دراسة الفقه السياسة الإسلامي

الموضوع في 'قسم مدخل علم السياسة و الفكر السياسي' بواسطة برق للأبحاث و الدراسات, بتاريخ ‏7 أكتوبر 2016.

  1. برق للأبحاث و الدراسات

    rank
    نجم الموسوعة

    إنضم إلينا في:
    ‏5 أكتوبر 2016
    المشاركات:
    52
    الإعجابات المتلقاة:
    40
    [​IMG]


    لم تكد تمضي أربعون سنة فقط على معاهدتي وستفاليا سنة 1648، حتى ألقى جون لوك John Locke بذور أفكاره الثورية والإصلاحية في التراب الأوروبي وبعده الأمريكي، لتنتج لبنات جديدة في بناء الدولة الحديثة[1]، فكان لصلح وستفاليا الفضل في إنهاء الحروب الدينية وبداية تشكل الدول القومية، وكان لكتاب “مقالتان في الحكم المدني ” لجون لوك الفضل في ترشيد هذا الكيان الوليد وإرساء أسس فلسفية قوية له، بحيث قامت ثلاث ثورات كبرى بناء على هذه الأفكار، هي الثورة المجيدة في بريطانيا سنة 1688، والثورة التحريرية في أمريكا سنة 1776، والثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789[2].

    ورغم المراوحات العديدة بين الثورات والثورات المضادة التي تطلبها تبلور مفهوم الدولة الحديثة في الغرب عموما، إلا أن أفكار التنوير في النهاية انتصرت ليتم عولمة النموذج، ليس بالضرورة في تبنيه من طرف كل دول العالم، ولكن في التحاكم إليه كنموذج فلسفي وقيمي، و في التشنيع الدولي على من شذ عليه.

    أما على الضفة الأخرى، فقد كانت نظم الخلافة الإسلامية المتزامنة والمتعاقبة والدويلات الإسلامية التقليدية الأخرى التي قامت تكابد القرون محافظة على نفس الرتابة على مستوى عالم الأفكار السياسية، رغم أن البدايات شكلت نموذجاً متفرداً على مستوى العالم، وباستعارة تعبير المستشرق الأمريكي دانكن بلاك ماكدونلد (1863- 1943) فإن “ اجتماع السقيفة يذكرنا إلى حد بعيد بمؤتمر سياسي، دارت فيه المناقشات وفق أساليب حديثة”[3]، وقد راوح الفقه السياسي الإسلامي بعد فترة الخلافة الراشدة؛ بين نموذجين متصارعين صبغا الحياة الفكرية السياسية، بين تغلب سياسي عسكري عرقي تدثر بعباءة الدين من خلال تبني الجبر، افتتح عصره الأمويون وواصل العباسيون نفس مساره عموما، وتغلب يستند بشكل صرف للنص مثل خط عموم الشيعة، وبين محاولات للعودة إلى نظام الشورى قادها فقهاء وثوار توزعوا – لحسن الحظ – على المذاهب و التيارات الإسلامية الكبرى سنية وشيعية وخارجية، في لفتة توحي بأن الاستبداد عامل تقسيم للأمة، والشورى توحدها.

    وفي هذا البحث نحاول تتبع ملامح الفقه السياسي الإسلامي المنسجم مع النظرية السياسية الإسلامية كما توضحها النصوص الشرعية والسوابق التاريخية (مبحث تمهيدي)، وهي نماذج جنينية لا تنتمي إلى مدرسة الجبر والتعصب العرقي في شقيه الأموي العربي والعباسي الشعوبي، ولا تنتمي إلى عموم المدارس الشيعية التي حاولت استبدال الحكم المطلق المستند إلى الجبر السياسي والعسكري، بحكم مطلق آخر مستند إلى النسب النبوي.

    ومن خلال تتبعنا لما يمكن أن نطلق عليه بالفقه السياسي الإسلامي المعارض للاستبداد، سواء كان هذا الفقه خارجيا أو سنيا أو شيعيا[4]، سوف نركز على مسألتين هامتين هما : آليات انتقال السلطة والشروط التي ينبغي أن تتوفر في الخليفة أو الإمام ( المبحث الأول ).

    ثم نعرج على واقع الفقه السياسي الإسلامي بعد ظهور الدولة الحديثة و ما مدى صلاحية ما أسميناه بالفقه السياسي الإسلامي المعارض للتعايش والانسجام مع مقومات ومفاهيم الدولة الحديثة (المبحث الثاني).

