مقال تركيا وحلف الناتو

يؤكد الخبراء أن حلف الناتو، ومنذ نشأته عام ١٩٤٩، لم يتعرّض لمعضلة تهدد بقائه وفعاليته كالتي يواجهها في الوقت الحالي، وبحسب استطلاع لـ «واشنطن بوست» الذي أجراه كاتباها Nicholas Burns and Douglas Lute، لآراء مجموعة من الأوروبيين الذين عملوا سابقاً في الحلف، خلصت الجريدة إلى أن هؤلاء الخبراء والدبلوماسيين يعتقدون أن الرئيس ترمب رئيس أكبر دولة في الحلف، والمهيمنة على أعماله، وقواته، وخططه هو الخطر الأكبر على بقاء الحلف وفعاليته.
منذ انتهاء الحرب الباردة، وانقضاء أهداف الحلف الاستراتيجية، كمنع الاتحاد السوفييتي من التمدد، واحتواء تهديداته لدول غرب وشمال أوروبا، لم يجد الحلف أهدافاً استراتيجية جديدة حتى ضرب الإرهاب الولايات المتحدة عام ٢٠٠١، وبعدها أصبحت مهمة الحلف الرئيسية الجديدة هي محاربة الإرهاب، ولذلك قاتلت قواته في حرب أفغانستان ضد القاعدة وطالبان، وقبل ذلك في منتصف التسعينيات شارك الحلف في وقف الحرب الأهلية اليوغسلافية.
نلاحظ أن الحلف بعد الحرب الباردة لم يجد هدفاً كبيراً وجامعاً يستطيع أن ينطوي تحته الأوروبيون والأميركان، حتى بدأت التحركات الروسية تجاه أوكرانيا ودول البلطيق، ناهيك عن تهديدات الصين المحتملة في المستقبل.
يبدو أن الحلف انتبه أخيراً إلى خطر التمدد الروسي في شرق أوروبا، ويحاول احتواءه، ولذلك طالب الدول الأعضاء بتعزيز الدفاع عن دول البلطيق وبولندا في مواجهة روسيا، الأمر الذي رفضته تركيا لأسباب عديدة معلنة وغير معلنة، منها اشتراط تركيا دعم الناتو لمعركتها ضد وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، مقابل دعم تركيا خطط الحلف في البلطيق وبولندا.
وربما السبب الرئيسي لعدم حماسة تركيا لخطط الناتو ضد روسيا، يتمثّل بتطوّر العلاقات التركية الروسية، والتي وصلت إلى حد بيع روسيا أهم أسلحتها الاستراتيجية «صواريخ أس 400»، والتنسيق بينهما في الملف السوري، بينما نرى بالمقابل تدهور العلاقات التركية الأميركية في عهد ترمب، والتي وصلت إلى حد فرض العقوبات والإضرار بالاقتصاد التركي، وقبل هذا وذلك الموقف الأوروبي والأميركي الفاتر أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، والتي أخلت بالأمن العام، وزعزعت الحكم والاستقرار في البلاد، بالإضافة إلى إقامة بعض المعارضين والمدبرين للانقلاب في أميركا. الأمر الثاني هو مطالبة تركيا دول حلف الناتو أكثر من مرة، بتفعيل المادة 5 من ميثاق الحلف، والتي تنص على أن أي اعتداء على دولة بالحلف يعتبر اعتداء على دول الحلف جميعاً. وبينما ترى تركيا أن حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري قوات سوريا الديمقراطية يمثل تهديداً أمنياً لها، وتصنفهم أنقرة «جماعة إرهابية»، وتطالب الحلف بمحاربته، نجد أن كلاً من فرنسا وأميركا وبريطانيا يتعاملون مع قوات سوريا الديمقراطية، ويدعمونها، باعتبارها قوة بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي!
وهنا تبرز المشكلة الأساسية بين دول الحلف، وهي عدم الإجماع حول تعريف الإرهاب، وتحديد المنظمات الإرهابية.
ختاماً: الحقيقة التي لا مفر منها، هي أهمية تركيا لحلف الناتو، فمنذ الحرب الباردة والحلف يعتمد كثيراً على تركيا، باعتبارها ركيزة أساسية ورأس حربة في مواجهة روسيا ونفوذها، فالجيوبولتيك لتركيا يعطيها أهمية قصوى داخل حلف الناتو، ناهيك عن قوتها العسكرية، والتي تعتبر الثانية بحلف الناتو بعد الولايات المتحدة، يبدو أن المتغير الجديد في العلاقات التركية مع الناتو هو أن في تركيا زعيم قوي يمارس نفوذه داخل الحلف بقدر قوة بلاده ومكانتها الدولية، ولذلك شاهدنا المساعي الحثيثة لإسقاطه من جهات عدة.
الخلاصة: الولايات المتحدة بقيادة ترمب أفسدت العلاقات بين أعضاء الحلف، وهددت حكوماته اقتصادياً بالضرائب، وأحياناً بالعقوبات، وسمحت لروسيا بالتمدد كثيراً بجوار تركيا، وبدلاً من مساندة الحلف لتركيا أبدوا تحدياً سياسياً وأمنياً في ملف الأكراد في الشمال السوري، بينما كانت روسيا أكثر تفهماً منهم بالنسبة للأتراك، لذلك فُقدت الثقة بين أعضاء الناتو، وهي أهم عامل في بقاء الحلف وتماسكه، ولأن عودة الثقة تحتاج تنازلات وإجراءات كثيرة وطويلة، إذ لم يقم بها الأوروبيون أو يتقاعس عنها الأميركيون، فإن حلف الناتو سينتهي، كما انتهى غيره، من أحلاف الحرب الباردة.

عادل عبدالله المطيري
نشر بتاريخ ٨ ديسمبر ٢٠١٩
جريدة العرب
 

أعلى