سياسية الاحتواء الامريكية إلى الصين إلى اين

حسن محمد حسين حمدان

باحث الموسوعة
باحث مميز
حسن محمد حسين حمدان: سياسة الإحتواء الأمريكية للصين إلى أين؟ وهل ستكون الورقة الروسية عنصر ايجابي ام مضاد؟



حسن محمد حسين حمدان
إن المتتبع للعلاقات الأمريكية الصينية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا ، سيجد لها عنوانا بارزا وحيدا وهو سياسة الاحتواء ، وقد اتسمت بهذه السياسة معظم محطات العلاقة بين الدولتين ، وللتعريف بسياسة الاحتواء نستشهد بما ذكر في مقالة مجلة الوعي المنشورة في العدد 117 : ” سياسة الاحتواء : هي أفكار عامة ترسم لمواجهة الأخطار المحدقة بالمصالح والأهداف والسيطرة عليها.
وسياسة الاحتواء قديمة قدم وجود الجماعات والمجتمعات والدول ، وهي ليست سياسة مبتدعة ، والإبداع فيها يكمن في محتوى هذه السياسة ، ويظهر في آثارها وأبعادها ، من حيث الفكر المبدع الذي يعالج الأخطار ، والعمل المبدع في تنفيذ هذا الفكر ، والوسائل والأهداف المتجددة ، فهذا الإبداع يؤدي إلى درء الأخطار وتبديدها ، بل والعمل ما أمكن على جعلها خادمة أو غير معيقة في إيجاد المصالح وتحقيق الغايات ، وذلك كسياسة أمريكا في احتواء الخطر الشيوعي على الجبهة الداخلية للاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة الجديدة التي أشعلتها أمريكا بعد منتصف السبعينيات والتي انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي وتبخر الشيوعية على المسرح الداخلي للاتحاد السوفياتي.
وسياسة الاحتواء ترسم وتتبع في جميع الأوقات والأجواء، وقت السلم ووقت الحرب ، وفي أجواء الحرب الباردة ، وفي أجواء الوفاق ، كسائر السياسات التي ترسم أو تنفذ ، نحو : سياسة المواجهة أو التمييع أو التجميد أو الاستعمار أو المجد والعظمة أو الهدم والتخريب أو الدعوة والقتال”
فقد كانت الولايات المتحدة تستخدم سياسية الإحتواء في جميع مراحلها عبر تاريخ الدولة الأمريكية لاحتواء أخطار المنافسين الاستراتيجيين ، وليست سياسة الاحتواء وليدة اليوم ، أو ابتدعتها إدارة ترامب أو أوباما ، فقد انتهجتها الولايات المتحدة لاحتواء الخطر السوفياتي آنذاك بدعم كل من الصين وأوروبا – مشروع مارشال – للوقوف في الوجه الخطر السوفياتي المبدئي – فكرة الأشتراكية وانتشارها بين الدول – والعسكري المتمثل في قوة الاتحاد السوفيتي حينئذ ، ومثلما انتهجت الإدارة الأمريكية وقت الاتحاد السوفياتي العمل مع أوروبا والصين لاحتواء الخطر السوفياتي ، فإنها اليوم تنتهج نفس السياسة أيضا بالعمل مع روسيا وقوى إقليمية أخرى محيطة بالصين ، لاحتواء الخطر المتنامي للصين كقوة اقتصادية جبارة لا يستهان بها ، وكقوة عسكرية يمكن أن تهدد هيمنة الولايات المتحدة العالمية مستقبلا وإن لم يكن ذلك في المستقبل القريب ، فالسياسي الحصيف لا ينتظر وقوع المشاكل لمعالجتها ، بل تجده يجتهد في الوقاية من هذه المشاكل ، واتخاذ كافة التدابير التي من شأنها تجنيبه وبلاده وأمته هذه المشاكل.
ولقدم سياسة الاحتواء وعراقتها نجد وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر ينصح الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بالعمل مع روسيا لإحتواء الصين المتنامية ، وجاء ذلك وفقا لما نقلته صحيفة “ديلي بيست” عن مصادر في البيت الأبيض ” إلى أن الاستراتيجية المحتملة تنطوي على علاقة أوثق مع روسيا ودول أخرى في المنطقة لمنع قوة ونفوذ الصين المتزايدة”. وحتى تضح الأمور فسنستعرض محطات بارزة في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا :
أما المحطة الأولى فهي وقت استخدام الصين لاحتواء الخطر السوفياتي فقد قام الرئيس الأسبق نيكسون بزيارة إلى الصين الشعبية في عام 1972 ، حيث جرى الإتفاق بينهما على تبادل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، بعد إعطاء الصين الشعبية المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي بدلًا من الصين الوطنية “تايوان” ، وكانت هذه أولى خطوات الاحتواء الأمريكي للاتحاد السوفياتي بالعمل مع الصين ، حيث أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 من أكتوبر عام 1971 ، قرارها رقم 2758 واعترفت فيه بأن ” ممثل حكومة جمهورية الصين الشعبية هو الممثل الشرعي الوحيد للصين لدى الأمم المتحدة ، وأن جمهورية الصين الشعبية هي إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي “، و قررت ” إعادة جميع الحقوق الشرعية في الأمم المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية ” . وفي الوقت نفسه تم طرد ممثل سلطات تايوان ، وعليه فقد إعترفت الأمم المتحدة والعالم كله بأن في العالم صينا واحدة فقط ، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين ، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين كلها ، ومن هنا استطاعت الولايات المتحدة إدخال الصين ضمن قواعد اللعبة الدولية التي رسمت ملامحها الدول الغربية الرأسمالية ، وهذه أولى خطوات الإحتواء الأمريكي للصين وإن كانت موجهة ضد الاتحاد السوفياتي وقتها.
والمحطة الثانية حين اتجه الرئيس كلينتون ، في نهاية التسعينات ، إلى بناء ” شراكة إستراتيجية ” مع الصين في ولايته الأولى ، ولكن سرعان ما تراجعت العلاقات في ولايته الثانية مع إتهام الصين بـ ” التجسس العسكري “.
وفي السنوات الأخيرة بدأت مراكز القرار الأميركي تنظر إلى الصين بأنها المنافس الإستراتيجي لها ، فمثلا عندما التقى الرئيس الأميركي نيكسون مع الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في عام 1972 ، كان الاقتصاد الصيني يقدر بأقل من خمسة في المائة من حجم الاقتصاد الأميركي أما اليوم فقد فاجأت الصين العالم بقوة اقتصادها ونقلتها النوعية.
والمحطة الثالثة كانت في عهد الرئيس أوباما حيث كانت نقطة التحول الملموسة في تغيرملامح سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين ، ففي زيارته الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009 ، اتجهت العلاقات نحو الشراكة ، حيث ذكر البيان المشترك “المصالح الأساسية” للبلدين، ما طمأن الصين على مطالبها السيادية ، ولكن الغموض لف هذه العلاقات إلى أن كانت سياسة أوباما ” التحول نحو آسيا ” وذلك بعد مآلات الثورة السورية ، فقد كانت أمريكا تريد التحول في ولاية أوباما الأولى قبل الثورة السورية ، ولكن الخطر الداهم الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط جعلها تعطي الأولوية القصوى لها .
ومحطتنا الأخيرة هي عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب ، ففي 22 آذار/ مارس 2018، وقّع ترامب مذكرة لفرض رسوم جمركية على صادرات صينية إلى أميركا تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار ، وردت الصين بفرض رسوم على الصادرات الأميركية قيمتها 100 مليار دولار. كما طالب ترامب الصين بتقليص الفائض التجاري بما لا يقل عن 100 مليار دولار ، علمًا أن هذا الفائض بلغ 375.2 مليار دولار في عام 2017 لمصلحة الصين. ولكن في أثناء لقاء الرئيسين الأميركي والصيني في مؤتمر “مجموعة العشرين”، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، اتفقا على هدنة موقّتة لمدة ثلاثة أشهر تتخللها مفاوضات تجارية. وبالفعل عقد الطرفان محادثات، في 7 كانون الثاني/ يناير 2019، أدت إلى تبريد الصراع التجاري.
ولكن كما هي طبيعة المبدأ الرأسمالي الجشع ، فمع الأيام ازدادت مطالب أمريكا وارتفع سقفها ، وتخلل اللقاءات بعض التوترات بعيدا عن الإبتسامات الزائفة التي لا تعبر عن حقيقة الأمر ، وسرعان ما فشلت المفاوضات التجارية وعادت الولايات المتحدة لتفرض رسوما جديدة فبحسب BBC ” فقد فرضت الولايات المتحدة رسوما على بضائع صينية بقيمة 200 مليار دولار ، لترد الصين بفرض رسوم على بضائع أمريكية بقيمة 60 مليار دولار ، وقد أعطى ترامب تعليماته لوزارة التجارة بالاستعداد لرفع الرسوم على بقية السلع الصينية والتي تبلغ قيمتها 325 مليار دولار.
وعلى الرغم من فشل المفاوضات التجارية ، فقد قال ترامب : ” إن بلاده لها علاقات قوية مع الصين وإن البلدين سيتحدثان في قمة الدول العشرين المقررة يومي 28 و29 يونيو/ حزيران المقبل” ولكنه حذر الصين من الرد على رفع الرسوم ، قائلا ” إن الأمر سيزداد سوءا إذا أقدمت بكين على تلك الخطوة” ، وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية جانغ شوانغ ” إن الصين لن ترضخ أبدا للضغط الخارجي”.
وهكذا فالولايات المتحدة تعتبر الصين الآن المنافس الاستراتيجي الأول لها في الهيمنة على العالم ، والذي قد يهدد مصالحها مستقبلا وإن لم يفعل الآن أو على المدى القريب. فمنذ بداية الألفية الثالثة فإن كل تقارير الأمن القومي الأميركي ترى أن الصين في مقدمة التحديات الإستراتيجية ، فهي بنموها السريع وصعودها إقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا ، وبتمدّدها واتساع نفوذها جغرافيًا ، تتحول تدريجيًا إلى قوة إقليمية معتبرة ، وهذا ما يقلق مراكز القوة الأميركية والدول الإقليمية من احتمال سيطرة الصين على إقليمها وفرض إرادتها على منطقة ذات قوى وحساسية شديدة ، فضلا عن كون هذه المنطقة مقابلة لسواحل الولايات المتحدة .
ولقد أعلنت إستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2015 أن نصف معدلات النمو ، في السنوات الخمس المقبلة ، ستأتي من آسيا ، مع تركيزها على الصين ، بوصفها أحد أهم مراكز هذا النمو. وتواكب هذا الإعتبار الأمريكي خوف جيران الصين من سيطرتها على الإقليم ، فكان أن حاصرت الولايات المتحدة الصين بمجموعة من العلاقات الأمنية مع العديد من دول شرق آسيا والمحيط الهادىء ، من أمثال الفليبين و فيتنام و أندونيسيا و ماليزيا و اليابان و الهند وأستراليا ، فليس الخوف من تفوق الصين أمريكيا فحسب بل من دول المنطقة المحيطة بها كذلك ، فهذه الدول تلتقي مصالحها مع إستراتيجية الاحتواء الأمريكية ، وتعمل هذه الدول مع الخطة بتناغم شديد ، إدراكا منها للخطر الصيني مستقبلا.
ولعظم شأن خطر الصين المرتقب ، فقد أشرفت وزارة الدفاع الأميركية على دراستين في عام 2017 ، تركز الأولى على رصد جهد الصين لمد نفوذها في الدائرة الأوروبية الآسيوية ، من خلال مشروعها “طريق واحد ، حزام واحد” ، والذي يغطي 64 دولة بإستثمارات تزيد على تريليون دولار ، بما ينطوي عليه من إنشاء بنية أساسية لدور صيني عالمي ولو تجاريا مرحليا. وفي الدراسة الثانية جرى رصد سعي الصين لإمتلاك التكنولوجيا المتقدمة إذ أقامت 50 مشروعًا علميًا مشتركًا مع بلدان “الطريق والحزام” ، وجذب أكثر من 500 عالم وخبير أجنبي خلال خمس سنوات ، ما أدى – بحسب الدراسة – إلى أن الصين أصبحت تنافس أميركا في عدد براءات الاختراع ، وأصبحت بعض شركاتها ذات الذكاء الصناعي في مقدمة العشر الأوائل عالميا.
وفي المقابل تقوم إستراتيجية الأمن القومي الصيني على السعي بداية لهيمنة إقليمية في آسيا ، فقد سعت إلى خلق علاقات متناغمة مع الجيران الكبار ، فمنذ عام 2003 أُطلقت مبادرة “دبلوماسية المحيط الإقليمي” لضمان تفوّق الصين في جوارها الآسيوي ، وغذت الصين الخطى نحو هذا المسعى وذلك بعدما أطلق الرئيس أوباما استراتيجية ” الإنعطاف نحو آسيا ” والتي أدركت الصين أنها موجهة لمحاولة احتوائها. فقد قال أوباما : ” منذ وقت طويل تستنزف هذه الثروة من بلادنا ، في الوقت الذي لا تفعل فيه واشنطن شيئا ” معلنا أنه لن يغض الطرف عن الممارسات التجارية للصين ، وتعترض الولايات المتحدة على محافظة الصين على قيمة عملتها اليوان ودعمها وعدم تركها لقوى السوق – وكأن الولايات المتحدة لا تدعم دولارها وتتركه لرياح السوق ! – ، وتقول الولايات المتحدة أن قيمة اليوان غير حقيقية ، وتتهم الحكومة الصينية بالتدخل لمصلحة اليوان ، ولهذا السبب تنخفض أسعار المنتجات الصينية في السوق الأمريكي ، وترتفع أسعار المنتجات الأمريكية في الصين ، ما يؤدي لوجود هذا العجز الكبير في ميزان التجارة بين الدولتين ، وترى واشنطن أن من شأن سياسة الصين بخصوص اليوان أن تؤثر سلبا على قدرة الولايات المتحدة التنافسية و تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية أحد مصادر التوتر في العلاقات التجارية الأمريكية الصينية، ولا يقتصر الأمر فقط على نسخ برامج الكومبيوتر والأفلام ، بل يتعدى الأمر ذلك إلى نسخ وتصنيع أدوية وسيارات وقطع غيار طائرات. وكان ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بتصنيف الصين دولة متلاعبة بالعملة ، وهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة تصل إلى 45% على المنتجات الصينية.
ومن أجل إنجاح خطة الإحتواء فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل أكتوبر 2015 وإحدى عشرة دولة مطلة على المحيط الهادئ وهي: أستراليا وبروناي وكندا وشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام بتوقيع اتفاقية الشراكة الإقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادي ، وهي اتفاقية تجارة حرة متعددة الأطراف ، تهدف إلى زيادة تحرر اقتصاد دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ ، و قد صرح الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بالقول ” أن واشنطن لن تسمح لبلدان مثل الصين أو غيرها بكتابة قواعد الاقتصاد العالمي” ، كما صرح أيضا : ” عندما يعيش ما يزيد على 95% من مستهلكينا المحتملين خارج حدودنا ، فلا يمكن أن نجعل دولا كالصين تكتب قواعد الاقتصاد العالمي ” ، مضيفا : ” ينبغي لنا أن نكتب هذه القواعد ، وأن نفتح أسواقا جديدة للمنتجات الأمريكية في الوقت الذي نرسي فيه معايير عالية لحماية عمالنا إلى جانب الحفاظ على بيئتنا “. وما تفعله إدارة ترامب حقيقة هو متابعة للملفات التي فتحت في آخرعهد أوباما ، فهي ليست برنامجا سياسيا لحزب معين ، أو شخص بعينه مثل ترامب ، بل هي استراتيجية دولة أيا كان القادم لإدارة البيت الأبيض .
وفي المقابل ومحاولة منها لإفشال سياسية الإحتواء قامت الصين بوضع إستراتيجية ” التوجه غربًا ” والتي من أهمها الحزام الإقتصادي لطريق الحرير، والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ، مع أن باكستان دولة ذات نفوذ أمريكي ، وكذلك بعض دول طريق الحرير ، ما يجعل الأرض رخوة تحت هذه الإتفاقيات ، قابلة للانهيار. ويسعى حزام طريق الحرير البري الجديد إلى ربط اقتصاد الصين باقتصاد دول شرق وجنوب آسيا ، وآسيا الوسطى ، وأوروبا من خلال شبكات ممتدة من السكك الحديدية والطرق السريعة ، وشبكات الطاقة وكابلات الألياف الضوئية ، وغير ذلك من الشبكات. ويهدف طريق الحرير البحري الجديد في القرن الحادي والعشرين إلى تعزيز التجارة عبر المحيط بين منطقة شرق آسيا والمحيط الهندي. وعلى الرغم من أن الصين تنتهج سياسية التقدم السلمي ببطء وحذر شديدين ، ولكنها تكشر عن أنيابها في محيطها الإقليمي ، فتبني القواعد العسكرية ، وتحدث الجيش ، وتسعى إلى بناء ترسانة عسكرية قوية جدا.
وبالرغم من التفاوت الكبير جدا بين الولايات المتحدة والصين من الناحية العسكرية ، و من ناحية امتلاك الولايات المتحدة للكثير من الأوراق هناك في محيط الصين لمجابهة الصين والضغط عليها ، سواءا كانت ورقة عسكرة اليابان ، أو التعاون الأمريكي مع الهند -عدو الصين التقليدي – ، أو بعض حلفاء أمريكا هناك ، بالرغم من ذلك كله ، ومن ضعف أوراق الصين تجاه الولايات المتحدة ، ونظرة العداء لها من دول المنطقة والتعامل معها بحذر ، إلا أن التفاوت الإقتصادي والقوة الاقتصادية ليست بنسبة التفاوت العسكري ، فقد تفاجأت الولايات المتحدة بقوة الاقتصاد الصيني المقارب لقوة الإقتصاد الأمريكي ، وليس المقصود هنا من سياسية الإحتواء خشية أمريكا من مزاحمة الصين لها حاليا كما أسلفنا ذكرا أو على المستوى القريب ، وإنما استشرافا للمسقبل في ظل صعود الإقتصاد الصيني ، والنمو السريع للدولة الصينية ، إلى جانب الأزمات التي تعيشها الولايات المتحدة ، ناهيك عن عدم قدرة الولايات المتحدة على خلق حلول لهذه المشاكل والأزمات ، لأن هذه الأزمات أزمات مبدئية ، وليست مجرد أزمات كيانية ظرفية فقط .
ومن أبرز الأوراق التي تحاول أمريكا إستخدامها لاحتواء الصين ولا زالت تحاول ، هي روسيا فبعد أن نجحت الولايات المتحدة في استخدامها في الشام لمصلحتها وبشكل لافت للنظر ، وليس غريبا على الولايات المتحدة أو روسيا ذلك ، ففي مصر أثناء حكم الإتحاد السوفيتي نجحت الولايات المتحدة في تسخيره لحماية عميلها جمال عبد الناصر ضد الخطر الإنجليزي والفرنسي ، أي العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، ولكن الأسباب والظروف الآن ، والمخاطر والآثار ، وارتفاع سعرالإستخدام ، هذه العوامل تختلف عن السابق ، لذا لا نجد نجاحا أمريكا لغاية اللحظة في تحريك روسيا ضد الصين ، خاصة وأن الأخيرة تعاملت مع روسيا بحنكة ، من خلال ربطها بإتفاقيات إقتصادية جبارة في ظل العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا ، ولا ننسى كذلك التعاون بين البلدين في مجالات شتى.
وتدرك روسيا أن ثمة مخاطر كبيرة في استخدامها كورقة ضد الصين ، على الكيان الروسي والإقتصاد الروسي أيضا ، وفي ظل تجاربها مع أمريكا في الشام ، وعدم ثقتها بالأوروبيين ، مع عدم مقابلة تلك المخاطر لأية عروض أمريكية ذات وزن ، ومع إدراكها كل ذلك فمسألة قبول روسيا بتسخير نفسها كورقة بيد أمريكا وارد وغير مستبعد سياسيا ، خاصة وأن الروس لا يعتبرون من ذوي بعد النظر في السياسة ، بل اشتهروا بضحالة تفكيرهم السياسي ، وإمكانية القبول واردة عند عقلية كعقلية بوتين ومن حوله ، لكنه بحاجة إلى ثمن كبير نسبيا كتعويض لروسيا عن هذا الدور ، وما سيترتب عليه من خسارة لروسيا ومقامرة بحياة الكيان الروسي والأمة الروسية إن صح التعبير.
ومن هنا نستطيع أن نفهم تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تحويل روسيا إلى أداة لخدمة مصالحها ، ومواجهة الصين…، وقد قال: ” يعملون على شيطنتنا من أجل فرض الانضباط على أوروبا وتعزيز العروة الأوروبية الأطلسية. وعلى سبيل المثال أيضا ، يناقشون الآن وبجدية ، كيفية استخدام روسيا ضد الصين لصالحهم… رغبة منهم في جعلنا أداة لخدمة مصالح الولايات المتحدة”… آر تي 24/12/2018).
وأقول نستطيع أن نفهم أن إدراك روسيا وتصريحها يضرب عصفورين بحجر واحد ، فهي أي روسيا تخيف الصين من قبولها للدور الأمريكي ، وذلك يعني المزيد من الإبتزاز للصين ، عل روسيا تتحصل على مغانم أكثر منها ، وفي المقابل تغري الأمريكان لتقديم عرض مكافيء لهذا الدور ، ويبدو أن الأمريكان لديهم فكرة تقديم تنازلات معينة ، لكنها ضمن حد وسقف معين ، ولأسباب سياسية تتعلق أيضا بأوروبا ، حيث اعتبرت مجلة National Interest الأمريكية ” أن من مصلحة الولايات الولايات المتحدة التوصل لاتفاق مؤقت مع روسيا لتطبيع العلاقات بين البلدين ، وإستمالة موسكو إلى جانبها ضد التنين الصيني” ، واعتبرت المجلة ” أن أي قرار سيتطلب من الغرب أن يدرك أن شبه جزيرة القرم لن تعود لأوكرانيا كثمن لاستخدام روسيا ضد الصين ، وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تعرض الولايات المتحدة وقف توسع الناتو شرقا”.
وتدرك روسيا بالمقابل أن بيد الولايات المتحدة الكثير من الأوراق لمواجهة الصين ، ما يجعل سقف تقديم التنازلات معقولا سياسيا لكثرة الأدوات بيد الولايات المتحدة ، والذين لديهم الإستعداد لهذا الدور، مثل اليابان وعسكرتها ، و مثل الهند وزيادة قوتها ، لاسيما بعد ربط المحيط الهندي بالهادىء ، ما يجعل موافقة الروس وحجم السقف مقبولا لحد معين ، وإلا ضاعت عليهم الفرصة ، وأمريكا قادرة على تنفيذ خطتها بغيرهم من الأدوات.
ولأجل هذا كله تتعامل الصين بحذر شديد وببطء دون إثارة حساسية الأطراف التي يمكن للولايات المتحدة تحريكها وإثارتها ، مع ندرة المزايا لدى الصين والتي يمكن أن تقدمها لدول المحيط ، ولا نغفل هواجس تلك الدول الحقيقة تجاه الصين ، في ظل ممارسات الصين في إقليمها ، وزيادة نفقاتها العسكرية ، وبناء الجزر ، ومسألة زيادة حدود المياه الإقليمية لها في بحر الصين الجنوبي.
وكما كانت سياسة الاحتواء للاتحاد السوفياتي تمتاز بإرهاق الاتحاد السوفياتي في سباق تسلح من شأنه تبديد ثروات الكيان وزعزعة أمنه ، فإن الولايات المتحدة تنتهج السبيل ذاته في احتوائه الصين ، ولنا أن نذكر ما جاء في جواب سؤال حول انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ النووية لحزب التحرير حيث يقول :
“الصعود الصيني الكبير وما يلزم أمريكياً لمواجهته: تضع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المعمول بها منذ ولاية أوباما الثانية الصين في مقدمة الأولويات الأمريكية، وقد صعَّد ترامب من هذه الأولوية فهو يخوض مع الصين حرباً تجارية لوقف صعودها، وخاصة وأن القوة الاقتصادية الجبارة للصين تجعلها قادرة على بناء جيش قوي لا تنقصه الأسلحة النووية، ويمكن تطويرها وتشكيل المزيد من المخاطر للقوة والهيمنة الأمريكية. فالميزانية العسكرية التي تعلنها الصين (228 مليار دولار) هي أكبر من الميزانيات العسكرية للدول الأربع التالية للصين (روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مجتمِعات) ولا تستبعد أمريكا أن تكون الصين تخفي بعض برامجها العسكرية، إذ إن اقتصادها يؤهلها للمزيد من الإنفاق العسكري. هذا من ناحية… ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا التي ترهقها الحرب الاقتصادية مع الصين بسبب تقارب الاقتصادين في القوة تريد أن تنقل جهودها للحد من نمو الصين إلى الساحة العسكرية التي هي متفوقة فيها بشكل حاسم مقارنةً بالصين. ولهذا فأمريكا تريد أن تتحلل من القيود (معاهدة الصواريخ مع روسيا) التي تمنعها من إحاطة الصين بالأسلحة النووية المتوسطة والقصيرة المدى التي يمكن لها نصبها في كوريا الجنوبية واليابان وبلدان أخرى حول الصين… وبعبارة أخرى تريد تبديد القوة الاقتصادية الصينية عن طريق دفعها إلى سباق تسلح فتقوم الصين بتصنيع المزيد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة رداً على الخطوات الأمريكية المحتملة في محيط الصين في وقت توظف فيه أمريكا ليس فقط طاقاتها الاقتصادية بل وطاقات غيرها كاليابان وكوريا الجنوبية في سباق التسلح للشرق الأقصى، فيحمل ذلك الاقتصاد الصيني إلى النزول عن مرتبته الحالية.”
ولا زالت المسألة تحتاج الكثير من الوقت والمتابعة ، فقد عمدت الولايات المتحدة مؤخرا إلى إثارة المخاوف لدى دول المنطقة من سياسية الصين ، فقد فضحت أمريكا سياسية ” دفتر الشيكات الصينية ” – كما تسميها الولايات المتحدة – والتي لن تكون بلا ثمن في المستقبل ، حيث حذرت دراسة لجامعة هارفارد الأمريكية من الوقوع في دبلوماسية “فخ الديون” ، مشيرة الى أن بعض الدول تحصل على قروض لا تستطيع تسديدها.
وبحسب الدراسة التي أعدها الباحثان سام باركر و غبرييللا شيفتز، فإنه “خلال العقد الماضي، قدمت الصين قروضًا تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات لدول لا تستطيع الوفاء بتسديدها”. وفي أول مؤتمر صحافي له انتقد السفير الأميركي لدى أستراليا النفوذ الاقتصادي الصيني على الدول الأصغر في المحيط الهادي، وقال السفير الأميركي آرثر كالفاهاوس في كانبيرا ، إن الدعم الإقليمي من بكين ، والذي غالبا ما يضم قروضا للبنية التحتية، يرقى إلى ما يعرف بـ “دبلوماسية قروض يوم صرف الراتب” ، وهي عبارة عن قروض بمبالغ صغيرة وقصيرة الأجل وغير مؤمّنة.
ففي سيريلانكا مثلا ، والتي تعتبر النموذج الأكثر فجاجة لسياسية دفتر الشيكات الصينية ، أغدقت بكين القروض على هذه الدولة الصغيرة حتى وصلت إلى نحو 8 مليارات دولار، ثم استغلت عجزها عن السداد في المواعيد المقررة ، لتحصل على 70 بالمائة من حصة مرفأ «هامبانتوتا» الإستراتيجي ، في عقد انتفاع لمدة 99 سنة في عام 2017 ، بالإضافة إلى ما يقارب 15 ألف فدان قريبة من الميناء كمنطقة صناعية.
وقد أبلغ رئيس الوزراء الماليزي بالعاصمة الصينية بكين لمضيفه الصيني لي كه تشاينغ ، “أن بلاده ألغت ثلاثة مشاريع إقتصادية عملاقة كانت ستمولها بكين ، وأكد حينها أن الأمر لا يتعلق بصب أموال كثيرة إنما في عدم قدرة كوالالمبور على سدادها”. وبحسب أندريه دوفنهيج الأستاذ في جامعة نورث وست بجنوب أفريقيا “في النهاية ، ستطلب الصين من الدول المتعثرة عن سداد ديونها أشكالًا أخرى من إعادة الدفع ، مثل الموانئ والأراضي” وأعرب عن اعتقاده بأنه على المدى البعيد ، ربما تبدأ الصين التأثير على القرارات الإقتصادية والسياسية لدول أفريقية محددة.
وعليه فلا زالت الأمورتحتاج المتابعة الحثيثة إلى مآلات الأمور ، في منطقة لا تحتاج أصلا إلى فتيل شعلة ، فإن شبت فيها النيران فلن تقف عند الصين وحدها ، بل ستختلط الأوراق ولن يكون بمقدور أحد التهكن بماذا ستكون عليه الأمور ، في منطقة ذات قوى حقيقة ، ولها تاريخ وتطلعات دولية ، ولذلك تعمل الولايات المتحدة بحذر شديد في أرض أشبه ما تكون بحقل ألغام ، ولكنها سياسة الصفقة الترامبية والتي تجعل الطرف الآخر يظن أن الأمور وصلت لحافة الهاوية من أجل إعادة كتابة صفقة أخرى بديلة عن السابق ، بحيث تحفظ الولايات المتحدة مكانتها ووجودها وهيمنتها عبرعقود قادمة.
وفي الختام نقول إن القلب ليعتصره الألم ، أن نرى هذه الدول تضع إستراتيجيات لها لتحقيق مصالحها ، واحتواء الأخطار التي تهددها البعيدة منها قبل القريبة ، في الوقت الذي نرى فيه الأمة الإسلامية ، صاحبة أعظم رسالة ، لا وجود لها على المسرح الدولي ، وهذا طبيعي لعدم وجود كيان سياسي لها منبثق عن عقيدتها ، تطبق به الإسلام داخليا ، وتحمله للعالم هدى ونور ورحمة ، وترسم أعظم وأرقى الإستراتيجيات والخطط السياسية لتحقيق تفوقها الإستراتيجي ، فالغرب الكافر المستعمر أخفق في حربه الفكرية ضد الإسلام أيما إخفاق ، فكان أن لجأ إلى أساليب ووسائل التشكيك ، محاولة منه لصنع إسلام جديد بنبوءة أمريكية ، ولكن خاب مسعاه ، أمام عظمة الإسلام وحفظ الله تعالى له ، فقد قال في محكم كتابه : ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) ، وقال عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) ، فستكون نتائج هذه الدراسات والاستراتيجيات حسرة وندامة عليهم ، ولن تحقق غاياتها في أمة الإسلام ، وهكذا يخبرنا الله تعالى أن الغرب الكافر مخفق في حربه السياسية والفكرية ضد الإسلام ، وما فشل الإستراتيجيات إلا بشارة لتحقيق النصر المادي واقترابه ، لقوله عز وجل في الآية الكريمة (ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ ).
 

أعلى