التنمية والأمن: أرتباطات نظرية

أحـمـد مـحـمـد أبـو زيـد مـديــر الابـحـاث   الـمـؤسـسـة الـدولـيـة لـلـثـقـافـة الـدبـلـومـاسـيـة (IICD) دبـي – الإمارات العربية المتحدة – مارس 2012

  • ورقة بحثية مقدمة للمؤتمر السنوي الأول للعلوم الاجتماعية والإنسانية ‘‘من النمو المعاق إلى التنمية المستدامة’’. تنظيم المركز العربي للأبحاث دراسات السياسات (الدوحة, قطر, 24 – 26 مارس 2012). يتوجه الباحث بالشكر إلى الدكتور: عزمي بشارة, الدكتور: عبد الله ساليسو, المدير التنفيذي للمؤسسة الدولية للثقافة الدبلوماسية – دبي, وللدكتور أمحمدي المالكي, وللأستاذ الدكتور محمد السيد سليم, والدكتور حسنين توفيق إبراهيم والدكتور محمد عبد الشفيع عيسى, الدكتور مراد دياني, الدكتور ضرضاوي التهامي, والدكتور عدنان الهياجنة, وللأستاذة: نـغـم الـعـقـاد, وللسادة الحضور أثناء مناقشة هذه الورقة على ملاحظاتهم وتعليقاتهم الثاقبة والمفيدة. 

مـلـخـص

هل هناك ارتباط بين ظاهرتي الأمن والتنمية؟ أم أن هاتان الظاهرتان مختلفتان ومتباعدتان تماماً؟ إننا نجادل في هذه الدراسة بأن الأمن والتنمية مرتبطان تماماً, خاصة عندما ينظر للامن من مستوى التحليل الثاني (مستوى الوحدات) أي باعتباره جزء لا يتجزأ من التركيب المجتمعي للدولة ومؤسساتها. وبأن هناك علاقة طردية بين مستوى التنمية الداخلي الذي تتمتع به الدول وبين حيز ونطاق امنها الكلي, والعكس بالعكس. فالأمن من هذا المنظور ليس مفهوماً عسكرياً أو مادياً فحسب بمعنى إنه يعني ’’حماية الدولة من كافة صور التهديد العسكرية‘‘ أو باعتباره امناً للدولة ’محوره الدولة‘ بقدر ما سيكون امنا للمجتمع وللافراد وللدولة بشكل عام. أي سيكون الأمن – وكما جادل عن حق كلاً من بوزان وشكري ونورث وعازار وبريتون وغيرهم– مفهوماً متعدد الجوانب والمستويات. سيشمل طبقاً لهذا المفهوم مستويات التحليل الثلاثة المعلومة في تحليل السياسة الدولية (الافراد والواحدات والنظام) وكافة الجوانب (السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية). 

أما بخصوص التنمية, فإننا نعرفها هنا باعتبارها ’’التحرر من الحاجة‘‘ أي إنها تعني توفير كافة الاحتياجات الاساسية اللازمة لبناء الدولة. ونرى أن هناك ارتباط شديد بين قدرة الدولة على إشباع الحاجات وتوفير المتطلبات الاساسية للافراد والجماعات الوطنية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) وبين حجم الأمن الذي تنعم به, دون إغفال تأثير الجوانب المادية/العسكرية التي قد تفرضها البيئة الدولية على الدول. بما يجعل من ارتباط التنمية بالأمن مسألة جوهرية, في حالة تأثير الاوضاع التنموية على أمن وبقاء الدولة ذاته, وهو ما نرأه حقيقية في دول العالم النامي (ومنها دول الخليج العربية) التي تفرض عليها كثرة التوترات والنزاعات الحدودية والإقليمية العنيفة (المسلحة) الاهتمام بموضوعات مثل الأمن القومي والأمن  الوطني أكثر من موضوعات مثل الأمن الانساني– الشديد الصلة بالتنمية. الذي قد يصلح للغرب أكثر منه في العالم النامي, حيث تسود قيم الاستقرار والسلم الداخلي والتعاون, وحيث امن الدولة مصاناً بصورة كبيرة (من الداخل والخارج) بسبب نجاح الدولة في توفير كافة الاحتياجات والمطالب الاساسية للشعوب (بل ووصلت إلى حد الوفرة وما بعد الوفرة) بينما في العالم النامي فإن تدهور مستويات التنمية وقلة تأثيرها على امن وبقاء هذه الدول لاستمرار الصراعات والنزاعات والتوترات يعتبر نتيجة حتمية (أكثر منها كمسبب). أي أن التنمية في العالم النامي تصبح (العامل التابع) بينما الأمن هو (العامل المستقل) على عكس الحال في الغرب.

ABSTRACT

In this study, I argue that security and development are deeply related, especially when we consider security as a second-image variables (unit level). As an integral part of the state domestic structure, and that there is a direct correlation between the level of internal development and the extent of the overall security, and vice-a-versa. From this point of view, security is not just a militarily or material concept–where it define in term of “protect state from all forms of military threat”, or as ‘states-centric-concept’ – but also it will refer to the safety of the individuals, community, and the State in general. Security in this case will become a multi-faceted and multi-deimonational concept. According to this perspective this definition will contain the three levels of analysis (individuals, unites, and system) and all aspects (politically, military, economically, and socially).

 

Regarding to development, we know it here as “freedom from want”, meaning the provision of all basic needs that prerequisite to building a strong states. Certainly, there is a strong relationship between state’s ability to satisfy its people needs and basic requirements (politically, economically and socially) and the size of security which enjoys, without ignoring the impacts of military aspects that international environment could imposed. This relationship become more clearing when developmental issues affects or threaten the security and survival of the state itself, as it the case in the third world countries (including the Arabian Gulf countries) where the large number of tensions, border disputes, and regional (armed) conflicts forced it be more attention to issues like security and national security more than topics such as human security – which consider a very relevant to development. This concept may fit in the West more than in the third world, where values like stability, civic peace, cooperation are prevailing, and where the security of the state significantly preserved (either from home and abroad) as a result to governments success to provide all people’s needs and demands (some western countries now live in post-welfare era) while in the third world, the deterioration of development rates, and it modest impacts on the state-security and survival, and the persistence of conflicts and tensions consider an inevitable consequence (rather than a cause). In contrary to the west, the development in the third world becomes (dependence variable), while security is the (independent variable).

KEYWORDS: Security, Development, Human Security, Security-Development Nexus.

الأمن هو القيمة الاكثر أهمية في الحياة, وكما هو الحال بالنسبة للبشر, فإن الدول في ظل تواجدها في نظام دولي فوضوي تسوده الصراعات والتنافس بين كافة الاطراف, من أجل حيازة أكبر حد ممكن من القوة تسعى لضمان امنها وسلامتها, في ظل حالة المساعدة الذاتية التي تسود بين الدول. ولكن, وهنا تكمن المعضلة, عن أي امن نتحدث؟ هل هو امن الدولة أم النظام أم امن الأفراد؟ وهل هذا الأمن يقصد به الأمن العسكري فقط أم الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الأمن الانساني؟ إن الاتفاق والاجماع الذي يسود بين علماء السياسة الدولية بخصوص محورية دراسة ظاهرة الأمن يتلاشى عندما نحاول استكشاف ماهية هذا الأمن [1]. من جانب أخر, فإن التركيز الشديد على دراسة الجانب العسكري (المادي) في حقل الدراسات الامنية منع الكثيرين من دراسة الجوانب الاخرى (الغير مادية) التي تؤثر على امن الدول والمجتمعات الانسانية. وهو ما زاد من صعوبات دراسة ظاهرة الامن, خاصة في ظل التطورات والتغييرات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وسيادة حالة ’السلام المديد‘ بين القوى الدولية الكبرى وتراجع احتمالية اندلاع حروباً فيما بينهم, وزيادة وتيرة اشتعال وانفجار الصراعات الاقليمية والاجتماعية الممتدة داخل حدود الدولة الواحدة خاصة في دول العالم النامي [2], كنتيجة لغياب التنمية وتأخر التطور الاجتماعي والاقتصادي داخل هذه الدول. وهو ما يوجب تشديد الانتباه نحو دراسة ما بات يعرف بـ ’ الأمن الانساني‘ وعلاقة التنمية (التي تعني بايجاز محاولات بناء الدولة من الداخل) بالأمن القومي للدول.

أسـئـلـة الـدراسـة

تحاول الدراسة تقديم أجابة على تسأول وحيد وبسيط (غير مركب) وهو, ما هي العلاقة أو الأرتباط بين التنمية والأمن أو الاستقرار المحلي للدول القومية؟ وذلك عن طريق محاولة أستكشاف كيف يمكن ان تؤثر الأوضاع الأمنية الغير مستقرة على السياسة التنموية التي تتبعها الحكومات الوطنية والقومية, ومن ناحية أخرى, ماهي تداعيات أو عواقب تأخر وتردي الأوضاع التنموية وعجز الدولة عن توفير الاحتياجات الاساسية للمواطنين على أوضاع الأمن والاستقرار المحلي والداخلي, وحتى الاستقرار والأمن الاقليمي.

هذه الاسئلة النظرية سنحاول هنا التطرق اليها وتوضيح الجدل النظري الدائر بين المدرسة الواقعية والليبرالية في مجال العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة حول العلاقة بين الأمن والتنمية. ومن جانب أخر, سنحاول هنا توضيح خصوصية البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي (المحلي والاقليمي) الذي تحيا فيه دول الخليج العربية في تبيان صحة المقولات الواقعية القائلة بإنه: في ظل وجود تهديد لامن وبقاء الدولة ذاته (عسكرياً) فإن كافة صور التهديد والمخاطر الاخرى– الثانوية – تبقى في الظل, أو مسألة سياسة داخلية. وبإنه: إذا باتت المخاطر الثانوية تمثل تهديد لامن وبقاء الدولة, فإنها تصبح مسألة امن قومي ذات تأثير جوهري على بقاء الدولة, وبالتالي على سياساتها الداخلية والخارجية في آن واحد.     

الـفـرضـيـات 

تفترض هذه الدراسة بأن منطقة الشرق الأوسط، ودول الخليج العربي على وجه الخصوص, مازالت تعتبر الأمن التقليدي للدولة ’على قائمة الأولويات‘ وذلك بخلاف مناطق العالم الأخرى. فمازال الأمن والتنمية ينظر لهما في المنطقة كمجالين منفصلين، وهو ما يجعل من تحديد وتقـييم التهديد بمثابة أولوية للمهتمين والمتخصصين في مجال التنمية والأمن. وهذه الدراسة ستحاول–  بعد إجراء مسحا للأدبيات التي تطرقت للموضوع – إكتشاف ما إذا كان ذلك حقاً هو القضية أم لا؟ ثم ستحاول الدراسة فهم السبب وراء ذلك. على كل حال, في هذه الدراسة فإننا سنحاول أختبار صحة أو خطأ الفرضيات (النظرية) التالية. 

  • في دول العالم النامي والدول الصغرى فإن الأعتبارات الأمنية تفوق الأعتبارات التنموية وأي أعتبارات أخرى. فكونها تحيا في بيئات إقليمية عدائية ومضطربة وغير مستقرة, حيث تفاوت وتتباين صور توزيع القدرات وإختلال توازن القوى بين الاطراف, وتسود الطموحات التوسعية والدعاوي للهيمنة من جانب الدول المجاورة الأكبر حجماُ وقدرة, فإن الدول الصغرى تجد نفسها مرغمة على أن تولي اهتماماتها الأمنية والدفاعية الألولية القصوى إن هي أرادت الحفاظ على وجودها وبقائها المادي في النظام الدولي [3].

 

  • كلما زادت حجم التهديدات المحلية (المجتمعية) التي تواجهها الدول, كلما زاد حجم أهتمامها بالأوضاع التنموية وتحقيق الأمن البشري لشعوبها. نظراً لأتسام نظم الحكم في أغلبية دول العالم النامي والدول الصغرى فيه بالتسلطية واللاديمقراطية, فإنه يتم النظر إلى أي أضطرابات أو تهديدات تبزغ من داخل النظام (مثل المعارضة الوطنية أو عدم قدرة الحكومة على تلبية الاحتياجات الاساسية للمواطنيين … وغيرها) على إنها تهديداً لأمن الدولة ذاته (كما ذكر بوزن في دراسته عن الأمن القومي في دول العالم النامي [4]) وبالتالي يتوجب العمل على مواجهة وإدارة هذه التهديدات والمخاطر قبل أن تستفحل عواقبها وتداعياتها على بنية النظام السياسي كله والتعجيل بإنهياره. وهو ما سيجعل هذه الحكومات توسع من نطاق إنكفائها للداخل Internal Mobilization والعمل على تلبية وتوفير أحتياجات المواطنيين وتحسين أوضاعهم الاقتصادية  والمعيشية وذلك عن طريق التوسع في عملية إقامة المشروعات التنموية وحمايتهم [5]. ففي التحليل الأخير, وكما أثبتت التجربة التاريخية, فإنه لا أمن بدون تنمية.
  • كلما زادت حجم التهديدات الخارجية (العسكرية) التي تواجهها الدول, كلما قل حجم أهتمامها بالأوضاع التنموية وتحقيق الأمن البشري لشعوبها. بسبب أفتقارها لأمتلاك وسائل الحماية والدفاع الكافية لردع جيرانها العدوانيين والتوسعيين فإن الدول الصغيرة في سبيلها لمواجهة المخاطر وصور التهديد الخارجي فإنها غالباً ما تميل إلى تعبئة كافة مواردها وأدوات إنتاجها وتسخيرها من أجل مواجهة هذه التهديدات, وهو ما يعني– بصورة مباشرة أو غير مباشرة – تجاهل أو تقليل حجم الأهتمام من جانب الدولة ببعض جوانب عملية التنمية والأمن الإنساني, التي قد ينظر إليها على إنها غير ذات أهمية أو صلة في تحسين مستوى القدرات الدفاعية أو الردعية للدولة في مواجهة المخاطر والتحديات الخارجية. 
  • هناك علاقة أرتباطية بين المتطلبات الأمنية للدول وخططها التنموية المستقبلية. بمعنى أن المعيار وراء تحديد مدى التزام الدولة بعملية تنفيذ خططها التنموية – وحتى تصميمها كما هو الحال مع الولايات المتحدة وبقية القوى الدولية الكبرى – هو مدى توفقها في عملية  تقييم وكيفية رؤيتها وتحديدها لحجم ونوعية المخاطر والتهديدات الامنية التي من المتوقع أن تواجهها, أو أن تفرضها عليها متغيرات وتحولات البيئة الخارجية في المستقبل. فإذا كانت المؤشرات المبدئية تشير إلى أن المستقبل يحمل بشائر أو توقعات بسيادة أجواء الاستقرار والسلام فإن الدولة سوف تولي أهتماماً كبيراً بعملية التنمية وتحسين مستوى المعيشة وتوسيع نطاق الأمن الإنساني لمواطينها. بينما لو كانت المؤشرات تقول بإحتمال سيادة أجواء عدم الاستقرار أو الاضطراب فإن مقولات الفرضية الثالثة ستكون صحيحة إلى حد كبير.    

الـمـنـهـجــيـة Methodology

هنا سنحاول التطرق للجدل النظري بين الواقعيين والليبراليين حول مفهوم الأمن – كمفهوم من المستوى الثاني, أي على مستوى بنية الدولة والمجتمع المحلي– وكيف اتفقتا على أن هناك ارتباط شديد بين تحسن مستوى التنمية (استقرار المجتمع المحلي, ثبات وفاعلية قدرة الحكومات, التماسك المؤسسي … الخ) وبين مستوى الأمن الذي تنعم به الدولة (الأمن الانساني والأمن الوطني). وإن كانت الواقعية أكثر ارتباطاً وقدرة على تحليل وتفسير ظواهر الأمن في العالم النامي وخارج نطاق الغرب, كونها لا تتجاهل تأثير ونفوذ القوة المادية والاكراهية في التأثير على الاوضاع الامنية (والتنموية) في العالم مثلما تتجاهله المدرسة الليبرالية, التي نرأها تصلح لتفسير سلوكيات وأوضاع العالم الغربي أكثر من العالم النامي, كونها تركز على التقارب القيمي والمعياري وعمق التبادل بين الدول وصلابة البنية المؤسساتية وعمق تأثيرها المجتمعي, الذي يتميز بوجود بيئات معرفية وسياسية واجتماعية مختلفة تماماً عن تلك الموجودة بالغرب.

تـقـسـيـم الـدراسـة

تنقسم الدراسة ثلالثة اجزاء. الجزء الأول نظري, يتناول تطور حقل الدراسات الأمنية وأرتباطاتها بموضوع التنمية. وفي الجزء الثاني سنتطرق بالتحليل المفصل لما هو المقصود بالأمن الانساني– باعتباره المحاولة النظرية الاكثر نجاحاً (في رأينا) في الربط بين التنمية والامن. ما هو المقصود به؟ ماهي مكوناته؟ خصائصه؟ وماهي الانتقادات الموجهة لهذا المفهوم؟ كيف يمكن تحقيقه على أرض الواقع؟ وذلك عن طريق توضيح المحاولات النظرية السابقة التي حاولت قياس العلاقة بين الاوضاع التنموية الداخلية والأمن (مثل مقياس الدول الفاشلة, مقياس الصراع والسلام وغيرها من المحاولات). وأخيراً, وكيف يمكننا تقديم إطار متكامل لهذا الحقل الفرعي في الدراسات الامنية بكافة جوانبه وأبعاده ومستوياته, بصورة تزيل عنه الغموض والشكوك المثيرة حوله, بما يساعدنا على فهم أبعاد العلاقة بين الأمن والتنمية خاصة في البلدان العربية ودول العالم النامي على وجه العموم. والجزء الثالث, سنطرحه فيه الاستخلاصات والنتائج التي توصلنا اليها, وكذلك التوصيات الواجب إتباعها لتحقيق الأمن والاستقرار, دون الإضرار بمستويات التنمية البشرية والاقتصادية.

