. فينتشر التمزيق، وتتعاظم مظاهر التهميش وأشكال التمييز، وتهدد الوحدة الوطنية في أهم مقوماتها ومرتكزاتها ألا وهي المواطن. حيث أن تسميم المناخ الوطني العام، بثقافة التمييز والكراهية، ودعوات المفاصلة والتحريض الطائفي والقومي، تقلص إمكانية الاستقرار، وتحول دون توفر متطلبات الوحدة الوطنية. فالدولة التسلطية بصرف النظر عن أيدلوجيتها والشعارات التي ترفعها، هي التي تجوف مفهوم المواطنة وتفرغه من مضامينه السياسية والمجتمعية. لذلك هناك علاقة وطيدة بين مفهومي الدولة المدنية والمواطنة. إذ لا دولة مدنية بدون مواطنة كاملة تمارس كل حقوقها وتقدم بكل واجباتها الوطنية. كما أنه لا مواطنة مستديمة بدون دولة مدنية تسن القوانين التي تحمي قانون المواطنة ومتطلباته، وترفقه بالمزيد من الآفاق وأدوات الفعالية المجتمعية. فلا يمكن أن تتحقق مواطنة في ظل دولة تسلطية - استبدادية، لأن هذه الدولة ببنيتها القمعية، تلغي دور المواطن في عملية البناء وتسيير أمور الوطن. كما أنه لا يمكن أن ينجز مفهوم الدولة المدنية في مجالنا الإسلامي، بدون احترام مفهوم المواطنة وتوفير كل مستلزماته الذاتية والموضوعية.
    فالعلاقة جد وطيدة بين مفهومي المواطنة والدولة المدنية، إذ كل مفهوم يستند على الآخر لاستمراره وتحذره في المحيط الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال يتطلب «تسريع الاتجاه نحو الديمقراطية الحقيقية والتعددية الفعلية والتنمية الشاملة في الدولة وبالدولة إن أمكن، جنباً إلى جنب، محو الأميات المتكاثرة، وتحرير الأبنية الثقافية السائدة من عقد الأتباع والتقليد، وتثو ير الوعي الاجتماعي. بما يؤكد معاني الحراك والمغايرة وحق الاختلاف، وتدعيم أسس المجتمع المدني بما يؤكد مفهوم المواطنة بكل لوازمه الحديثة وشروطه الإنسانية التي لا تفارق حرية الرأي والاجتهاد وحق الخطأ في الوقت نفسه ، وبالتالي هناك منظومة متكاملة من القيم والمبادئ، التي تكرس مفهوم المواطنة في الواقع الاجتماعي. ومن هذه المنظومة الديمقراطية والحوار والتسامح وحقوق الإنسان وحرية التعبير والانتماء. فكلها قيم ضرورية لإرساء مضامين المواطنة. أي أن توفر هذه القيم، هو الذي يؤدي إلى إنجاز مفهوم المواطنة. وبمقدار غياب هذه القيم أو بعضها، بذات المقدار يتم انتهاك مفهوم المواطنة.
    وهذا يدفعنا إلى القول: إن المواطنة لا تنجز إلا في ظل نظام سياسي ديمقراطي - تعددي، يحترم حقوق الإنسان ويصون كرامته ويوفر ضرورات العيش الكريم. وعليه فإن الاستقرار السياسي والمجتمعي في المجالين العربي والإسلامي بحاجة إلى توفر العناصر التالية:
    1- المواطنة التي تمارس دورها في الشأن العام بدون خوف أو تردد.
    2- مؤسسات المجتمع المدني، التي تأخذ على عاتقها استيعاب طاقات المجتمع وتبلور كفاءاته وقدراته، وتساهم في معالجة المشكلات التي يمر بها المجتمع.
    3- الدولة المدنية التي تجسد إرادة المواطنين جميعا، ولا تميز بين المواطنين لدواعي ومبررات ليست قانونية وإنسانية. فهي دولة جامعة وحاضنة لكل المواطنين وتدافع عنهم، وتعمل على توفير ضرورات معيشتهم وحياتهم. فالأوضاع العربية والإسلامية، بدون هذه العناصر، تعيش التقهقر والمزيد من التراجع والانهيار على الأصعدة كافة. لذلك فإن الجهود العربية والإسلامية اليوم، ينبغي أن تتجه إلى توفير كل مستلزمات تجسيد هذه القيم والوقائع في المجالين العربي والإسلامي.
    ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن غياب مبدأ المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية عن واقعنا العربي والإسلامي، ينذر بتطورات كارثية على المستويات كافة. ولا خيار أمام النخب السياسية السائدة، إذا أرادت الاستقرار لأوطانها، إلا الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والوطنية، المتجهة صوب إرساء دعائم المواطنة ومؤسسات المجتمع المدني والدولة المدنية الملتحمة في خياراتها الاستراتيجية مع خيارات مجتمعها، والساعية نحو إزالة كل رواسب الدولة التسلطية من واقعها ومؤسساتها وهياكلها المختلفة. وحده الإصلاح السياسي الحقيقي، هو الذي يوقف الكوارث القادمة وعلى كافة الأصعدة.
    9- التربية المدنية و المواطنة الجيدة

    مع انتشار الاهتمام بالديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، صار الحديث حول التربية المدنية يأخذ الأولوية كأساس لهذا الانتشار ليس في المفهوم فقط وإنما على المستوى السلوكي اليومي لأفراد المجتمع وخاصة الناشئين المنخرطين في المدارس لأنهم اللبنة الأساسية لبناء مجتمع صحي.
    وما نقصد بالتربية المدنية هو ذلك النشاط الذي يعتمد على المشاركة الفاعلة بين المدربين والمتدربين من جهة ، وبين المتدربين أنفسهم من جهة أخرى، حول أحداث ومشاكل وأنشطة مجتمعهم والسياسة العامة لحكوماتهم خارج وداخل المدرسة والتي لها علاقة بحقوق وواجبات المواطن باتجاه تطوير مواطنتهم وانتمائهم من خلال غرس قيم وسلوك حقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح والقبول بالآخر ونبذ العنف وصيانة كرامة الإنسان والتعود على المشاركة ، والعمل الجماعي والتواصل ، والعدل ، والحق، والجمال في إطار حقوق وواجبات المواطن
    فأنشطة التربية المدنية هي نقيض ما هو متبع من تلقين حيث أنها تقوم على تشجيع روح المبادرة والإبداع الحر. وهي ليست مفاهيم وقيم ومكونات جامدة وإنما هي طريقة ونهج تعتمد على الممارسة والنقد الحر وهي بهذا تكون من أولويات الاحتياجات للدول ذات الديمقراطية الناشئة.
