نتائج عكسية لمعركة السلطة القضائية بين وارسو وبروكسل

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
نتائج عكسية لمعركة السلطة القضائية بين وارسو وبروكسل

الاثنين 10 ديسمبر 2018



Previous





Next





جيمس شوتر من وارسو

بينما كانت بولندا تسارع لإكمال إصلاح عام مثير للجدل لسلطتها القضائية في وقت سابق من هذا العام، أعلن ياروسلاف جوين، نائب رئيس الوزراء، تحديا حادا للاتحاد الأوروبي.
لقد حذر جوين من أنه إذا حاولت المحكمة العليا في التكتل إحباط تغييرات بولندا، فإن ذلك سيكون بمنزلة: "الخطوة الأولى نحو التدمير التلقائي للاتحاد الأوروبي".
على أنه في النهاية كانت الحكومة البولندية هي التي غضت الطرف. بعد أمر من محكمة العدل الأوروبية، دفع نواب من حزب القانون والعدالة الحاكم، برئاسة الأيديولوجي المحافظ ياروسلاف كازينسكي، الأسبوع الماضي مشروع قانون يسمح لأكثر من عشرين قاضيا من المحكمة العليا في بولندا، بالعودة إلى العمل بعد إجبارهم على التقاعد المبكر هذا العام.
حتى بحسب المعايير المتقلبة للسياسة البولندية، كان ذلك تحولا ملحوظا للأحداث. مشروع القانون، الذي دفع به عبر مجلس النواب بسرعة في يوم واحد، ألغى واحدا من أهم عناصر الإصلاح القضائي الذي أثار الاحتجاجات في بولندا، والمخاوف في بروكسل بأن بولندا تنجرف عن مبادئها الديمقراطية.
بمجرد أن يتم توقيعه ليصبح قانونا، فإن الانعكاس سيمنح الاتحاد الأوروبي، الذي يناضل لاتخاذ إجراء متأخر ضد التوجهات المعادية لليبرالية الزاحفة من بودابست إلى بوخارست نجاحا نادرا، ولو جزئيا في معركته لفرض قيمه الأساسية.
يقول ميكال سولدرزينسكي، المعلق السياسي في "رزيشبوسبوليتا"، إحدى الصحف الرئيسة في بولندا: "إنه تراجع رمزي للغاية. استثمر حزب القانون والعدالة قدرا هائلا من مصداقيته السياسية في هذا الإصلاح.
طوال مدة عام ونصف، كانوا يقاتلون ويكافحون ويفعلون كل شيء للنجاح في إصلاح المحكمة العليا. وكان كازينسكي قد قال عدة مرات إنها آخر معقل للشيوعيين السابقين في بولندا. والآن قرروا التراجع".
الخطط لتغيير السلطة القضائية البولندية أصبحت واحدة من المعارك في السياسة الأوروبية الحديثة، التي يختار فيها المتحاربون مكان ووقت المعركة.
هي تؤدي إلى تصادم اثنتين من الرؤى المختلفة جدا من الناحية السياسية، حيث يضع وجهة نظر حزب القانون والعدالة أن الفوز الانتخابي يمنحه تفويضا لإعادة تشكيل جذري للدولة البولندية، في خندق ضد إيمان بروكسل بفصل السلطات.
في عصر الشعبوية السياسية المتنامية، غالبا ما يجد الاتحاد الأوروبي نفسه يتعرض للضغط – سواء عند التعامل مع المجر برئاسة فكتور أوربان، أو الحكومة الجديدة في إيطاليا أو التحدي من البريكست.
تراجع حزب القانون والعدالة الجزئي يظهر أنه على الرغم من متاعب التكتل، إلا أن الفكرة الأوروبية لا تزال لديها القدرة، على تشكيل النقاش السياسي داخل الدول الأعضاء.