تـطـور الـدراسـات الأمـنـيـة: مـراجـعـة للأدبـيـات

قبل التطرق لرؤية المدارس الفكرية في حقل العلاقات الدولية حول العلاقة بين الأمن والتنمية دعونا أولاً نتطرق لما هو المقصود بالامن. يعرف قاموس أكسفورد الأمن على إنه: ’’الحالة التي يكون فيها المرء محمي من الاخطار, ويشعر بالامن … والتحرر من الرعاية, الخطر, القمع, الحرية أو غياب التهديد‘‘ [6]. أما في مجال العلوم السياسية, يعرف توماس شيلينج (Schelling) الامن على إنه ’’الحفاظ على الدولة حرة, وضمان فاعلية القيم والمؤسسات الرئيسية فيها‘‘, وقصد شيلينج بالقيم ’’ما تمثله الدولة مع ما تريد تحقيقه والحفاظ عليه‘‘ [7]. أما اشهر التعريفات التي قدمت للامن فهو تعريف ارولوند وولفرز (Wolfers) الذي عرفه على إنه: ’’إنعدام وجود تهديد للقيم المركزية للدولة‘‘ ثم عدله ليصبح ’’تقليل احتمالية تهديد القيم المركزية‘‘ [8]. ويعرف الامن لدى الواقعيين الدفاعيين على إنه: ’’إزالة كافة مصادر التهديد‘‘ [9]. ورغم أهميته القصوى في حقل السياسة الدولية والخارجية إلا أن هذا المفهوم لم ينل الاهتمام الكافي من الدراسة, خاصة من الواقعيين. فبالرغم من هيمنة فكرة الامن على أدبيات السياسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وطوال فترة الحرب الباردة (1945-1990) إلا أن اغلب هذه الدراسات (الامنية) ركزت على دراسة ’القوة العسكرية‘ أو اليات وكيفية تحقيق هذا الامن, ولكنها لم تتحدث أو تحاول تقديم تفسير لمفهوم ’الامن‘. حتى الواقعيين الذين مازالوا يمثلون اكثر المدارس الفكرية في حقل السياسة الدولية اهتماماً بالدراسات الامنية , لم يلقوا اهتماماً كافيا بهذا المفهوم. فعلى الرغم من اعتباره الهدف الاسمى الذي تسعى الدولة لتحقيقه, إلا أن والتز (صاحب النظرية الواقعية الهيكلية) كما لاحظ البعض, لم يضع تعريفاً جدياً لما هو الامن [10].

  أرجع باري بوزان (Buzan) عدم الاهتمام بدراسة الامن (كاطار مفاهيمي) إلى عدة أسباب, منها (1) إنه مفهوم صعب التحديد, (2) عدم اهتمام الباحثين به, (3) تداخله مع مفهوم القوة, (4) تركيز الباحثين على دراسة التكنولوجيا العسكرية وأدوات تحقيق الامن, (5) عدم اهتمام السياسين به [11]. ويوضح بوزان أننا لا نعلم ما هو الامن إلا بعدما نفقده أو يتم تهديدنا بفقدانه [12]. إلا أن بعض العلماء رأى ان هذه الاسباب واهية وغير مقنعة, وبأن السبب الرئيسي وراء عدم أهتمام الباحثين في حقل الدراسات الامنية إلى تركيزهم الشديد على دراسة القوة العسكرية وليس على الامن في حد ذاته. حيث يشير ديفيد بولدين (Baldwin) أن مفهوم الامن غير واضح أو محدد, حيث يفتقر هذا المفهوم لتحديد الاهداف المرجو تحقيقها من وراء اتباع بعض السياسات [13]. وأن مفهوم الامن بالصورة الحالية لا يحدد أي القيم المراد حمايتها, فهل هي الاستقلال السياسي, وحدة التراب الوطني أم ماذا؟ أم الحفاظ على العلاقات الاقتصادية أم حماية البشر … الخ [14]. من جانب أخر عدم وضوح الطرف المعني بالحماية والأمان, فهل هي الدول أم الافراد أم النظام الدولي, فالبعض يرى إنه لا يمكن الدمج بين هذه الاطراف, كونها لا تنتمي لمستوى تحليل واحد–  بل لثلاثة مستويات مختلفة ولكنها مرتبطة – بما يثير الغموض والتشكيك [15].  بينما يقول بوزان بأن الامن مقصود به امن الدول والافراد والنظام سوياً, مجادلاً بأن الدول والافراد جزء لا يتجزأ من النظام الدولي, وعليه فإنه وبسبب وجود العديد من الدول والكثير من الافراد, وبسبب تداخل حدود أمنهما فإن أي تعريف للامن لابد أن يتماشى جنباً إلى جنب مع أحوال الأفراد [16].

رغم كل ذلك, فحتى الان لا يوجد اتفاق عام على ماذا يعني الامن بالضبط. رغم كل المحاولات الساعية لتحديد مفهوم الامن, حيث جادلت شكري ونورث (Choucri and North) أن هذا المفهوم لابد أن ينبع (في جانبه الاكاديمي والعملي) من ثلاثة مفاهيم أساسية توضح ما معنى أن تكون آمنا, وهي[17]: 

  • التعبير عن الامال الشعبية المتعددة.
  • وضع أولوليات مختلفة.

(3) وجود أنواع مختلفة من التوقعات.

ولتحديد معنى أن تكون الدولة آمنة فإن هناك عدة مؤشرات لقياس مدى متانة وثبات الامن (القومي بالاساس) يحددها جراهام آليسون وجيفري تريفيرتون (Allison and Treverton) في:

(1) القوة السياسية.

(2) التوافق السياسي والإجماع الدخلي.

(3) التعافي السياسي والاقتصادي المحلي.

(4) الإدارة السياسية الجيدة – كالعوائد المتوقع جنيها بعد الاستثمار (عوائد متوقعة). 

هذه المؤشرات مترابطة, بمعنى أن أي تغيير يحدث في إحداها سيؤثر على المؤشرات الاخرى [18].

تطور الدراسات الامنية

بدأ الاهتمام بدراسة الامن بصورة علمية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية, نتيجة التطورات العلمية الشديدة التي وقعت في مجال السلاح والتكنولوجية العسكرية. ومنذ ذلك الوقت مر حقل الدراسات الامنية بأربعة مراحل تاريخية هي على النحو التالي [19]:

  • المرحلة التقليدية: حين تم تعريف الامن على إنه ’’صور التهديد الذي تواجه الدول من منظور استراتيجي وعسكري, أو الذي يواجه النظام الدولي من منظور احتمالات حل الصراعات الدولية وتجنب (أو الانتصار) الحروب. ومن أهم المفاهيم التي اوجدتها هذه المرحلة الردع والمعضلة الامنية … وغيرها.
  • المرحلة التحولية: ظلت هذه المرحلة قائمة على الافتراضات التقليدية للواقعيين, إلا إنها قامت بتوسيع نطاق البحث وطورته باستخدام مناهج واقترابات مختلفة. وإن عاب عليها البعض إنها لم تواجه أية انتقادات لهذه المرحلة, بل وقامت بتبني نفس الافتراضات والمفاهيم والمناهج والوظائف, ولم تحاول تقديم جديد في مجال الدراسات الامنية.
  • المرحلة البديلة: تم خلالها التركيز على دراسة ظاهرة غير متجانسة ومتعددة الجوانب مثل ’الامن القومي‘. وقد حاولت هذه المرحلة الربط بين المرحلتين السابقتين, عن طريق دمج الخصائص والسمات العامة لكلاهما في إطار واحد متماسك, وذلك عن طريق ربط مفهوم الامن مع مستويات أخرى متداخلة مثل الامن البنائي, امن النظام والامن الاستراتيجي. حيث تواجه الدول من هذا المنظور تهديدات من أعلى (مبادرات وسياسات وأفعال هجومية عدوانية) ومن أسفل (ضغوط الافراد والجماعات والمنظمات على الدولة, الحرب الاهلية, الثورات وغيرها). أو استراتيجية (توسع وعدوانية الدول الاخرى). (انظر شكل رقم 1)
  • المرحلة الشاملة: والتي بدات بوادرها منذ ظهور تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الانمائي للامم المتحدة عام 1994, والذي دعى خلاله لالقاء الضوء على امن البشر– الانسان باعتبارها أهم القيم الواجب الحفاظ عليها وتأمينها والدفاع عنها. حيث بدأ العلماء يركزون على دراسة متغيرات غير عسكرية – غير عنيفة وأثارها على الدولة مثل الفقر, التخلف, الأمراض, الأوبئة, التغيرات البيئية, التلوث البيئي, الامن الشخصي … الخ. بصورة تجعل من البشر محوراً للدراسات الامنية, وليس الدول أو النظام الدولي كما ظل سائداً طوال المراحل الثلاثة السابقة من عمر الدراسات الامنية [20].

شكل رقم 1: أشكال التهديدات الموجهة للدول

 المدرسة الواقعية Realism

على الرغم من كافة الانتقادات التي وجهت وتوجه للمدرسة الواقعية إلا إنها مازالت أكثر المدارس الفكرية قدرة على دراسة موضوعات مثل الامن والسياسات الامنية والدفاعية. والتي مازالت تحتل أولولية لدى أغلب دول العالم خاصة في دول العالم النامي, التي توفر مجالاً لها يعوض بعض جوانب النقص وعدم القدرة على شرح بعض سياسات الدول الغربية بدراسة دول العالم النامي, حيث مازالت القوة والثروة مترابطتان, والمأزق الامني سائد, والتهديدات العسكرية من الجيران والتهديدات الداخلية للحكومات مستمرة بتهديد وجود الدولة, على الرغم من قلة عدد الصراعات التي تحدث داخل هذه الدول مقارنة بالغرب [21].

تشدد المدرسة الواقعية (بفرعيها الكلاسيكية والهيكلية) على أن الدول–القومية هي الفاعل الرئيسي في السياسة الدولية, في ظل وجودها في نظام دولي فوضوي تنافسي, تحكمه الصراعات والتنافس بين وحداته, ولا توجد سلطة عليا تمارس ضغوطاً على الحكومات الوطنية وإرغامها على تبني سياسات بعينها, فإنها لا تهتم سوى بتحقيق وضمان امنها وبقائها عن طريق توسيع نطاق حيازتها من القوة المادية ودعم استقرارها المحلي وتقوية بنيتها الداخلية. بصورة تضمن حماية نظامها السياسي واستقلالها وسيادتها الخارجية [22]. وإن كانت المدرستان تفترقان في تركيزهما على مستويات التحليل. فبينما تركز الواقعية الهيكلية على مستوى التحليل الثالث (مستوى النظام) بمعنى تأثير الضغوط التي يمارسها النظام الدولي (البنية الدولية) على تحديد سلوك الدول الخارجي وطبيعة سياساتها الداخلية, فإن الواقعية الكلاسكية, وأنطلاقاً من الحقيقة القائلة بأن ’كل السياسات محلية‘ تركز على دراسة متغيرات المستوى التحليلي الأول والثاني (مستوى الافراد والوحدات) مثل دور القادة والأفراد وتركيبة المجتمع المحلي ودور المؤسسات المحلية في تحديد سلوك الدول وفعلها الخارجي [23].

لان طبيعة ظاهرة التحليل الآنية لا تدخل بصورة مباشرة في نطاق الواقعية الهيكلية (التي تركز على العوامل النظمية) وهو ما قد ينظر إليه باعتباره انتقاصاً من قوة هذه النظرية وتماسكها. حيث تفتقد النظرية بتركيزها على المستوى التحليلي الثالث (النظامي) وتجاهلها للمستوى التحليلي الثاني (الوحدات) ومستوى التحليل الاول (الأفراد) موسوعيتها ونظرتها الشاملة التي يفترض أن تتوافر فيها باعتبارها تروج لنفسها على إنها نظرية عامة للسياسة الدولية. وهو ما يجعلنا نركز على أطروحات المدرسة الواقعية الكلاسكية والكلاسكية الجديدة, الذين يولون تركيزاً أكبر على مستوى التحليل الاول والثاني [24].

في المبدأ الاول لنظريته عن الواقعية السياسية يقول هانز مورجانثو (Morgenthau) بأن: ’’المجتمع الدولي يحكم بواسطة قوانين تجد جذورها في الطبيعة البشرية‘‘ ولتحسين هذه المجتمعات يتوجب علينا فهم هذه القوانين التي نحيا في ظلها‘‘. ويرى مورجانثو كذلك أن السياسة الخارجية وسماتها تتضح عن طريق أختيار الأفعال والسياسات والعواقب المتوقعة عن هذه الأفعال, وهو ما يوجب علينا كباحثين معرفة أهدافهم وغاياتهم [25]. هذا المبدأ هو بمثابة دعوى صريحة للتركيز على دراسة المتغيرات التابعة لمستوى التحليل الأول والثاني في السياسة الدولية, والتي مازال الكثير من علماء السياسة الواقعيين يرونها غير ذي جدوى, خاصة في مجال الدراسات الامنية, وهو ما ثبت خطئه فعلياً, وخاصة في العالم النامي. فعلى الرغم من عدم أقتناع الكثير من الواقعيين بأهمية مستوى التحليل الاول والثاني, فإن البعض الاخر يغالي في التركيز عليها دون المستويات الاخرى. إلا أن المطلوب ليس هذا أو ذاك, وإنما الاهتمام بكافة المستويات, النظام والوحدات والأفراد [26].  فقد اثبتت التجربة العملية أن استمرار تجاهل الاوضاع المحلية قد يكون له عواقب وخيمة على الامن القومي للدول على المدى البعيد, بصورة تفوق ما يمثله عليها التهديدات الخارجية, خاصة وإن كانت تعاني من ضعف هيكلي محلي أو يحيط بها قوى إقليمية عدوانية [27].

إن الواقعيين بتركيزهم الشديد على حماية الدول وصيانة أمنها من التهديدات الخارجية وعدم الاهتمام الكافي بالتهديدات الداخلية يجعلهم يقعون في ما يعرف بـ ’مفارقة إيزنهاور‘ القائلة والداعية ’’دعونا لا ننسى أن نحمي أنفسنا من الداخل, قبل أن نحمي أنفسنا من الخارج‘‘ [28]. ومصادر التهديد الداخلي تنبع من متغيرات المستوى الثاني من التحليل, والذي يركز على دراسة دور وتأثير المؤسسات الداخلية والتوجه الاقتصادي, وكذلك النخب السياسية الحاكمة وأفكارها, باعتبارهم المشكل الرئيسي للسياسات الدولية أكثر مما يعتقد الكثيرين [29]. حيث يجادل كلاً من ريتشارد روزكرينس وآرثر شتين (Rosecrance and Stein) بأن ’’المجتمع المحلي لديه القدرة في التأثير على قدرات الدولة في مجال قيادة وتبعية الاخرين, وكذلك فإن طبيعة المجتمع المحلي تلعب دوراً اساسياً في التركيز على السياسات الاستراتيجية العليا للدولة, حيث لا يتطلب وجود مستوى معين من التنمية الاقتصادية وجود مستوى معين من التنمية السياسية. وفي المجتمعات الديمقراطية فإن المحدادات الداخلية هي التي توضح كيفية استجابة الدول للعالم الخارجي‘‘ [30]. إن تركيز الواقعيين على دراسة المتغيرات والتهديدات الخارجية أنساها أن كل روما لم تنهار إلا من الداخل.

ومسالة تحديد أثر التهديدات الداخلية ليست مهمة فقط لتحديد مصادر التهديد التي تواجه أمن وبقاء الدول, ولكن أيضا بسبب أن عملية التفريق بين الاسباب الداخلية والوطنية والدولية لعدم الامن سوف تمكننا أكثر من التركيز على دراسة دور السياسات التي تتخذها الحكومات في تدعيم أو تقليل أمنها, وبالتالي السماح للدول ذاتها بتقييم عواقب أفعالها عن باقي العوامل الاخرى, وهو ما قد يسهم في تسريع عملية تطوير وأختبار خياراتها السياسية [31], تماماً كما حاول سنايدر (Snyder)  وفان آيفيرا (Van Evera) فعله عندما تصديا لدراسة ظاهرة ’القومية المتوحشة  Hyper-nationalism‘ ودورها في الصراعات التي بزغت فيما بعد أنتهاء الحرب الباردة في دول أوروبا الشرقية [32].  ومن جانب أخر, فإن رصد المقيدات والمتغيرات المحلية يعتبر ضرورة لإعاقة أو لتحسين كيفية استجابة الدول للضغوط الخارجية (الدولية والنظمية). حيث ثبت أن الدول تستجيب لهذه الضغوط بسهولة ومرونة عندما تكون أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية (التنموية) المحلية مستقرة ومنضبطة, وكذلك, وعلى النقيض, فإن الانهيار المحلي يمكنه في بعض الاحيان أن يوسع من نطاق التقييد الذي تفرضه البيئة الخارجية على الدول [33]. إن تركيز الواقعيين على دراسات المتغيرات والتهديدات الداخلية –جنباً إلى جنب مع التهديدات الخارجية – سيمنع الدول من أن تتحول لمجتمعات لا خيار أمامها [34].

لإنها تركز بالاساس على القوة بأعتبارها الأداءة الوحيدة لتحقيق وضمان أمنها وبقائها, فإن الدول تحاول بكل قوة توسيع وتعظيم حجم قدراتها وامكانياتها القومية بصورة تمكنها من إدارة التهديدات التي تواجهها. والمقصود بالقوة القومية هنا ’’قدرة القادة السياسين على تعبئة وحشد الموارد البشرية والمادية لتحقيق سياسات أمنية مقترحة‘‘. هذه السياسات الامنية قد تكون داخلية أو خارجية. ولأن الواقعيون صبوا جل أهتمامهم على المستوى الخارجي للتهديد النظامي, فإن القليل منهم فقط حاول التركيز على التهديدات الداخلية التي تواجه الدول, واعتبارها تهديداً لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية. حيث يؤكد السجل التاريخي أن الدول لم تفشل دواماً بسبب الضعف الاقتصادي أو بسبب التنظيم العسكري السيئ, وإنما بسبب البناء السياسي والاجتماعي الداخلي المتهالك [35]. ومن جانب أخر, تمارس الضغوط الداخلية, في بعض الاوقات, دوراً كبيراً في تشكيل الاستراتيجية الامنية العليا للدولة أكثر من الدور الذي تلعبه التقييمات العقلانية لقدرات العدو الخارجي كما يجادل روزكرينس [36]. ومن جانب ثالث, فقد ثبت أن عدم وجود معوقات داخلية يعتبر عامل جوهري في تحديد مدى نجاح أو فشل الاستراتيجية الوطنية لاي دولة. ورابعاً, فقد استنتج البعض أن المحددات الداخلية وطريقة أداء الدولة هي التي تحدد مخرجات وقرارات السياسة الخارجية للدول [37]. الخلاصة إنه لا يمكن تحقيق الامن (الداخلي أو الخارجي) لأي دولة بمنأى عن تقوية الأوضاع التنموية الداخلية.

بسبب عدم مواكبتها للتغييرات الجارية في النظام الدولي والسياسة الدولية, وتحجرها الفكري ومحورية تركيزها على الدولة وقوتها العسكرية, ظلت الواقعية في مرمى الانتقادات الشديدية من جانب الكثيرين, الذين يتهمونها بعدم القدرة على شرح السلوك الدولي للاطراف الدوليين غير الرسميين, وعدم أستطاعتها مواجهة المخاطر والتحديات والتهديدات اللانظامية مثل الإرهاب الدولي, الفقر, التخلف, التدهور البيئي والانفجار السكاني … الخ. وعدم الربط بين ما يحدث في العالم الأول (الغرب) والعالم النامي, وتجاهل الحقيقة القائلة بأن الدولة الضعيفة والمنهارة أصبحت تمثل تهديداً أكبر للامن العالمي أكثر من الدول القوية [38]. فالواقعية بتركيزها على الدول بالأساس تتجاهل الدور المتزايد الذي باتت تلعبه وتمارسه الاطراف والمتغيرات الدولية الغير رسمية مثل جماعات الإرهاب الدولي, المنظمات الدولية غير الحكومية (كالصليب الاحمر وأطباء بلا حدود …. وغيرها) وبتشديدها على المخاطر المادية (العسكرية والامنية تحديداً) يجعلها لا تقدم إسهاماً يعتد به في مجال الدراسات الامنية الغير عسكرية (كالامن الانساني وجوانبه المتعددة اجتماعياً وثقافياً وسكانياً) وتركيزها – من جانب ثالث – على دراسة القوى الدولية في الغرب جعلها تتجاهل الحقائق التي بزغت عن ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات والتي تدعي بإنه ’’لكي ينعم العالم الاول بالامن, فإن الدول الصغيرة لابد أن تحيا في سلام وتنمية, فنحن الأن نعيش في حالة من الانكشاف والعرضة للخطر المنتشر والمتبادل بين العالم المتقدم والعالم المتخلف‘‘ [39]. 

