كتاب ملف شامل عن تركيا: سياسيا، اقتصاديا و عسكريا

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز


عسكريا واقتصاديا وسياسيا.. تركيا تشهد في الوقت الراهن تطورات بالغة الأهمية خارجيًا وداخليًا، ستشكل جزءا كبيرا من مستقبلها. لكن هل يدرك الرئيس التركي، رجب إردوغان، خطورة اللحظة؟، وهل من الممكن أن يكون جزءًا من الحل، وهو جزءٌ أساسيّ من المشكلة أصلا؟ وهل سيوافق الشعب التركي على خطواته؟.
أسئلة طرحها، وتحدث فيها، الباحث الزائر بجامعة كارنيغي أوروبا، مارك بيريني، خلال بحث نشره مركز كارنيغي أوروبا للسياسة الخارجية، وقال فيه إن أنقرة على وشك أن تُستبعد من برنامج مقاتلة الشبح F-35 بسبب نشر صواريخ S-400 الروسية على أراضيها.
هذا على الجانب العسكري، أما على الصعيد الاقتصادي، فلم يعد بمقدور القيادة التركية إخفاء الوضع المزري لاقتصاد البلاد. ومن الناحية السياسية، فإن إعادة التصويت المقبل في 23 يونيو الجاري لاختيار رئيس بلدية إسطنبول سيشكل اختبارا حاسما للديمقراطية التركية الجريحة.
التطورات المقبلة على هذه الجبهات الثلاث ستشكل الصورة التي ستصاحب الرئيس التركي في قمة مجموعة العشرين في أوساكا المقرر لها نهاية يونيو.
بعد سنوات من المناقشات حول نشر صواريخ S-400 الروسية في آن واحد مع أحدث جيل من المقاتلات الشبحية الأمريكية، F-35، دقّت لحظة الحقيقة بالنسبة لتركيا. بعد أن تجاهلت تحذيرات متعددة من واشنطن، بأن صواريخ S-400 لا يمكن أن تُنشر جنبًا إلى جنب مع طائرات أمريكية الصنع، أبلغت واشنطن أنقرة بعبارات لا لبس فيها أن المناقشات قد انتهت، وأن تركيا ستواجه عواقب وخيمة إذا نشرت الأسلحة الروسية فعليًا.
رسالة وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة، باتريك شاناهان، إلى نظيره التركي في السادس من يونيو، حسب وصف بيريني، كانت دقيقة بشكل موجع بالنسبة لتركيا: ستُوقف واشنطن تدريب الطيارين والقائمين على الصيانة الأتراك، الذين ينبغي عليهم مغادرة الولايات المتحدة بحلول 31 يوليو. لن تُسلّم أمريكا تركيا مقاتلات F-35 التي طلبتها، وستُقصي قطاع الصناعة الفضائية الجوية في تركيا من برنامج تصنيع المقاتلة F-35، وحددت واشنطن بالفعل موردين بديلين لأنقرة.
علاوة على ذلك، يضيف بيريني، نقلا عن رسالة أنه في إمكان الولايات المتحدة اتخاذ المزيد من الإجراءات بموجب التشريعات الأمريكية القائمة، وكذلك اتخاذ خطوات يمكن أن تقلص حجم التعاون المستقبلي مع تركيا من جانب أمريكا وحلف الناتو.


