هل بإمكان تركيا تغيير تحالفاتها التاريخية؟

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز


د.نوار ملحم، فادي ميده


في تصريحٍ سابق موجه إلى تركيا، قال مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي: “أنه يتعين على أنقرة أن تختار، هل تريد أن تظل شريكاً مُهماً في أنجح تحالف عسكري بالتاريخ أم أنها تريد أن تهدد هذه الشراكة باتخاذ مثل هذه القرارات المتهورة التي تُقوّض تحالفنا؟”، فكانت الإجابة من وزير الخارجية التركي: “لا يتعين على تركيا الاختيار بين روسيا وأي دولة أخرى، ونحن لا نرى علاقتنا مع روسيا كبديل عن الآخرين”.


من خلال ما تقدم وبالربط بالمعطيات الموجودة على أرض الواقع، يمكن الملاحظة أن تركيا تحاول البدء بمسار مختلف ربما يشمل تغييراً جذرياً سواء على المستوى الداخلي وصولاً ربما إلى تغيير التوجه التاريخي لتحالفاتها على المستوى الدولي، ولكن بالطبع يوجد مجموعة من العوامل التي يمكن أن تساعد على مثل هذا التوجه وأخرى ستشكل تحدياً فعلياً له، تلك العوامل تتعلق بالشكل العام للعلاقة الحالية مع كل من واشنطن وموسكو وحيثيات الدور الإقليمي عموماً، وهو ما سيتم الإضاءة عليه في هذا المقال:


حيثيات العلاقة الأمريكية – التركية الحالية:


تقوم تركيا وبشكل متزايد برسم مسارها الخاص وذلك على الرغم من عضويتها في حلف الناتو، إلا أنها لا تتقيد برغبة حليفتها الولايات المتحدة وشريكها الاتحاد الأوروبي في كل القضايا، ولعل ذلك يأتي في إطار سعيها لتأمين ما تعتبره مصالحها الحيوية وتحقيق أهدافها في أن تكون قوةً إقليمية مؤثرة وهذا يتطلب شروطاً متعددة منها إقامة العلاقات المتوازنة مع كل من روسيا وأمريكا.


فقضية صفقة “أس 400” بين كل من تركيا وروسيا على سبيل المثال، قد تكون نموذج مصغر للتغييرات الهيكلية الأوسع في العلاقات التركية الأمريكية، ومن الواضح أيضاً أن لكلا الدولتين رؤىً ومصالح مختلفة في منطقة غربي آسيا، فمنذ عام 2012 كان أردوغان على خلاف مع إدارة أوباما ومن ثم مع ترامب في العديد من القضايا منها موضوع فتح الله غولن، مروراً بقضية الدعم الأمريكي للتنظيمات الكردية السورية والمعلومات عن دور أمريكي في محاولة الانقلاب عام 2016.


وللمقارنة أيضاً يمكن ملاحظة التشدد الأمريكي الكبير تجاه تركيا في قضية صفقة الصواريخ الروسية، بالمقابل كانت اليونان والتي هي أيضاً أحد الدول الأعضاء في حلف الناتو قد سبق أن استلمت تلك المنظومة من روسيا بين عامي 2006- 2007 حيث تم نشرها في جزيرة كريت اليونانية ولكن الولايات المتحدة لم تعترض على مثل تلك الصفقة وهذا عائدٌ في أحد أسبابه إلى الأهمية الاستراتيجية التي توليها واشنطن لدور أنقرة ضمن حلف الناتو وهذا الموقف الأمريكي يمكن ملاحظته أيضاً في ذات السياق إذ عندما أعلنت تركيا أنها ستعقد صفقة لشراء أنظمة دفاعية من الصين عام 2013، كان التقارب التركي الأمريكي في بدايات الأزمة السورية عاملاً حاسماً في إلغاء تلك الصفقة.


حيثيات العلاقة الروسية- التركية الحالية:


عملت تركيا ومنذ عقود مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار حلف الناتو على احتواء النفوذ الروسي في العديد من المناطق حول العالم وقد تكون القوقاز أبرز الأمثلة على ذلك، ولكن هذا الوضع شهد تغيراً ملحوظاً في الفترة الأخيرة حيث كان هناك العديد من العوامل التي جعلت التركيز التركي يتجه صوب تطوير العلاقات مع روسيا، منها قضايا التعاون الاقتصادي والسياحي (وفقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية فقد تصدّر المواطنون الروس خلال الأشهر الـ 9 الأولى من العام الفائت قائمة السياح الأكثر توافداً على تركيا حيث بلغ عدد أولئك السياح 5 ملايين و120 ألفاً و599 سائحاً)، ومنذ عام 2016 التقى بوتين وأردوغان 11 مرة ونتج عن تلك اللقاءات العديد من التفاهمات السياسية والاقتصادية والعسكرية، كما أن المزاج الشعبي التركي يؤيد التوجه التركي نحو التقارب مع روسيا، حيث أظهر استطلاع للرأي أُجري عام 2017 وفقاً لموقع “The National Interest” أن أكثر من 70% من الأتراك يؤيدون التحالف السياسي والاقتصادي والأمني مع روسيا.


الخاتمة والاستنتاج :


في إضاءة على نماذج من الدول الإقليمية التي قامت بتغيير توجهات سياستها الخارجية وبالتحديد خيارات التحالفات سواءً على المستوى الإقليمي والدولي يمكن ملاحظة النماذج الآتية :


  • النموذج المصري: حيث قامت مصر بتغيير توجهات سياستها الخارجية وبشكل جذري منذ توقيع معاهدة “السلام” المصرية- “الإسرائيلية” عام 1979 حيث أصبحت مصر أحد حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة واستبدلت أولويات التحديات والأخطار بشكل دراماتيكي، وبغض النظر عن تقييم تلك الخطوات، يمكن الأخذ بعين الاعتبار أن مصر لم تكن عضواً في أي من الحلفين الدوليين (وارسو والناتو) في تلك الفترة وبالتالي هامش المناورة كان متاحاً، كما أن قضايا الصراع مع “إسرائيل” لعبت دوراً مهماً في تشكيل السياسة الخارجية المصرية.
  • النموذج الإيراني : قامت إيران أيضاً وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 بتغيير توجهات سياستها الخارجية بشكل جذري حيث انتقلت من حالة التحالف الكامل مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى الحالة النقيضة تماماً باعتبارهما الخطر الأكبر على الأمن القومي الإيراني وعلى الأمن و الاستقرار في منطقة غربي آسيا عموماً، ولكن هنا أيضاً يمكن الاستنتاج أن هذا التغيير الجذري في نمط التحالفات الإيرانية كان مرتبطاً بتحول ثوري شمل مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية هناك.
من خلال دراسة النموذجين السابقين والإسقاط على الحالة التركية الراهنة يمكن الاستنتاج أن أياً من النموذجين السابقين لا يحاكي الوضع التركي، فتركيا عضو هام في حلف الناتو ، كما أن حزب العدالة والتنمية لم يصل إلى السلطة من خلال ثورة شاملة حقيقية وإنما عبر العملية السياسية والانتخابات دون تغيير جذري في أسس الجمهورية التركية عموماً رغم أن الحزب استطاع فيما بعد إجراء بعض تلك التغييرات ولكنها على الأغلب لن تستطيع الوصول إلى درجة القدرة على تغيير أسس السياسة التركية بشكل شامل، فعلى سبيل المثال صحيح أن السياسة التركية تبدو متعارضة مع “إسرائيل” فيما يخص الإشكالية الكردية في سورية وفيما يخص الموقف من القضية الفلسطينية، ولكن أيضاً لم تستطع تركيا ولأسبابٍ عديدة أن تكون داعماً بالسلاح والوسائل الدفاعية الفعّالة لحركات المقاومة الفلسطينية بل حتى إن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة كان منوطاً بموافقة “إسرائيل”.


من ناحية أخرى يمكن القول أن نقاط النفوذ الأمريكي داخل تركيا ما زالت فعّالة، ففضلاً عن قضايا الضغط الاقتصادي الذي قامت به إدارة ترامب مؤخراً لاستهداف الليرة التركية وارتباط الاقتصاد التركي بالأسواق العالمية والأوروبية خصوصاً، مازال للولايات المتحدة وجود عسكري مؤثر عبر حلف الناتو وما زالت الطائرات الأمريكية تستخدم قاعدة إنجرليك على سبيل المثال، كما أن الولايات المتحدة والغرب عموماً ربما يكون لديهم القدرة على زعزعة الاستقرار السياسي في تركيا كما حصل في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.


انطلاقاً من المعطيات السابقة، يمكن القول أن تغيير تركيا لنمط وتوجهات تحالفها التاريخي ضمن حلف الناتو، سوف لن يكون ممكناً بالرغم من التقارب مع روسيا، ومثل هذا الأمر يتطلب تغييرات عميقة ليس فقط في الأسس الداخلية للجمهورية التركية وإنما في تركيبة النظام الدولي الحالي ووضعية حلف الناتو ودور الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة غربي آسيا بشكلٍ عام.



 

الكاتب: politics-dz
Article Title: هل بإمكان تركيا تغيير تحالفاتها التاريخية؟
Source URL: مكتبة الدراسات السياسية والإستراتيجية-https://www.politics-dz.com/community/
Quote & Share Rules: Short quotations can be made from the article provided that the source is included, but the entire article cannot be copied to another site or published elsewhere without permission of the author.

أعلى