هذه الانتقادات وإن كانت صحيحة, إلا إنها تتجاهل بعض محاولات الواقعيين الداعية لتوسيع نطاق البحث الواقعي فيما وراء الدولة (نموذج مركزية الدولة) والتهديدات المحلية الغير عسكرية. حيث جادل عالم السياسة الواقعي تشارلز جيسللر (Glaser) بأن انتقاد الواقعية بعدم قدرتها على تحليل ظواهر السياسة الدولية بعيداً عن السلوك الرسمي للدول – الفاعلين غير الرسميين – كظواهر مثل الارهاب الذي أرتفعت وتيرته خلال العقد الماضي, وكذلك موضوع مثل الامن الإنساني, إلا إنها مازالت قادرة على تقديم تفسير لمثل هذه الظواهر, وهو ما يتمثل في تصدي بعض كبار الواقعيين لمثل هذه الموضوعات, على الرغم من أن النظرية الواقعية وضعت للتعامل وتحليل التفاعلات بين الدول, والمرتبطة بفاعلين غير رسميين [40], مثل الإرهاب والصراع العرقي بهدف توسيع نطاق المفاهيم الواقعية المستخدمة في تحليل سلوك الدول ومحاولة تطبيقها على مشكلات الفاعلين غير الدوليين, مثل دور المعضلة الامنية في الصراع العرقي التي استخدمها عالم السياسة بوزين (Posen) لمحاولة تفسير الصراع العرقي في يوغسلافيا السابقة, ومحاولات كوفمان (Kaufmann) توضيح فضائل سياسات الانفصال والتقسيم على حماية وإنقاذ أرواح البشر في البلدان التي تشهد صراعات انفصالية, وتوضيحات جاك سنايدر عن مغبات الحياد وسياسات الانحياز أثناء الصراعات العرقية والقومية, ومؤخراً محاولات كلاً من ستيفن والت (Walt)وفان آيفيرا لتفسير ظاهرة الإرهاب الدولي ومشكلات بناء الامم المنهارة [41].

على الرغم من هذا الدفاع المستميت, إلا أن جيسللر لم يفعل سوى تأكيد صحة الانتقادات الموجهة للواقعية. إننا هنا نجادل– وعلى عكس ما فعله جيسللر– بأن الواقعية التاريخية (ثيوتيدس وميكافيللي وهوبز) بتركيزها وتشديدها على قيم مثل الامن وحماية البقاء والدفاع عن المصالح القومية لكافة الدول فإنها بذلك تكون قد قدمت إطاراً عاماً لجميع الباحثين للنهل منه في محاولاتهم لتفسير ظواهر السياسة الدولية. إلا أن الواقعيين الجدد (كار ومورجانثو وكينان ووالتز وميرشايمر) هم الذين يضيقون من سعة هذه المبادئ العامة, بدعوتهم للتركيز على محورية الدولة والتركيز على التهديدات الامنية المادية. وفي ضوء ذلك نقول بأن هذا منظور خاطئ. فإذا كانت الدولة كما يجادل البعض في تراجع, إلا إنها ماتزال أكثر الفاعلين نفوذاً في الساحة الدولية, وإذا كانت الجماعات الغير رسمية والفاعلين العابرين للحدود أكثر فاعلية إلا إنهم مازالوا يتعاملون داخل نطاق الدول والنظام ’الدولي‘. ومن جانب ثالث, فإن هناك بعض التغيرات المحلية التي يتعدى تأثيرها حدودها الوطنية, وإنه حتى الأطراف الغير رسمية يعادون دولاً– قومية بصورة وهو ما قد يفيد الباحثون في تحليل سلوك الدول وكيفية استجابتها لهذه الجماعات والمتغيرات في ضوء مفاهيم واقعية مثل الصراع, الحرب, الازمات. وهو ما يدخل ضمن صلب المدرسة الواقعية. أما بخصوص موضوع التهديدات والمخاطر الغير عسكرية واللانظامية وعدم قدرة الواقعية على تفسيرها فإنه يعتبر تضييقاً وحذفاً لا داعي له من الاطار أو القواعد العامة للواقعية. فهي تتحدث عن أي صور للتهديد الذي يواجه الدولة ومؤسساتها المركزية, إلا أن الدراسات والادبيات الواقعية الحديثة دائبت على دراسة القوة العسكرية للدولة فقط – دون تبرير مقبول, والنظر للدولة وأعتبارها كيان مفرد متكامل, وليس عدة كيانات كما تفعل المدرستين الليبرالية والبنائية. وهو ما أخرج باقي صور التهديد والمخاطر من الاطار الواقعي, وهو ما حاول بعض الواقعيين إعادة إدخاله لحظيرة الواقعية عن طريق الدعوة لتوسيع نطاق الدراسات الامنية لتضم موضوعات مثل الامن الانساني.

والأهم من هذا كله هو أن المدرسة الواقعية مازالت أكثر المدارس الفكرية في حقل السياسة الدولية قدرة على تفسير سلوك الدول في العالم النامي. فعلى الرغم من التطورات التي شهدها النظام الدولي من تزايد الدور الذي تمارسه الاطراف الغير رسمية وتزايد وتيرة الاعتماد والتبادل الاقتصادي بين الدول بفعل ثورة الاتصالات والمواصلات, إلا أن العالم النامي مازال واقعياً حتى النخاع. فالدول في العالم النامي مازالت هي الفاعل الرئيسي (إن لم يكن الوحيد) في أغلب مناطقه, ومازالت الصراعات المسلحة/العنيفة (المحلية والبينية والإقليمية) تحكم العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. ومن جانب ثالث, فإن وجود الدولة ذاته وبقائه في العالم النامي مهدد بصورة كبيرة, سواء من جانب بعض الجماعات المحلية الداعية للانفصال والحكم الذاتي, أو من جانب قوى إقليمية عدائية وعدوانية, أو من جانب قوى دولية توسعية تسعى لفرض هيمنتها على هذه الدول سعياً وراء التحكم في مواقعها الجغرافية الحيوية أو السيطرة على مواردها الطبيعية ذو الفائدة الاقتصادية الكبيرة للنظام الاقتصادي العالمي كالنفط والالماس (تماماً كما هو الحال في دول الخليج العربية). وهو الامر الذي يجعل من موضوعات مثل إعاقة تحقيق التنمية, بطء النمو الاقتصادي, تهديد الامن الانساني وغيرها, في هذه الدول تأتي في مرتبة تالية لأهتماماتها الامنية التقليدية (السياسية والدفاعية). وهي الاهتمامات التي لا يمكن لأحد إنكار قدرة المدرسة الواقعية على تحليلها وتفسيرها أكثر من أي مدرسة فكرية أخرى. فإذا كان الليبراليون قادرون ومتميزون في تفسير السلوكيات والافعال السياسية في الغرب وبقية النظم الديمقراطية في النظام الدولي, فإن الواقعية ماتزال هي القادرة على تفسير وتحليل السلوكيات والمخاطر والتهديدات التي تواجه دول العالم النامي, التي مازالت تمر بنفس المرحلة التاريخية من التطور التي كانت تمر بها أوروبا منذ ثلاثة قرون, حينما كان الوضع السائد فيها هو الصراع والحرب, وليس السلام أو التعاون كما هو الأن.    

 المدرسة الليبرالية Liberalism

المقصود بالمدرسة الليبرالية تلك المدرسة الفكرية التي يؤمن أنصارها بأن: ’’نشر الديمقراطية وتعميق الارتباط والاعتماد الاقتصادي المتبادل وتقوية المؤسسات الدولية سيحقق السلام والامن الدولي‘‘ [42]. وذلك عن طريق دراسة العلاقة بين الدولة–المجتمع, أي علاقة الدولة مع السياق المحلي والخارجي الذي يحيط بها, الذي له تأثير كبير على سلوكها الخارجي في السياسة الدولية. حيث تؤثر الافكار والمصالح والمؤسسات الاجتماعية على سلوك الدولة, وذلك لانها هي التي تشكل ادائها, الذي يعني الغرض الاجتماعي الاساسي الذي يحدد الحسابات الاستراتيجية للحكومات. وعلى عكس الواقعيين, يرى الليبراليون أن الاختلاف في صور توزيع أداء الدولة (وليس توزيع القدرات) أو المؤسسات كما يجادل أنصار المدرسة المؤسسية – الوظيفية هو المهم [43]. فاداء الدولة هو الذي يحدد سلوكها, وليس قدراتها. وذلك بافتراض أن هذه الدول– حتى في ظل تعرضها للتهديد والخطر الموجهه لأمنها ولبقائها ومن بعض الاعداء– فإن أدائها هو الذي سيحدد مخرجات هذه الصراعات. فالاداء القوي في هذه الاحوال قد يعوض الافتقار في امتلاك القدرات والامكانيات [44]. 

تركز فرضيات المدرسة الليبرالية على أن الاختلاف في أداء الدول يلعب دوراً مهماً في العلاقات الدولية, وهو ما يوجب توجيه التركيز على منطق العلاقات بين الدولة–المجتمع لتبيان تشكيلها عن طريق المؤسسات المحلية (كما تجادل نظرية السلام الديمقراطي) أو الاعتماد المتبادل (التحرر الجمركي والتبادل التجاري) أو الافكار عن سيادة المصالح الاقتصادية القومية السياسية والاجتماعية (كالعلاقات بين القوميات والصراع) [45]. بمعنى أخر, أن كل ما تفعله الدولة مرتبط بنيوياً بطبيعة البناء الاجتماعي الداخلي للدولة, وأن أمن الدولة وقوتها متوقف ومرتبط بالأساس بمدى قوة وترابط وتماسك البنية المحلية للدولة (المؤسسات الداخلية والمجتمع). فتدهور الاحوال الداخلية, خاصة في مجال البنية التحتية وتوفير الاحتياجات الاساسية ضار جداً على الاوضاع الامنية للدول [46].

تقوم المدرسة الليبرالية (على أختلاف تفريعاتها) على ثلاثة فرضيات رئيسية هي كالأتي: الفرضية الأولى تقول بأن: ’’الأفراد والجماعات الخاصة, الذين يتميزون بكونهم فاعلين عقلانيين ومنظمين, يجمعهم الفعل الجماعي نحو تحقيق مصالح مختلفة وتقيدها بعض المقيدات المادية والقيم المتضاربة واختلاف درجة النفوذ الاجتماعي‘‘ [47]. وهو ما يعني أن الافراد والجماعات هي وحدات التحليل الرئيسية (وليس الدول) وهو ما يوجب الاهتمام باحتياجاتهم ومطالبهم ومراقبة شروط وظروف حياتهم وسلوكهم, ومدى تأثيرهم على الدولة وأدائها الداخلي والخارجي, بأعتبارهم المسبب الرئيسي للصراعات والنزاعات, جنباً إلى جنب مع الاختلافات العقائدية, وتأمين الموارد الطبيعية لهم, وعدم المساواة في القوة السياسية بين مختلف الجماعات الوطنية [48].  

الفرضية الثانية: ’’أن الدول (كجماعة سياسية) تمثل عصب المجتمع المحلي, والقواعد المبني عليها مصالحها هي التي تحدد دور وأداء الدولة في السياسة الدولية, وأي اختلاف أو تغيير في هذه القواعد (سواء عن طريق تحديد طبيعة العلاقات الثنائية, المخاطر الخارجية, التلاعب بالمعلومات, وغيرها من التكتيكات) من شأنه الإضرار باداء الدولة الخارجي, وبالتالي التأثير على امنها‘‘ [49]. حيث تتوقف مدى وطبيعة وقوة الدعم الوطني لاي من أهداف الدولة, حتى لو كانت سياسية أو أمنية أو دفاعية (كالسيادة, وحدة التراب الوطني, الامن القومي أو الرفاهية) على السياق الاجتماعي [50]. 

الفرضية الثالثة: ’’أن تجزء أداء الاعتماد المتبادل للدولة يحدد سلوكها‘‘. بمعنى أن سلوك الدول ما هو إلا انعكاساً لأدائها [51]. فقد أظهرت الادلة مدى قوة العلاقة بين الامن والتنمية المحلية. فالمجتمعات التي يسودها الفقر تميل للعنف وللحرب الاهلية بصورة أكبر. حيث يساهم أفتقار الامن في إعاقة تحقيق التنمية لاغراضها في توفير أحتياجات الناس, وهو ما سيؤدي لانفجار الأمور,  وتسريع وتيرة الانجراف نحو الصراعات الاجتماعية اللامنتهية [52]. بمعنى أخر, فإن ما تريده الدول يحدد ما تفعله [53]. 

بناء على ذلك فإن مفهوم الامن عند الليبراليين يرتبط أساساً بفكرة الحرية, وتعاظم قدرات الدولة ومواردها التي ستحسن من أدائها ومستواها وقدرتها على مواجهة التحديات. وبالتالي فالقوة عندهم لا تعني الإرغام أو الإكراه بقدر ما تعني ’’قدرة الدولة على توسيع نطاق مواردها أو التوافق حولها‘‘ وبالتالي فهي وظيفة أساسية في تحديد إرادتها وليس قدراتها [54]. بمعنى أن الامن يعني القدرة على تعظيم الموارد اللازمة لحماية حرية الانسان وكرامته, بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى أو مقيدات مثل السيادة الوطنية وأعتبارات الامن القومي وما شابه. فلا سيادة قومية أمام انتهاك حقوق الانسان أو إفقار البشر وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية [55].

إن المدرسة الليبرالية بتركيزها الشديد على مستوى التحليل الثاني (بنية الدولة ومجتمعها/مستوى الوحدة) يساهم في حد كبير في إثراء الدراسات الامنية. فهي وإن كانت لا تركز تماماً على الابعاد العسكرية أو الامنية للمخاطر التي تواجهها الدول (كما الواقعيين) إلا إنها بتركيزها على دراسة بعض الانشطة والمتغيرات على مستوى بنية الدولة التي تشكل تهديداً للدولة, سواء اقتصادية, سياسية, استراتيجية … الخ وبنائها (مثل التصنيع, أنواع معينة المحاصيل الزراعية, التخلص من النفايات الطبية) من الممكن أن يمثل تهديداً بيئياً عليها. فهذه التهديدات تتزايد بالتضافر مع بعض المتغيرات المحلية الاخرى مثل حجم السكان (عدد المستهلكين أو المطالبين) ومستوى التكنولوجيا (المعرفة, المهارات, القدرة على تطوير والحصول على وتحويل وأستهلاك الموارد) وثالثاً امكانية الحصول على الموارد ومدى اتاحتها [56]. وبالربط بين الاغراض الاجتماعية والتركيز النظمي والبنيوي لاداء الدولة من الممكن تفسير المتغيرات التي تحدث على مستوى النظام (مثل نظريات السلام الديمقراطي Democratic Peace والتجمعات الامنية Security Communities). وذلك عن طريق تقديم مفهوم واضح للقوة, وبالتالي القدرة على توضيح شروط تحقيق السلم والامن [57].

من جانب أخر, فإن الليبرالية بتركيزها على مستوى التحليل الأول (مستوى الأفراد) أي طريقة تفكير القادة والافراد وإداراكهم وتحركهم الجماعي تضيف بعداً جديداً لتوضيح مفهوم الامن, وهو الامن الانساني, أي الامن الذي محوره الناس. فالليبراليون المثاليون على سبيل المثال بتركيزهم على تحليل وتفسير دور الهويات والقيم الاجتماعية المحلية (باعتبارها المحدد الرئيسي لاداء الدولة) يكونون قادرون على تحديد مصادر الصراع أو التعاون مع الدول الاخرى أو داخل الدولة نفسها. ويقصد بالهوية الاجتماعية ’مجموعة من الاداء المشترك بين أفراد مهتمين بموضوعات مثل الصالح العام وشرعية النظام‘[58], ولأن النظام المحلي للدولة يتم تشكيله بواسطة هذه الهويات الوطنية المتجاورة جغرافياً, وكذلك عملية صنع القرار السياسي والتشريعات الاجتماعية والاقتصادية, فإن موضوع مثل الامن (والامن القومي تحديداً) يصبح ’وسيلة‘ وليس ’غاية‘ يتم الوصول اليها وتحقيقها عن طريق الاداء العام للدولة, الذي حددته المطالب الجماعية المحلية [59].

الفارق بين المدرسة الليبرالية والمدرسة الواقعية في موضوع الامن هو أن الاخيرة ترى أن الدول تتحرك بالاساس من أجل توفير الامن, الذي يعرف لديهم في إطار القوة المادية والمصالح والمكانة. بينما المدرسة الليبرالية ترى أن الدول يحركها إيمانها بالعمل على ضمان الحرية والقيم الانسانية, وإن كان يعاب عليها إغفال ضرورة حيازة القوة العسكرية اللازمة لحماية وصيانة قيم الحرية والكرامة التي تدافع عنها [60].

إن المدرسة الليبرالية تتعامل مع عالم مثالي, تسعى فيه الدول لتحقيق السلام والتعاون الاقتصادي والرخاء للجميع عن طريق التجارة والتقارب القيمي, كما هو الحال في الغرب. حيث تهتم الدول بالسعي نحو تحقيق الصالح العام والاهتمام بالمكاسب الكلية أكثر من المكاسب الجزئية, وحل الصراعات بالطرق السلمية والتفاوضية, وحيث الامكانيات والاحتياجات الاساسية للشعوب متوفرة ويمكن الحصول عليها بسهولة, وتتواجد مؤسسات وتقاليد راسخة في إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع, والجماعات العرقية على قدر كبير من التطور الذي يحدد سبل العيش السلمي المشترك فيما بينهم [61]. بينما الأوضاع في العالم النامي مغايرة تماماً. فمازالت الاوضاع التنموية في هذه الدول متردية جداً, حالة التعايش المشترك بين الجماعات الوطنية مضطربة نتيجة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي (الداخلي والخارجي) وحداثة خبرتها في التعامل الدولي, التدخل الحاد للقوى الدولية (الساعية للسيطرة عليها وعلى مواردها الطبيعية) في شئونها الداخلية, وأخيراً, أختلال توازن القوى الاقليمي بشدة نتيجة تباين توزيع القدرات بين الدول الصغيرة وجيرانها الاقوياء والعدوانيين. كل هذه المؤشرات تحد من القدرات التحليلية للمدرسة الليبرالية خارج نطاق الغرب (مناطق السلام) حيث التوقع بناء على وجود مجموعة مشتركة من المعايير والقيم لا يمكن الاعتداد به في العالم النامي (مناطق الصراع) وذلك بسبب وجودها في ظل نظم إقليمية أمنية تحتوي على دولاً مختلفة البنية السياسية والثقافية والعرقية والدينية [62]. قد يصطدم فيها سعي الدول لتوفير الامن مع سعي الافراد لتوفير وحماية أمنهم كذلك [63]. إن المدرسة الليبرالية قادرة تماماً على تحليل الطبيعة الامنية وماهيته في دول الغرب, ولكنها غير قادرة على فعل ذلك مع دول العالم النامي [64].  