بيريني يشير إلى أن رد فعل الحكومة التركية اقتصر على بيان موجز أصدرته وزارة الدفاع يشدد على "أهمية مواصلة المفاوضات". كما اتسمت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بنفس القدر من الغموض، إذ تتعمد أن تُخفي عن الجمهور الحقائق السياسية الضمنية التي انطوت عليها رسالة 6 يونيو، والتي تتمثل في أن أنقرة أقصت نفسها من أحدث أشكال التعاون مع الولايات المتحدة والناتو، وتخلت عن التزامها بالمشاركة في نظام الدفاع الصاروخي للحلف.
الباحث في كارنيغي، أكد أنه في حال جرى تنفيذ صفقة S-400، كما أكد إردوغان مرارًا وتكرارًا، ستكون هذه لحظة فاصلة في تاريخ الناتو منذ انضمام تركيا إلى الحلف عام 1951. هذا إلا إذا لم تكن أنقرة بطبيعة الحال تعتمد على نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغيير موقف إدارته من هذه المسألة الاستراتيجية.
على الجبهة الاقتصادية، تلوح لحظة حقيقة ثانية في الأفق، تعتبر خليطًًا بين أوجه الضعف الهيكلية، وتراكم ضخم لديون القطاع الخاص بالعملة الصعبة، والسياسات الطائشة إزاء تحديد أسعار الفائدة، إلى استعصاء موقف الاقتصاد التركي. من الصعب، كما يقول بيريني، تصور كيف يمكن لأية مؤسسة بخلاف صندوق النقد الدولي تغطية الضخ الهائل للأموال التي تحتاجها أنقرة لحل أزمة الديون.
بيريني يشير إلى أن أنقرة استبعدت هذا الخيار باستمرار، وغالبًا لأسباب انتخابية. لكن الحقيقة المجردة هي أنه لا توجد آلية أخرى متاحة أمام تركيا، إذ إن روسيا لا تمتلك أموالًا لتعرضها على أنقرة، وليس لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة صكوك مالية سارية، ومعظم دول الخليج ذات موارد محدودة، في حين أن الصين والسعودية لديهما خلافات سياسية مهمة مع تركيا.
حاليًا، تتوقع الأوساط المالية الدولية من تركيا أن تتخذ عددًا من الخطوات الحاسمة: الدخول في حوار مع صندوق النقد الدولي، واستعادة استقلالية البنك المركزي التركي المتآكلة، ونبذ النظريات التي لا معنى لها حول أسعار الفائدة المنخفضة، ورفع مستوى فريق الإدارة الاقتصادية في البلاد بشكل كبير.
أما لحظة الحقيقة الثالثة، حسب تحليل بيريني، فتتعلق بمجال ذي أهمية حيوية بالنسبة لتركيا: سيادة القانون. حيث تحولت إعادة انتخابات بلدية إسطنبول في 23 يونيو الجاري إلى صورة هزلية.
في الانتخابات المحلية المؤلفة من أربعة أجزاء التي أجريت في 31 مارس، اختار الناخبون رؤساء البلديات، ومديري المقاطعات، وأعضاء المجالس البلدية، والمسؤولين المحليين. في إسطنبول، أعلنت السلطات الانتخابية أن انتخاب رئيس البلدية، وهو المنصب الذي خسره حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، باطل من الناحية القانونية، في حين لم يتم الطعن في الانتخابات الثلاثة الأخرى، التي فاز بها حزب العدالة والتنمية في ظل الظروف نفسها.
الرسالة التي وصلت إلى ناخبي إسطنبول من هذا القرار فظة لكن صريحة: الانتخابات تكون حرة طالما فاز حزب العدالة والتنمية. السخط الناتج عن هذه الخطوة والمخاطرة بالنسبة لجميع الأحزاب السياسية عالية للغاية، بحيث بات من المؤكد أن إعادة التصويت في إسطنبول ستحظى على أهمية بالغة على مستوى البلاد.
والرمز الآخر للديمقراطية التركية المتلاشية هو بداية محاكمة عدد من نشطاء المجتمع المدني في تركيا في قضية احتجاجات غيزي بارك في إسطنبول يوم 24 يونيو، أي اليوم التالي لإعادة التصويت. توجه لائحة الاتهام للمتهمين الـ16 تهم تنظيم احتجاجات غيزي، وهي موجة من المظاهرات والاضطرابات المدنية التي اندلعت في 2013.
في نظر الأتراك الليبراليين والمراقبين الغربيين، هذه محاكمة سياسية بلا أدلة، وتهدف في الأساس إلى إيصال رسالة مفادها أن حرية التفكير وإجراء اتصالات مع هيئات ثقافية أجنبية - ناهيك عن المعارضة منها - لم تعد أمورا مسموحا بها.
وبصرف النظر عن العواقب الوخيمة على الآلاف من العائلات، فإن لتدهور الديمقراطية في تركيا أثرا واضحا: لقد ترّدت السمعة السياسية للبلاد، وبات الاستثمار الأجنبي يفضل البقاء بعيدًا عنها. بشكل أعم، من خلال تجريم القيم الديمقراطية الأوروبية وتصويرها كأدوات للإرهاب، فإن القيادة التركية لم تدر فحسب ظهرها لطموحاتها الأوروبية المعلنة، بل أدخلت نفسها أيضًا في مدارات سياسية وقانونية وأخلاقية مختلفة.
الكثير سيحدث في الأيام والأسابيع المقبلة، لكن ما هو مؤكد بالفعل أن الرئيس التركي سيشبه خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا القادة الصينيين والروس والبرازيليين والسعوديين أكثر من الزعماء الغربيين. ربما يبدو هذا جيدًا من ناحية المصافحات على شاشة التلفاز. ومع ذلك، فإن نصف مواطني تركيا يختلفون مع رئيسهم، ولا يمكن للاقتصاد التركي أن ينجو بدون الأسواق الغربية ورأس المال والتكنولوجيا. هذه هي الجوانب التي تكون فيها الاستراتيجية القطبية الثنائية وعدم الاتساق الاقتصادي والاستبدادية الضارية أكثر إيلامًا من غيرها.
وفي نهاية المطاف، فإن النهج الذي اختاره إردوغان ربما يستند استنادًا راسخًا إلى اعتقاده بأن في إمكانه تأمين مستقبله السياسي بشكل أفضل عن طريق التحالف مع روسيا وليس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن بين "مزايا" ذلك تخلص أنقرة من اعتبارات حقوق الإنسان، وعلى الجانب الآخر تكون موسكو قد تمكنت من إحداث إعادة تشكيل كبيرة في هيكل دفاع الناتو الخاص بأوروبا. ولكن هل يرى المواطنون الأتراك أن مُضي تركيا في إقصاء نفسها عن الغرب هو المسار الأفضل بالنسبة لهم؟.
 
التعديل الأخير:

أعلى