تم العثور على 0 موضوع

الدولة الحديثة وإشكالية الهوية

ان الدولة الحديثة،بوصفها ظاهرة اجتماعية سياسية قانونية،هي التجسيد القانوني والسياسي والثقافي لمجموعة بشرية ذات علاقة وثيقة بالهوية الجماعية لهذه المجموعة البشرية التي تجسدها و  قد أثرت الدولة الحديثة لكونها نتاج ومنتج الحداثة والعصرنة،أثرت كثيراً في المجتمعات التقليدية وغيرت من تركيباتها وتكوينها وشكلها، من هنا فالهوية جوهر التفاعلات التي ينتجها تماهي مكونات الدولة في بوتقة مدنية كلية صاهرة لكافة مكوناتها الداخلية. إن الدولة إطار كلي، ينتج عن تمازج مجموعة من العناصر، الأمة المكونة للجماعة السياسية، والقيم والقوانين المكونة للنظام، والإقليم المكون للوطن ، والمؤسسات الإدارية (المدنية والعسكرية) المكونة للسلطة، وروح وجوهر هذا الرابط والنظام الكلي المسمى بالدولة هي الهوية التي تمثل  التمازج والتناغم والاتحاد بين عناصر الدولة، وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر ببعضها البعض في الوعي والثقافة والتشريع والتطبيق، وكلما تكاملت ونضمت وترسخت أسسها؛ كلما قويت الدولة وتجذرت، ومن هنا فبقاء الدولة مرتبط بفاعلية الهوية وقدرتها على البقاء والتجديد والتطور([1]).

مفاهيم سياسية:الدولة والدولة الحديثة

يبدو من الضروري قبل البدء بمعالجة موضوع الدراسة التقديم له بعرض إطاره النظري للتعرف على معاني مفرداته ومفاهيمه فلكي تكون الصورة واضحة قدر الإمكان عند دراسة أي مفهوم لا بد من معرفة معانيه ودلالاته تجنباً للخلط بين المفاهيم، وتحرراً من العموميات، ومقاربة للدقة والعلمية. ولأن الظواهر السياسية والاجتماعية –بصفة عامة- ظواهر مركبة، ومتعددة المتغيرات،فإن المفاهيم الدالة عليها تتسم بالعمومية والتعقيد وتعدد الأبعاد، كما أن المفاهيم تمثل نتاجاً لخبرة اجتماعية مشتركة تختلف بدورها من حيث الزمان والمكان، فإنّ استخدام مفاهيم معينة أو فهمها بدلالات ومعانٍ متعددة إنّما يعكس في حد ذاته تفضيلات وخيارات وثيقة الصلة بخبرة الجماعة([1]).لذلك تُعدّ عملية بناء الأُطر النظرية من المسائل الحاكمة في العلوم الاجتماعية، مادام أن منهجية الدراسة، وطبيعة معلوماته، ونوعية فروضه تتوقف في جانب مهم منها على هذا البناء، وتتصل به سلباً أو إيجاباً، فالأطر النظرية تبدو بمثابة “بناء متكامل من الأفكار والمفاهيم النظرية يؤدي كل منها إلى الآخر، وتربط بينها جميعاً رابطة واحدة”([2])، والإطار النظري لأي مفهوم، هو بناء مركب من عناصر متعددة، الأمر الذي يسوقنا إلى تفكيك المفهوم( موضوع الدراسة)، وتحديد ماهية كل عنصر من عناصره ،ومن ثم تركيب هذه العناصرعلى وفق علاقة أو رابطة تتحدد بدلالتها ماهية ذلك المفهوم([3]). ولا مرية في أن من الخطأ إستعمال الكلمات بدون تحديد مفاهيمها، فغالباً مايؤدي إهمال هذا التحديد على حد قول المؤرخ اليوناني (توسيديوس)، إلى أن نمتدح الطاعة العمياء كأنها الحرية، ونمجد الوحدة المفروضة بالإكراه كأنها تحقيق للديمقراطية”([4])،و لكننا وبدون أدنى شك نواجه صعوبات كثيرة في محاولاتنا لتحديد دلالة أي مفهوم في العلوم الاجتماعية بصورة عامة، والعلوم السياسية بصورة خاصة  نتيجة لتعدد الآراء واختلافها بشأن أي مفهوم من هذه المفاهيم، وذلك لتعدد وإختلاف المنطلقات الفكرية لأصحاب تلك الآراء، فضلاً عن الاختلاف في جملة الأوضاع الزمانية والمكانية المحيطة بكل منهم، هذا إلى جانب الطبيعة الخلافية لمواضيع العلوم الإنسانية بحكم ارتباطها بالإنسان، والمجتمع، ولكن على الرغم من كل هذه الصعوبات، لا بد لنا من أن نسعى قدر الإمكان لتحديد الإطار النظري، وان نعرّف المفاهيم التي نعتمدها في الدراسة، والمفاهيم الرئيسة في هذه الدراسة هي (الدولة الحديثة)، و(هوية الدولة الحديثة)، و(الهوية) ،و لذلك سنركز في الفصل الأول في تحديد ماهيتها لنتمكن بعد ذلك من دراسة مفردات هذه الرسالة .