التنمية والامن (الامـن الانـساني): نـحـو إطـار مـفـاهـيـمـي مـتـكـامـل

بعد أنتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي أعتقد الجميع – بفعل حالة السلام الطويل  Long Peace التي سادت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية – أن الصراعات المسلحة بين الدول إلى زوال [65]. وهـو ما يحتم على الباحثين القاء مزيداً من الضوء على صور التهديد الغير عسكرية–الغير عنيفة (التهديدات الناعمة بلغة جوزيف ناي Nye) التي تواجه الدول والجماعات والافراد, وهو ما بات يعرف بأدبيات ’الامن الإنساني‘. والأنتقال من حقل الدراسات الامنية التقليدية, الذي يعرفه على إنه ’حماية أقاليم الدولة من الأعتداء الخارجي, حماية المصالح العليا للدولة, أو حماية العالم من محرقة نووية‘ والتركيز على تحقيق رفاهية وحماية البشر, الذي تناسى أغلبية الباحثين إنهم المدعأة للاهتمام المباشر, والعمل على حماية حياتهم اليومية [66]. حيث حاول الباحثين الجمع بين فكرتي الامن والتنمية في مفهوم واحد, مجادلين بأن المجتمعات البشرية لديها فرصة كبيرة لتحسين أوضاعها السياسية والحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتوسيع نطاق مواردها المالية, وحتى تحقيق أهدافها الخارجية, إن هي ربطت بين أمنها والتنمية البشرية [67].

بأنتهاء الحرب الباردة وإنزواء صراعات القوة بين القوى الكبرى في النظام الدولي, وزيادة وتيرة أنفجار الصراعات المحلية والداخلية في دول العالم النامي, حيث أحصت بعض الدراسات وجود حوالي 177 دولة عرضة للخطر وللانخراط في الصراعات والتوترات الاجتماعية نتيجة تردي أوضاعها التنموية بصورة كبيرة [68], أصبح الأمن والتنمية مترابطان تماماً, ويتم تحقيقهما سوياً. فكل الحروب والصراعات المحلية التي أندلعت في الدول الفقيرة تسببت في إيجادها مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية متهالكة, وبنية تحتية وشبكة اتصال مدمرة, وتم قتل وتشريد المدنيين, حيث أسهم الـفـقـر في وجود قيادات عسكرية وتنظيمية لديها من الموارد والخبرة والادوات الكافية, بما يدفعها للعمل على أستمرار هذه الصراعات وأعمال العنف, وهو ما سيحول هذه الدول الصغيرة والفقيرة لأوضاع أسوء مما كانت عليه قبل إذا أستمرت هذه الأوضاع [69]. إن الدراسات الواقعية التقليدية كانت مخطئة عندما شددت على أن نجاح الدول في حماية أقاليمها فإنها تصبح آمنة. فهذه الدول وإن كانت قد نجحت في حماية أمن أقاليمها إلا إنها لم توفر الامان لمواطنيها. ومفهوم الامن التقليدي وإن كان يحمي البشر إلا أن عدد ضحاياه لا يستهان به [70].        

  انطلاقاً من تعريف التنمية على إنها: ’’التحرر من العوز‘‘ أو ’’توفير كافة الظروف الموضوعية لضمان حياة كريمة للبشر, عن طريق توفير وضمان تلبية احتياجاتهم ومطالبهم الاساسية‘‘. فإن الربط بين الامن– باعتباره من أهم القيم والمطالب الاساسية المؤثرة والضروية في ذات الوقت على حياة البشر– والتنمية أصبح حتمي. وهو الامر الذي تنبه إليه علماء مدرسة الحاجة في حقل الصراع الدولي والتنمية الدولية التي ظهرت في نهاية السبعينات من القرن الماضي. حيث ربط علماء مثل عازار (Azar) بيرتون (Burton) وغيرهما بين درجة نجاح الدولة في كفاية وتوفير الاحتياجات الاساسية للمواطنيين (من طعام ورعاية واستقرار ومشاركة سياسية … الخ) وبين إنخفاض أو أرتفاع وتيرة أنفجار الصراعات الاجتماعية الممتدة في العالم النامي [71]. وربط عالم الاقتصاد آمارتيا سين (Sen) بنيوياً بين التنمية وحرية الإنسان وأمنه, عندما أعتبر أن الامن يعني ’التحرر من الخوف‘ وبأن التنمية تعني ’التحرر من الحاجة‘ [72]. ورغم كل هذه المحاولات الريادية إلا أن سيادة صراعات القوى طوال الحرب الباردة ساهمت إلى حد كبير في تقليل الاهتمام الاكاديمي بدراسة العلاقة بين التنمية والأمن, بل أن كثير من الباحثين أعتبر دراسة موضوع مثل الأمن البشري ينتمي لحقل التنمية الدولية أكثر من انتمائه لحقل الدراسات السياسية أو الأمنية [73]. 

أمن محوره الإنـسـان     Human-Based Security

بزغ مفهوم الامن الذي محوره البشر, وليس الدولة في أعقاب نشر دراسات علم الاقتصاد الباكساتني محبوب الحق, صاحب مفهوم الأمن الإنساني [74]. والمقصود بدراسات ’’الامن الإنساني Human Security‘‘ هي تلك الدراسات التي تدرس ظواهر تنموية وبيئية وإجتماعية لمعرفة عواقبها وتداعياتها الأمنية والسياسية.

هناك العديد من الدراسات التي تنبأت بمدى فداحة تاثير الظواهر التنموية على مستقبل الكون كله –وليس الدول أو النظام الدولي فحسب. ظواهر مثل الجريمة, الانفجار السكاني, الصراعات القبلية, الاوئبة, المخلفات والتدهور البيئي … وغيرها إذا لم يتم الاهتمام بدراستها ومحاولة إيجاد طرق لمعالجتها وأحتوائها وتقليل عواقبها على البشر [75], وهو ما بات يعرف بالامن الإنساني, الذي يقصد به توفير الحماية من جانبين (1) حماية البشر من مخاطر جسيمة مثل الجوع والامراض والكبت, (2) الوقاية والحماية من التغيرات المفاجئة والمضرة على أساليب حياة البشر اليومية والاعتيادية, سواء في منازلهم, أماكن عملهم, مجتمعاتهم, أي إنه يعني ’’أي نوع من أنواع عدم الراحة  الغير متوقعة وغير الاعتيادية التي يمكن أن تهدد أمن الانسان‘‘ [76].

من جانبه حاول رونالد باريس (Paris) توسيع وتعميق نطاق الدراسات الامنية بعيداً عن مفهوم القوة والتهديد باستخدامها أو التحكم بها, عن طريق ضم أو أعتبار التهديدات الامنية غير العسكرية/  غير المسلحة, مثل التغيير والتلوث البيئي, الأوبئة, الانفجار السكاني, الهجرة الجماعية القسرية, القوميات المتطرفة, الإرهاب, الكوارث النووية … الخ, توسيع التعريف بالأمن ليشمل إلى جانب التهديدات الخارجية للدولة أمن الأفراد والجماعات والمجتمعات, وهو ما قد يساعد – وفقاً لباريس– على إقامة منظومة متكاملة لحقل الدراسات الامنية, بما في ذلك الامن الانساني [77].  (انظر الشكل رقم 2).   

كون الخلايا (1, 2, 3) الموجودة بالشكل معلومة جيداً (كونها تقع في إطار الدراسات الامنية التقليدية) فإن الخلية (4) بتركيزها على مفهوم الامن الإنساني سيكون لها ميزات نظرية عديدة في المستقبل مثل:

  • إنه بهذه الصورة يتم تحديد ما هو المقصود بمفهوم الامن الإنساني بصورة دقيقة.
  • أعتبار الأمن الإنساني جزءاً من حقل دراسات أكبر سوف يلغي الكثير من اللغط الدائر حول الفرضيات الخاصة بمفهوم الأمن الإنساني ذاته.
  • على الرغم من أن اهتمام العديد من الدارسين في مجال الدراسات الامنية ينصب على طرح أسئلة معيارية أكثر من الاسئلة التجريبية – كتلك التي يطرحها الأمن الإنساني – إلا أن أستخدامه كاداءة وصفية لطبقة من البحث سوف تدعم أي أجندة بحثية معيارية في المستقبل.
  • أن رسم حقل الدراسات الامنية على هذا النحو سوف يساهم بالتأكيد في التفريق بين الأبعاد الغير تقليدية للدراسات الامنية عن غيرها.
  • أن الامن الانساني بهذه الصورة قد يفيد الكثير من الباحثين ويحثهم على دراسة مناطق بحثية جديدة كما هي موجودة في الخلية رقم 4, وهو ما سيثري حقل الدراسات الامنية في المستقبل.

عرفت كاولين توماس (Thomas) الأمن الإنساني على إنه ’’‘ضمان وجود أو توافر الحاجات الاساسية وحماية حقوق الكرامة الانسانية بما في ذلك الحماية من هياكل القوة (المحلية والخارجية) العدوانية‘ [78]. بينما يعرفه روبرت بيدسكي (Bedeski) علي إنه ’’كل وسائل المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات والانشطة التي تدافع وتحمي وتقوي الوجود المادي للحياة البشرية وتضمن السلام الجماعي والرفاهية التي توسع من نطاق الحرية الانسانية‘‘ [79]. بينما يعرفه باجباي (Bajpai)على إنه ’’كافة المؤثرات المباشرة وغير المباشرة التي تهدد حياة وصحة الافراد‘‘ [80]. أي هو باختصار– وكما يجادل هومير ديكسون Homer-Dixon– كافة المساعي الداعية للتركيز على توفير الحماية للبشر [81]. وهو الامر الذي دعى بعض الدول (الليبرالية خاصة) المؤمنة بهذا المفهوم إلى إقامة ما يسمى شبكة الأمن الإنساني Human Security Network (HSN) الداعية لحماية البشر من كافة المخاطر التي يواجهونها. فالحكومة اليابانية على سبيل المثال عرفت الأمن الإنساني على إنه ’’كافة المؤشرات التي تهدد بقاء الانسان وحياته وكرامته, بدء من المخاطر البيئية, أنتهاك حقوق الانسان, الجريمة العابرة للحدود, تهريب المخدرات, الفقر, الالغام, الامراض الوبائية, وتقوية المساعي الداعية للحماية والوقاية من هذه التهديدات‘‘. وعرفت كندا الأن الإنساني على إنه ’’حرمة الاعتداء على حقوق الناس وحرياتهم وأرواحهم‘‘ [82].   

 بأعتباره أحد الحاجات الضرورية للانسان, وإنه يعرف في ضوء أمن الافراد وليس الدول, ناقشا عالمي السياسة كينج وموري (King and Murray) الأمن الإنساني من منظور ’’حماية أرواح البشر وليس حدود الدولة‘‘. وعرفاه على إنه ’’العمل على إزالة المخاوف من مغبات وقوع البشر أو أقترابهم من حافة الفقر العام‘‘ الذي يعني توفير الشروط اللازمة لاطالة عمر الانسان وضمان حياة كريمة [83]. أي أستبعاد كافة المؤشرات التي تهدد وتؤثر على أمن الدولة ومؤسساتها أو الحكومات, ما لم تؤثر على أمن الأفراد. والأمن الإنساني عندهما مرتبط بالأساس بظواهر تنموية مثل الفقر والجريمة والصراع المسلح (العنف الجماعي) وعدم الأنتقال السلمي للسلطة, إلى جانب بعض الظواهر والمتغيرات البيئية مثل الاوبئة والكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والعواصف والتغيرات البيئية والمناخية …. الخ [84]. من خلال هذا المفهوم حاول كينج وموري تقديم تعريف أوضح لما هـو المقصود بالأمن الإنساني عن طريق تعريفه بإنه ’’كافة العناصر الاساسية اللازمة للبشر لتدعيم وتأكيد حرياتهم أو عدم تعريض حياتهم وممتلكاتهم للخطر‘‘ وذلك عن طريق أستخدام  مقياس من خمسة درجات يضم عناصر مثل (الراحة/الفقر, الصحة, التعليم, الحرية السياسية والديمقراطية).

على ذلك, وبناء على التعريفات السالفة الذكر, فإن مفهوم الأمن الإنساني يتكون من عدة عناصر أو أبعاد مختلفة. هي– وكما ذكرها تقرير التنمية البشرية العالمي الصادر عن الصندوق الانمائي للأمم المتحدة لسنة 1994– على النحو التالي [85]:

  • الامن الاقتصادي: ويعني الحرية من الفقر.
  • الامن الغذائي: يعني امكانية الحصول والوصول للغذاء.
  • الامن الصحي: يعني امكانية الحصول على الرعاية الصحية والوقاية من الامراض.
  • الامن البيئي: يعني الحماية من التلوث ومن الاخطار البيئية الاخرى.
  • الامن الشخصي: يعني الحماية الجسدية للسكان من التعذيب, الحرب, الجريمة, الاعتداء, العنف المنزلي … الخ.
  • الامن المجتمعي: يعني ضمان بقاء العادات والتقاليد والجماعات العرقية وتوفير الامان المادي لهذه الجماعات.
  • الامن السياسي: ويعني التمتع بالحقوق السياسية والمدنية وحرية التعبير السياسي.

وقام بعض الباحثين المستقلين بتقديم تقسيمات أخرى لعناصر ومكونات الامن الانساني, مثل الجهود التي حاول فيها عالم السياسة غورجي نيف (Nef) تقسيم عناصر وأبعاد الامن الانساني إلى خمسة عناصر رئيسية هي [86]:

  • الامن البيئي والشخصي والمادي.
  • الامن الاقتصادي.
  • الامن الاجتماعي: ويعني عدم التفرقة بين البشر بسبب العمر, النوع, العرق, المكانة الاجتماعية.
  • الامن السياسي.
  • الامن الثقافي: ويعني درجة التوجه النفسي للمجتمع نحو حماية وإثراء قدراته على التحكم في الخوف.

بناء على هذا التعريف بزغت العديد من المحاولات النظرية التي سعت لتطبيق هذه الابعاد والعناصر لقياس الامن الإنساني للدول, ومدى الأرتباط بين التنمية والأوضاع الامنية للدول, خاصة في العالم النامي. ومن أهم هذه المحاولات تقرير التنمية البشرية الدولية, قائمة الدول الفاشلة, تقرير السلام والصراع في العالم, وأخيراً وليس أخراً تقرير الصراع والأمن و التنمية [87]. 

(1) قـائـمـة الـدول الـمـنـهـارة/الـفـاشـلـة Failed States index

حاول هذا التقرير الذي يصدر سنوياً بالشراكة بين صندوق ’دعم السلام‘ ومجلة ’السياسة الخارجية‘ سبر أغوار العلاقة بين التنمية والاستقرار والامن القومي للدول, عن طريق عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمكن عبرها قياس مدى قوة وثبات الأوضاع الامنية والتنموية في هذه الدول [88]. حيث توصل التقرير إلى أن هناك 177 دولة في النظام الدولي عرضة للانكشاف والانخراط في الصراعات المحلية والتوترات الاجتماعية, ويجادل واضعي التقرير بأن الدول المنهارة (الفاشلة) تمثل خطراً ليس فقط على شعوبها ومجتمعاتها ولكن على جميع شعوب العالم. فهي نوعاً من التهديدات اللانظامية Asymmetric, التي تنتقل عبر الحدود كالعدوى. وقد تكون هناك دولاً فاشلة تمثل تهديداً على الوجود البشري ذاته (مثل كوريا الشمالية) إذا كانت هذه الدول المنهارة تمتلك القنبلة النووية أو أسلحة كيمائية وبيولوجية كارثية التأثير [89].

يقسم هذا التقرير بين خمسة أنواع من الدول بناء على مقياس متدرج مكون من 120 درجة. الدول التي لا مفر أمامها (كالسودان) ودول مضطربة (الصومال) والدول المتأرجحة (أفغانستان) ودولاً واهية التي تعني وجود مناطق داخلية تنعم بالحكم الذاتي الفعلي وتدعي الحكومات الوطنية السيطرة عليها. والنوع الخامس هي بقية دول العالم التي لا تعاني من نفس المشاكل (انظر الجدول رقم 1).

جدول رقم 1: تقييم الدول المنهارة

الوضع التنمو ي الدرجة التقييم
مستقرة إلى حد كبير أقل من صفر مستقرة
مستقرة إلى حد ما صفر–29 على طريق التحسن
غير ثابت/متوسط 30–59 يجب مراقبتها
في وضع خطر 60–89 يجب تحذيرها
في وضع حرج 90– 120 يجب الأنتباه إليها

Source: “The Failed States Index”. Foreign Policy, No. 168 (August/September 2008), pp. 64-73.

أما عن المؤشرات المتبعة لقياس مدى نجاح أو فشل الدول في إدارة علاقاتها المحلية (علاقة الدولة بالمجمتع) فهناك ثلاثة مؤشرات رئيسية هي:

  • المؤشرات الاجتماعية: وتضم عوامل مثل التحكم في الضغوط السكانية, حركة التهجير والحركة الجماعية القسرية للسكان, الرهبة الشديدة من الاخرين, والتقاتل الانساني الشديد.
  • المؤشرات الاقتصادية: وتضم عوامل مثل النمو السكاني الغير متساوي والتراجع الاقتصادي الحاد.
  • المؤشرات السياسية: وتضم عوامل مثل عدم الخضوع والالتزام بحكم القانون, توظيف النخب واستغلالها لمكانتها, والتدخل الخارجي الشديد في الشئون الداخلية.

(2) تـقـريـر الـسـلام والـصـراع في الـعـالـم Peace & Conflict Report

يركز هذا التقرير على دراسة الأفراد والجماعات والمؤسسات دون الدولة الموجودة داخل نطاق أكثر مناطق العالم ميلاً للصراع (العالم النامي تحديداً). وقد توصل التقرير إلى أن هناك حوالي 1000 جماعة عرقية في العالم, منها 183 جماعة تسعى للحكم الذاتي والاستقلال, يستخدم منها 18 جماعة العنف في سبيلها لتحقيق ذلك, وهو ما يعني أن حوالي ربع سكان العالم (مليار إنسان أو يزيد) يحيا في حوالي 55 دولة فاشلة [91].