جذور التراجع عن القرار الخاص بالمحكمة العليا تكمن في الدورة السياسية في بولندا. على الرغم من أن حزب القانون والعدالة لا يزال الحزب الأكثر شعبية بشكل مريح، مع اقتراب موعد الانتخابات العام المقبل، إلا أن المعارضة المؤيدة للاتحاد الأوروبي في البلاد بدأت تكسب تأييدا مع حجة تحشد الكثير من البولنديين: أن حزب القانون والعدالة يمكن أن يأخذ هذا البلد الواقع في أوروبا الوسطى – الذي لطالما نظر إليه على أنه واحد من قصص النجاح الكبيرة في التوسع الشرقي للاتحاد الأوروبي في عام 2004 – إلى الخروج من التكتل.
وفقا لدونالد توسك المسؤول الأوروبي الكبير حاليا، ورئيس وزراء بولندا السابق والعدو السياسي لكازينسكي، فإن أحد الدروس المستفادة من البريكست، هو أن البلدان تستطيع المغادرة جزئيا بالمصادفة.
وقال في وقت سابق من هذا الشهر: "بالنسبة لي، لا يهم ما إذا كان ياروسلاف كازينسكي يعتزم الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو أنه سيبادر بعملية معينة ستؤدي إلى هذا.
لدي خبرة مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فقد توصل إلى فكرة إجراء استفتاء، وثم فعل كل شيء لإبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لكنه في النهاية قاد خروج المملكة المتحدة".
الخلاف المرير بين بروكسل ووارسو حول الإصلاح القضائي من قبل حزب القانون والعدالة يجري في هذا السرد. يصر الحزب الحاكم على أن تغييراته ضرورية لإصلاح نظام، يفتقر إلى الكفاءة ومختل وظيفيا لم يتم تطهيره بشكل كاف منذ عودة بولندا إلى الديمقراطية.
المسؤولون في بروكسل يعتبرونها هجوما محسوبا على استقلال القضاء، وأطلقت المفوضية الأوروبية مجموعة من المبادرات لوقفها. أحدها كان ما يسمى إجراء المادة 7، وهو عملية سياسية يمكن أن تؤدي إلى تجريد دولة عضو من حقها في التصويت إذا تبين أنها تنتهك قيم التكتل الأساسية. كما تحدت أيضا إصلاحات بولندا في محكمة العدل الأوروبية.
يرفض مسؤولو حزب القانون والعدالة فكرة أنهم يريدون إخراج بولندا من التكتل باعتبارها كلاما فارغا. قال كازينسكي الشهر الماضي: "إنها كذبة، ومرة أخرى كذبة". أكثر من 80 في المائة من البولنديين يدعمون عضوية الاتحاد الأوروبي. بالنسبة لكثير من البولنديين، كان الانضمام إلى التكتل، إلى جانب الانضمام لحلف النيتو، خطوة رئيسية نحو ربط البلاد مع الغرب بعد أربعة عقود عاشتها البلاد ضمن الستار الحديدي، الذي فرضه عليها الاتحاد السوفياتي، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في الوقت الذي يشتد فيه القتال بين وارسو وبروكسل، كذلك ازدادت الانتقادات الموجهة للاتحاد الأوروبي من قبل كبار المسؤولين البولنديين.
قال جوين إن وارسو ستتجاهل الأحكام السلبية التي تصدرها محكمة العدل الأوروبية بشأن إصلاحها القضائي.
وصف الرئيس البولندي أندريه دودا التكتل بأنه "مجتمع خيالي" لا تكسب منه بولندا سوى القليل.
الشهر الماضي، طلبط زبغنيو زيوبرو، وزير العدل البولندي، من المحكمة الدستورية في بولندا الحكم ما إذا كان قانون الاتحاد الأوروبي يهيمن على القانون البولندي.
في كل مرة، تهجم المعارضة متهمة حزب القانون والعدالة بتوجيه البلاد ببطء نحو "البوليكست" أي إخرإج بولندا من الاتحاد.
يقول أليكس سزكربياك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ساسكس في المملكة المتحدة: "الطريقة التي ستجري بها معركة الاتحاد الأوروبي ضمن دوائر الرأي العام البولندي تعتمد فعلا على كيفية تأطيرها. إذا تم تأطيرها في أن بولندا تدافع عن مصالحها في الاتحاد الأوروبي – خاصة فيما يتعلق بشيء مثل حصص الهجرة القسرية، حيث يشعر البولنديون بعدم الارتياح مما يفعله الاتحاد الأوروبي – عندها فهذا سيكون فوزا لحزب القانون والعدالة".