    ومفهوم التربية المدنية يعني المواطنة الجيدة ، وهذا المفهوم يهتم بخلق مواطن منفتح على الحضارات ، متفاعل مع الأحداث المحيطة به محليا ودوليا، يحترم جميع الآراء ، ومبادئ حقوق الإنسان ، يعمل على غرس التسامح والسلوك المدني وإرساء دعائم الديمقراطية ، يعزز قدرة المدربين والمتدربين على المبادرة ، والفعل على المواطنة الجيدة وتحمل المسئولية، كما يعزز العلاقات بين المواطنين من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى ، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد مواطنين مساهمين ومسئولين وفاعلين في النظام والعملية الديمقراطية بمفهومها الشامل.
    والحديث عن مجتمع مدني يعتمد الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن تحقيقه إلا إذا ارتبطت المدرسة ارتباطا وثيقا بمنهجها التعليمي وأنشطتها وطريقة التعليم فيها بما يحقق إنشاء هذا المجتمع المدني وتطويره .
    1) الأهداف العامة لبرنامج التربية المدنية
    • المساهمة في تطوير مناهج التربية والتعليم.
    • تدريب المعلمين والطلبة على مبادئ المواطنة والديمقراطية .
    • المساهمة في تطوير الوعي بين التربويين وصناع السياسة التربوية .
    • تنمية العلاقة مع وسائل الاعلا م .
    • نشر المفاهيم حول المواطنة والديمقراطية .
    • القيام بأبحاث ودراسات حول التربية المدنية .
    2)- أهداف الدورة التدريبية للمعلمين
    • تقييم محتوى وأسلوب ومنهجية التعليم من خلال مبادئ ومفاهيم أسس الديمقراطية.
    • تحليل الدروس الفردية وأسلوب تطبيقها خلال التعلم في الصف .
    • تطبيق أسس الديمقراطية في الصف .
    3)- أهم المواضيع التي سيتلقى المتدربين
    • مفهوم التربية المدنية ومشروع المواطنة .
    • نقاش خصائص المواطن الفاعل.
    • السياسة العامة مفهومها وآليات عملها.
    • عرض خطوات مشروع المواطنة .
    • نقاش وعمل المجموعات لاستخلاص أهم المشكلات .
    • تحديد المشكلة وأولويتها.
    • مصادر الحصول على المعلومات.
    • خصائص الطلبة النمائية والمعرفية.
    10- الوطنية في ظل العالمية
    إن التعارف والتفاعل الحضاري هو سنة هذا الكون " لتعارفوا". وإذا كانت المعرفة على المستوى الشخصي تنمِّي في الإنسان عدداً من المواهب والأفكار والقدرات المختلفة، فإن ذلك يصح على المستوى المجتمعي والدولي.
    وإذا كان بعضهم ينادي بأنه ليس من الملائم الآن السعي إلى الانغلاق في الوقت الذي تتجه فيه الدول نحو الانفتاح على بعضها، فهذا من حيث المبدأ صحيح..، لكنه من حيث الواقع يحتاج إلى تقدير الانفتاح ومر حليته ومستواه ومتطلباته وآثاره. كل ذلك من أجل اغتنام إيجابياته "فرصه" وتجنب سلبياته "مخاطره" .والدعوة إلى الانفتاح العالمي لا تعني القفز على الواقع المحلي..، فالتفكير في العالمية يحتاج إلى معرفة واقعنا وقدراتنا وإمكانياتنا المحلية.
    وفي هذا السياق فمن الجميل أن يكون الإنسان عالمي التفكير محلي التصرف كما هي مقولة ( فكِّر عالمياً وتصرف محلياً) " فلا انفتاح يجلب ما لا قبل لك به ولا انغلاق يحرمك مما لابد لك منه".
    وفي شأن الحركة العالمية المعاصرة التي تعرف بالعولمة، تعرض عدد من الدراسات إلى مظاهر للعولمة تتأثر بها مختلف جوانب حياتنا.
    فالعولمة السياسية تعني - كما يعرض الباحثون - إطلاق الحريات والمشاركة السياسية وتعميق معنى الديمقراطية. والعولمة الثقافية تؤكد على انتزاع معنى الخصوصية إلى رحاب الثقافة العالمية بأدبياتها المختلفة سواءً في محيط الأفكار وصناعتها أو في تناولاتها.
    والعولمة التقنية والإعلامية تتضح من خلال ما يعيشه العالم في ثورة الاتصالات وتبادل الصور والمعلومات حية على الهواء في مختلف بلاد العالم حيث سهولة الحصول على المعلومة والمشاهدة والخبر.
    والعولمة الاقتصادية تعني فسح الفضاء العالمي لحركة الاقتصاد وتبادل الموارد والمصالح وتهميش العوائق التي تحول أو تعوق هذه الحركة..حتى سلطة الدولة.
    ويشير القصيبي (2002) إلى أنه حتى عهد قريب كانت أي دولة تستطيع الاحتماء خلف سيادتها عما يدور في العالم من متغيرات لا تروق لها..فتصادر الكتاب الذي لا يعجبها وتشوش على الإذاعات التي تزعجها..إلا أن السيادة لم تعد تلك القلعة الحصينة "الآن" كما كانت من قبل..إذ تفرض المنظمات الدولية قواعد ومناهج للسلوك لا تستطيع أي دولة الخروج عنها!!.
    وكل هذه الأشكال - وغيرها - من مظاهر العولمة تدفع إلى خلق عولمة "قيمية" تتدافع وتساعد مختلف الظروف لتكريسها وتربيتها في الأجيال لتنتج كما هو "مطلوب" سياسة بلا حدود، وثقافة بلا حدود، واقتصاداً بلا حدود وأخيراً - كمحصلة - "إنساناً بلا حدود" ...إنساناً عالمياً يتناسب ويتفاعل والظاهرة العالمية "العولمة".
    إن هذه الحقائق والمظاهر المذكورة، مركزية جداً لا لفهم الظاهرة العالمية ومرتكزاتها فحسب،بل لفهم الأدوار المنوط بها أولاً ولتشخيص الوساطة التي تتم بين مكوناتها – الشركات والمؤسسات العالمية – لتشكيل عالمية المستقبل ثانياً.