يعتبر هذا التقرير السنوي, الذي يصدر عن مركز التنمية الدولية وإدارة الصراع CIDCM بجامعة ميرلاند, من أهم التقارير العلمية التي حاولت قياس الامن الانساني. من خلاله يقوم العلماء والباحثين بقياس مدى ضعف أو قوة الدولة عن طريق عدة مؤشرات (سياسية, اقتصادية, أمنية واجتماعية) (انظر الجدول رقم 3):

  • عدم توافق مؤسسات الدولة: يشير هذا المؤشر إلى المدى الذي تمارسه المؤسسات في تحديد مدى تماسك أو انتظام النظام السياسي لأي دولة, إستبدادية أو ديمقراطية. فالمؤسسات السياسية التي تحتوي على خليط من الخصائص الإستبدادية والديمقراطية تتسم بعدم التماسك, وهي خاصيّة مشتركة بين الحكومات التي تمر بمرحلة الإنتقال الديمقراطي. ويتوقع البعض بأن تكون النظم الغير متماسكة مؤسساتياً غير مستقرة سياسياً ومتأخرة تنموياً.
  • الانفتاح على التجارة العالمية: يشير هذا المؤشر إلى تأثير الانفتاح الاقتصادي، الذي يعني درجة إنخراط إقتصاد دولة ما في الإقتصاد العالمي. ومن المتوقع أن تكون البلدان المرتبطة بقوة بالأسواق العالمية أقل عرضة لعدم الإستقرار.
  • معدل الوفيات بين الاطفال: يختبر هذا المؤشر تأثير معدلات وفيات الأطفال، كمؤشر يستخدم كوكيل لقياس مستوى التنمية الاقتصادية العامّة للدول، مستوى تقدّم سياسة الرفاهية الاجتماعية، وقدرتها على توفير الخدمات الرئيسية إلى السكان. في هذا المجال، فإن هذا المؤشر يدخل في صلب المجالات الاقتصادية والاجتماعية. وذكرت بعض نتائج الابحاث أن هناك علاقة قوية بين أرتفاع معدلات وفيات الأطفال وإحتمال عدم الاستقرار في المستقبل.
  • درجة عسكرة الدولة: يركّز هذا المؤشر على مستوى عسكرة الدولة. حيث وجد أن عدم الإستقرار يزداد في البلدان التي تزداد فيها أحتمالات قيام نزاعات مسلّحة. ووجد كذلك أن أحتمالات أندلاع الحروب الاهلية تتزايد في المجتمعات التي تساهم فيها البني التحتية والموارد المالية للصراعات المسلحة المنظمة. والعسكرة الشاملة لأحدى البلاد تعتبر مؤشراً على أن جزء كبير من السكان لديهم مهارة وتدريب عسكري، وأن الأسلحة متوفرة بكثرة، وبأن القطع والأجهزة العسكرية الأخرى أكثر أنتشاراً في كافة أنحاء البلاد. وعليه, فإن إمكانية عدم الإستقرار في هذه المجتمعات تتزايد في ظل هذه الأوضاع لأن أمكانية الوصول وتوفر هذه المصادر يضاعف من فرص تنظيم وتعبئة البشر للصراع, وبالتالي الإضرار بمستوى التنمية في المجتمع.
  • التقارب الجغرافي من مناطق الصراع: يقول هذا المؤشر بأن إمكانية عدم الاستقرار السياسي لدولة ما سترتفع إذا كان لهذه الدولة جيراناً يواجهون نزاعات مسلّحة. ويزداد هذا الخطر خصوصا عندما تقوم جماعات عرقية أو طائفية بالانتقال عبر الحدود. وقد أظهرت عدد من الدراسات أن النزاعات المجاورة مؤشر مبكر على عدم الإستقرار السياسي.
  • جدول رقم 3: مؤشرات عدم الاستقرار طبقاً لتقرير السلم والصراع 2010
 

الــمــؤشـــرات

 

الـــتــصــنــيــف

 

الــــوصــــف

 

 

التماسك المؤسسي

 

سياسي

يشير هذا المتغير إلى المدى الذي تمارسه المؤسسات في تحديد مدى تماسك أو              انتظام النظام السياسي, إستبدادي أو ديمقراطي. فالمؤسسات السياسية التي تحتوي على خليط من الخصائص الإستبدادية والديمقراطية تتسم بعدم التماسك, وهي خاصيّة مشتركة بين الحكومات التي تمر بمرحلة الإنتقال الديمقراطي.
 

الانفتاح الاقتصادي

 

اقتصادي

يشير هذا المتغير إلى تأثير الإنفتاح الاقتصادي، الذي يعني درجة إنخراط إقتصاد             دولة ما في الاقتصاد العالمي.
 

معدل الوفيات بين الاطفال

 

اقتصادي واجتماعي

يختبر هذا المؤشر تأثير معدلات وفيات الأطفال، كمؤشر يستخدم كوكيل لقياس مستوى التنمية الإقتصادية العامّة للدول،  مستوى تقدّم سياسة الرفاهية الإجتماعية، وقدرتها على توفير الخدمات الرئيسية إلى السكان. في هذا المجال، فإن هذا المؤشر يدخل في صلب المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
 

 

 

عسكرة المجتمع

 

 

 

أمني

يركّز هذا المؤشر على مستوى عسكرة الدولة. حيث وجد أن عدم الإستقرار يزداد            في البلدان التي تزداد فيها أحتمالات قيام نزاعات مسلّحة. ووجد كذلك أن أحتمالات اندلاع الحروب الاهلية تتزايد في المجتمعات التي تتوافر فيها البني التحتية والموارد المالية للصراعات المسلحة المنظمة. والعسكرة الشاملة لأحدى البلاد تعتبر مؤشراً على أن جزء كبير من السكان لديهم مهارة وتدريب عسكري، وأن الأسلحة متوفرة جداً، وبأن القطع والأجهزة العسكرية الأخرى أكثر نشرا في كافة أنحاء البلاد.
 

التجاور الاقليمي للصراعات

 

أمني

إمكانية عدم الإستقرار السياسي لدولة معينة ستزيد بقوة إذا كان لهذه الدولة جيراناً يواجهون نزاعات مسلّحة. ويزداد هذا الخطر خصوصا عندما تقوم جماعات عرقية              أو طائفية بالانتقال عبر الحدود.
  • Source: J. Joseph Hewitt, Jonathan Wilkenfeld and Ted Robert Gurr (eds.): “Peace and Conflict 2010: Executive Summary”. (Washington D.C.: Center for International Development and Conflict Management, University of Maryland, 2010), p. 7.

(3) تقرير الصراع والأمن والتنمية Development & Conflict Report

يركز هذا التقرير على الفئات الانسانية التي أطلق عليها بول كوليير ‘‘مليار القاع The Bottom Billion’’ وهم هذا الجزء من سكان العالم الذين يعانون من الدوامات المتكررة من ضعف الحكم الرشيد والفقر والعنف التي تبتلي بها المناطق التي يحيون بها [92]. ينطلق التقرير من الإقرار بإنه وعلى الرغم من أن الحروب بين الدول (وحتى الحروب الأهلية) أصبحت أقل شيوعاً مما كانت عليه في الماضي, إلا أن إنعدام الأمن لا يزال قائماً, بل وأصبح يشكل تحدياً رئيسياً أمام عملية التنمية في عصرنا هذا. حيث تؤكد الدراسات العلمية الموثقة أن هناك حوالي 1.5 مليار إنسان يعيشون في مناطق متأثرة بأوضاع الهشاشة والصراع أو  بأعمال العنف المرتبطة بالجريمة المنظمة على نطاق واسع, وفي بلدان ترتفع فيها بشدة مستويات العنف الإجرامي [93]. ومن جانب أخر, فقد أثبتت الدراسات التي قام بها البنك الدولي أن العنف يزيد من درجة الفقر (أتفق على تعريف تحت خط الفقر بـ 2 دولار أمريكي في اليوم) في الدول التي تعاني من مستويات تنمية منخفضة, بينما لم يثبت أن درجة الفقر تؤدي لزيادة العنف. بمعنى أخر, فإن الدول العنيفة دول فقيرة, ولكن الدول الفقيرة ليست بالضرورة أن تكون عنيفة, أو تتسم بأنتشار العنف. فقد وجدت بعض الدراسات أن الدول التي التي تشهد أو تتورط في موجات عنف واسعة النطاق (كالوفيات الناجمة عن المعارك أو زيادة جرائم القتل بما يعادل وقوع حرباً كبيرة) يتأخر الأنخفاض في جهود الحد من الفقر بما يعادل 2.7 نقطة مئوية [94].

يدخل هذا التقرير المهم في موضوع العلاقة والأرتباط المحتمل بين التنمية والصراع والأمن بصورة مباشرة, ويقول بكل بساطة ‘‘إن نشوب موجة واسعة من أعمال العنف على عكس الكوارث الطبيعية أو الدورات الاقتصادية يمكن أن تقضي على كل ما تحقق من تقدم اقتصادي خلال جيل كامل’’ [95]. ويؤكد على العلاقة البنيوية التي تربط بين أرتفاع معدلات العنف والصراع مع انخفاض معدلات التنمية في الداخل. حيث يجادل البعض بأن أحتمالية نشوب حرب أهلية داخل دولة نامية, يكلفها في المتوسط ما يعادل ثلاثون عاماً من النمو في إجمالي ناتجها المحلي, وكلما زاد أمد الأزمة أو الحرب كلما كان معدل الفقر متزايد. وعادة ما يستغرق الامر حوالي عشرون عاماً أخرى حتى تعود التجارة إلى سابق عهدها بعد مرورها بموجة من أعمال العنف الواسعة النطاق [96]. والحقيقة, فإن كافة البلدان المنخفضة الدخل – والتي تعاني من هذه المشاكل – لم تحقق ولو هدف واحد من الأهداف الإنمائية للألفية التي حددتها الأمم المتحدة لقياس مدى تقدم الدول والمجتمعات وسعيها لحماية ورعاية مواطنيها.

يحدد التقرير خمسة أنواع مما أسماها ‘‘الضغوط’’ تؤثر خلالها الأوضاع التنموية (أو الضغوط)  على مسألة الأمن والأستقرار الداخلي والخارجي للبلدان النامية. هذه الضغوط يقسمها التقرير إلى محورين. المحور الاول حسب طبيعة ونوعية الضغوط (ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية). والمحور الثاني حسب مصدر هذه الضغوط (هل هي ضغوط داخلية أي تنبع من المجتمع المحلي, أو خارجية أي تاتي من البيئة الخارجية). (أنظر الجدول رقم 4)

جدول رقم 4: نوعية الضغوط التي تواجهها الدول  

 نوعية الضغوط  الـداخـلـيـة  الـخـارجـيـة
  الأمنية •    الأرث التاريخي من أعمال العنف والصدامات •           الغزو أو الاحتلال•           المساندة الخارجية لمتمردين محليين•           أمتداد أثار الصراعات عبر الحدود•           الإرهاب العابر لحدود الوطنية•           الشبكات الإجرامية الدولية
 الاقتصادية والاجتماعية •          تدني الدخل وقلة تكلفة الفرص البديلة للتمرد•           بطالة الشباب•           ثروة الموارد الطبيعية•           الفساد الشديد•           سرعة التوسع العمراني •           صدمة الغذاء•           تغير المناخ
 السياسية •          التنافس العرقي أو الديني أو الإقليمي•           التمييز الفعلي أو المتصور•           أنتهاكات حقوق الإنسان •           الأفتقار المتصور إلى المسأواة والعدالة في العاالم في معاملة مختلف الجماعات

Source: The World Bank: ’’World Development Report 2011: Conflict, Security and Development‘‘. (Washington D.C.; The International Bank for Reconstruction and Development/The World Bank, 2011), p. 7.

طبقاً لمؤشرات التقرير, فإن هناك أرتباط بنيوي بين وقوع وإندلاع الصراعات والأضطرابات وبين طبيعة ونوعية الأوضاع الاقتصادية والتنموية في البلدان النامية. ويجادل التقرير بأن هناك سمات عامة للصراعات تؤثر تأثيراً جلياً على الأوضاع التنموية [97], هذه السمات هي: 

  • أن الصراعات ليست بالحدث المنفرد الذي يقع لمرة واحدة ثم ينتهي, ولكنها تتسم بالاستمرارية والتكرار, حيث وجد أن حوالي 90% مما شهده العقد المنصرم من حروب أهلية وقعت في بلدان سبق لها أن شهدت حرباً أهلية خلال العقود الثلاثة الماضية. وهو ما يعني أن أستمرار الأوضاع العنيفة والمضطربة في هذه البلدان هو في ذات الوقت سبب ونتيجة لتردي الاوضاع التنموية, وذلك إما بسبب ما يسمى بـ الدولة الغائبة (Absent State) والتي تعني إنعدام وعدم تواجد الدولة (بمؤسساتها الإكراهية والتنفيذية والقضائية) تماماً عن الكثير من أنحاء الدولة, بما يسمح بوجود وهيمنة عصابات العنف المسلحة على التنافس المحلي على السلطة والموارد, وبالتالي التأكيد على أستمرارية وقوع وتجدد الصراعات [98].
  • أن الأشكال الجديدة من الصراع والعنف تشكل خطراً داهماً على عملية التنمية, إذ تواجه العديد من البلدان التي نجحت في التوصل إلى اتفاقيات سياسية أو اتفاقيات سلام بعد صراعات سياسية عن طريق التفاوض, مستويات مرتفعة من جرائم العنف في الوقت الحالي, مثل السلفادور وغواتيمالا وجنوب أفريقيا وغيرها. خاصة في ظل أستمرار وجود المؤسسات الوطنية المنحازة (Partisan Institutions) التي لا تستوعب الانقسامات العرقية والطائفية والدينية والاقليمية, بما يجعل من السهل تجنيد وتعبئة المؤيدين والمرتزقة بناء على أرضيات عرقية وطائفية ودينية, تمارس العنف والتمييز والإقصاء ضد الأخرين [99].
  • إن الاشكال المختلفة للعنف ترتبط ببعضها البعض, فالحركات السياسية تستطيع الحصول على التمويل من الانشطة الاجرامية, والعصابات الإجرامية يمكنها أن تذكي العنف السياسي, خاصة من عوائد تجارة المخدرات أو السلاح أو السلع المحرمة دوليا مثل قطع الغابات, قتل الحيوانات المهددة بالإنقراض وبيع جلودها وقرونها … الخ. من جانب أخر, فإن التدخل الخارجي الكبير من جانب الأطراف الاقليمية والدولية في هذه الصراعات يؤججها, فتصير عمليات الاستقطاب وتوجيه منظومات الانحيازات والتحالفات عامل مؤجج ومسرع للصراعات وتأخر التنمية وتزايد معدلات الفقر.
  • أن الاحتجاجات يمكن أن تتطور إلى مطالب بإجراء تغييرات جذرية, ومخاطر الانزلاق إلى صراعات عنيفة في البلدان التي تتخلف الغييرات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية فيها عن تلبية طموحات وتوقعات الشعوب, كما هو الحال في الشرق الأوسط. حيث حيث وجد أن الدول والمناطق دون الوطنية التي يبلغ بها ضعف الشرعية المؤسسة والحوكمة أشده من جانب, وتعجز الحكومات عن الألتزام بتوفير الأحتياجات الاساسية للسكان, ويتفشى الفساد السياسي والاقتصادي والإداري في كافة هياكلها المؤسسية, هي الأكثر تعرضاً للعنف وعدم الاستقرار والأقل قدرة على التصدي للداخلية والخارجية.

يجادل التقرير بأن المسبب الرئيسي للصراعات وعدم الأستقرار الداخلي والإقليمي والدولي, حيث يؤكد التقرير على أن مشاكل الدول الهشة Fragile States سريعة الانتشار (كالأمراض المعدية) فهي تجر معها البلدان المجاورة إلى دوامة العنف التي يتدفق عليها عبر الحدود [100], يكمن في الأوضاع التنموية والاقتصادية السياسية Soci-political, مثل البطالة والشعور بالظلم وعدم المسأواة. فعلى سبيل المثال, قامت المجموعة البحثية التي قامت بإعداد التقرير بإجراء أستطلاع للرأي حول الأسباب التي تدعو الشباب إلى الإنضمام إلى حركات التمرد أو العصابات المسلحة, وكما يوضح الشكل رقم 3 كانت البطالة بين الشباب كانت عنصراً رئيسياً مستمراً ودافعاً للإنغماس والإنضمام لمثل هذه النشاطات والسلوكيات الغير قانونية والعنفوية [101].

شكل رقم 3: أسباب الإنضمام للعصابات المسلحة/حركات التمرد

من ناحية أخرى, فقد أظهرت إستطلاعات الرأي أجراه البنك الدولي, أن الشعور بالظلم/وعدم المسأواة, جنباً إلى جنب مع الفقر/ سوء التعليم, الصراع على الموارد/شح الموارد كانت أكثر الأسباب المحركة والمولدة للصراعات. (أنظر الشكل رقم 4)

شكل رقم 4: الأسباب المولدة للصراعات 

تقييم دراسات الأمن الانساني

لقد تعرض مفهوم الامن الإنساني, على النحو الذي تم تعريفه كما ذكرنها سابقاً, ووجه إليه العديد من الانتقادات (النظرية والعملية) منذ ظهور الأدبيات التي تطرقت لدراسته منذ منتصف تسعينات القرن الماضي, وحتى من بعض أنصار دراسته. الانتقاد الرئيسي الموجه لمفهوم الامن الإنساني هو إنه فضفاض للغاية. فنظراً لصعوبة تحديد كافة عناصر هذا المفهوم, ولانه يحتوي على كلاً من الابعاد المادية (الواقعية) والافكار الاجتماعية والثقافية والنفسية (البنائية) والاقتصادية (الليبرالية) فإنه من غير المناسب الحديث عن عناصر اجتماعية أو اقتصادية محددة (أسباب) تسبب في زيادة أو تقليل الامن الإنساني مادامت هذه العناصر ذاتها جزء من مفهوم الامن ذاته. حيث ثبت أن دراسة العلاقات الاجتماعية تتطلب درجة معينة من الانفصال التحليلي, وهو ما يفتقد إليه مفهوم الامن الانساني بمعناه الحالي [102]. حيث جادل بولدين بأن التحليل المفاهيمي لا يكون لاختبار الفرضيات أو لتدشين النظريات, بقدر ما يكون سعياً للربط بينهما [103]. ومفهوم الامن الإنساني بهذه الأبعاد والعناصر التي ذكرنها من قبل يجعل من الصعب تحديد ما الذي أغفله (إن فعل) هذا التعريف, بما يجعل انتقادات البعض للمفهموم بعدم وضوح حدوده المعرفية صحيحة. فإذا كان المفهوم يضم كل شيء, فهو بالتأكيد لا يعني أي شيء. بمعنى, أن أي مفهوم صحيح يجب أولاً أن يحدد الاغراض الاساسية من وراءه, ويحدد السياسات أو الطرق الواجب أتباعها لتحقيق هذه الاغراض [104].

الانتقاد الثاني: صعوبة تحديد إطار تحليلي لدراسة هذا المفهوم, لانه يمتد بين ثلاثة مستويات تحليل (مستوى الأفراد والوحدات والنظام) وهو ما يجعله مفهوماً مثير للشكوك. فعلى الرغم من أن  باحثين مخضرمين مثل باري بوزان يرى أن الامن الإنساني (على المستوى الشخصي) جزء لا يتجزأ من أمن الدول وأمن النظام الدولي, ويصر على أن الامن لا يمكن عزله أو حصره في مستوى واحد من مستويات التحليل الثلاثة التي وضعها كينيث والتز (Waltz). وهو ما يرفضه أغلب الباحثين, حيث يرى بولدين أن مثل هذا النهج يعطي أنطباعاً بانه مستحيل مفاهيمياً, والأكثر من ذلك إنه برنامج بحثي غير حكيم وغير ذي فائدة وضعيف وغير متكامل [105].

