عرض كتاب ملوك النفط ، كيف قلبت الولايات المتحدة وإيران والسعودية موازين القوى في الشرق الأوسط

politics-dz

صخري محمد
طاقم الإدارة
مدير الموسوعة
باحث مميز


‏صدر حديثاً عن دار جداول كتاب "ملوك النفط ، كيف قلبت الولايات المتحدة وإيران والسعودية موازين القوى في الشرق الأوسط"
تاليف : أندرو سكوت كوبر ط١ 2017

يمكن لأي كان حينما يقود سيارته على الطريق السريع في اميركا, او حينما يجد نفسه محاصرا داخل احد الازدحامات المرورية القاتلة ضمن اي من المدن الاميركية ما بين سيارات الدفع الرباعي, او حيث يجلس مرتعشا من البرد جراء شدة دفع الهواء من اجهزة التبريد في اي مكتب ضمن مبنى اميركي, يمكن له ان يعرف تلك الحقيقة المتمثلة في: ان الولايات المتحدة تعيش حالة شراهة شديدة للنفط.

من المؤكد كذلك ان شاه ايران محمد رضا بهلوي فهم تلك الحاجة بقوة، ليستغل هذا الوضع لفترة 8 سنوات امتدت ما بين الاعوام 1969-1977، حيث فاوض ضمن سلسلة سرية من صفقات السلاح مقابل النفط مع بعض من افضل و المع القادة السياسيين الاميركيين.
ان التأثير تمثل في ترك الولايات المتحدة تتوسل من اجل اسعار نفط اقل بهدف حماية و ادامة اقتصادها، لكن على أراضي الملوك الخصوم المتقابلة، ايران و السعودية.
يبحث كتاب «ملوك النفط: كيف امكن للولايات المتحدة و ايران و المملكة السعودية ان يغيروا من ميزان القوى في الشرق الاوسط» بعمق و امعان في تفاصيل و اسرار تلك الصفقات. و عبر استخدامه لتفاصيل و معلومات رفع عنها حجاب السرية مؤخرا، معلومات ضمتها تسجيلات حوارات هاتفية و برقيات و ايجازات سياسية و لقاءات موسعة مع مسؤولين اميركيين شاخوا بأعمارهم ما بين الولايات المتحدة و الشرق الاوسط، يكشف اندرو سكوت كوبر (و هو باحث اكاديمي من نيوزيلندا)، يكشف حقيقة مخيفة عن درجة حماسة ادارتي نيكسون-فورد لخطب ود الشاه.
فلنتجاهل تلك الصور المبتسمة و البراقة التي التقطت ضمن مناسبات البيت الابيض، حيث ان الحقيقة المرة تكمن في ان سوء ادارة واشنطن لما توصف بأنها «علاقاتها الخاصة» مع شاه ايران انما لعبت دورا كبيرا في اذكاء نيران ثورة ايران الاسلامية عام 1979، و الحظر النفطي للعام 1974، فضلا عن الانهيار المالي الوشيك للدول المتقدمة إبان سبعينيات القرن الماضي.
عن هذا الموضوع، يكتب كوبر قائلا «ان بحثي الرامي للوصول الى فهم حقيقي لما جرى، انما قادني الى كشف الكثير مما كان خافيا من تفاصيل التاريخ عن دبلوماسية الولايات المتحدة-ايران-السعودية النفطية ما بين الاعوام 1969-1977، تلك القصة الغامضة عن 8 سنوات تحولت فيها الولايات المتحدة من اكبر منتج للنفط الخام في العالم الى اكبر مستهلك له، تلك القصة التي حولت البيت الملكي السعودي الحاكم الى حليف الولايات المتحدة الاساسي الذي لا مفر منه في الخليج عوضا عن شاه ايران البهلوي.»
تبدأ قصة كوبر عام 19699 اثناء جنازة بطل الحرب الاميركي، الرئيس الاسبق دوايت ايزنهاور، حينما تعرف نيكسون للمرة الاولى على شاه ايران. لقد كان البريطانيون يعدون العدة للانسحاب الكامل الى خارج منطقة الخليج، فيما كان نيكسون و وزير خارجيته كيسنجر متلهفين جدا لتأمين الحقول النفطية و معها خطوط الشحن من جار ايران الشمالي، الاتحاد السوفيتي السابق.
يضيف كوبر في كتابه قائلا ان فيتنام «كشفت مقدار المحددات امام القوة الاميركية،» و كيف ان عقيدة نيكسون تتطلب من الان فضاعدا وجود وكلاء اجانب بهدف «حماية حرية الحصون الامامية.»
عمد شاه ايران الى عقد التحالفات مع الغرب بهدف تحويل ايران الى قوة حديثة، الامر الذي اكسبه انتباه واشنطن كما اثبتت حالة توافقه السريعة مع الرئيس نيكسون. و قد كتب كوبر ضمن العديد من الاشارات الجانبية التي تجعل من وصفه للاحداث ملزما و مقبولا ، كتب يقول «لقد كان الاثنان رجلين وحيدين و يشعران بالخوف بشكل اساسي، رجلين وجدا الراحة في العزلة التي قدمها لهما منصبيهما.»
بحلول نهاية العام 19699، كانت العلاقة ودية جدا بين نيكسون و الشاه الى درجة دفعت امبراطور ايران لمنح صديقه حصته الخاصة من النفط. في مقابل ذلك، طلب الشاه انفاق كل سنت من عوائد النفط الاضافية بهدف شراء المعدات العسكرية و الاستخبارية الاميركية. و حسب ما يكتب كوبر، فقد ادى ذلك الى اثارة قلق مساعدي نيكسون. و يضيف كوبر قائلا «ان رفع علم للغرب لشيء، فيما تقديم الاسلحة و المعدات بهدف مواجهة العراق و الهند و الثوار الاقليميين، و تهدئة السواد الاعظم من الشرق الاوسط و المحيط الهندي لشيء آخر مختلف تماما.» و يضيف كوبر كذلك «ان التسليح بالمستويات التي طلبها الشاه كان يمكن له ان يؤدي الى افلاس ايران!.»
لكن نيكسون اصر، و عمد الى نصح سفيرها في واشنطن، الدبلوماسي المعروف «اردشير زاهدي» لينقل بواسطته لصديقه الامبراطور «قل للشاه انه قادر على دفعنا قدر ما يريد فيما يخص اسعار النفط.» و على المدى القصير، كان الشاه قادرا على «رفع اسعار النفط و الضغط على الشركات النفطية الاجنبية و المستهلكين،» حيث تم كل ذلك من خلال قنوات خلفية من دون تقديرات اسعار او تحليلات مخاطر. فمن كان يهتم لأمر ما حصل للإيرانيين الحقيقيين الذين لم يستفيدوا شيئا من دولارات النفط يا ترى؟ لقد حصلت الولايات المتحدة على قاعدتها الامامية الثمينة في الشرق الاوسط.
لكن، في الوقت الذي كان فيه صناع القرار السياسي مثل كيسنجر غير مكترثين (او لا يعلمون بشيء) عن الاقتصاديات، فأن غيرهم كانوا على النقيض من ذلك. فحسب مكتب التقديرات التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، فقد اورد المكتب عن الشاه الايراني عام 1971 ما مفاده «اننا لا ندرك مقدار اطلاع الشاه و تقديره لحدود المرونة المالية.» و حذر التقرير من ان الشاه بدأ يغرق بلاده في دوامة الدين و التضخم الكبير.
كان نيكسون جاهلا بقدر جهل كيسنجر. لكن برغم ذلك، اختار الرئيس حليفه في هذا الصيد. فضمن سياسة الادارة المعروفة بأسم «الدعامة التوأم،» سوف تعتمد الاستراتيجية الاميركية في الخليج على ايران قوية، فيما سيضطلع باقي ملوك النفط الاخرين و معهم المملكة السعودية بدور ثانوي لكن مفيد.
يسترسل الكتاب بالتعليق على ما حصل لاحقا، غير ان احدا لا يخرج بخير من هذا الكلام على وجه الخصوص. تكشف الوثائق المتعلقة بصفقات النفط التي رفع عنها حجاب السرية كيف ان كيسنجر اشار الى نيكسون بـ»المخمور المجنون،» و «ذو العقل الفارغ،» و كيف انه فاوض على تسوية مع ايران جاءت على حساب استراتيجية الشركات النفطية الاميركية العاملة في صناعة النفط السعودية.
كما يأتي ذكر صفقات الدفاع القوية ضمن تلك الوثائق، لاسيما تلك التي دفعها نيلسون روكفلر الذي كان حاكم ولاية نيويورك انذاك، و الذي دافع عن موقف كيسنجر المؤيد لها حينما رغب الاخير بأنقاذ شركة غرومان و مقرها نيويورك من الافلاس، و ذلك عبر دفع الشاه لشراء الطائرات النفاثة المقاتلة التي تنتجها الشركة من نوع F-14. و كان لتلك الصفقة ان تساعد ولاية نيويورك على دعم ترشيح نيكسون-أجنيو لولاية رئاسية ثانية اثناء انتخابات العام 1972. و من جانبه، قفز الشاه فرحا لانجاز تلك الصفقة.
و يمر الكتاب كذلك على ما هو اكثر مثل الاستعدادات للخطط العسكرية الطارئة، تلك الخطط التي دعت للاستعداد لغزو ايراني محتمل للسعودية و الكويت، فضلا عن التدريبات و المناورات الحربية التي اجريت في صحراء موهافي بهدف الاستعداد لهذه الاحتمالات.
ثم يمر الكتاب على ملايين الدولارات التي دفعت على شكل رشاوى و عمولات من قبل شركتي غرومان و نورثروب لـ»وسطاء» في ايران، بهدف تسهيل صفقات الاسلحة تلك. ثم تأتي الصفقة الاكثر رعبا من بين جميع الصفقات، تلك الصفقة التي وافق بموجبها نيكسون على بيع محطات طاقة نووية و وقود نووي لإيران، و من دون اي اكتراث واضح للمضامين الكبيرة التي تكتنفها صفقة من هذا النوع و بهذا الحجم.
يضاف الى كل ذلك حقيقة ان المملكة السعودية اصبحت لاعبا اقليميا في العام 19733 هي الاخرى. فقد استجابت الرياض بغضب مع مشاركين اخرين مثل دبي و ابو ظبي، استجابوا ردا على دعم واشنطن لأسرائيل حينما قرر الملك فيصل قطع امدادات النفط عن الغرب. و قد قاد ذلك الحظر النفطي الى نتائج مؤلمة تمثلت في تضخم بلغ 12% في الولايات المتحدة و 33% في بعض ارجاء اوروبا. لقد علق وزير الدفاع الاميركي في حينها، جيمس شيلزنجر، علق مستذكرا «لقد بات السعوديون مستعدين للتصرف بقوة النفط،» و اقترح تأمين الامدادات النفطية الاميركية عبر غزو دولة الامارات العربية المتحدة بهدف احتلال ابو ظبي.
لقد تخيل شيلزنجر ضربة على شكل عملية جراحية نظيفة تفضي الى انزال القوات الاميركية على الارض في قلب دولة النفط العربي. شيئا صغيرا، لكنه ليس بالامر الكبير على الولايات المتحدة!.
كما ان الشاه قرر الحيود جانبا عن حلفائه الاميركيين، بهدف المضي قدما في سياسة خارجية مبنية على الاستقلال الوطني و زيادة اسعار النفط، فيما كان مستمرا في مساعيه الرامية لبناء منظومته العسكرية و التسليحية الضخمة. ففي شهر ديسمبر من العام 1973، انظمت ايران الشاه الى باقي دول اوبك في رفعها اسعار النفط اكثر الضعف.
في ذلك الوقت، كان الاقتصاد الايراني خارجا عن السيطرة. كما ان مؤسسة حزب الشاه الذي حكم الدولة قد ازاح عن طريقه كل المعارضة الممكنة. لقد هبط الاقتصاد الايراني بشكل عمودي مع هبوط اسعار النفط، حيث جاء ذلك استجابة لتلقص الطلب الغربي مترافقا مع محاولات واشنطن الحقيقية الاولى للحوار. لقد زادت الهوة بين الفقراء و الاغنياء اتساعا، و بشكل ينذر بالخطر، فيما لم تجدي العوائد النفطية الضخمة نفعا في مساعدة معظم القرى الايرانية التي بقيت تفتقر للماء و الكهرباء. في خضم هذا الكلام، جاب الشبان العاطلون عن العمل يعبرون عن غضبهم في شوارع جنوب طهران.
بدأت المكاشفة، حسب وصف كوبر، في العام 19744 حينما اوضح الشاه لقادة البيت الابيض و بما لا يقبل اللبس ان اسعار النفط المرتفعة تمثل كلفة الاستقرار السياسي في ايران. و في ذلك الوقت، بدا انه حتى كيسنجر الذي عرف بمواقفه المتصلبة و القوية، بدا ان دعمه القوي لايران الشاه قد تراجع و افل.
بحلول العام 19755، بات واضحا ان كيسنجر اصبح مستعدا لكسر التزامه تجاه طهران، قائلا ان الولايات المتحدة ستبحث كل السبل و الوسائل الممكنة بهدف «منع خنق العالم الصناعي.»
و من جملة تلك السبل كانت فكرة التحالف الاميركي مع السعودية للوقوف بوجه ايران. عندها، قرر السعوديون تحدي قرار اوبك و خفضوا الاسعار و عمدوا الى اغراق السوق بالخام الرخيص.
و نحن نعلم ما الذي حصل لاحقا بالتأكيد. ففي العام 19744، حصلت فضيحة ووترغيت التي اطاحت بنيكسون و معه انهار حائط السرية الذي احاط بتلك الصفقات النفطية السرية و المظلمة. عندها، اضطرت ايران التي ركعت على ركبها، اضطرت للتوسل من اجل قرض بقيمة 500 مليون دولار، فيما بات الحديث يدوراكثر فأكثر عن احتمال صعود آية الله الخميني خلفا للشاه.
لقد كتب كوبر عن تلك الاحداث بوضوح و دقة، و كشف عنها بشكل صادم و مذهل، حتى برغم مرور كل تلك السنوات الطويلة.
لو كان كوبر مذنبا بشيء ما، فسيكون ذنبه انه قاد القارئ على طريق يقطع الأنفاس بأحداث و تفاصيل ما حصل يوما بيوم، فضلا عن تذكيره له بمقولة تكرار التاريخ مرة بعد اخرى.
لكن عشاق التاريخ سوف يقدرون كشف هذه التفاصيل المثيرة و اللافتة التي قدمها كوبر. كما ان هذه الاحداث لها ما يماثلها نبرة و صوتا في حقبة يومنا الحاضر. و في حقيقة الامر، فأن هذا الكتاب يذكرنا بتلك المقولة الشهيرة التي تقول اننا نعاني لعنة تكرار التاريخ الذي لا نستطيع استذكاره.
 

أعلى