    ومن هنا فالتعامل "الواضح معها" يحتاج إلى تصور "واضح لها" يعمد إلى فهم آلياتها وجوانب أثرها وتأثيرها.
    وحينما يقف المجتمع "المحلي" على تصور واضح لطبيعة الظاهرة يمكن أن يتعامل معها بمستوياته المختلفة تعاملاً متزناً وبناءً. ومن هنا فالاندماج أو الانعزال، كخيارين لا ثالث لهما لا يعكس بالضرورة الخيار الأمثل للمرحلة التي نعيشها،...ذلك أنه يمكن استخدام كلٍّ من التوجهين في "الساحة والمساحة المناسبة" وفق المنظومة الثقافية المكونة للمجتمع ومسلماته.
    ومن أجل أن نربط بين الكيفية التي يجب أن تتعامل معها ذاتنا (أي شخصيتنا الوطنية) مع غيرنا يتأكد النظر إلى أمرين مهمين هما:
    أولاً: أن نعرِّف ذاتنا ومن نحن مشخصين هذا المعنى في مقابل العلاقة مع الآخر.
    ثانياً: العلاقة مع الآخر في سياق الحركة الحضارية المعاصرة.
    وإذا كان جوهر حقيقتنا هو أننا متعبدون لله ومستخلفون لعمارة الأرض فإن هذه الحقيقة تفرض علينا منطلقات "ثابتة" لا يمكن الحياد عنها مهما اختلف الزمان والمكان. ومن هنا فالذي يحمل هذه الحقيقة أنّى وُجد فإنه مطالب بتجسيدها دون خلل أو خجل. وإذا كان بإمكان الإنسان أن يغيّر من ( هَويته بالفتح) أي بطاقة تعريفه أو جنسيته لظروف زمنية أو مكانية فإن (هُويته) بالضم أي عقيدته لا تقبل ذلك إلا إذا غير الإنسان حقيقته. وهنا نجد التكامل بين ما هو وطني بحت ( أي جنسيته) وبين ما هو ديني ( أي معتقده). إذ مهما اختلف الزمان والمكان لأي ظرف كان فإن الإنسان الصالح هو مقصد الإسلام.
    وإذا ما تحدثنا عن هذا "الثابت" الذي نحتاج إلى تقريره وتعميقه في النفس والمجتمع فمن المهم التأكيد على أننا نحمل:
    هُـوية = بيـّنـة، ثابتـة، وحركـية
    وبينة أي واضحة المعالم لا لبس فيها ولا غموض عقيدة وشريعة. وثابتة إذ ترتكز على معالم وأحكام سماوية لا تقبل تشويه الإنسان في أي زمان ومكان. وحركية، إذ لا تقبل الجمود فهي هوية فاعلة ومتفاعلة مع الزمان والمكان عطاءً واكتساباً.
    وهذه الصورة من البيان والوضوح لا تترك مجالاً للخلط ولا للشك ولا للذوبان، ولو أن فيها من القابلية لأحد هذه المعاني لانتهت منذ قرون.
    ومما تفرضه علينا ميزات هذه الهوية في هذا العصر الذي نعيشه أنها مع الثبات تتطلب التثبت فلا تستعجل بالرفض لعدم الألفة، ولا تنساق منبهرة دون روية.
    وقد كان لهذه العقيدة الموحدة أثر بالغ في مسيرة التاريخ العربي الحافل بأحداث كان لها أثر كبير في لملمة شعت قبائل متناثرة في محيط الجزيرة العربية انعكس بالتأكيد على روح أخوية وطنية ينتمي إليها شعوب العالم العربي. ومما يعزز من تعميق معنى الهوية الوطنية للعرب انتماؤهم لتاريخ واضح صنعوه بأيديهم ودمائهم، ولم يصنعه له غيرهم. كل ذلك تحت مظلة شريعة الإسلام التي كان لها الأثر الكبير في تحقيق هذه الوحدة.
    وعلى ذلك يمكن القول بأن مكونات الوطنية للمجتمع العربي تتمثل في:
    أولاً: وحدة العقيدة، حيث يدين المجتمع العربي بالإسلام.. ويشكل هذا الدين الرابطة المهيمنة على مختلف أنظمة المجتمع وتوجهاته. ولذلك فالرابطة الدينية – في تقديرنا- تعد اللاعب الأكبر في تحقيق الاستقرار والتآلف الوطني. ولعل التاريخ في سابقه ولاحقه يؤكد مدى العمق الذي لعبه ويلعبه الدين في مسيرة الوحدة الوطنية في العالم العربي.
    ثانياً: وحدة التاريخ، حيث يتميز المجتمع العربي بانتمائه لتاريخ واحد أسهم جميع أبنائه في صناعته، ويقف خلف صناعة هذا التاريخ وتوحيده مؤسس الكيان العربي الحديث الجامعة العربية.
    ثالثاً: وحدة الثقافة واللغة، وهنا فلا يعيش المجتمع العربي إشكالية أقليات عرقية تنتمي إلى بناءات ثقافية مختلفة، بل يتميز المجتمع بوحدة ثقافية ولغة واحدة أسهمت وتسهم في تجانس المجتمع العربي وترابطه.
    كل هذه المكونات (الإرث المشترك) تنتظم جميعاً لتصوغ شخصية الإنسان العربي مشكِّلة شخصيته الوطنية التي هي جزء من هويته العقائدية.. والتي إن اشتركت مع غيره من المسلمين في المكون العقائدي فهي تتميز بخصوصية الموطن الذي تأوي إليه أفئدة المسلمين في أقطار الأرض خمس مرات يومياً مما يزيد هذه الشخصية عبءَ تحمل هذه الخصوصية الفريدة للوطن العربي.
    ولذلك فجوانب تعزيز هذه المنظومة المشتركة تحتاج منا إلى تأكيد في المادة الإعلامية والمناهج الدراسية والكتابات والمحاضرات الثقافية بل والتربية الأسرية.