الانتقاد الثالث: على الرغم من كون المفهوم الذي قدمه كينج وموري يعتبر من أكثر التعريفات قبولاً وشمولية للامن الإنساني, إلا أن خصائص المفهوم الذي قدماه بخصائصه الاربعة الشهيرة (إنه مفهوم عالمي, عناصره مترابطة, حمايته تتطلب الوقاية, ومحوره البشر) ليست شاملة أو مترابطة, ولا تمثل الجوانب الاساسية أو المحورية لهذه الفكرة [106]. وكذلك يعاني المفهوم الذي قدماه الكثير من نقاط الضعف الأخرى مثل:

  • إنهما لم يوضحا على أي أساس يتم أختيار وتحديد أهم القيم/العناصر أو توضيح المبرر وراء ذلك, هل هي سلامة البدن أم الحرية الشخصية. فعلى الرغم من إنهما قدما العديد من القيم, وقاما بأستبعاد كافة المؤثرات التي تؤثر على أمن الدولة ومؤسساتها أو الحكومات ما لم تؤثر على أمن الأفراد, إلا إنهما يفضلون قيماً بعينها دون تقديم أدلة لتدعيم مقولاتهم هذه. وكذلك فإن كينج وموري عندما قررا أستبعاد العنف من مقياسهما, فإنهما أوجدا تصنيف أو ترتيب غير واقعي بين الامن الشخصي والامن المادي, حيث أستبعدا أكثر تعريف مقبول للأمن بأعتباره الحماية ضد العنف, فكيف يمكن تفسير أن يكون الأفراد يتمتعون بمستوى عالي من الامن (طبقاً لمقاييسهما) بينما هم يواجهون خطر داهم يحيق بهم, كأن يصبحوا ضحايا في صراعات مميتة [107].

 

  • الطبيعة الغائية لهذا المفهوم. إن الصعوبة لا تكمن في تحديد ما هي القيم المركزية للامن الانساني, ليس فقط لعدم وجود أتفاق عام عليها, ولكن لأن هذا الغموض يخدم أو يصب في صالح غايات بعينها. أي اتباع سياسات بعينها على حساب سياسات أخرى, ولصالح جماعات مصالح تريد الاستئثار بموارد وأنتباه العامة لصالح أغراضها الشخصية [108].

حتى المفهوم الذي قدمه تقرير التنمية البشرية الدولي للامن الإنساني, بعناصره وأبعاده السبعة الشهيرة, لم يسلم من الأنتقادات والأتهام بالغموض. ومن هذه الأنتقادات [109]:

  • إنه مفهوم فقير, غير مترابط منطقياً ولا يمكن قياسه.
  • إنه مفهوم غير قادر منذ بزوغه على صياغة سياسة أمنية أو خارجية فعالة.
  • إنه باحتوائه على كافة عناصر الراحة الإنسانية فإنه يفقد معناه وتماسكه. فتعريفه بهذه الصورة وسرد الأزمات والصراعات السابقة التي حدثت نتيجة لذلك قد يكون مفيداً ولكنها غير مجدية أو صالحة لصياغة مفهوم أو أداءة علمية لقياس مدى تطور أو تغير عناصر هذه القائمة. فالتقرير بوضعه لسبعة عناصر أساسية أو أبعاد للامن الإنساني, والأرتباط المحتمل فيما بينها, وتركيزها جميعاً على الكرامة الانسانية, لا تزودنا بإطار متكامل أو متجانس بما يكفي لضمها جميعاً في مفهوم واحد.

 

  • أن هذا المفهوم يفتقد للتعريف الدقيق. حيث يبدو المفهوم الحالي فضفاضاً وغير واضح المعالم تماماً, يحتوي تقريباً على كل شيء, من الامن المادي إلى الرفاهية والراحة النفسية. وهو ما يصيب الباحثين بالتشويش وعدم القدرة على تحديد ما هي الظاهرة محل الدراسة [110]. فطبقاً لمقاييس جورج ميكمالان فإن الامن الإنساني بهذه الصورة ينخرط في عملية أمن الأفراد والبيئة المحيطة بهم (مجتمعهم) والنظام الموجودين داخله, وهو ما قد يعني أمنهم وحمايتهم من الأعتداء أو العنف أو الوصول للحاجات الأساسية, حمايتهم من الأمراض والأوبئة والمخاطر البيئية … الخ, وهو ما لا يمكن تحليله أو قياسه بصورة علمية صحيحة, لتداخل مستويات التحليل ووحدات التحليل الأساسية ما بين أفراد ودول ونظام دولي ونظاماً كونياً. وهو ما يجعل باحثين مثل كينج وباريس يستنتجان أن دراسة مفهوم الامن الانساني يصبح بلا عائد أو ذي جدوى بسبب هذا الغموض المعرفي وعدم الأتفاق حوله [111].

 

  • أن الغرض الرئيسي لهذا المفهوم يبدو إنه يسعى فقط لإبقائه غامضاً. فالمناصرون لهذا المفهوم تعتبر مجرد غراء للجمع بين قوى دولية متوسطة ووكالات تنموية ومنظمات غير حكومية, الذين لا غرض لهم سوى تحويل الانتباه بعيداً عن مجالات الامن التقليدي تجاه اهداف واغراض هي أقرب ما تكون لحقل التنمية الدولية وليس الامن.
  • أن هذا المفهوم لا يصلح لتكوين إطار تحليلي مفيد للباحثين. فهو بهذه الصورة لا يمكن تحديد معالمه بصورة علمية, كمشروعات المجتمع العظيم للرئيس الامريكي ليندون جونسون, عبارة عن مجرد كلمات رنانة لصالح أهداف وأغرض سياسية بعينها, دون وضوح أو تحديد. وكذلك الامن الانساني, فالمرء يمكن أن يدعم أحد أهدافه ولكن لا يستطيع تحديد ماهيته بالضبط, التي تظل عملية مائعة [112].

 إن استمرار الفصل الاجباري بين الامن والتنمية من جانب, وبين مستويات الامن الثلاثة (الأفراد والدول والنظم) من جانب أخر (كما تفعل الواقعية الكلاسكية والهيكلية) لم يعد ذو جدوى, بل إننا نجادل ونقول بأن هذا الفصل ضار جداً بمستقبل الواقعية ذاتها, وعلى حقل الدراسات الامنية والتنمية الدولية على وجه الخصوص. فالعلاقة بين الامن والتنمية بات لا يمكن الاستمرار في إنكارها. فالتردي في الأوضاع التنموية داخل إحدى الدول سيؤدي بالتأكيد لتدهور أحوالها الامنية واستقرارها المحلي والخارجي, وبالتأكيد فإن عدم الاستقرار وأفتقاد الشعور بالامن سيعيق تحقيق التنمية ومساعيها وأهدافها. إن العلاقة بين الامن والتنمية مثل ما يعرف بـ’أثر جناح الفراشة‘. فأي تغيير في طبيعة ونوعية وشكل إحداهما (بالإيجاب أو السلب) سوف يؤدي لحدوث تغييرات في بقية المتغيرات الاخرى المرتبطة بهما. فعدم مقدرة الأفراد على الحصول على مياه صالحة للشرب, على سبيل المثال, قد يؤدي في نهاية الأمر إلى إندلاع صراع بين دولاً أخرى على الموارد المائية.

الـتـنـمـيـة والأمـن: أثـر جـنـاح الـفـراشـة

 أثبتت حربي العراق وأفغانستان أن الأوضاع التنموية والاقتصادية والاجتماعية, وحماية وتوفير الخدمات الإنسانية للسكان, ومهام من نوعية بناء الأمم ومساعدة الدول الفاشلة, تؤثر بصورة كبيرة على الصراع الدولي, بصورة تجعل من الخطر ترك مهام مثل الأمن الإنساني في أيدي المنظمات والجماعات الغير حكومية [113]. فتأثير بعض جوانب الأمن الإنساني (مثل الصراع بين الجماعات البشرية أو الكوارث الطبيعية) بات واضحاً تماماً تاثيرها الفائق, ليس فقط على أمن الدول ولكن على بنيتها ووجودها ذاته. حيث يرى عالم السياسة باري بوزين أن الصراع بين الجماعات البشرية داخل حدود الدولة يؤثر على العلاقات بين هذه الجماعات, تماماً كما يؤثر على العلاقات بين الدول [114]. وجادلت نازلي شكري بأن الأمن القومي والوجود المادي لبعض الدول يعتمد بالاساس على الموارد الطبيعية (كالمياة) كما هو الحال في مصر. التي تعتبرها شكري, بسبب أعتمادها الكلي على نهر النيل لتوفير المياة الصالحة للشرب وللزراعة, مهددة بشكل كبير في حال تعرضه لتحولات مناخية أو بيئية تؤثر على كمية المياة المتدفقة لها, أو تسممها, أو تلويثها, أو منعها من الوصول لحدودها [115].

 للخروج من معضلة الصراع التي تسببها عوامل ومتغيرات تنموية محلية/داخلية, تغافلت عن دراستها الدراسات الامنية التقليدية, فإن على الجميع العمل على تأسيس أوضاع تضمن تحقيق السلام الدائم, عن طريق تقوية المجتمعات المحلية ودعم النمو الاقتصادي, على الرغم من أن التنمية الاقتصادية وحدها لم يثبت بشكل قطعي قدرتها على تأمين الأمن وتحقيقه, ولكن الثابت أن غيابها يساهم في وقوع العنف, كما جادل جاين وفيركورين [116].

إن مفهوم الأمن الإنساني على الرغم من أتساع مستوياته وأبعاده وعموميته ونطاق تعريفه, يمنع الاخرين من التركيز والاهتمام به, بصورة تمكن من الاستفادة منه, بجعله فرعاً من فروع           حقل الدراسات الامنية التي يمكنها البحث في المواقف والأحداث التي تؤثر على بقاء الأفراد والجماعات والمجتمعات من جانب, أو الاستفادة من قدرة هذا الاتساع والعمومية في تجميع وتسهيل وتوحيد جهود العمل الجماعي للمجموعات المؤمنة بهذا المفهوم والمنتمين إليه  في حماية ورعاية حياة البشر وتوفير حياة كريمة لهم [117]. إن توسيع وتعميق نطاق حقل الدراسات الامنية, وإبعادها عن التصنيف الواقعي الثنائي الابعاد (كحقل محوره الدولة وذات عقلية عسكرية في مركزه, وغير منتظم في الاطراف) قد يكون خطوة عظيمة تجاه تحقيق ذلك الغرض [118].

أفضل السبل لفعل ذلك هو أن يكون هذا المفهوم جزءاً لا يتجزأ من حقل الدراسات الامنية, التي تهتم بالتهديدات الغير عسكرية Non-military threats لسلامة الأفراد والمجتمعات والدول, بالتنافس والتجاور مع المناهج الامنية التقليدية, التي تتعامل مع المساعي الداعية لحماية الدولة  من المخاطر. ولكن بسبب عدم وضوح وغموض هذا المفهوم, حيث لا يوجد حتى الأن الكثير من الدراسات التي تتناوله, أو معرفة كيفية ضم أو إدماج هذه الدراسات في حقل الدراسات الامنية عموماً. إن مفهوم الأمن الإنساني, وعلى الرغم من كل هذا الغموض المحيط به, مازال قادراً على أن يؤدي دوراً مهماُ في تحديد وتصنيف أنواع أخرى من الدراسات التي قد تسهم في توضيح  جوهر العلاقة بين التنمية والأمن في المستقبل.

 وبالنقيض مع النظرة السائدة عن مفهوم الأمن الإنساني, فإن عالمي السياسة شكري ونورث يجادلان بإنه وعلى الرغم من كونه مفهوماً غائماً وفضفاضاً – خاصة من الناحية النظرية – كبقية مفاهيم الأمن والحماية, خاصة عندما تتداخل مع مفهوم البيئات الأمنية. فكل الأنشطة الإنسانية (سواء من الأفراد أو الجماعات أو الدول وما فوقها) يمكن النظر إليها بأعتبارها قطعة ’فسيفساء‘. بمعنى أن البشر يتفاعلون داخل بيئات الدولة (الطبيعية والاجتماعية) والدول (ورعايها) تتحرك داخل بيئات دولية, والنظام الدولي يتحرك أو يعمل داخل بيئة كونية (كوكبية واجتماعية) ولذلك, وفي وسط هذا العالم المتفاعل والمتداخل بشدة, فإن قدرة الدولة على تنظيم القوة الطبيعة وبحد أدنى تقييد حركة البشر, فإن تعريف الأمن في إطار النظم السياسية (الحكومات) يصبح غير ملائم أو كافي [119]. والبديل الذي يطرحانه هو ’الأمن البنائي‘. 

المقصود بالأمن البنائي ’’نوع معين أو ملائم من التوازن أو التوائم بين الحجم السكاني للدولة وأحتياجات مواطنيها بالنسبة لحجم ونوعية مستواها التكنولوجي وطريقة إداراتها الاقتصادية وحجم مواردها‘‘. أي أن الأمن البنائي يشير إلى الاسس الاقتصادية للدولة. وهذا المفهوم يتضافر مع مستويان أخران من الامن. أمن النظام, و الأمن الاستراتيجي. أما الأمن على مستوى النظام فيعرف في إطار ’’قدرة الحكومة على حماية نفسها من الاضطرابات الداخلية أو الثورات‘‘. بينما يعرف الأمن الاستراتيجي على إنه ’’قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها ضد أي هجوم أو إكراه أو غزو خارجي‘‘. ويجب ملاحظة إنه بسبب كونها محاطة بالمخاطر والتهديدات من كافة الجوانب (انظر شكل رقم 1) فإن أي تأثير في أي مستوى من المستويات الثلاثة يعني التأثير على باقي المستويات. أي لو أن الدولة غير آمنة على مستوى النظام, فإن ذلك سيقلل من قدرة حكوماتها على إدارة الأمن البنائي و الأمن الاستراتيجي, والعكس بالعكس [120].

والـحـل: تـنـمـيـة مـحـورهـا الـبـشــر People-based-Development

إن الأمن الإنساني في ظل التغيرات التي شهدها النظام الدولي بوقوع كوارث من صنع الإنسان والدول مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001, التي أظهرت أن القوى الدولية الكبرى أصبحت عرضة للخطر والتهديد من جانب دولاً صغيرة وضعيفة وفقيرة أكثر من الدول الكبرى الأخرى, وغزو العراق 2003, وكوارث طبيعية مثل تسونامي وإعصار كاترينا وغيرها من الكوارث الطبيعية التي شهدتها الأرض بكثرة خلال العقد المنصرم, بأن الدول التي تعاني من تأخر ومشاكل في التنمية باتت تمثل تهديداً كبيراً على الأمن والأستقرار العالمي, أكد أن العلاقة بين أمن الدولة ومستوى تنميتها لم تعد خارج أطار أهتمام الواقعيين (من الساسة أو الاكاديميين) بل إنها أصبحت جزء لا يتجزأ من الاستراتيجيات الوطنية الكبرى لأغلب القوى الدولية. بل إن الامر وصل لأعتبار أن الأمن الإنساني بات يدخل في صلب التخطيطات والمذاهب العسكرية. فقد صرح أحد قادة وزارة الدفاع الامريكية إنه وبسبب التغييرات التي شهدتها البيئة الدولية فإن ’’العمليات العسكرية لن تكون غاياتها فقط محاربة الأعداء بقدر ما ستحاول الحيلولة دون أنتشار التعصب, وتحول البشر ليصبحوا عدوانيين, وبالتالي تهديد المصالح الامريكية‘‘ [121]. بل وقامت وزارة الدفاع الامريكية بزيادة ميزانية مكتب المساعدات التنموية ليصل إلى حوالي 5.5 بليون دولار في العام 2005, بعد سنوات عجاف تم أستقطاع وتقليص حجمها وميزانية الوكالة الامريكية للتنمية الدولية, بما أدى لحدوث تهديدات جوهرية لأمن وبقاء الولايات المتحدة, تمثلت في وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 [122]. التي أثبتت أن أمن واشنطون يبدأ في كهوف تورا بورا … إنه أثر جناح الفراشة.

أما عن سبل تحسين وحماية الأمن الإنساني يطرح كلاً من كينج وموري استراتيجية (سياسية ونظرية) من أربعة أبعاد, منبثقة من تعريفهما للأمن الإنساني على إنه يعني ’’تحسين أوضاع وحياة البشر وليس الدول‘‘ وهو ما يتطلب في رأيهما ضرورة تفعيل التنسيق الدولي في هذا الموضوع. فإستمرار التواصل بين الأفراد والجماعات والحكومات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني مازال مهماً. وكذلك يدعو الباحثان إلى زيادة وتيرة التوافق الدولي حول تحديد مسار التنمية والسياسات الامنية ودراسة عواقبهما على مستقبل البشرية.

قبل التطرق لكيفية تحسين وحماية الأمن الإنساني, والمساهمة في دعم الارتباط الايجابي بين التنمية والأمن والأستقرار آرتاى لنا  أولاً أن نذكر بعض الملاحظات الأولية والتوصيات التي قد تساعد صناع القرار على صياغة استراتيجيات وطنية ناجعة وفعالة, تساهم في تقديم حلول للمشاكل التنموية دون الجور على حقوق المواطنين وأحترام كرامتهم وأداميتهم [123].  

