مقال - طارق الافريقي مؤسس أركان الجيش السعودي
  1. بلقيس

    بلقيس باحث الموسوعة
    rankrank
    باحث مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏6 نوفمبر 2016
    المشاركات:
    365
    الإعجابات المتلقاة:
    127
    إعداد - منصور العساف


    «النمر الأسود» و»الزعيم الأفريقي» و»البطل الجسور» ألقاب وكنى ومسميات أطلقت على ذلك المناضل الذي عرف ب»طارق الأفريقي»، والذي لم يخلف من الأبناء سوى ابنته الوحيدة «نعمات» عاشت وتزوجت في المملكة وهي امرأة فاضلة حفظت للمؤرخين وللتاريخ جزءاً كبيراً من حياة والدها المناضل، وهي التي طالما كتبت وتحدثت وفاخرت بأبيها الذي جاب العالم العربي والإسلامي في رحلاته النضالية ضد القوات المحتلة سواء دول المحور أو الحلفاء في الحرب العالمية، كما ساهم من خلال قراءاته المتعددة واطلاعه الواسع وخبرته العريضة بتزويد المكتبة العربية ببعض الكتب والمقالات والكتابات، التي أثرت العلم والمعرفة في المكتبة العربية والعالمية، حيث صاغ مذكراته وبعض آرائه وتوجهاته، لا شك أن كاتبها ومعدها رجل خاض التجربة وخالط الشعوب المختلفة وتحدث بلغات متعددة، وكان حريصاً أشد الحرص على النهوض بالقطاعات العسكرية وتطويرها في كافة البلدان الإسلامية والعربية، لم لا وقد شاهد هذا المناضل الكبير تكالب الدول الكبرى إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، على البلدان العربية التي كان للزعيم «طارق الأفريقي» وزملائه قدم السبق في مواجهتها والوقوف أمام أطماعها التي نتج عنها تحرير معظم البلدان العربية من وطأة الاحتلال الأجنبي.

    عمل مع المؤسس في قصر شبرا وكرّس خبراته لتنظيم الجيش وتدريب الألوية العسكرية

    رحلة البداية

    محمد عبدالقادر الأفريقي أو النيجيري الملقب ب"طارق الأفريقي" أو "النمر الأسود" سمي بالنيجيري لأن أمه نيجيرية، أما والده فهو ليبي الأصل والمنشأ، ولد في نيجيريا عند أخواله الذين كان متعلقاً بهم، وكانوا يرعونه في غياب والده لكنه عاش في ليبيا ودرس فيها الابتدائية، ثم أكمل دراساته في كل من سورية وتركيا وألمانيا وعاش مع والده ووالدته لحين توفي الأب وهو في طريقه للحج وكان بصحبة ابنيه طارق وأخيه وبعد وفاة الأب أكمل ابناه طريقهما لأداء المناسك وهناك تعرفا على أحد "البشوات" إبان الدولة العثمانية وقد أعجب بهما وطلب منهما أن يلحقاه إلى إسطنبول، وفعلاً وافق الاثنان وارتحلا معه إلى تركيا وهناك سلك وأخوه مسارهما في التعليم بالمدارس التركية والتحقا بكلية الحرب وتخرجا فيها، حينذاك قرر الذهاب إلى سورية وكان العالم حينها يعيش أحداث الحرب العالمية الأولى وبقي أخوه في تركيا وتزوج من امرأة تركية.

    أما طارق فانتقل إلى سورية والتحق مع وهيب باشا بإحدى القطاعات العسكرية التي حصل بعدها على الجنسية السورية وهناك واصل نضاله العسكري وتحصيله العلمي فكتبت عنه الصحف العربية لاسيما صحيفة "الأيام" الدمشقية وكذلك الصحف الغربية المناوئة لإيطاليا والحلفاء وارتقت به المراتب، وكانت المنطقة تمر بمطامع استعمارية من قبل عدد من الدول ولذا فقد خاض طارق وزملاؤه العديد من المعارك وجاهد وقاتل في عدة ميادين وبعد أن خرجت القوات المحتلة ظل "الأفريقي" وزملاؤه المحاربون القدماء يتابعون أوضاع الأمة ويقدمون خدماتهم الاستشارية الصادقة لقادة البلدان العربية وفعلاً كانت المنطقة تمر بمرحلة متقدمة من الشعور والتلاحم الإسلامي والقومي.