    والنتيجة التي نحتاج إلى أن نتوقف ملياً عندها أمام هذا العالم سريع المتغيرات أننا ونحن نعيش هذه المرحلة التاريخية تحديداً نحتاج إلى وعي بقيمنا وذواتنا وما يدور حولنا لأن ذلك كله ينعكس على دورنا ومستقبلنا المبني- شرطاً- على اتساق داخلي أكبر على مختلف المستويات لكي نعمل جميعاً وفق أهدافنا وأولياتنا، وبالتالي يمكن أن نتعالى سوياً على التحديات خارجية كانت أم داخلية. ولن يكون ذلك متاحاً إلا بالشعور بالساحة المشتركة لمكونات المجتمع وعناصره سواءً أكانت مادية أو معنوية.
    إن تشكيل الفكر الوطني لا يتم بمنأى عن أثر المتغيرات العالمية المتنوعة وتأثيرها. وبالتالي فالأخذ بالاعتبار للبعد العالمي ومدى تأثيره بل وتكييفه ما أمكن ليخدم التوجهات المحلية هو محكّ دقيق وحساس لا للنجاح فقط في الحفاظ على الوطنية بل في تنمية معنى الفعل فيها والتفاعل معها بما يخدم المصالح العليا للوطن ،ذلك أن التقصير في هذا المنحى يهيئ النفس للاستجابة والاختراق من قبل صناع التوجهات الأجنبية.
    وإذا كان عدد من الباحثين يخشون من أن التباطؤ في الانفتاح يشكل عائقاً سلبيا خشية تخطّي العولمة دولنا وبالتالي نحتاج إلى خطوات أكثر سرعة للحاق بها، فإن التأنّي "المدروس" أولى من التسرّع "المهووس". وإذا كانت حدّة الضغوط وقوتها وأثرها وتأثيرها من قبل المؤسسات والشركات العالمية تختلف باختلاف مدى القوة ومستواها لأي بلد فإن التكامل العربي سوف يعكس وجها آخر في تكييف المدخلات وكفاءة المخرجات وبالتالي أصبح مشروع التكامل ضرورة لا خياراً في هذه المرحلة، هذا من ناحية إنعاش القوة على المستوى الثقافي الفكري أو الاقتصادي في مقابل التأثيرات العالمية المتنوعة. ولأجل تجسيد هذا المعنى على المستوى العربي فإن عدداً من الدراسات تؤكد على أهمية الآتي:
    أ- بناء القدرات العلمية وتطوير البحث وتشجيع الإبداع وتوظيفه ليخدم مجال الثقافة والصناعة والزراعة وأوجه الحياة المختلفة.
    ب- تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، وإعطاء التعاون العربي/العربي الأولوية على غيره.
    ج- قيام منطقة عربية كبرى للتجارة الحرة.
    د- منح المشروعات العربية المشتركة تسهيلات وميزاً تفضيلية.
    هـ- تنسيق الجهود وتفعيلها للارتقاء إلى مرحلة السوق العربية المشتركة.
    وإذا كانت أوربا قد نجحت في تحقيق وحدتها الاقتصادية فإن العرب يملكون أرضية أكثر تقارباً وسهولة لتحقيق ما هو أكبر من ذلك حيث يجمعهم الآتي:
    - وحدة الأصل والمنشأ
    - اللغة الواحدة
    - التاريخ المشترك
    - الاتصال الجغرافي
    - الوحدة الثقافية
    - الدين الإسلامي
    وكل هذه المعاني والآليات لها أثرها الفاعل في تعزيز الثقة في القدرات الذاتية والتي تنعكس حتماً على قوة وقدرة هوية الوطن ومواطنيه وتنميته وتطويره. ذلك أن المنطق يقول إن المنفعة المشتركة تخلق فعلاً مشتركاً، وأين نحن من هذا " معشر العرب".
    وعملية تكامل الدول هنا خصوصاً العربية والإسلامية وتشجيع التكثلات فيما بينها يعين على تشكل قوة سياسية واقتصادية - وثقافية - أكبر في مواجهة هذه التحديات ، ومن ثم تتغير لغة الخطاب والتعامل - من قبل الشركات أو دولها- من لغة "القوة" إلى لغة "الموازنة".
    هذا لا يعني بالضرورة أننا من أنصار التنفير أو التبشير بالعولمة لكننا نحاول من خلال طرحنا - وذلك الهدف كله- استقراء ما يمكن أن يفيد واقعنا محليا وعربيا بل وعالمياً على السواء في ضوء الهوية التي ندين بها وهي في الأصل أساس وجودنا ومنطلقه.
    وحينما تختلف الرؤى - وبشدة أحياناً - حول ما يمكن أن يفيد وما يمكن أن يضر!! في مسيرة التنمية الشاملة يتأكد هنا تحرير موضع الخلاف، والقراءة العلمية الموضوعية للوقوف على الحقيقية ما أمكن!.
    ومن أجل توضيح وتجسيد هذه الإشكالية نقول في تحرير التجارة –على سبيل المثال – هناك من يعتقد بأنها سوف تزيد من حدة فقر الدول "الفقيرة" في الوقت الذي تزيد من غنى الدول "الغنية". في حين أن آخرين يرون بأن تحرير التجارة سوف يساعد على مواجهة حالات الركود والكساد الاقتصادي وتزيد من الرفاهية الاقتصادية لدول العالم "المتقدم" منها و" النامي" على حدٍّ سواء.
    ومن هنا فالاتجاه إلى النظرة التحليلية "التفصيلية" فيما يفيد، وما لا يفيد ونسبة أو نسبية كل منها وأثره المعتمدة على البرهان والتجربة، هو الأجدر بالنظر والتأمل والمتابعة... ذلك أن الخيارات التقليدية (مع أو ضد) هي هروب من أو تقصير في بذل الجهد للوصول إلى الحقائق التفصيلية (وذلك ما يفرضه واقعنا المعاش).. ولإيضاح هذا المسلك "المهم" في الأخذ والرد، نعرض إلى دراسة البنك الدولي تحت عنوان "الدولة في عالم متغير" حيث تؤكد الدراسة بأن التنمية التي بنيت على سيطرة الدولة قد فشلت، كما فشلت أيضاً التنمية التي ينقطع فيها دور الدولة (1998). ومن هنا يبرز تساؤلنا واستفهامنا ومسلكنا الذي نريد إتباعه،...إلى أيّ حدّ يمكن أن يكون تدخل الدولة فعالاً ومفيداً والعكس؟..وذلك يصح في شؤون المجتمع المختلفة.