  • الشرعية المؤسية هي مفتاح الاستقرار. فعندما لا تنهض الدولة بما يكفي لحماية المواطنين والوقاية من الفساد, أو توفير سبل لحماية المواطنين, والوقاية من الفساد, أو توفير سبل الحصول على العدالة, وعندما لا توفر الأسواق فرص العمل, أو عندما تفقد المجتمعات المحلية تماسكها الاجتماعي – تزداد احتمالات نشوب الصراعات العنيفة – غالباً ما تكون الدولة في حاجة إلى استعادة ثقة الجمهور في العمل الجماعي الأساسي. حيث يساهم أفتقاد الدولة للشرعية في عيون مواطنيها يلغي ويبطل العقد الاجتماعي الحاكم للعلاقة بين الدولة والمجتمع, وتصبح تصرفات وتحركات الدولة غير مؤيدة أو مساندة من قبل مواطنيها, الذين سيبدأون في تحدي أرداة الدولة والوقوف في وجهها وتعطليها ومنعها من القيام بالمهام الخدمية والانتاجية المنوط القيام بها, وتفقد مؤسساتها قدرتها التنفيذية وتصبح الدولة ليست الجهة الوحيدة المحتكرة لاستخدام العنف, وإنما مجرد طرف من عدة أطراف. وثبت الدول التي تعاني من ضعف قدراتها المؤسسة كانت أكثر عرضة للاضطرابات الاجتماعية العنيفة, خاصة وقت الازمات المتعلقة بالموارد (كأزمة أرتفاع أسعار الغذاء 2008-9
  • توفير أمن المواطن والعدالة وفرص العمل أهمية بالغة في تقليص العنف. فالأفراد والجماعات الوطنية عندما تشعر بالأمان والاستقرار المحلي, وخاصة فيما يتعلق بأمنهم الشخصي وحماية أرواحهم فإن ذلك سيساهم بصورة كبيرة في نبذهم وأبتعادهم عن التورط في ممارسات عنيفة أو اللجوء لأستخدام القوة المسلحة كوسيلة للحصول وتوفير الخدمات والاحتياجات الأساسية من الدولة.
  • من أجل مواجهة تحديات العنف والصراع فلابد للمؤسسات من أن تتغير, ولابد للمؤسسات وللهيئات والشركاء من البلدان الأخرى من تطويع إجراءاتهم لكي يصبح باستطاعتهم أن يستجيبوا بمرونة وسرعة وأن يصبح لهم منظور أطول أمداً. بمعنى, أن على مؤسسات الدولة المعنية بالمسائل التنموية والأمنية وما شابهها التطور والتكيف وملاحقة ومسايرة التطورات والتغيرات السياسية والاجتماعية والأمنية والتكنولوجية التي تفرضها العولمة وثورة الاتصالات على نوعية الصراعات والتفاعلات الاجتماعية والسياسية (الدولية والمحلية) وما يصاحبها من تغييرات في نوعية التهديدات والمخاطر والتحديات التي تواجهه الدول والمجتمعات. لأنه بدون حدوث هذا التطور والمواكبة فإنها ستكون عاجزة وظيفياً Dysfunction على الوفاء بالتزاماتها أو بتقديم خدماتها أو بقدراتها على مواجهة هذه التحديات المستجدة.
  • أنتهاج نهج متدرج الطبقات, فبعض المشكلات يمكن معالجتها على المستوى القطري, ولكن هناك مشكلات أخرى لابد من معالجتها على مستوى إقليمي مثل إقامة الأسواق القادرة على أستيعاب المناطق غير الآمنة وتعبئة الموارد من أجل بناء القدرات, وإنشاء منظومة تعاون وعمل أمني جماعي لمواجهة التحديات العابرة للحدود الوطنية. وكذلك على المستوى العالمي مثل بناء قدرات جديدة لمساندة إصلاح نظام العدالة وخلق فرص العمل وإقامة شراكات بين البلدان المنتجة والمستهلكة والعمل على تخفيف الضغوط الناجمة عن تقلبات أسعار الغذاء. إن إيجاد وسائل فعالة لمساعدة المجتمعات على الإفلات من خطر تجدد أو تكرار دوامات العنف يتطلب منا إعادة التفكير بصورة جذرية، في طريقتنا لتقييم المخاطر والسبل الأفضل لإدارتها, على حد قول روبرت زوليك – رئيس البنك الدولي.
  • مراعاة حقيقة أن المشهد العالمي أخذ في التغير والتطور, فالمؤسسات الإقليمية والبلدان متوسطة الدخل أصبحت تلعب دور أكبر وهذا يعني إنه ينبغي لنا أن تولي مزيداً من الاهتمام بتبادل الأراء فيما بين دول الجنوب. فالتقارب الجغرافي والتشابه اللغوي والثقافي والتجربة التاريخية المشتركة بين البلدان المتجاورة يجعل المؤسسات الإقليمية أكثر قدرة وفعالية على التدخل بنجاح (رغم أن هناك بعض المؤشرات التي تشكك في قدرة المؤسسات الإقليمية على إدارة الصراعات والأزمات بنجاح) من أجل إنهاء وحل الصراعات ووقف التقاتل, أكثر من المؤسسات الدولية الكبري الأخرى.

أما خطوات هذه الاستراتيجية فهي على النحو التالي [124]:

  • تقييم المخاطر: أي تحسين نظام مراقبة الأمراض والأوبئة, وبالتالي أمتلاك القدرة على توقع أحتمالات الصراع وتحسين مخرجاته, كالدعوة للتركيز على العواقب الصحية للحروب بدلاً من التركيز على القرار السياسي للدخول في الحرب.
  • الوقائية: وذلك عن طريق التركيز على فوائد التدخل السياسي الخارجي للتقليل من مخاطر الصراعات والمناطق العنيفة, وذلك عن طريق توعية الرأي العام وتزويده بالمعلومات والتصورات الشاملة عن مخاطر وأهوال هذه الصراعات.
  • الحماية: عن طريق تدعيم المساعي الدولية الداعية لتطوير الأتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تضمن حماية المدنيين ورعايتهم, مثل أتفاقية مكافحة الالغام, وكذلك الدعوة لبناء محطات للتنبؤ بالكوارث الطبيعية.
  • التركيز: بتدعيم وتوسيع التركيز الدولي على إنشاء منظمات تعمل على تأمين المساعدات المالية للمناطق التي تكثر فيها المخاطر التي تهدد الامن الإنساني والأبتعاد عن أسلوب تامين وحماية الذات الواقعي الأناني.

إن التنمية قد لا تمنع وقوع الحروب والصراعات, ولكن الحروب بالتأكيد سوف تقع في غيابها.  وإذا كانت الدول والمجتمعات البشرية في نهاية الامر ما هي إلا ’مجموعة من البشر‘ كما يجادل البنائيين عن حق, فإن أي تهديد أو خطر يوجه لهم يجب أعتباره تهديداً للدولة, تماماً كما هي الحرب أو الاحتلال الخارجي. فحق البشر في العيش حياة كريمة ومستقرة وآمنة, لابد أن يحترم تماماً كما تحترم مساعي الدول في العيش في بيئة إقليمية ودولية آمنة ومستقرة. إن كلا الهدفين لن يتحققا مادام هناك عوائق ومقيدات تقف في وجه تحسين مستوى التنمية المحلية (التي تعني هنا حيازة القدرات اللازمة لإيجاد حياة كريمة). فالإنسان والدول يمكنهما توفير الأمن عن طريق إشباع حاجاتهم ومتطلباتهم الاساسية, التي سوف يشجع غيابها أو حرمانهم منها على إثارة وتجدد الصراعات من جديد. وفي نهاية الأمر فما التنمية إلا الحرية, وبدون حرية لا توجد تنمية, وبدون تنمية لا يوجد استقرار, وبدون استقرار لا يوجد أمن. إنها سلسلة مترابطة هيكلياً, لا يمكن توفير إحدى أبعادها بدون الاخرى.

الهوامش

[1]. David Baldwin: “The Concept of Security”. Review of International Studies, Vol. 23, No. 1 (January 1997), pp. 5-26.

[2]. John Lewis Gaddis: “The Long Peace: Elements of Stability in the Post Cold War International System”. International Security, Vol. 10, No. 4 (Spring 1986), pp. 99-142. Richard Ned Lebow: “The Long Peace: The End of the Cold War and the Failure of Realism”. International Organization, Vol. 48, No. 2 (Spring 1994), pp. 249-277.

[3]. Mohammed Ayoob: “The Third World Security Predicament: State-Making, Regional Conflict and the International System”. (Boulder; Colorado: Lynne Rienner, 1995). Bahgat Korany: “Strategic Studies and the Third World: A Critical Appraisal”. International Social Science Journal, Vol. 38, No. 4 (1986), pp. 547-562. Raju Thomas: “What is Third World Security?” Annual Review of Political Science, Vol. 6, No. 1 (Jan 2003), pp. 205–32. Brian Job (ed.): “The Insecurity Dilemma: National Security of Third World States”. (Boulder; CO: Lynne Rienner, 1992). Amitav Acharya: “Third World Conflicts and International Order after the Cold War”. Working Paper, No. 135 (Australian National University, Peace Research Centre, 1993), idem: “Regional Military-Security Cooperation in the Third World:               A Conceptual Analysis of the Relevance and Limitations of ASEAN”. Journal of Peace Research, Vol. 29, No. 1 (February 1992), pp. 7-21, idem: “The Gulf Cooperation Council and Security: Dilemmas of Dependence”. Middle East Strategic Studies Quarterly, Vol. 1, No. 3 (1990), pp. 88-136. Eric Hobsbawm: “First World and Third World after the Cold War”. CEPAL Review, No. 67 (April 1999), pp. 7-14.

[4]. Barry Buzan: “People, State and Fear: An Agenda for International Security in the Post-Cold War Era”. (New York: Harvester Wheatsheaf, 1991), idem: “Third World Regional Security in Structural and Historical Perspective”, pp. 167-189, in Brian Job (ed.): “The Insecurity Dilemma: National Security of Third World States”. (Boulder, CO: Lynne Rienner, 1992).

[5]. Edward Azar: “The Management of Protracted Social Conflict: Theory and Cases”. (UK: Dartmouth Publishing, 1990). Michael Mastanduno, David Lake, and John Ikenberry: “Toward a Realist Theory of State Action”. International Studies Quarterly, Vol. 33, Vol. 4 (December 1989),               pp. 457-474.

[6]. Oxford Dictionary online: http://oxforddictionaries.com/view/entry/m_en_gb0748730#m_en_gb0748730

[7]. Thomas C. Scheeling: “The Global Dimension”, in Graham Allison and Gregory Treverton (eds.): “Rethinking America’s Security”. (New York: W.W. Norton and Company, 1992), p. 200.   

[8]. Arnold Wolfers: “National Security as an Ambiguous Symbol”. Political Science Quarterly, Vol. 67, No. 4. (December 1952), pp. 481-502. Baldwin: “The Concept of Security”, op, cit, p. 13.

[9]. Stephen Van Evera: “Causes of War: Power and the Roots of Conflict” (Cornell: Cornell University Press, 1999), pp. 117-192.   

[10]. Baldwin: op, cit, p. 9.

[11]. See for example: Tim Dunne and Brian Schmidt: “Realism”, in Tim Dunne, Milja Kurki, and Steve Smith, (eds.): “International Relations Theories: Discipline and Diversity”. (Oxford: Oxford University Press, 2006), pp. 161-183. John Mearsheimer: “Structural Realism”, in Tim Dunne, Milja Kurki, and Steve Smith, (eds.): “International Relations Theories: Discipline and Diversity”. (Oxford: Oxford University Press, 2006). pp. 71-88.

[12]. Barry Buzan: “People, State and Fear: An Agenda for International Security in the Post-Cold War Era”. (New York: Harvester Wheatsheaf, 1991), pp. 9-10.

[13]. Baldwin: op, cit, p. 9.

[14]. من أشهر الدراسات التي انتقدت التعريف التقليدي للامن باعتباره المخاطر العسكرية فقط إلى جانب بولددين كان هناك ريتشارد آولمان وجيسيكا ماثيو وغيرهم.

Baldwin: Op, cit, pp. 13-14. Richard Ullman: “Redefining Security”. International Security, Vol. 8, No. 1 (Summer 1983), pp. 129-153. Jessica Tuchman Mathews: “Redefining Security”. Foreign Affairs, Vol. 68, No. 2 (Spring 1989), pp. 162-177. Michael Klare: “Redefining Security: The New Global Schisms”. Current History, Vol. 95, No. 4 (November, 1996), pp. 353-58.

[15]. Baldwin: op, cit, p. 3.

[16]. Buzan: “People, State and Fear …”, op, cit, p. 26. 

[17]. Nazli Choucri and Robert North: “Population and (In) security: National perspectives and Global Imperatives”, in: David B. Dewitt, David Haglund and John Kirton (eds.): “Emerging Trends in International Security”. (New York: Oxford University Press, 1993), p. 230.   

[18]. Graham Allison and Gregory Treverton: “National Security: Portfolio Review”, in Graham Allison and Gregory Treverton (eds.): “Rethinking America’s Security”. (New York: W.W. Norton and Company, 1992), p. 47.  

[19]. المرحلة الثالثة الأولى مأخوذة من دراسة شكري ونورث السالفة الذكر صصـ. 230-231.

[20]. للوقوف على أدبيات هذه المرحلة يرجى مراجعة الدراسات التالية:

Barry Buzan: “New Patterns of Global Security in the Twenty First Century”. International Affairs, Vol. 67, No. 3 (July 1991), pp. 432-448. Joseph Nye and Sean Lynn-Jones: “International Security Studies: A Report of a Conference on the State of the Field”. International Security, Vol. 12, No. 4 (Spring 1988), pp. 5-27. Nazli Choucri (ed.): “Multidisciplinary Perspectives on Population and Conflict”. (New York: Syracuse University Press, 1984). Nana Poku and David Graham (eds.): “Redefining Security: Population Movements and National Security”. (Westport: CT; Praeger, 1998). Warren Zimmermann: “Migrants and Refugees: A Threat to Security?” pp. 88-116, in: Michael Teitelbaum and Myron Weiner (eds.): “Threatened Peoples, Threatened Borders: World Migration and U.S. Policy”. (New York: W.W. Norton, 1995). Nazli Choucri: “Population and Conflict: New Dimensions of Population Dynamics”. (New York: United Nations Fund for Population Activities, 1983). Nicholas Eberstadt: “Population Change and National Security.” Foreign Affairs Vol. 70, No. 3 (May 1991), pp. 115–131. Thomas Homer-Dixon: “Environmental Scarcities and Violent Conflict: Evidence from Cases.” International Security Vol. 19, No. 1 (1994), pp. 5–40. Ronald Krebs and Jack Levy: “Demographic Change and the Sources of International Conflict”, pp 62-105, in: Myron Weiner and Sharon Stanton Russell (eds.): “Demography and National Security”. (New York: Berghahn Books, 2000).

[21]. Goldgeier and McFaul: “A Tale of Two Worlds …”, op, cit, pp. 479-480.

[22]. للإلمام بالاسس النظرية للمدرسة الواقعية (الكلاسكية والجديدة) انظر:

  1. H. Carr [1939]: “The Twenty Years Crisis 1919-1939: An Introduction to the Study of International Relations” 2nd ed. (New York: Harper & Raw, 1964). Hans Morgenthau [1948]: “Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace”. (New York: Alfred Knopf, 1973). Kenneth Waltz: “Theory of International Politics”. (Reading: Mass; Addison-Wesley, 1979). Robert Gilpin: “War and Change in World Politics”. (New York: Cambridge University Press, 1981).

[23]. Bruce Bueno De Mesquita: “Domestic Politics and International Relations”. International Study Quarterly, Vol. 46, No. 1 (March 2002), pp. 1-20.

[24]. Gideon Rose: “Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy”. World Politics, Vol. 51, No. 1 (October 1998), pp. 144-172. Fareed Zakaria: “From Wealth to Power”. (Princeton: NJ; Princeton University Press, 1998). Jack Snyder: “Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition”. (Ithaca: New York; Cornell University Press, 1991).

[25]. Hans Morgenthau [1948]: “Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace”. (New York: Alfred Knopf, 1973), p. 4.

[26]. De Mesquita: “Domestic Politics and International ….”, op, cit, p. 1.

رغم كل الانتقادات التي وجهت لكينيث والتز والنظرية الواقعية الهيكيلية بإهمالها مستويا التحليل الاول والثاني, إلا أن الكثير يجهل أن والتز نفسه لم يدعو أبداً للتركيز فقط على المستوى الثالث من التحليل, بل يجادل بإننا لو أردنا فهم ظواهر السياسة الدولية فيجب علينا ألا نركز على مستوي واحد من مستويات التحليل الثلاثة وإغفال الباقي, بل إن فهمنا للسياسة الدولية لابد أن يكون بدمج هذه المستويات الثلاثة. حيث يري والتز أن ’’المستوى الثالث يصف الإطار العام للسياسة الدولية، ولكن بدون المستوى الأول والثاني لا يمكننا معرفة القوي التي تقرر وتحدد السياسةً الدولية. ومن ناحية أخري, فإن مستويا التحليل الأول والثاني يصفا القوى في السياسة الدولية، لكن بدون المستوى الثالث فمن المستحيل تقييم أهميتها أو توقّع نتائجها‘‘. للمزيد انظر:  Kenneth Waltz: “Man, the State and War: A Theoretical Analysis”. (New York: Columbia University Press, 1959), p. 238.

وللمزيد أنظر: أحمد محمد أبوزيد: ’’كينيث والتز: خمسون عاماً من العلاقات الدولية (1959-2009): دراسة أستكشافية‘‘. المجلة العربية للعلوم السياسية, المجلد 7, العدد 27 (صيف 2010) صصـ: 93-109.

[27]. Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”. (Ithaca: NY; Cornell University Press, 1993). Graham Allison and Gregory Treverton (eds.): “Rethinking America’s Security”. (New York: W.W. Norton and Company, 1992).  

[28]. Graham Allison and Gregory Treverton: “National Security: Portfolio Review”, in Graham Allison and Gregory Treverton (eds.): “Rethinking America’s Security”. (New York: W.W. Norton and Company, 1992), p. 62.

[29]. Peter Peterson and James Sebenius: “The Primacy of Domestic Agenda”, pp. 67-93, in Graham Allison and Gregory Treverton (eds.): “Rethinking America’s Security”, op, cit. Richard Rosecrance and Arthur Stein: “Beyond Realism: The Study of Grand Strategy”, in: Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”, op, cit, pp. 13-14.    

[30]. op, cit, p. 15.

[31]. Jack Snyder: “The New Nationalism: Realist Interpretations and Beyond”, in:  Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”. (Ithaca: New York; Cornell University Press, 1993), p. 189. 

[32]. Jack Snyder: “Averting Anarchy in the New Europe”. International Security, Vol. 14, No. 4 (1990), pp. 5-41. Stephen Van Evera: “Hypotheses on Nationalism and War”. International Security, Vol. 18, No. 2 (1994), pp. 5-39. V. P. Gagnon: “Ethnic Nationalism and International Conflict: The Case of Serbia”. International Security, Vol. 19, No. 3 (Winter 1994/5), pp. 130-166. John Mearsheimer: “Back to the Future: Instability in Europe after the Cold War”. International Security, Vol. 15, No. 1 (1990), pp. 5-56. John Mueller: “The Catastrophe Quota: Trouble after the Cold War”. Journal of Conflict Resolution, Vol. 38, No. 2 (2001), pp. 355–75. Abd al-Mun`im Mashshat: “National security in the Third World”. (Boulder; CO: Westview Press, 1985). Brian Job (ed.): “The Insecurity Dilemma: National Security of Third World States”. (Boulder; CO: Lynne Rienner, 1992).

[33]. Rosecrance and Stein: “Beyond Realism …, op, cit, p. 17.

[34]. Allison and Treverton: “National Security …”, op, cit, p. 70.  

[35]. John Muller: “The impact of Ideas on Grand Strategy”, in: Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”. (Ithaca: NY; Cornell University Press, 1993), pp. 48-62.

[36]. Richard Rosecrance and Azar Steiner: “British Grand Strategy and the Origins of World War II”, in:  Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”. (Ithaca: NY; Cornell University Press, 1993), p. 129. 

[37]. Rosecrance and Stein: “Beyond Realism …, op, cit, p. 16.