    ثقافة واسعة

    كان "الأفريقي" عسكرياً محنكاً وضابطاً واسع الثقافة والاطلاع وكان يجيد بجانب اللغة العربية أكثر من أربع لغات "التركية والألمانية والفرنسية" ولغة أخواله "الهوساوية"، كان يقرأ بنهم ويتابع المستجدات في العالم العربي لاسيما السياسية منها والاجتماعية، كما كان يحفظ القصائد والأشعار والملح والنوادر، وكان رجل علم ومعرفه عرف بحدة ذكائه وسرعة فهمه، كما وصف بحرصه على قراءة الكتب الدينية والأدبية ونظراً لكونه يجيد أكثر من أربع لغات فقد كان ملماً بكثير من عادات وتقاليد الشعوب الأخرى ويعرف عنه التزامه بقراءة القرآن العظيم وكتب السلف بل انه كان من المتحمسين لإقامة ونشر تعاليم السنة النبوية، وكان أميناً صدوقاً نزيها تثبت سيرته المروية والمنقولة عن لسان صحبه وزملائه صدق نواياه وحسن سريرته ولا أدل على ذلك إلا قصة عودته بالأموال الطائلة التي زودته بها الدولة العثمانية لإيصالها لجبهة القتال في ليبيا ضد القوات المحتلة، وحيث انتهت الحرب قبل وصول الزعيم طارق اضطر هذا الأخير إلى العودة من مصر إلى اسطنبول لتسليم المبالغ التي بحوزته ومواصلة الجهاد ضد القوات الغازية.

    منهج السلف

    وجد الزعيم "طارق الأفريقي" إبان إقامته بالحجاز وقبلها في سورية فرصة لنشر بعض مقالاته وكتبه التي تدافع عن منهج السلف وتنقية المجتمعات الإسلامية من بعض الصور والعادات التي لا أصل لها في الدين الإسلامي، ولعل من أهم كتبه كتاب "المبتدعات في الدين" وكتاب "الحرب في الحبشة" وكتاب "الدولة السعودية في الجزيرة العربية" وكتاب "الحرب في فلسطين"، وربما أنه نحى فيها منحى المذكرات أو المشاهدات التي عايشها، مع العلم أن له كتابات ومقالات نشرت في عدة صحف كذلك كانت له كتابات مدونة ومتناثرة بيد أنها للأسف لا زالت مفقودة، وكان على الرغم من جديته وانضباطه في العمل صاحب نكتة وطرافة، ووصف بأنه خفيف الظل أنيساً مؤنساً في مجلسه وصحبته، وهو بهيئته وصورته رجل ممشوق القوام جبر العظام طويل القامة مهيباً في قوامه مهذب في حديثه وكلامه.

    الجيش السعودي

    ذاع صيت "الأفريقي" في مواطن العرب ووافق ذلك أن الملك عبدالعزيز كان يبحث عن بعض العساكر المدربين والمهيئين لإعادة إنشاء وتكوين الجيش السعودي وفق المدارس والمراسم العسكرية الحديثة وقد بحث -طيب الله ثراه- عن عسكري محنك ذي خبرة عريضة لإنشاء وتدريب وقيادة هذا الجيش، فكان أن أشار عليه البشير السعداوي –وكان عند الملك عبدالعزيز- بالزعيم طارق الأفريقي وكانت الألوية العسكرية السعودية بقيادة عدد من الفرقاء والجنرالات كسعيد كردي وسعيد جودة وإبراهيم الطاسان وغيرهم من الرعيل الأول في قيادات الجيش السعودي، ومع قدوم الزعيم طارق تسلم قيادة أركان حرب الجيش السعودي كما ذكر عبدالله بلخير في مذكراته التي أعدها الدكتور خالد باطرفي.

    وقال المؤرخ عبدالرحمن الرويشد عن بدايات الجيش السعودي ان الملك عبدالعزيز وكل -في بداية الأمر- "قائدا يعرفه حق المعرفة هو صديقه سليمان شفيق باشا أحد الضباط الذين تولوا ولاية عسير في العهد العثماني وكان القائد سليمان شفيق باشا قد استبقاه الملك عبدالعزيز في الحجاز، وطالبه بتكوين الدفعة الأولى من الجيش السعودي، غير أن الشيخوخة قد أدركت الجنرال وتقدمت به السن فتنحى عن العمل واعتذر من صديقه الملك عبدالعزيز عن المواصلة، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن كتب إلى صديقه الزعيم السوري الوطني الرئيس شكري القوتلي قبل أن يتولى منصب الرئاسة يستشيره في أن يستقدم القائد طارق الأفريقي لأداء مهمة تأسيس رئاسة أركان الحرب في الجيش الذي يزمع إنشاءه، فأطراه شكري القوتلي، كما أشار إلى استقامة الرجل وشخصيته العسكرية البارزة وأشار إلى جهاده وخوضه غمار الحروب، وقدم ذلك القائد إلى المملكة، وتولى تدريب الألوية العسكرية وتسلم رئاسة أركان حرب الجيش.. فكان له أثره الذي لا ينسى في تاريخ تطور الجيش السعودي من حيث إعادة فتح المدارس العسكرية وسن النظم والرتب العسكرية.

    وأضاف الرويشد أن الملك عبدالعزيز "بدأ في تأسيس هذا الجيش بتشكيل عسكري بسيط ربطه بقائد الأمن العام عبدالعزيز بغدادي، ثم استقدم بعض الضباط من أقاليم عربية أخرى مثل العقيد محمد مراد الاختياري الذي وضع أسس التشكيلات العسكرية الإدارية، كما استقدم نبيه العظمة من سورية فاستمر في إدخال التحسينات الممكنة في قطاعات الجيش يساعده القائد الشهيد فوزي القاوقجي، تم كل ذلك قبيل سنة 1358ه وهو العام الذي استقدم فيه الزعيم طارق الأفريقي وعين في رئاسة أركان الحرب".

    مدير العمليات

    وتحكي "نعمات" -الابنة الوحيدة للقائد طارق الأفريقي- عن رحلة والدها للمملكة وتقول "قرر الملك عبدالعزيز أن يأتي بطارق وكان لوحده لم أكن أنا ووالدتي معه، كان أول مكان يصل إليه هو مكة المكرمة حيث كان موقع الجيش، وطلب منه الملك أن ينظم الجيش وأن ينقله من مكة إلى الطائف بحكم مساحة المنطقة وقربها من مكة وكان الملك عبدالعزيز -رحمه الله- قد رأى فيه شخصا جديرا بالاحترام والتقدير وحبه للعمل وقربه إليه ولكن حصل بينه وبين بعض من يعملون معه اختلافات في وجهات النظر فقرر طارق ترك العمل والعودة إلى سورية إلى مقر عمله الأصلي بعد أن أمضى ما يقارب خمس سنوات في المملكة وعاد طارق إلى سورية وشارك في الحرب ضد اليهود وقاد "سرية الإنقاذ" التي ضربت وقتل جميع أفرادها ماعدا القائد طارق وسائقه الخاص عاد بعدها إلى سورية وواصل جهاده وبعد مدة زار الأمير مشعل -وزير الدفاع حينذاك- سورية فعلم طارق بقدومه وذهب لزيارته وهناك طلب منه الأمير العودة للمملكة وفعلاً رحب الزعيم طارق بذلك ومع عودته تم تعيينه مديراً للعمليات الحربية وكان يداوم في قصر شبرا مع الملك عبدالعزيز بالطائف، كما تقول ابنته نعمات.

    مرضه وتقاعده

    بقي مقرباً من الملك عبدالعزيز وأبنائه وقدم عملاً رائعاً في تنظيم الجيش إلى أن أصيب بجلطة ألزمته دخول مستشفى الهدا بالطائف ونتج عنها شلل رباعي، نصحه الأطباء بأن يعيش في منطقة غير الطائف؛ لأنّه يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، حينها قرر أن يعود هو وزوجته إلى سورية، ولما علم الملك عبدالعزيز برغبته أمر أن يصرف تقاعده ووجه الشيخ محمد سرور الصبان بشراء منزل له في سورية وتأثيثه، وبالفعل تم ذلك وقد توفي -رحمه الله- بعد عودته بحوالي ست سنوات.

    وكان الزعيم طارق قد تزوج من والدة ابنته نعمات -سورية الأصل والإقامة- إبان إقامته بسورية ولم ينجب منها سوى ابنته الوحيدة، حيث أصيبت الأم بمرض حرمها من الإنجاب ومع هذا ظلت -كما تقول ابنتها نعمات- وفيةً له، لاسيما حين أقعده المرض، وعاشت بعد وفاته ما يقارب عشر سنوات.

    رحلات النضال

    رحلة طارق الأفريقي مع الجهاد والنضال رحلة طويلة بدأها من مشاركته في حرب البلقان وشرق أوروبا مع الدولة العثمانية ضد قوات الحلفاء وفي موطنه وموطن آبائه وأجداده قاوم "الزعيم الأفريقي" القوات الإيطالية إبان احتلالها لليبيا، كما قاتل ضد الفرنسيين حين احتلالهم الأراضي السورية، وقاتل الإنجليز في مصر والطليان في الحبشة التي رحبت به حين نزل مظلياً من طائرة كانت تقله في احتفال مهيب، كما قاتل مع المجاهدين والثوار الجزائريين ضد فرنسا وكذلك في تونس ومالي وأخيراً في ساحات فلسطين ضد المحتل اليهودي أواخر الأربعينات الميلادية قبل وفاته بسنوات قليلة.

    مناصبه وأعماله

    أما أعماله أثناء قدومه للمملكة فقد بدأ بتأسيس رئاسة أركان الجيش السعودي، وشارك في تأسيس الجيش النظامي، وتدريب الألوية العسكرية، والمساهمة في إعادة فتح المدارس العسكرية في المملكة، وتشكيل الفرقة الأولى للفرسان، وتوحيد الزي العسكري للجيش، وهو من استبدل الغترة والعقال ب(الطاقية العسكرية) للأفراد والضباط في القوات المسلحة والجيش، إضافة إلى سن النظام العسكري للجيش، أما وظائفه فهو أول رئيس أركان حرب لجيش الملك عبدالعزيز، كما أنه مستشار ومدير العمليات العسكرية بالجيش السعودي، وكان يطلق عليه الزعيم وهو لقب عسكري يساوي لقب ال"جنرال"، وعليه عرف طارق بالزعيم الأفريقي.

    وفاته

    كتب عن "الزعيم طارق" عدد من الباحثين والمؤرخين كعبدالرحمن الرويشد وعبدالله بلخير، كما كتب عنه عدد من الصحفيين والكتّاب، إلاّ أنّ الدكتور محمد بن سعيد القشاط أفرد للزعيم الأفريقي كتاباً مستقلاً، حكا فيه قصته وسيرته الطويلة مع الجهاد والعسكرية والكتاب، وذكر المؤرخون أنّ الزعيم "طارق الأفريقي" قد توفي في حدود عام 1371ه بعد قرابة خمس سنوات عانى فيها من الشلل الذي أصابه بعد أن تعرض لجلطة مفاجئة في منتصف ستينيات القرن الهجري المنصرم، حين كان رئيساً لأركان الجيش السعودي، وحينها طلب من الملك المؤسس –طيب الله ثراه- التقاعد عاد إلى سورية ومكث بقية حياته هناك ودفن رحمه الله بدمشق، وبقيت ابنته الوحيدة "نعمات" التي زوجها والدها أحد أبناء مكة المكرمة من منسوبي وزارة الدفاع المفتش إبراهيم بن عبدالله بلقين لتنتقل مع زوجها لمدينة الرياض وتروي لنا قصة والدها الذي ظلت صفحات التاريخ –إلى وقت فريب- تجهل الكثير عن حياة هذا الزعيم المناضل رحمه الله رحمة واسعة.
     

    الملفات المرفقة:

جاري تحميل الصفحة...
المواضيع ذات صلة - طارق الافريقي مؤسس
  1. بلال محمد
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    52
  2. politics-dz
    الردود:
    5
    المشاهدات:
    786
  3. politics-dz
    الردود:
    7
    المشاهدات:
    601
  4. politics-dz
    الردود:
    2
    المشاهدات:
    824
  5. politics-dz
    الردود:
    22
    المشاهدات:
    862
  6. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    502
  7. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    765
  8. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    153
  9. bouksi ldehbia
    الردود:
    2
    المشاهدات:
    72
  10. politics-dz
    الردود:
    2
    المشاهدات:
    209

مشاركة هذه الصفحة

  • من نحن

    موقع عربي أكاديمي أنشئ خصيصاً للمهتمين والباحثين في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. تضم الموسوعة مقالات، بحوث، كتب ومحاضرات، تتناول القضايا السياسية، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية والقانونية.
  • ملاحظة حول الحقوق الفكرية

    الموسوعة هي منصة أكاديمية للنشر الإلكتروني مفتوحة أمام الكتاب والقراء لرفع المواد وتعديلها وفق سياسة المشاع الإبداعي العالمية، يتم رفع الملفات ومشاركتها عبر شبكة الإنترنت تحت هذا البند، إن مسؤولية الملفات المرفوعة في الموسوعة تعود للمستخدم الذي وفّر هذه المادة عبر الموسوعة ، حيث تعد الموسوعة مجرد وسيلة بين الكاتب والقارئ، إذا كنت تعتقد أن نشر أي من هذه الملفات الإلكترونية ينتهك قوانين النشر والتوزيع لكتبك أو مؤسسة النشر التي تعمل بها أو من تنوب عنهم قانونياً، أو أي انتهاك من أي نوع فيرجى التبليغ عن هذا الملف عبر خاصية "اتصل بنا " الواقعة في آخر الصفحة لكل كتاب الكتروني، علماً أنه سيتم النظر في التبليغ وإزالة الملف الإلكتروني عند التأكد من الانتهاك خلال مدة أقصاها 48 ساعة.