مقال صراع الزعامة في آسيا.. هل تنتصر الصين وروسيا أم الولايات المتحدة الأمريكية؟

دور الصين

باحث الموسوعة
باحث مميز
من أبرز التخوفات التي تسيطر على رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الحالي، دونالد ترامب، رغبة الصين في الهيمنة الدولية والإقليمية، ذلك التخوف الذي سبق وأن لاحق سلفه الرئيس باراك أوباما أيضًا، فمحاولة الصين للسيطرة على المجتمع الدولي لم تأتِ من فراغ، وإنما عملت له منذ بداية القرن الحالي؛ ويمكن القول إنها استطاعت أن تكون صاحبة الريادة في العديد من المجالات التي تشكل الأزمات الكبرى في العالم، مثل مجال البيئة، والتغير المناخي، فضلًا عن قيادتها لاقتصاد القارة الآسيوية.

وبمرور الوقت، تعمل الصين يومًا بعد الآخر على تعزيز مكانتها على الساحة الدولية من جهة، وتعزيز بقائها وإحكام سيطرتها في القارة الآسيوية من جهة أخرى، فضلًا عن بناء عدة تحالفات جديدة مع عدد من القوى الآسيوية والدولية؛ وذلك في إشارة واضحة إلى تحدِّي الولايات المتحدة الأمريكية والرغبة في تقليل النفوذ الأمريكي في القارة الآسيوية.


ما هي طموحات الصين الدولية والإقليمية الآن؟

يرى كلٌّ من أستاذ العلوم السياسية، ، ، في حول الاستراتيجية الكبرى للصين خلال السنوات الحالية والقادمة، وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي نُشرت عبر عام 2015 أن ما عزز رغبة في الحفاظ على سيطرته الداخلية، هو الهدف الاستراتيجي للصين المتعلق بـ«تعظيم السلطة القومية الشاملة» بحسب الكاتبين، وهو ما يعني تعزيز مكانة الصين بصفتها فاعلًا محوريًّا في النظام الدولي.

ومن قبل الثورة الشيوعية عام 1949، بدأت تظهر الآمال الصينية في أن تصبح قوة عظمى، بل إنها سعت لذلك بالفعل؛ إذ حصلت على مقعد دائم وحق «الفيتو» في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ ثم ساعد قيام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، ووزير الخارجية هنري كيسنجر، بإعادة التقارب الأمريكي مع الصين في عهد عام 1971، في أن تتبوأ الصين مكانًا بين النخبة العالمية، أو الدول القليلة المعنية بإدارة النظام العالمي.

وعلى الرغم من أن تلك الصدارة الرمزية تبدو جوفاء في ظل الأداء الاقتصادي الصيني المتذبذب بحسبهما، إلا أنها جوهرية استراتيجيًا؛ وذلك لأنها تضمن عدم قدرة مجلس الأمن الدولي على اتخاذ أية قرارات جوهرية دون موافقة الصين باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين بالمجلس، وتملك حق الفيتو.

فالآن – وبعدما صارت الصين قوة اقتصادية عظمى – أصبح لعضويتها في مجلس الأمن أهمية إضافية، وهي الحقيقة التي يبرزها رفض بكين لأي توسع في هيكل المجلس يمكن أن يقلل من امتيازاتها طويلة الأمد، وحتى فيما يتجاوز مجلس الأمن، فإن القدرات المادية المتزايدة للصين جعلتها وثيقة الصلة بكافة مؤسسات النظام العالمي، وليس مستغربًا أنها سعت لتحقيق سلطة متزايدة في تلك الكيانات، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي على سبيل المثال؛ إذ عملت الصين على توجيه عملياتهم لخدمة مصالحها وأغراضها الخاصة.

البوصلة الصينية تشير إلى روسيا

يعتبر التحالف الصيني مع روسيا أحد أبرز الخطوات التي اتخذتها الصين من أجل تدعيم وجودها في القارة الآسيوية؛ إذ الصين أن بكين سوف ترسل جنودها، ودبَّاباتها، وطائراتها، إلى روسيا من أجل المشاركة في أكبر مناورات عسكرية تحدث في روسيا منذ عقود. ومن المتوقَّع أن تشارك الصين في المناورات المشتركة مع روسيا بأعداد غير مسبوقة من قواتها؛ إذ أعلنت نيتها إرسال 30 طائرة حربية، و900 دبابة، فضلًا عن 3200 فرد من أفراد الجيش الصيني، بين جنود وضباط، إلى روسيا من أجل المشاركة في المناورات العسكرية بين البلدين.

وتعد المناورات العسكرية التي تجريها روسيا كل أربع سنوات هي المناورات العسكرية الأكبر في العالم منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، وهي المناورات التي صحيفة «الإندبندنت» البريطانية بأنها: «أكبر ألعاب حرب في العالم منذ الحرب الباردة».

و إلى مشاركة القوات الصينية في المناورات العسكرية الروسية على أنها خطوة تمثل تحولًا جيوسياسيًا كبيرًا على الساحة الدولية؛ إذ ترغب كلٌّ من موسكو وبكين في إرسال إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تُظهر مدى التعاون العسكري والتحالف بين البلدين، بالرغم من واشنطن أن الصين تمثل التهديد الرئيس لها، وليست روسيا، وذلك بحسب ما وصفه موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي.

الجدير بالذكر أيضًا أنه في أبريل (نيسان) الماضي، وزير الدفاع الوطني الصيني، فاي فينهي، إن وفدًا من الصين سيشارك في مؤتمر موسكو للأمن الدولي السابع، مضيفًا أن هذه الخطوة جاءت «تأكيدًا لموقف الصين الموحد مع روسيا في القضايا الدولية، وإبلاغ الولايات المتحدة بالعلاقات الوثيقة بين روسيا والصين».


وتعتبر مشاركة الصين في المناورات العسكرية المشتركة مع عدد من البلدان جزءًا من استراتيجيتها العسكرية التي تعمل فيها على تدعيم تواجدها الدولي والإقليمي، وهي المناورات التي ازدادت بكثافة خلال الفترة الماضية؛ إذ أجرت الصين ما لا يقل عن 20 عرض عسكري مشترك مع دول أخرى خلال العام الماضي فقط، وذلك بحسب ما ذكره حول القوة العسكرية الصينية خلال العام الحالي، والذي صدر في مننتصف الشهر الجاري، وتحديدًا في 16 أغسطس (آب).


التحالف مع مجموعة «آسيان» لتحييد الولايات المتحدة

في حال ذُكر التواجد الصيني في القارة الآسيوية، فإنه لابد من ذكر «رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)»، وهي المنظمة الاقتصادية التي تضم 10 دول تمثل أهمية لدى الصين، وهم: إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وبروناي، وفيتنام، ولاوس، وبورما، وكمبوديا.


تتمثل أهمية التحالف مع مجموعة «آسيان» في الأزمة المستمرة المعروفة إعلاميًا باسم أزمة بحر الصين الجنوبي؛ إذ تعتبر أزمة إحدى أبرز قضايا الخلاف بين الصين والمجتمع الدولي، وتمثل واحدة من أكثر القضايا الإقليمية والعالمية تعقيدًا في الوقت الحالي، وذلك بسبب تضارب المصالح بين أطرافها، وتدخل قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وأستراليا واليابان في الأزمة لفرض السيطرة والتضييق على الصين.

ومن الجدير بالذكر أن ست دول مطلة على بحر الصين الجنوبي، هي: الصين، وفيتنام، والفلبين، وتايوان، وماليزيا، وبروناي، تتنازع على سيادة البحر، والممرات المائية المختلفة فيه؛ واندلعت هذه الأزمة منذ عدة قرون، ولكن التوترات في المنطقة تصاعدت في الآونة الأخيرة، وتصطدم مطالبات الصين بمطالبة كل من فيتنام والفلبين وماليزيا وبروناي بحصص في المنطقة، وهي الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم ( )، وفي هذا الوقت تدخل عدد من القوى الكبرى لدعم الدول المتنازعة ضد الصين؛ إذ استنكرت كل من الولايات المتحدة وأستراليا واليابان بناء بكين جزر صناعية فيه.

وتصر الصين على تأكيد سيادتها على أجزاء واسعة من البحر؛ وذلك بعدما أعلنت عن أحقيتها في نحو نصف البحر الجنوبي، والذي يشكل ممرًا لما قيمته 5 تريليونات دولار من التجارة البحرية العالمية السنوية،فيما يُعتقد أيضًا أنه غني باحتياطي النفط والغاز؛ مما دفعها لبناء في أماكن مختلفة في البحر لفرض سيطرتها عليه، لكنها مع ذلك عملت مؤخرًا على تهدئة وتخفيف حدة الصراع مع دول مجموعة (آسيان)، وذلك من أجل تحييد الولايات المتحدة الأمريكية، وغلق أي مدخل لواشنطن للتدخل في الأزمة؛ إذ الصين، يوم الثلاثاء الماضي، والذي وافق 21 أغسطس 2018، التزام الطرفين، الصين طرف أول، ومجموعة (آسيان) طرف ثان، بعدم إجراء أي مناورات أو تدريبات عسكرية مشتركة مع أية دولة خارج المنطقة المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي دون إشعار مسبق، واتفاق مع أطراف الأزمة، وبرغم أن هذا الاقتراح يبدو عامًا في مضمونه، إلا أنه يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ رئيس.

وفي الوقت نفسه بكين الضغط على مجموعة (آسيان) من أجل تنظيم تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة في بحر الصين الجنوبي في المناطق التي لا تشهد نزاعًا بينهم قبالة سواحل الصين، وهي الخطوة التي جاءت من أجل تحسين التحالفات الصينية مع دول مجموعة (آسيان)، والتي جاءت أيضًا مثلما أشرنا من أجل استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من المشاركة في هذه المناورات.


محاولات الصين للتحالف مع دول (آسيان) تأتي في ظل في بداية شهر أغسطس الجاري نيتها دعم دول (آسيان) بمبلغ 300 مليون دولار تحت «مسمى دعم أمن دول (آسيان)»؛ إذ أعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أن المساعدة الأمنية الجديدة ستعزز الأمن البحري، وتطور المساعدات الإنسانية، وإمكانات حفظ السلام، ومواجهة «التهديدات العابرة للحدود»؛ وذلك في إشارة إلى الصين، خاصةً في الوقت الذي تمضي فيه قدمًا في خطط تعزيز ارتباطها بالمنطقة.


ولطالما ظلت أزمة بحر الصين الجنوبي من الأزمات التي تعتبر ضمن ملفات الصراع بين الولايات المتحدة والصين؛ فبالرغم من الولايات المتحدة العام الماضي على أنها لا تنحاز لطرف ضد آخر في النزاعات الإقليمية، غير أن واشنطن أرسلت عددًا من السفن الحربية، والطائرات العسكرية إلى المناطق القريبة من الجزر المتنازع عليها، في عملية أطلق عليها اسم « »، في الوقت الذي اتهمت فيه الصين الولايات المتحدة بأنها تعمل على « »، وهو ما رفضته واشنطن؛ إذ الولايات المتحدة ذلك بأن هذه العملية تهدف إلى إبقاء طرق الملاحة البحرية والجوية مفتوحة للجميع، غير أن هذا الأمر رفضته بكين بشدة، وترى أنه بمثابة تهديد للأمن والسلم في المنطقة، في وقت ينظر فيه مراقبون إلى الأزمة باعتبارها اختبارًا رئيسيًّا للمنافسة الصينية الأمريكية من الدرجة الأولى؛ إذ تتصاعد القوة العسكرية للصين، خاصة قوتها البحرية، وتحاول الولايات المتحدة تقييد تلك القوة للحفاظ على تفوقها الإقليمي والعالمي.

الهيمنة على القارة الآسيوية.. انشغال أمريكي وسيطرة صينية

على الرغم من سعي واشنطن لتحقيق علاقة تعاونية مع بكين فيما يتعلق بالحد من الانتشار النووي وأزمة كوريا الشمالية، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يلقي بالًا للسياسة الخارجية بقدر ما كان يفعله الرؤساء الأمريكيون السابقون، رافعًا شعار «أمريكا أولًا» قبل كل شيء، وبالتالي فإن ترامب يعتقد أن انشغال الولايات المتحدة يجب أن يكون متعلقًا بالسياسة الداخلية قبل أي شيء؛ إذ يعتبر أن السياسة الداخلية الأمريكية هي الممثل الوحيد للمصالح القومية الأمريكية.

وفي الوقت نفسه يهمل ترامب الجهود المنهجية المتزايدة التي تقوم بها الصين لتغيير توازن القوى في آسيا بشكل جذري، والحد من حيوية نظام التحالف الأمريكي – الآسيوي، وإثناء وإبعاد الولايات المتحدة الأمريكية، والحلول محلها هناك لكي تصبح الصين هي القائد الآسيوي في خطوة نحو مشهد قيادتها للعالم الذي تحلم به؛ إذ صحيفة «إيكونوميست» البريطانية أن الرئيس الصيني، شي جين بينج، هو الأكثر تأثيرًا في العالم، أي أكثر من نظيره الأمريكي الحالي، دونالد ترامب.

وهناك أهداف عديدة للصين من أجل الوصول إلى منصب قائد آسيا، فإلى جانب سيطرتها الدولية المتمثلة في كونها صاعدة، مثلما عليها عالم السياسة الأمريكي ؛ فإنها تعمل في الآن نفسه على مختلف الجوانب من أجل تحقيق الهيمنة في القارة الآسيوية، وتتمثل هذه الأهداف في أن تحل الصين محل الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة المحورية في آسيا، بالإضافة إلى إضعاف نظام التحالف الأمريكي مع الدول المختلفة في آسيا، وذلك عن طريق التقليل من ثقة الدول الآسيوية في مصداقية وموثوقية واستدامة قوة الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن استخدام القوة الاقتصادية الصينية لجذب الدول الآسيوية أقرب نحو تفضيلات السياسة الجيوسياسية لجمهورية الصين الشعبية.


بالإضافة إلى أنها تسعى إلى زيادة القدرات العسكرية لدى جمهورية الصين الشعبية من أجل دعم وتعزيز الردع ضد التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة، وإلقاء الشكوك حول نموذج الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي، لتثبت أن تجربتها الاقتصادية هي الأولى بالأخذ في الحسبان، علاوة على العمل على ضمان عدم تقليل القيم الديمقراطية الأمريكية من إحكام الحزب الشيوعي الصيني لسيطرته على السلطة الداخلية، كل هذا إلى جانب تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العقد القادم.


















 

الكاتب: دور الصين
Article Title: مقال صراع الزعامة في آسيا.. هل تنتصر الصين وروسيا أم الولايات المتحدة الأمريكية؟
Source URL: الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية-https://www.politics-dz.com/community/
Quote & Share Rules: Short quotations can be made from the article provided that the source is included, but the entire article cannot be copied to another site or published elsewhere without permission of the author.

أعلى