[38]. Stewart Patrick: “Weak Links: Fragile States, Global Threats, and International Security”. (New York: Council of Foreign Relations, 2010). Ted Robert Gurr, Barbara Harff, Monty G. Marshall (eds.): “State Failure Task Force Report: Phase III Findings”. (McLean: VA: Science Applications International Corporation-). Available at: http://globalpolicy.gmu.edu/pitf/SFTF Phase III Report Final.pdf

[39]. Agnieszka Paczynska: “Securing Development …”, op, cit, p. 2.  

[40]. Charles Glaser: “Structural Realism in a More Complex World”. Review of International Studies, Vol. 29, No. 3 (July 2003), p. 408.  

[41]. Barry Posen: “The Security Dilemma and Ethnic Conflict”. Survival, Vol. 35, No. 1 (Spring 1993), pp. 27-47. Stephen Van Evera: “Causes of War: Power and the Roots of Conflict”. (Ithaca: Cornell University Press, 1999). Chaim Kaufmann: “Possible and Impossible Solutions to Ethnic Civil Wars”. International Security, Vol. 20, No. 4 (Fall 1996), pp. 136–15. Jack Snyder: “Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition”. (Ithaca: New York; Cornell University Press, 1991). Stephen Van Evera: “Vital Interest: Winning The War on Terror Require Peace Settlement”. The American Conservative, Vol. 4, No. 5 (March 2005), pp. 7-10. Stephen Walt: “Beyond Bin Laden: Reshaping U. S. Foreign Policy”. International Security, Vol. 26, No. 3 (Winter 2001/02), pp. 65-80.

[42]. لرؤية شاملة عن المدرسة الليبرالية انظر:

Robert Keohane: “After Hegemony: Cooperation and Disorder in the world Political Economy”. (Princeton: New Jersey; Princeton University Press, 1984). Robert Keohane and Judith Goldstein (eds.): “Ideas and Foreign Policy”. (Ithaca: New York; Cornell University Press, 1993). Andrew Moravcsik: “The New Liberalism”, pp. 234-254, in: Christian Reus-Smit and Duncan Sindal (eds.): “The Oxford Handbook of International Relations”. (New York: Oxford University Press, 2008), idem: “Liberal International Relations Theory: A Scientific Assessment”, pp. 159-204, in Colin Elman and Miriam Fendius Elman (eds.): “Progress in International Relations Theory: Appraising the Field”.  (Cambridge; Mass.: MIT Press, 2003).

[43]. Andrew Moravcsik: “Taking Preferences Seriously: A Liberal Theory of International Politics”. International Organization, Vol. 51, No. 4 (Autumn 1997), p. 513.

[44]. op, cit, p. 524.

يعرف مورافيسك الاداء على إنه ’’الاستقلال النسبي عن استراتيجيات الفاعلين الاخرين, وبالتالي تحديد العلاقات الثنائية مع الاخرين بما في ذلك المخاطر الخارجية, الغش, التلاعب بالمعلومات وغيرها من التكتيكات‘‘.op, cit, p. 519

[45]. op, cit, p. 514.

[46]. Edward Azar and Chung-in Moon (eds.): “National Security in the Third World: The Management of External Threats’. (Aldershot: England; Edward Elger Publications, 1988).  

[47]. Moravcsik: “Taking Preferences Seriously …”, op, cit, p. 516.

[48]. op, cit, p. 517.

[49]. op, cit, p. 518. Robert Keohane, Joseph Nye and Stanley Hoffmann (eds.): “After the Cold War: State Strategies and International Institutions in Europe, 1989-1991”. (Cambridge: Mass.; Harvard University Press, 1993).

[50]. op, cit, p. 520. John Ruggie: “International Regimes, Transactions, and Change: Embedded Liberalism in the Postwar Economic Order”. International Organization, Vol. 36, No. 2 (Spring 1982), pp. 379–415.

[51]. Moravcsik: “Taking Preferences Seriously …”, op, cit, p. 520.

[52]. Agnieszka Paczynska: “Securing Development: The Evolving Relationship between Security and Economic Development”. A Paper presented at the International Studies Association conference. (San Francisco: CA; March 26-29, 2008), p. 10.

[53]. Moravcsik: “Taking Preferences Seriously …”, op, cit, p. 521.

[54]. Albert Hirschman: “National Power and the Structure of Foreign Trade”. (Berkeley: CA; University of California Press, 1945). Robert Keohane and Joseph Nye: “Power and Interdependence: World Politics in Transition”. (Boston: Little Brown, 1977). 

[55]. Paczynska: “Securing Development …”, op, cit. Robert Keohane and Judith Goldstein (eds.): “Ideas and Foreign Policy”. (Ithaca: New York; Cornell University Press, 1993).

[56]. Nazli Choucri and Robert North: “Population and (In) security: National perspectives and Global Imperatives”, in: David B. Dewitt, David Haglund and John Kirton (eds.): “Emerging Trends in International Security”. (New York: Oxford University Press, 1993), pp. 230-231.   

[57]. Michael Doyle: “Liberalism and World Politics”. American Political Science Review, Vol. 80, No. 6 (December 1996), pp. 1151–69.

[58]. John Ruggie: “Continuity and Transformation in the World Polity: Toward a Neorealist Synthesis”. World Politics, Vol. 35, No. 2 (January 1983), pp. 261–85. Peter Katzenstein (ed.): “The Culture of National Security: Norms and Identity in World Politics”. (New York: Columbia University Press, 1996). Risse-Kappen, Thomas: “Collective Identity in a Democratic Community: The Case of NATO”, in: Peter Katzenstein (ed.): “The Culture of National Security: Norms and Identity in World Politics”. (New York: Columbia University Press, 1996), pp. 357–99. Robert Cox: “Social Forces, States, and World Orders: Beyond International Relations Theory” in Robert Keohane (ed.): “Neorealism and Its Critics”. (New York: Columbia University Press, 1986), pp. 204–54.

[59]. James Fearon: “Rationalist Explanations of War”. International Organization, Vol. 49, No. 3 (Summer 1995), pp. 379–414.

[60]. Michael Doyle: “Politics and Grand Strategy”, in Richard Rosecrance and Arthur Stein (eds.): “The Domestic Bases of Grand Strategy”. (Ithaca: NY; Cornell University Press, 1993), p. 30.

[61]. J. Peter Burgess (eds.): “Promoting Human Security: Ethical, Normative and Educational Frameworks in Western Europe”. (Paris: UNESCO, 2007).

[62]. James Goldgeier and Michael McFaul: “A Tale of Two Worlds: Core and Periphery in the Post-Cold War Era”. International Organization, Vol. 46, No. 2. (Spring 1992), pp. 478.

[63]. Buzan: “People, State and Fear …”, op, cit, p. 12.

[64]. Goldgeier and McFaul: “A Tale of Two Worlds …”, op, cit.

[65]. John Muller: “Retreat from the Doomsday: The Obsolescence of Major Wars”. (New York: Basic Books, 1989). 

[66]. Ronald Paris: “Human Security: Paradigm Shift or Hot Air?” International Security, Vol. 26, No. 2 (Fall 2001), p. 89.  Ralph Pettman: “Human Security as Global Security: Reconceptualising Strategic Studies”. Cambridge Review of International Affairs, Vol. 18, No. 1 (April 2005), pp. 137-150.

[67]. Gary King and Christopher Murray: “Rethinking Human Security”. Political Science Quarterly, Vo. 116, No. 4 (Winter 2001-2002), p. 589. 

[68]. J. Joseph Hewitt, Jonathan Wilkenfeld, and Ted Robert Gurr (eds.): “Peace and Conflict 2010: Executive Summery”. (College Park: Center for International Development and Conflict Management, University of Maryland, 2010).

[69]. Paczynska: “Securing Development …”, op, cit, p. 1.

[70]. King and Murray: “Rethinking Human ….”, op, cit, p. 588.

[71]. Edward Azar: “The Management of Protracted Social Conflict: Theory and Cases”. (Hampshire: UK; Dartmouth Publishing, 1990). Edward Azar and John Burton: “International Conflict Resolution: Theory and Practice”. (Boulder: CO; Rienner, 1986). Hassan Bakr Hassan: “An Introduction to Political Science”. (Assiut: Egypt; Assiut University Press, 2006).

[72]. Amartya Sen: “Development As Freedom”. (New York: Alfred Knoph, 1999).

[73]. King and Murray: “Rethinking Human ….”, op, cit.

[74]. ظهر أول تقرير للأمن الإنساني بإشراف البروفيسور محبوب الحق في العام 1994. وبعد وفاته المفاجئة, تولت كريمته عائشة محبوب أستكمال المشروع تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة, ومازال التقرير يصدر حتى الأن.

[75]. Robert Kaplan: “The Coming Anarchy: How Scarcity, Crime, Overpopulation, Tribalism, and Disease are rapidly destroying the Social Fabric of our Planet”. Atlantic Monthly, Vol. 273, No. 2 (February 1994), pp. 271-296.

[76]. Paris: “Human Security …”, op, cit, p. 89.

[77]. Paris: “Human Security …”, op, cit, p. 96-97.

[78]. Caroline Thomas: “Introduction”, in: Caroline Thomas and Peter Wilkin (eds.): “Globalization, Human Security, and the African Experience”. (Boulder, Colo.: Lynne Rienner, 1999), p. 3.

[79]. Robert Bedeski: “Human Security, Knowledge, and the Evolution of the Northeast Asian State”. (Centre for Global Studies, University of Victoria, February 8, 2000). Available at:

http://www.globalcentres.org/docs/bedeski.html

[80]. Kanti Bajpai: “Human Security: Concept and Measurement”. Kroc Institute Occasional Paper, No. 19. (Notre Dame; Ind.: University of Notre Dame, August 2000), p. 1

[81]. Quoted from King and Murray: “Rethinking Human ….”, op, cit, p. 588.

[82]. The Japanese and Canadian definition quoted from Paris: “Human Security …”, op, cit, p. 89.

[83]. King and Murray: “Rethinking Human ….”, op, cit, p. 606.

[84]. op, cit, p. 603-604.

[85]. United Nations Development Programme: “Human Development Report, 1994”. (New York: Oxford University Press, 1994), pp. 22-46.

[86]. Jorge Nef: “Human Security and Mutual Vulnerability: The Global Political Economy of Development and Underdevelopment”. (Ottawa: Canada; International Development Research Centre, 1999), 23-27.

[87]. “Human Security Report 2009: The Shrinking Cost of War”. (Canada: Simon Fraser University, 2009).

إلى جانب هذه التقارير الثلاثة هناك – بالطبع – العديد والعديد من التقارير (العربية والدولية) التي تعرضت وتطرقت بالدراسة والتحليل لظاهرة الأمن الإنساني وللعلاقة بين ظاهرتي الأمن والتنمية أو الصراع والتنمية. ولعل أشهرها هو تقرير التنمية البشرية العالمي للعام 1994, وتقارير التنمية البشرية العربية للعام 2009, والذي حمل عنوان تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية, وللعام 2011. وهناك كذلك أعمال بعض المؤتمرات والندوات التي ناقشت هذا الموضوع على المستوى العربي. ولكن, ورغم كل ما تقدم, فإننا أثرنا التركيز على ثلاثة نماذج فقط (هي تقرير قائمة الدول المنهارة, تقرير الحرب والسلام, وتقرير الصراع والتنمية الصادر عن البنك الدولي) كون الدراسة متعلقة بالأساس بالأبعاد النظرية لقياس العلاقة أو مدى الأرتباط بين ظاهرتي الأمن والتنمية, وهو ما نرى فيه تدعيماً للنموذج والطرح النظري الذي طرحناه خلال الجزء الأول والثاني من هذه الدراسة. للمزيد عن هذه التقارير والمؤتمرات يرجى مراجعة الادبيات التالية: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, المكتب الاقليمي للدول العربية: ‘‘تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2009: تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية’’. (بيروت: شركة كركي للنشر, 2009). امحمد مالكي (إشراف وتنسيق): ‘‘تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009: قراءات في تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية’’. دراسات وبحوث الندوة الدولية المنظمة من طرف مركز التنمية لجهة تانسيفت بتعاون مع منظمة كونراد أديناور وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (مراكش: 15- 16 أبريل/نيسان 2011). والباحث يعبر عن شكره للدكتور امحمد مالكي على إمداده بنسخة من هذا التقرير. أوراق مختارة قدمت خلال المؤتمر الدولي حول الأمن الإنساني في الدول العربية تنظيم ورعاية منظمة اليونسكو. (عمان: المملكة الأردنية الهاشمية 14 – 15 مارس 2005). والباحث يعبر عن شكره للدكتور مراد دياني على إمداده بنسخة من هذا التقرير.

[88]. للإطلاع على التقارير السابقة لقائمة الدول الفاشلة انظر:

“The Failed States Index”. Foreign Policy, No. 149 (August/September 2005), pp. 56-65. “The Failed States Index”. Foreign Policy, No. 162 (August/September 2007), pp. 54-63. “The Failed States Index”. Foreign Policy, No. 168 (August/September 2008), pp. 64-73.

[89]. لتقييم مخاطر الدول الفاشلة على العالم انظر:

William Zartman (ed.): “Collapsed States: The Disintegration and Restoration of Legitimate Authority”. (Boulder; CO: Lynn Rienner, 1995). Robert Rotberg (ed.): “When States Fail: Causes and Consequences”. (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2004). Anthony Lake: Confronting Backlash States, Foreign Affairs, Vol 73, No. 2 (March/April 1994), pp. 45-55. Stewart Patrick: “Weak States and Global Threats: Fact or Fiction”.  Washington Quarterly, Vol. 29, No. 2 (Spring 2006), pp. 27-53. Chester Crocker: “Engaging Failing States”. Foreign Affairs, Vol. 82, No. 5 (September/October 2003), pp. 32–44. Susan Rice: “The New National Security Strategy: Focus on Failed States”. Brookings Policy Brief, No. 116 (February 2003). Gregory Treverton: “Enhancing Security through Development: Probing the Connections” (Annual Bank Conference on Development Economics, Amsterdam, May 23–24, 2005).

[90]. “The Failed States Index”. Foreign Policy, No. 168 (August/September 2008), pp. 64-73.

[91]. Ted Robert Gurr: “Monitories at Risk: A Global View of Ethnopolitical Conflict”. (Washington D. C.; USIP Press, 1992).   

[92]. ‘‘World Development Report 2011: Conflict, Security and Development’’. (Washington D.C.; The International Bank for Reconstruction and Development/The World Bank, 2011), p. iii.

[93]. op, cit, p. 1.  

[94]. op, cit, p. 4.

[95]. op, cit, pp. 5-6.

[96]. Philippe Martin, Thierry Mayer, and Mathias Thoenig: “Civil Wars and International Trade”. Journal of the European Economic Association, Vol. 6, No. 2 (2008), pp. 541–55.

[97]. The World Bank, op, cit, pp. 2-6.  

[98]. op, cit, p. 7.

[99]. ibid.

[100]. op, cit, p. iii. 

[101]. op, cit, p. 9.

[102]. Paris: “Human security …”, op, cit, p. 93.

حيث يجادل بولدين بأن المفهوم الصحيح لابد أن تتوافر فيه عدة خصائص أساسية مثل أن يكون ذات إطار عام, أن يربط بين المفاهيم الاخرى, الأهتمام بالابعاد النظرية, أن يساعد على توسيع نطاق المعرفة, وأخيراً أن يكون ذات لغة مفهومة.

 Baldwin: “The concept of security”, op, cit, p. 7.

على النقيض تماماً من رؤية بولدين يصر رالف بيتمان على أن مفهوم الامن الانساني ليس كما يجادل الكثير من المعارضين له. فهو ليس مفهوماً غائماً أو بدون معنى, لكنه مفهوم صلب من الممكن أن يكون القاعدة التي يشيد عليها حقل الدراسات الامنية–           أو ما أسماه هو بالامن العالمي  Global Security. Pettman: “Human security as global …”, op, cit, p. 137.

[103]. Baldwin: “The concept of security”, op, cit, p. 12.

[104]. Paris: “human security …”, op, cit, p. 90.

[105]. Baldwin: “The concept of security”, op, cit, p. 7.

[106]. King and Murray: “Rethinking human ….”, op, cit, p. 589.

[107]. Paris: “Human security …”, op, cit, p. 95.

[108]. ibid.

[109]. King and Murray: “Rethinking human ….”, op, cit, p. 591.

[110]. Paris: “Human security …”, op, cit, p. 88.

[111]. King and Murray: “Rethinking human ….”, op, cit. Paris: “Human security …”, op, cit.

[112]. Paris: “Human security …”, op, cit, p. 88.

[113]. Stephen Van Evera: “Vital Interest: Winning The War on Terror Require Peace Settlement”. The American Conservative, Vol. 4, No. 5 (March 2005), pp. 7-10. Stephen Walt: “Beyond Bin Laden: Reshaping U. S. Foreign Policy”. International Security, Vol. 26, No. 3 (Winter 2001/02), pp. 65-80.

[114]. Barry Posen: “Realism and Ethnic Conflict”, op, cit.

[115]. Nazli Choucri, Janet Welsh Brown, and Peter Haas: “Dimensions of National Security: the Case of Egypt”, in:  Janet Welsh Brown (ed.): “In the U.S. Interest: Resources, Growth, and Security in the Developing World”.  (Boulder: CO; Westview Press, 1990), pp. 89-119. Nazli Choucri: “Resource Constraints as Causes of Conflict”. Ecodecision (September 1991), pp. 52-55.  

[116]. Gerd Junne and Willemijn Verkoren (eds.): “Post-conflict Development: Meeting New Challenges”. (Boulder: CO; Lynne Rienner Publishers, 2005), p. 2.

[117]. Paris: “Human Security …”, op, cit, p. 102. Pettman: “Human Security as Global …”, op, cit.

[118]. op, cit, p. 101. Ronald Paris: “Rational and Irrational Approaches to Human Security: A Reply to Ralph Pettman”. Cambridge Review of International Affairs, Vol. 18, No. 3 (October 2005), pp. 479-481.

[119]. Nazli Choucri and Robert North: “Population and (In) security: National perspectives and Global Imperatives”, in: David B. Dewitt, David Haglund and John Kirton (eds.): “Emerging Trends in International Security”. (New York: Oxford University Press, 1993), pp. 230-231.   

[120]. Choucri and North: “Population and (In) security …”, op, cit, p. 231.

[121]. لمعرفة تأثير الاوضاع التنموية والكوارث الانسانية لدول العالم النامي على الاستراتيجية الامريكية للأمن القومي انظر:  

“America’s National Interests: The Commission on America’s National Interests”. (Washington D.  C.: The Commission on America’s National Interests, July 2000), pp. 20-37.  

[122]. Stephen Walt: “Beyond Bin Laden …”, op, cit, pp. 78-80.

[123]. البنك الدولي: ‘‘تقرير عن التنمية في العالم 2011: الصراع والأمن والتنمية: عرض عام’’. (واشنطون: البنك الدولي للإنشاء الإعمار, 2011).

[124]. King and Murray: “Rethinking human security ….”, op, cit, pp. 607-608.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

I hold a bachelor's degree in political science and international relations as well as a Master's degree in international security studies, alongside a passion for web development. During my studies, I gained a strong understanding of key political concepts, theories in international relations, security and strategic studies, as well as the tools and research methods used in these fields.

Articles: 14306

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *