عندما يكون التدجين مشروعا سياسيا

هناك الكثير من الاستعارات الوافدة من عالم العجماوات ،والجمادات الي البيئة الانسانية ،واسقاطها علي السلوك الانساني ،بحكم الصفات المشتركة وتشابه المواقف مدحا او ذما.
فالرجل الكريم يشبه بالسحاب ،والشجاع بالاسد،والذكي بالثعلب ،واللئيم بالكلب .وهنك النفس السبعية وهي المتوحشة المفترسة لغيرها . علي بن الجهم الشاعر البدوي له حكاية طريفة مذكورة في كتب الادب العربي عندما حضر الي مجلس الخليفة العباسي وقد سنحت له الفرصة بمدح الخليفة لاول مرة بوجوده فقام ينشده بقصيدة مثيرة تحمل قسمات بن البادية في التعبير عن مدح الخليفة بكلمات قاسية مقتبسة من بيئة البداوة يقول فيها انت كالكلب في حفظك للود وكالتيس في قراع الخطوب .لم يغضب الخليفة من تشبيهه بالكلب ، والتيس لادراكه المعاني الجليلة في مخيلة الشاعر ونبل المقصد من انسان بدوي لايتعدي حدود تفكيره بيئة البادية بمكوناتها . فامر الخليفة بدار جميلةعلي شاطئ دجلة تتجلي خلالها مناظر خلابة من حدائق وبساتين ، واخذ الشاعر البدوي يتجول في طرقات بغداد ،يراقب حركة الحياة فيها ، وبقي علي هذه الحال مدة من الزمن ، ويستدعيه الخليفة لينشده شعرا مرة اخري . اتي علي بن الجهم بالعجائب فقال شعرا يسير به الركبان يقول في مطلعها عيون المها بين الرصافة والجسر*جلبن الهوي من حيث ادري ولاادري .الاستعارات والتشبيهات غنية في مفردات اللغة العربية بل درج العرب علي تسمية اولادهم باسماء الحيوان:كاسد، وصقرومنهم من تسمي ببدر وحنظل وهي جمادات وليس هناك من اساءة في اطلاق بعض هذه الصفات ، والاستعارات علي بعض المسميات لتوصيف موقف مشترك .
عالم السياسة له الحظ الوافر من هذه الاستعارات ،بغرض اسقاطها علي جوانب مختلفة من السلوك السياسي ،والممارسة العملية للدول ، والوحدات السياسية المختلفة. ولا اجد مصطلح ادق لتوصيف الحالة الراهنة التي تمر بها المنظومة السياسية العربية والافريقية من مصطلح ( التدجين ) المستوحي من فصيلة الطيور الاليفة التي تميزت بالوادعة ، وعدم الحيلة ، والاعتماد علي السيد في الاكل والشرب .
العالم الاسلامي بشقيها الاسيوي والافريقي تمتلك الكثير من الموارد التي تجعلها في مصاف الدول العظمي التي تلعب ادوارا مهمة في السياسة العالمية فضلا عن السياسة الاقليمية ، لكن الواقع يثبت لنا غير هذه الحقيقة الماثلة التي تؤكد توفرالثروات والموارد الضخمة التي تمتلكها مجموع دول المنطقة .هناك تناقض مابين الامكانات المادية لدول المنطقة وبين ممارستها العملية السياسية علي المستوي الاقليمي والدولي ، فهي تنطلق من موقف الضعف في الاداء الدبلوماسي حتي علي حساب قضاياها المصيرية القدس والقضية الفلسطينية نموزجا .
رئيس الولايات المتحدة الامريكية دونالد ترمب اتخذ قرار نقل السفارة الامريكية في دولة الاحتلال الي القدس تمهيدا لاعتراف القدس عاصمة لاسرائيل .وفرضا لسياسة الامر الواقع لدول الشرق الاوسط لقبول صفقة القرن كنتيجة حتمية لمحصلة عمليات السلام في الشرق الاوسط .
هناك تساؤلات كثيرة تريد كسر حواجزالغموض التي تكتنفها سر العلاقة العكسية مابين توفر عناصرالقوة لدول المنطقة ومابين الاداء الدبلوماسي الضعيف من جهة ، وما بين المكانة السياسية واستغلال النفوذ الاقتصادي من جهة اخري. يكاد هناك اجماع داخلي أنه بالامكان احسن مما كان . لست بصدد ذكر الموارد الاقتصادية التي تمتلكها مجموع دول المنطقة علي وجه التفصيل ، وانما جل اهتمامي ينصب الي كشف العلاقة العكسية مابين المقدرات الحقيقية لدول المنطقة ومابين الوضع الراهن ، والحالة التي تمر بها الامة ، وردود افعالها تجاه قضاياها الكبري . اتسائل كغيري ماهي الاسباب التي جعلتنا نصل الي هذه المرحلة من الضعف ؟ ولماذا التخلف والقعود عن دروب النهضة وقد اوتينا اسباب القوة؟
الاجابة علي هذه التساؤلات بكل اسف اننا رضينا ان نكون دجاجا سياسيا من بين الامم وملكنا امرنا لغيرنا ، وارتضينا بالغثائية قسمة .
العواصف التي مرت بالامة خلال القرن العشرين بدخول الاحتلال (الاستعمار) الي بلاد المسلمين وصفت بانها بداية مشروع تدجين الامة الاسلامية ، بسرقة الموارد والمكتسبات ، وتجريد الدول تحت الاحتلال من عناصر القوة حتي وصل الامر الي مصادرة حق اتخاذالقرار في القضايا المصيرية .ومايحدث اليوم هو امتداد لسياسات المحتل الغربي تجاه الامة من ايام الاحتلال .عندمايكون التدجين مشروعا سياسيا
 

أعلى