"إما إذا تم تأطيرها فيما يتعلق ما إذا كانت بولندا عضوا في الاتحاد الأوروبي أم لا، أو إذا كان هناك تهديد مباشر للمنافع المادية التي تحصل عليها بولندا من الاتحاد الأوروبي، فهذه هي اللحظة التي تصبح فيها خطرة جدا من الناحية السياسية بالنسبة لهم".
الانتخابات المحلية الشهر الماضي أكدت هذا. فاز حزب القانون والعدالة بشكل عام، وحقق مكاسب في المناطق الريفية. تعرض لهزيمة قاسية في المدن الكبيرة في بولندا، وحتى بعض المدن الأصغر، حيث خرج الناخبون الوسطيون الذي يشعرون بالقلق من مواجهة بروكسل بأعداد كبيرة لمصلحة المعارضة.
يقول المسؤولون الحكوميون إن قرار زيوبرو بالتشكيك بهيمنة القانون الأوروبي على القانون البولندي قبل أيام من التصويت كان عاملا سلبيا بشكل خاص. يقول أحد المسؤولين: "لولا هذا الأمر، فإن النتيجة لن تكون أفضل بالنسبة لحزب القانون والعدالة، بل كانت ستكون أسوأ للمعارضة. هذا هو ما حشد ناخبيهم فعلا".
مع الانتخابات الأوروبية – التي تكون تقليديا ساحة معركة صعبة لحزب القانون والعدالة – والانتخابات البرلمانية البولندية المقرر عقدهما العام المقبل، يحرص المسؤولون في الحزب على قتل سرد البوليكست قبل أن يتمكن من تدمير آمالهم بفترة ولاية ثانية.
يقول أحد كبار المسؤولين في حزب القانون والعدالة: "النزاع حول السلطة القضائية غير مفيد، لكن إذا وضعناه في سياق البوليكست، عندها سيكون مشكلة، وقد كان مشكلة في الانتخابات المحلية. نحن نفهم ذلك".
اشتد الحافز بالنسبة للحكومة لنزع فتيل الصراع مع الاتحاد الأوروبي بسبب اندلاع فضيحة حول رشوة مزعومة في هيئة التنظيم المالي في بولندا، التي جعلت حزب القانون والعدالة يقاتل على جبهة أخرى، كما يقول دانيال تيلز، الأستاذ المساعد في جامعة بيداجوجيكال في كراكوف.
"هذه الفضيحة لديها إمكانية إلحاق الأذى بصورة حزب القانون والعدالة، ربما أكثر بكثير من الصراع مع الاتحاد الأوروبي، لأنها يمكن أن تقوض صورتهم لتنظيف الفساد في المؤسسات البولندية".
ما إذا كان عدول حزب القانون والعدالة بشأن المحكمة العليا كافيا لحرمان المعارضة من خط هجوم البوليكست، فهذا يعتمد على رد فعل المفوضية الأوروبية.
نائب رئيسها، فالديس دومبروفيسكس، وصف تغيير الموقف بأنه "افتتاح إيجابي"، لكن يقول مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إنه في حين أن الخطوة هي تنازل جوهري أكثر من أي شيء قدمه حزب القانون والعدالة حتى الآن، إلا أنها في حد ذاتها ليست كافية لإنهاء المواجهة.
على الرغم من أن الصراع بشأن المحكمة العليا أصبح الجزء الأكثر أهمية من العداء بين وارسو وبروكسل، إلا أن التغييرات القضائية لحزب القانون والعدالة هي أوسع بكثير.
أقرت الحكومة قوانين تمنح السياسيين سلطات واسعة على المحاكم الدنيا والمحكمة الدستورية في بولندا، وأيضا مجلس القضاء الوطني، الهيئة التي تعين القضاة.
يقول مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إن هذا يعني أن قرار السماح بعودة قضاة المحكمة العليا سيؤدي إلى تأجيل تسييس المحكمة العليا في بولندا.
يقول أحد المسؤولين الأوروبيين: "إنها نتيجة أكيدة أن تكوين المحكمة العليا سيكون متماشيا إلى حد كبير مع الحكومة، لأن بإمكانهم تعيين القضاة وبالتالي مع مرور الوقت سوف يسيطرون على المحكمة العليا. إلا أنه ليس حلا للمشكلة برمتها".
يقول مسؤولون من حزب القانون والعدالة إن التخلي عن تغيير السلطة القضائية ليس خيارا. على الرغم من أن بعض المتشددين يعارضون مزيدا من التسويات، إلا أن آخرين يعتقدون أن التقدم ينبغي أن يكون ممكنا.
يقول المسؤول الكبير في حزب القانون والعدالة: "الوعد بإصلاح السلطة القضائية كان أحد الأسباب في فوزنا في عام 2015. لا يمكن سحبه بالكامل... إنه مهم جدا لياروسلاف كازينسكي.
إنها أحد الأشياء الرئيسية التي أراد أن يكون في السلطة للقيام بها. لكن الوقت في صالحنا... يمكننا أن نكون عمليين في هذا الشأن. لدينا الكثير من السيناريوهات المحتملة" على حد قوله.
ستتم مراقبة كيف تجري المعركة من كثب في أنحاء الاتحاد الأوروبي كافة، مع تزايد المخاوف بشأن انتهاكات سيادة القانون. في أيلول (سبتمبر)، صوت البرلمان الأوروبي لإطلاق إجراء المادة 7 ضد المجر بسبب قمعها للمجتمع المدني. هذا الشهر، كما اتهمت المفوضية رومانيا بتقويض مكافحة الفساد من خلال سلسلة من التغييرات في نظامها القانوني.
في مواجهتها مع بولندا، السلاح الأولي المفضل للمفوضية الأوروبية كان إجراء المادة 7. مع استمرار القتال أصبح من الواضح أن هذا النهج وصل إلى طريق مسدود.
فرض العقوبات على بولندا سيتطلب الإجماع بين الدول الأعضاء الأخرى، وأصرت المجر، وهي حليفة وارسو المقربة، أنها ستستخدم حقها في النقض.
يقول بعض المراقبين إن حقيقة أن الاتحاد الأوروبي تمكن الآن من الحصول على تنازلات من بولندا في شأن محكمة العدل الأوروبية، قد تدفع المسؤولين لإعادة استخدام هذا النهج في المستقبل.
يقول مارسين ماتزاك، المحامي والأستاذ في جامعة وارسو، الذي كان معارضا صريحا لإصلاحات حزب القانون والعدالة: "بالتأكيد إنه افتتاح جديد. هذا قد يكون نقطة تحول في أزمة سيادة القانون برمتها. نحن نفكر الآن في ممارسة بعض الضغط على المفوضية الأوروبية، للبدء بإجراء آخر حول الانتهاك فيما يتعلق بمجلس القضاء الوطني الهيئة التي تعيين القضاة البولنديين... لأننا نعتقد أن هذا سيكون أكثر فعالية بكثير".
هناك آخرون أكثر تشككا. تقول أجاتا جوستينسكا-جاكوبوسكا، من مركز الإصلاح الأوروبي في بروكسل: "أعتقد أن المفوضية تدرك أن المادة 7 ليست مفيدة جدا كأداة للضغط، وأن محكمة العدل ربما تكون أكثر نشاطا مما ظن الكثير منا.
لم يتم التوصل بعد إلى قرار فيما إذا كانت المفوضية الآن ستكون أكثر حرصا على استخدام محكمة العدل الأوروبية، للتعامل مع التراجع عن الديمقراطية في الدول الأعضاء الأخرى".
في الوقت الحالي، بعد عام كامل كان يبدو أن حزب القانون والعدالة لن يجرؤ خلاله بأي تعديلات جوهرية على تغييراته القضائية، يرى معارضو الإصلاحات البولندية بصيصا من الضوء.
يقول ماتزاك: "لا تزال لدينا فرصة. نحن ما زلنا في عملية. هذه ليست نهاية الأزمة. لا يزال بوسعنا الفوز"
 

أعلى