    ويثبت التاريخ بأن الحكومة الجيدة ليست من قبيل الترف سواءً في الاقتصاد أو الثقافة أو الفكر.. ويشير باحثون بأن الدولة ضرورة حيوية ذلك أنه بدون دولة فعالة يتعذر تحقيق التنمية المستدامة في جوانبها المختلفة. ومن هنا فالمناداة بتهميش دور الدولة فيما يبدو لا يخدم كلاً من مصلحة العمل الخاص والعام - والعكس صحيح - الذي ينعكس على مصلحة المجتمع وتنميته وتطويره والحفاظ على هويته.
    وعلى كل الأحوال فإن عدداً من الكتاب يرون بأن دور الدولة - وإن قلّ - فلن ينتهي أبداً. ويؤكد أحمد عبد الرحمن (1998) بأن الشعور القوي والوطني يتضحا لدى الصينيين واليا بانيين الذين يتوجسون بأن أمريكا تريد أن تمنع بروزهم كقوى عظمى، ولذلك فأكثر الكتب مبيعات عندهم هي الكتب التي تقول "لا" للأمريكيين. وهنا يمكن وصف أنصار زوال الوطنية وحدود الدولة الفعلية بأنهم حتميين أكثر مما ينبغي.
    ومما تجدر الإشارة إليه هنا،أن طبيعة تكوين الدولة وتشريعاتها وبناءها الثقافي والاجتماعي يلعب دوراً كبيراً في معدل الانتماء لها قوة وضعفا.ً وبالتالي فتعميم آثار العولمة وكأنها قوانين تصح على كل مجتمع و دولة يثير كثيراً من التساؤلات والشكوك.
    ولكي تلعب الدولة دوراً متزناً مع الواقع المعاش يرى عبد الجبار(2000) بأنه لابد من تحقيق شرطين أساسيين هما:
    أولاً: أن يتناسب دور الدولة مع قدراتها.
    وثانياً: رفع قدرات الدولة بتنشيط مؤسساتها العامة.
    وعلى هذا فإن الوظيفة الأولى للدولة هي القيام بالمهام الآتية:
    (أ) تطبيق القانون على أساس قوي.
    (ب) تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي.
    (جـ) الاستثمار في الخدمات الاجتماعية الأساسية والبنية التحتية.
    (د) حماية الفئات ضعيفة الإمكانيات.
    (هـ)حماية البيئة.
    كما يأتي ضمن هذا الإطار اعتماد الدولة الجاد من خلال أنظمة واضحة لقضايا التعيينات والترقيات الوظيفية المعتمدة على الكفاءة والشهادة والخبرة والتقويم المستمر.
    ولعل ابرز ما يمكن أن تقف خلفه الدولة لتعزيز فكر الوطنية وممارسة المواطنة في المجتمع " تحقيق مبدأ المساواة بين المواطنين".. والمراد هنا كما يشير النبهان (1988) تلك المساواة التي تتضمن الآتي:
    1- المساواة في المنافع الاجتماعية: بمعنى التمتع بالحقوق وعدم التفاوت فيها.
    2- المساواة أمام القضاء: فالجميع متساوون في نظر القضاء تحت سيادة الشريعة.
    3- المساواة أمام القانون: فلا امتياز لحسب ولا نسب أمام أنظمة الدولة.
    4- المساواة في تولي الوظائف العامة: فكل مواطن يستطيع تولي أي وظيفة حسب مؤهلاته وقدراته.
    5- المساواة في التكاليف المادية: والمعنى أنه كما أن للمواطن حقوقا محفوظة فعليه من الواجبات المادية التي يدفعها للدولة نظير خدمات يتمتع بها كغيره من المواطنين تحقيقاً لمبدأ " الغنم بالغرم".
    ومع كل هذا " فاستشعار "الكل" - فرد، مجتمع، دولة - لمسئولياته، وتوظيف "الكل" كل حسب قدراته وإمكانياته لخلق مواطنة فاعلة ولتحقيق تنمية شاملة ومستدامة هو الطريق العلمي والحضاري لتحقيق التكامل المطلوب ودفع العملية الوطنية كما هي العالمية..إذ تسير (آلياً) دونما حاجة إلى سياسات ضاغطة تجبرها على ذلك"..
    نخلص مما سبق طرحه بأن الحركة العالمية (العولمة) والمحلية (الوطنية) بحاجة إلى أن يعي كلٌَ منها الآخر، ذلك أن محاولة إلغاء الخصوصيات وتطلعات المجتمعات لن تفلح في استدامة مفهوم حركة التفاعل الحضاري.
    وإذا ما أريد من الظاهرة العالمية أو التفاعل الحضاري(تحت آلية العولمة) إقصاء أو إلغاء الآخر أياً كان -نحن أو هم- ففي ذلك مخالفة لسنة الحياة الجارية وبذلك تعطيل لمعنى التفاعل الحياتي الذي نقصده ونتبناه.

    11- المستخلص العلمي والعملي للمواطنة والوطنيـة :

    إلى هنا نستخلص عدداً من التوصيات العلمية والعملية التي يمكن أن تلعب دوراً فاعلاً في تعزيز الوطنية وتنميتها.. نجملها في عدد من الأفكار العلمية والتوصيات العملية.
    Iالمستخلص العلمي :
    أولاً: إن عدم القدرة على إعطاء معنى "للانتماء" وعدم وجود إطار قيم ينتظم من خلاله المجتمع يفرز حالة من التشتت والتفلت المرضي. ولذلك ففقدان القواعد المشتركة لعيش حياة مشتركة تنتج مجتمعاً محلياً تائهاً تتآكل فيه الثقة وتزداد فيه فيروسات أهواء الفردية والاستبدادية والانعزالية... وذلك ما يقوض معنى "المواطنة" الحقة.. بل إن النتيجة المتوقعة كما يراها قراء الاجتماع الإنساني لهذا الواقع المتردي هي انشغال الناس وخصوصاً شبابهم بالسعي اليائس بحثاً عن معنى للانتماء تنتهي بهم - أحياناً - للخضوع إلى أشكال من العصبيات والتطرفات الموغلة في الغرابة. وإلى ذلك كله فإن لغة المواجهة يجب ألاَ تغيب عن حساب المسئولين وذوي المبادئ بأن الغفلة عن حمل هموم الناس تفرز متناقضات سلوكية واجتماعية وتفرز - مثلها بالضبط - المطالبة بتقديس الحرية الذاتية غير المتزنة.. وبين هذا وذاك تضيع " لغة المصلحة الوطنية ".
    ثانياً: أننا ونحن نعيش هذه المرحلة التاريخية تحديداً نحتاج إلى وعي بقيمنا ودواتنا وما يدور حولنا لأن ذلك كله ينعكس على فكرنا ودورنا ومستقبلنا المبني- شرطاً- على اتساق داخلي أكبر على مختلف المستويات لكي نعمل جميعاً وفق أهدافنا وأولويتنا، وبالتالي يمكن أن نتعالى سوياً على التحديات خارجية كانت أو داخلية. ولن يكون ذلك متاحاً إلا بالشعور بالساحة المشتركة لمكونات المجتمع كله.
    والمعنى هنا أن نتأكد بأن ما نقوم به على مستويات مسؤولياتنا يتسق ويخدم المعاني والأدوار التي نتطلع لها سويا وعلى رأسها تحميل المسؤولية أهلها (جانب الأمانة) وتهيئة البيئة العلمية/العملية(جانب الأداء).
    ثالثاً: نود القول بان أي جهد من مجتمعنا على أي مستوى كان إذا لم يعط من الصلاحيات والإمكانيات ويهيأ له من القدرات ما يمكنه من أداء دوره وبتميز فإن ذلك/وفي ذلك مدخل لغيرنا علينا بأننا قوم لا نحسن القيادة ولا الريادة وبالتالي فغيرنا أحق بها منا!. ونحن بهذا نجني على وطنيتنا بأيدينا!..ولذلك " يجب أن نستوعب القيم والأهداف التي تربطنا فيما بيننا وتجعلنا مختلفين عن غيرنا.. وعلينا أن نتجاوز الوهم بأننا "يجب" أن نسير على الطريقة الأوروبية". فكلٌ له أولويته وحساباته وكلٌ له خصوصياته. كما يجب أن نتجاوز حياة التقليدية في التفكير والأداء والإنتاج.
    رابعاً: إن أخطر ما يمكن أن يواجه أنظمتنا التربوية، الاستجابة- اضطراراً أو اختياراً- لطروحات الناقدين/الناقمين أو حتى التقليديين.. فالحركة العالمية تحدث فجوة كبيرة بين قطاعات المجتمع،حيث تنمو وتتطور القطاعات المتصلة بالصناعة والمال والاتصال بينما تظل القطاعات الأخرى كالتربية والتعليم والصحة وغيرها مما تتبنى الدولة إدارته عديمة أو بطيئة السير للحاق بالقطاعات التي تدار من خلال الشركات الكبيرة، وهنا تتضح الفجوة بين القطاعات المدارة محلياً وعالمياً. وهذا الواقع المتباطئ والمتكاسل يجعل من قيمنا التربوية وأساليبنا التعليمية موضع تساؤل ونقد مما يعيق تبنيها من قبل أجيال المجتمع. وكنتيجة لتباطؤ وتكاسل قيمنا التربوية ينشأ هناك صراع وخلط بين متطلبات "الوطنية" واحتياجات " العالمية" فتضيع أو تضَّيع الأولى من أجل اللحاق بالأخرى.
    خامساً: إن من إشكاليات الحركة العالمية المعاصرة أنها يمكن أن تبعثر أو تغيِّب الهوية والشخصية الوطنية المحلية، وتعيد تشكيلها من جديد في إطار شخصية ليس لها انتماءات وطنية وثقافية وبالتالي انصهارها في ثقافة الغالب التي يديرها ويريدها "اللاعبون الجدد" في الساحة العالمية. وإذا ما أردنا حماية خصوصياتنا الثقافية فأولى بنا - كما تذكر فهمية شرف الدين - " أن نتحصن في إمكانيات اقتصادية موجودة لدينا، أو مواقف سياسية ضرورية لنا، تسمح بتجذير هوية ثقافية معبرة عن طموحاتنا ". ومما يجدر التأكيد عليه هنا "أن التأثير ومداه لا يعتمد في الأصل على قوة المؤثر بقدر ما يعتمد على استعداد المتأثر".
    سادساً: العصر الذي نعيشه يؤكد أهمية تبني برامج ومراكز ومواد ومشروعات عملية وعلمية وفكرية تنمي في حس الناشئة معنى الوطنية والمشاركة الشعبية والشخصية الحضارية الفاعلة التي ينتمي إليها.
    سابعاً: إن تقليل المظاهر والظواهر المشتركة بين الناس يعني بأن هناك دفعاً محموماً لهم نحو الوحدانية المنعزلة. ولذا قد يجني المجتمع بمختلف مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية على نبض حياته.. حينما يغفل تكوين قنوات نابضة بالتكاتف والتضامن الاجتماعي بين أفراده .. لأن عدم وجود بيئة مشتركة يتداول الناس فيها ما يعمق معنى الجماعية بينهم يعنى قصرهم ودفعهم إلى الفردية والانعزالية.. مما يعكر صفو معنى المواطنة والوطنية.
    ومن هنا فدفع الجميع للإحساس بالضمير المشترك القائم على القيم المتبادلة في العدل والمشاركة وتكافؤ الفرص.. كل ذلك يعمق من دفع ودفق الدم إلى مكونات المجتمع بأسره لتنبض بالحياة.. ومن هنا كان على الرجال والنساء ذوي المبادئ أن يتحركوا في كل جانب وعلى كل صعيد لبث الروح الجماعية وبناء الهم الاجتماعي لدى/بين الناس واستعادة الاستقامة المفقودة في عطاء وأدوار الأنظمة والمؤسسات التربوية والنظامية والخدمية لتؤدي دورها بنزاهة وبروح وطنية حضارية لا "مصلحة ضيقة فردية".
    و أن تكون مواطناً يعني أن تكون مرتبطاً اجتماعياً بتراثك وتاريخك وثقافتك ووطنك.
    وإشعار الآخرين بالمواطنة واستشعارها يحدده "أنه لا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، وألا يرضى على أي شخص أن يكون أقل من ذلك " (لنكولن) بأي أسلوب كان. ومجتمع غني بالمواطنة يعني أنه قوي في تضامنه يتعهد فيه الناس برعاية مؤسساتهم وقيمهم وأخلاقهم التي يقوم بها مجتمعهم وتتميز. وتلك هي الوطنية /المواطنة الحـقـة.
    II المستخلص العملي:
    لا يمكن استثناء أي مؤسسة رسمية كانت أو غير رسمية من تعميق وتربية معنى الوطنية.. لكن أدوار هذه المؤسسات تختلف من حيث الوظيفة والأهمية التي تؤديها نظراً لطبيعة المسؤولية التي تمارسها هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن ممارسة المواطنة وتنميتها لا يمكن أن يكتب لها الدوام والاستمرار ما لم يكن هناك تكامل وتضافر وتنسيق بين جهات المجتمع المختلفة..، بحيث إن القيم المطروحة -على سبيل المثال – في المناهج التعليمية يجب أن تدعمها القيم المطروحة في الإعلام كما أن الممارسات الوطنية المطلوبة على المستوى الاجتماعي تحتاج إلى قنوات لتفعيل معناها من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة رعاية الشباب والشؤون البلدية والقروية .وهكذا. .. كل ذلك من أجل أن تسير العملية والمسؤولية الوطنية مدعومة من كل جانب.
    ومما يمكن التوصية به وعليه لتربية وتنمية معنى المواطنة والوطنية عملياً الآتي:
    1- لما كانت الأسرة هي أهم مؤسسة اجتماعية يمكن من خلالها تربية معنى المواطنة، لكن الملاحظ جوانب من القصور أو التقصير في أداء هذه المهمة، فإن المسؤولية الاجتماعية تستدعي تبني تفعيل الأداء التربوي ومهاراته للأسرة. ذلك أن الآباء أو الأمهات قد لا يملكون أحياناً من المهارات ما يعينهم على أداء رسالتهم ، وبالتالي يمكن لوزارة الشؤون الاجتماعية مثلاً تبني فكرة / مؤسسة ( إدارة الرعاية الأسرية ) لا تختص فقط بذوي الظروف الخاصة بل تعمل من خلالها على تنمية الحس التربوي لكل أسرة ومعالجة القصور في الأداء التربوي من خلال عقد دورات ، وزيارات وحلول مشكلات وغيرها من الأدوات التي تنمي المسؤولية الأسرية وهذا بدوره سوف ينعكس إيجابياً على تربية المواطنة في أجيال المجتمع.
    2- الوقت الذي يقضيه الشاب/الشابة في مؤسسته التربوية التعليمية يُعدّ الأكثر أهمية حيث يتفرغ لما يقارب ست ساعات يومياً يتلقى من عدد من المعلمين/المعلمات كمية من المعلومات المتنوعة تحتاج لأن نعلم كم هي النسبة التي يتربى أو تربي من خلالها معنى المواطنة والأخلاق والانضباط في ذاته. هذا التساؤل المهم لا يمكن أن يجيب عليه إلا من يقوم بهذه المسؤولية ومن هنا نحتاج إلى تقييم الآتي :
    (1) المادة الدراسية ومدى طرحها للمفهوم القيمي وتركيزها على المسؤولية الأخلاقية والوطنية.
    (2) الأنشطة اللامنهجية ومدى تفعليها للحس الوطني والأخلاقي.
    (3) الأداء الوظيفي للإدارة والمعلمين ومدى تجاوبه وتمثيله وأداءه للرسالة التعليمية والتربوية في تنمية الحس الوطني والأخلاقي.
    وإلى جانب هذه الاستفهامات المهمة تحتاج المؤسسات التربوية والتعليمية إلى :
    ( أ ) عدم تركيز الانتباه في القاعات و الأنشطة على الطلبة/الطالبات الموهوبين وأصحاب المهارات فقط حيث إن تهميش الكم الأكبر من طلاب وطالبات المدارس سواء في التقدير أو المشاركة في الأنشطة أو الرحلات أو غيرها من الأدوات المتوقع أداؤها داخل البيئة المدرسية يعزز من البرود في الانتماء للمؤسسة التربوية وبالتالي للمفهوم الأكبر الذي يحتوي الجميع ( الوطن ).
    وهنا نوصي بأهمية استيعاب أكبر شريحة ممكنة من الطلاب والطالبات في الأداء والتعامل داخل قاعة الدرس وخارجها. وهناك من الوسائل والأدوات والمهارات التي يحتاجها معلم المدرسة في ضبط القاعة المدرسية وتفعيل الأداء فيها نوصي وزارة التربية والتعليم وإدارتها بنشرها وتشجيع الدورات فيها.
    ( ب ) يَنشَدُّ في العادة انتباه البيئة التعليمية المدرسية إلى شريحتين هما : أصحاب المواهب ، وأصحاب المشكلات ، ومع افتراض وجود رعاية مناسبة لهاتين الشريحتين فإن الشريحة الأكبر " فئة الوسط " لا تلقى من الرعاية والانتباه ما يمكنها من أداء دورها من جهة ، ومن حمايتها من التوجهات السلبية من جهة أخرى، وهنا ندعو إلى إعطاء هذه الفئة جانباً من الرعاية التي تستحقها وفي تقديرنا أن جانب الإرشاد الطلابي من خلال تدريبنا الميداني للطلاب ومشاركتنا واستفساراتنا لم يعط من جهة حظه من التقدير ولم يقم بمهامه من جهة أخرى ، لأسباب من أهمها :
    · إغراق المرشد الطلابي بمهام ليست من اختصاصه.
    · عدم تقدير أهمية الإرشاد وتولية مهمة الإرشاد الطلابي إلى أساتذة غير متخصصين.
    · عدم قيام المرشد الطلابي بمسؤولياته تجاه مهنته.
    · ضعف إمكانيات البيئة المدرسية للقيام بمهام الإرشاد و أنشطته.
    ( ج ) تبني تعليم مهارات التفكير وأدبياته وآلياته لتنمية وتعزيز مستوى الفهم والإدراك والمشاركة لدى طلاب المراحل التعليمية المختلفة.
    3- بين بيئة الأسرة وبيئة التربية والتعليم تأتي مسؤولية البيئة الاجتماعية التي تتسنَّم هرم مسؤوليات وزارة الشؤون الاجتماعية حيث الحاجة إلى تكامل مسؤوليات التربية والرعاية الاجتماعية من خلال إيجاد قنوات ومؤسسات أو مراكز للأحياء لتقوم بأدوار تتكامل مع سابقتها من خلال :-
    - شغل أوقات فراغ أبناء وبنات الحي.
    - تنمية التكافل الاجتماعي.
    - تنمية حس المشاركة الاجتماعية.
    - القيام على حاجات الحي المختلفة وتلبية خدماته.
    وكل هذه الأدوار وممارساتها تنمي معنى الانتماء الاجتماعي للوطن. ذلك أن شعور الجميع بأداء دور معين تجاه الحي، المجتمع، الوطن يعزز من معنى الوطنية وتنميتها.
    4- للمؤسسة الإعلامية بمختلف وسائلها أهمية بالغة في تعزيز وحماية الهوية الوطنية. والإعلام ليس فقط أغنية أو مسرحية للوطن ، بل هو معالجة فكرية أيضاً وحضور وتفاعل ومناقشة صريحة وجريئة لمشكلات الوطن.
    ومما نحتاجه من إعلامنا بوسائله مختلفة الآتي:
    أ‌- برامج جديدة موجهة للشباب وعلى وجه أخص تناقش معهم همومهم وتطلعاتهم، وتستضيف دورياً شرائح مختلفة منهم من خلال جولات إعلامية لمختلف مناطق الوطن، كل ذلك من أجل تعزيز الانتماء للوطن وتنمية الحس الوطني.
    ب‌- تكثيف المهرجانات الوطنية التي تتبناها وزارة الثقافة والإعلام، أو تتعاون مع مؤسسات المجتمع المختلفة في نقلها حية للجمهور من خلال أجهزتها وإدارتها المختلفة.
    ت‌- المواطن العربي في مختلف أرجاء الوطن يحتاج لأن يسمع صوته من خلال الإعلام وهنا نقترح أن يقوم الإعلام المرئي بتهيئة مادة إعلامية تكون بمثابة " منبر وطني " دونما كلفة أو تعقيدات يترك للمواطن البسيط أن يعبّر من خلاله عن كل ما يريده ومن ثم يستمع كل مسئول معني إلى هموم المواطنين لتشكل هذه الأداة الإعلامية قناة تواصل مباشر بين الوطن والمواطنين.
    ث‌- تفعيل معنى الرقابة والمسؤولية على كل ما يخلّ بثقافة المجتمع وأمنه سواء في الفكر أو السلوك خصوصاً تلك المادة التي يمكن أن يتداو لها الناس مسموعة أو مقروءة أو مرئية ، وتشكيل هيئة رقابة فاعلة من إعلاميين وشرعيين واجتماعيين لتقوم بهذه المسؤولية.
    5- وعلى مستوى المؤسسة السياسية يحتاج المجتمع إلى صناعة وتفعيل معنى الوطنية وتفعيله إلى العمل على مستويين :
    الأول: في مفهوم التعزيز.
    والثاني: في مفهوم الحماية.
    ومما يمكن التوجيه به لتحقيق المعنيين الآتي:
    أ‌. تبني مفهوم التنمية الشاملة والمستدامة لكل أرجاء الوطن فلا يهمش مكان على حساب أو لحساب آخر.
    ب‌. دعم الفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع لأن الحاجة عادة ما تؤثر في السلوك وبالتالي فوجود مؤسسات تلبي حاجة الناس في الإقراض أو التوظيف وسد العجز وغيرها هي عوامل من شأنها أن تعزز من جهة وتحمي معنى المواطنة وتحمي من جهة أخرى المواطن من الانحراف.
    ج‌. التأكيد على تعليم القيم ودراستها في كل مراحل التعليم خصوصاً قيم العمل، والمشاركة الاجتماعية، وقيمة الأداء والإنجاز.
    د‌. تشكيل هيئة وطنية فاعلة لحماية (( الهوية الوطنية )). وإذا كان لدينا من الهيئات ما تختص بالسياحة، وبحقوق الإنسان، وبحماية الحياة الفطرية، فإن " حماية الهوية الوطنية " في تقديرنا يعد اليوم أكثر أهمية خصوصاً في عالم يعج بالمتغيرات المفيدة والمخيفة في آن واحد.
     
  7. sami rekani

    sami rekani عضو الموسوعة
    rank
    الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏7 مارس 2016
    المشاركات:
    12
    الإعجابات المتلقاة:
    2
    بارك الله فيكم
     
  8. Polat alemdar

    Polat alemdar عضو الموسوعة
    rank
    الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏21 ديسمبر 2015
    المشاركات:
    49
    الإعجابات المتلقاة:
    2
  9. يوسف محمد

    يوسف محمد عضو الموسوعة
    rank
    الباحث(ة)

    إنضم إلينا في:
    ‏8 نوفمبر 2017
    المشاركات:
    21
    الإعجابات المتلقاة:
    0
جاري تحميل الصفحة...
المواضيع ذات صلة - ملف شامل المواطنة
  1. politics-dz
    الردود:
    3
    المشاهدات:
    445
  2. الشيطان السياسي
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    747
  3. politics-dz
    الردود:
    5
    المشاهدات:
    1,351
  4. politics-dz
    الردود:
    3
    المشاهدات:
    2,313
  5. politics-dz
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    820
  6. politics-dz
    الردود:
    8
    المشاهدات:
    4,374
  7. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    48
  8. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    112
  9. politics-dz
    الردود:
    2
    المشاهدات:
    169
  10. merabet mohamed
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    189
الوسوم:

مشاركة هذه الصفحة

  • من نحن

    موقع عربي أكاديمي أنشئ خصيصاً للمهتمين والباحثين في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. تضم الموسوعة مقالات، بحوث، كتب ومحاضرات، تتناول القضايا السياسية، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية والقانونية.
  • ملاحظة حول الحقوق الفكرية

    الموسوعة هي منصة أكاديمية للنشر الإلكتروني مفتوحة أمام الكتاب والقراء لرفع المواد وتعديلها وفق سياسة المشاع الإبداعي العالمية، يتم رفع الملفات ومشاركتها عبر شبكة الإنترنت تحت هذا البند، إن مسؤولية الملفات المرفوعة في الموسوعة تعود للمستخدم الذي وفّر هذه المادة عبر الموسوعة ، حيث تعد الموسوعة مجرد وسيلة بين الكاتب والقارئ، إذا كنت تعتقد أن نشر أي من هذه الملفات الإلكترونية ينتهك قوانين النشر والتوزيع لكتبك أو مؤسسة النشر التي تعمل بها أو من تنوب عنهم قانونياً، أو أي انتهاك من أي نوع فيرجى التبليغ عن هذا الملف عبر خاصية "اتصل بنا " الواقعة في آخر الصفحة لكل كتاب الكتروني، علماً أنه سيتم النظر في التبليغ وإزالة الملف الإلكتروني عند التأكد من الانتهاك خلال مدة أقصاها 48 ساعة.