    مبحث تمهيدي: ملامح من النظرية السياسية الإسلامية من النصوص والسوابق

    من خلال استقراء النصوص الشرعية من قرآن وسنة، يمكن ملاحظة خمسة مبادئ دستورية إسلامية كبرى هي: الشورى، العدل، المساواة، طاعة الحاكم، الرقابة على الحكام.

    وتأتي الشورى في مقدمة هذه المبادئ ويكفي للتدليل على أهميتها التي تتجاوز فلسفة الحكم، إلى أن تكون منهج حياة للأمة المسلمة، أن سورة كاملة من القرآن الكريم حملت اسمها، ومما يلفت الانتباه أن هذه السورة ليست سورة مدنية، وإنما مكية، وقد انتبه الإمام الجصاص الرازي إلى المعنى الجليل في قوله تعالى: ” و الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” [5] فقال بأن الله تعالى ليدلنا على عظمة معاني الشورى والالتزام وسطها بين صلاة وزكاة أو إنفاق في سبيل الله من أجل تحري الدقة لأن الزكاة بمفهومها المعروف كانت لم تشرع بعد.

    وفضلا عن الموضع الذي وردت فيه كلمة “شورى” أعلاه، فإنها وردت أيضا في موضعين آخرين واحد يتعلق بــ ( الأمر ) أي بالسياسة وإدارة الشأن العام، وآخر يتناول الشؤون الأسرية وكيفية حل مشكلاتها، والعجيب أن الآية التي وردت في سورة آل عمران تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه وتؤكد على قيمة الشورى نزلت عقب هزيمة أحد، وهي الهزيمة التي تشير القراءة السطحية والظاهرية لها، أنها كانت بسبب عمل النبي برأي أصحابه بعد أن شاورهم، وقد كانوا من الشباب الذين تحمسوا للقتال خارج المدينة بخلاف رأي النبي الذي كان يقضي بمقاتلة المشركين من داخل بيوتها، فتنزل الآية لتقول للنبي ومن ورائه جموع المسلمين بأن يلتزم خط الشورى ولو أدت ظاهريا إلى نتائج سلبية في القريب المنظور، لأن عاقبتها الفلاح على المدى البعيد، وقد وضحت الآية ذلك بصراحة في قوله تعالى: ” فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” [6]، فإن عدم أخذ المشورة أو عدم احترامها بعد أخذها عاقبته الانفضاض الفعلي أو النفسي عن القائد والحاكم.

    وفي السيرة والسنة النبويتين نصوص ومواقف كثيرة تدلل على الخط الشوري الذي تبناه الرسول صلى الله علية وسلم، فقد شاور أصحابه في اختيار موطن القتال يوم بدر، وفي الموقف من أسرى بدر، ويوم غزوة الأحزاب، وفي اختيار وسيلة لإعلان الصلاة، وفي حدي الزنا والسرقة قبل نزول نص فيهما[7]، وغيرها من المناسبات والأحداث، وما يهمنا في هذا البحث هو معرفة هل تحولت هذه الممارسة النبوية المتكررة إلى عمل مؤسسي منظم ؟ أم أنها بقيت مجرد تصرفات فردية ؟

    وطبعا لا يجد الباحث نصوصا مكتوبة – بالمصطلح القانوني المعاصر – توضح تأسيس وتنظيم مثل هذه المؤسسات إن وجدت، ولكن من المعروف أن للقواعد العرفية مكانتها التي تضاهي القواعد المكتوبة وتتفوق عليها في كثير من الأحيان، وتشير السوابق الشورية للنبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود ما يشبه مجلس للشورى ضم سبعين عضوا كان يلجأ إليه النبي في مشاوراته[8]، وهيئة للنقباء الاثني عشر، ومؤسسة للمهاجرين الأولين[9]، وقد لعبت هذه الأخيرة أخطر الأدوار بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أنيط بها صلاحية ترشيح خليفة للمسلمين، وأخذ البيعة العامة له من عموم سكان المدينة آنذاك – حسبما كان متاحا في ذلك العصر -، وقد تشكلت هذه الهيئة من عشرة من كبار الصحابة، وهم: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد بن نفيل، أبو عبيدة بن الجراح، وقد أثرت طبيعة تشكيلة هذه الهيئة فيما بعد على المخرجات الفقهية ذات الطابع السياسي للفقهاء المسلمين، خصوصا السنة منهم، كشرط القرشية في تولي منصب الخليفة، والشروط المتعلقة بتعداد أهل الحل والعقد.

    ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أن اتخاذ الرسول لهذه الهيئة في مشورته، والصلاحيات التي ادعتها لنفسها وإقرار الناس لها بذلك بعد وفاته، لم تكن مرتبطة بنصوص صريحة من القرآن والسنة، وإنما هو السبق في الإسلام[10]، والمكانة الاجتماعية والسياسية لأصحابها، وتدابير السياسة، ويؤكد ذلك ما قاله أبو بكر الصديق في السقيفة: ” إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش” يقصد الحي الذي تكون في المدينة من الذين هاجروا من قريش، والذين تتزعمهم هيئة المهاجرين الأولين، والسوابق التاريخية تؤكد أنه في السقيفة بايع اثنان من هذه الهيئة هما أبو عبيدة وعمر، لثالث منها هو أبو بكر، فتم له الأمر، وعندما دنا أجل أبي بكر، استشار هذه الهيئة وعهد إلى واحد منها بالخلافة، ونفس الإجراءات التزم بها عمر، ومما يؤكد محورية هذه الهيئة أنها من كانت المحرض على الثورة ضد عثمان، بعد أن أحدث الأحداث التي أغضبت الناس و كبار الصحابة عليه، و يذكر ابن قتيبة أن الرسالة التي خرجت من المدينة إلى الأمصار وتدعو الثوار للقدوم للمدينة والخروج على عثمان، كانت هذه الهيئة هي من حررها وأرسلها[11]، وبعد مقتل عثمان اتجه الثوار الذين كانوا مسيطرين على المدينة آنذاك، إلى علي لمبايعته، فأخبرهم أن هذا الأمر مرده لمن تبقى من الهيئة، وكان بالمدينة آنذاك الزبير وطلحة، فأتوا عليا فبايعاه، ثم دار الصراع بينهم بعد ذلك، كما هو معروف، وبعد موت طلحة والزبير، بقي من الهيئة علي، فدار الصراع بينه وبين معاوية، ولما استشهد علي، انتهى هذا النظام الشوري وتحول الحكم إلى مُلك وراثي.

    ومن اللافت أنه على مدار الثلاثين سنة التي عرفت باسم الخلافة الراشدة في المراجع والمصادر المختلفة، فإن المسلمين الأوائل أرسوا نظاما فريدا، كانت فيه صلاحية الترشح لمنصب الخلافة مقيدة ومحصورة في مجموعة معينة توافرت فيها شروط موضوعية تلقى قبولا عاما، وكانت فيه صلاحية التصويت أو الاقتراع العام بالمصطلح المعاصر، مفتوحة أمام الناس في حدود إمكانيات ذلك العصر، وكان المحظور عرفا هو أن يعهد أحد الخلفاء بالخلافة من بعده إلى أحد أبنائه أو ذويه، بل لقد كان التثريب على عثمان على أقل من ذلك عندما بدأ بتعيين ذويه في مناصب الدولة الأقل شأنا من الخلافة العظمى، وكان ذلك أحد أسباب الثورة عليه.

    ومن المعروف اليوم، أنه من بين مثالب النظم الديمقراطية الحديثة؛ مسألة فتح معايير الترشح والترشيح لمنصب الرئاسة على مصراعيه لجميع المواطنين، فيمكن ببساطة لأقل الناس كفاءة وقبولا أن يصنع من نفسه رمزا ويصل لسدة الرئاسة إذا كان له جهاز إعلامي فعال ورأس مال داعم، بيد أن نظام الخلافة الأول كان نظاما مفتوحا على مستوى الحق في التصويت، ومغلقا على مستوى من يحق لهم الترشح، وقد كانوا مجموعة القيادات التأسيسية الذين أهلهم سبقهم وبذلهم في سبيل الدعوة، ثم تأتي بعد ذلك معايير العصبية التي كانت قانونا عرفيا آنذاك تدين به العرب.

    يضاف إلى ذلك أنه من بين مزايا ذلك النظام أنه رغم كون الترشيح مغلقا، إلا أن إرادة الجماهير كانت نافذة، فلم تكن تؤخذ البيعة العامة بالإكراه، ولو أن المسلمين رفضوا بيعة من رشحته لهم هيئة المهاجرين الأولين للخلافة، لما تم له الأمر، ورغم أن هذه المسألة لم تسندها سوابق خلال فترة الثلاثين سنة الأولى بعد وفاة الرسول، إلا أنه يسندها ما حدث بعد ذلك عندما تولى عمر بن العزيز، فإن أول ما فعله هو أنه خطب في الناس في المسجد، وخلع نفسه من البيعة التي أخذها سلفه له، وتمت مبايعته من جديد من الناس دون إكراه.

    ومن المقبول في الاجتماع السياسي في الكيانات السياسية التي تنشأ على أسس دينية وفكرية قوية، أن يكون للمؤسسين الأوائل شرعية الحكم فيها، وهي شرعية مستحقة تصمد أمام أي استحقاق ديمقراطي في البدايات الأولى للكيانات من هذا النوع، لكن الإشكال دائما يحدث في انتقال السلطة عندما يرحل هذا الجيل أو يوشك على الرحيل، وقد كانت الحجة القوية التي تذرع بها معاوية عندما جمع الناس من حوله هي رغبته في توسعة هيئة الشورى والترشيح، وهي الهيئة التي ننقل من الطبقات الكبرى لابن سعد أن عمر بن الخطاب قال فيها قبيل وفاته: ” إن هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، و في كذا و كذا، و ليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء“. وقد سعى عمر بهذا إلى إدخال تعديلات على النظام بعدما بدأ عدد هيئة المهاجرين الأولين في التناقص، وفي زمن علي عندما نشب الصراع بينه وبين معاوية لم يكن قد تبقى من هيئة الشورى التي تضم المهاجرين والأنصار وأهل بدر إلا العدد القليل، وقد اعتزل كثير منهم المشاركة في الحرب الدائرة رحاها بين المعسكرين، وللإنصاف فإن الخطاب السياسي الذي كان ينادي بتوسعة هيئة الشورى والبيعة العامة – بعدما اتسعت أقطار الدولة الإسلامية- كان هو الخطاب الأقوى، وقد كان هذا خطاب معاوية بغض النظر عن نواياه والانقلاب الذي قاده على النظام برمته بعد ذلك[12]، وعندما نتأمل هذه المرحلة المبكرة والمهمة من تاريخنا السياسي كمسلمين، نجد أن عدم مواكبة الفكر السياسي لامتدادات الجغرافيا والثقافة التي صحبت الفتوحات، قد أدى إلى ارتدادات عكسية قضت على نظام الشورى برمته، فالفكر والنظام الذي لا يتجدد يتبدد، ولو حصل هذا التجديد المنشود لكنا ربما رأينا بعد عقود قليلة انفتاح نظام الشورى على بقية المسلمين ممن شملتهم الفتوحات وربما غير المسلمين من رعايا الدولة الإسلامية، ولكنا رأينا انتقالا سلسا للسلطة العليا في الدولة من جيل المؤسسين إلى جيل التابعين، ولكن هكذا جرت الأمور، ورغم ذلك فإن جذوة المقاومة للنظام الملكي الوراثي الذي أرسى دعائمه معاوية لم تنطفئ رغم التعتيم والتشويه الذي مارسته المدارس الفقهية والفكرية التي أسسها و رعاها الاستبداد.

    المبحث الأول: الفقه السياسي الإسلامي المعارض للاستبداد

    رغم أن الكتابات التي تستحضر مصطلحات ومفاهيم العصر وتحاول أن تطبقها بأثر رجعي على التاريخ، تعتبر كتابات غير مقبولة علميا بشكل عام، ولكن يمكن تجاوزا قبولها إذا كان المغزى هو البحث في التاريخ عن نماذج صالحة للتطبيق المعاصر مع البناء عليها وتطويرها، ومن الأمثلة على ذلك اعتبار الخوارج أكثر الفرق الإسلامية ديمقراطية من حيث الشروط التي ينبغي توفرها في من يترشح للخلافة، فالاختيار عندهم يكون لأي مسلم تتوافر فيه الشروط سواء كان قرشيا أو عبدا أو حرا، وهذا المذهب كان يشكل قديما خروجا على كل ما ذهبت إليه أغلب المدارس الفقهية السنية والشيعية التي كانت تشترط قرشية الإمام، ولم يكتف الخوارج بإسقاط شرط القرشية نظريا من أدبياتهم بل إنهم كانوا يفضلون من لا نسب له ليسهل عزله إذا انحرف، وفي هذا دهاء سياسي يحاول أن يخفف من وطأة العصبية.

    ويعتبر مذهب الخوارج في هذه الجزئية هو الأقرب إلى روح عصرنا، وروح الإسلام حسب تعبير محمد عمارة[13]، وحسب مجموعة من العلماء المعاصرين من أمثال أبي زهرة الذي اعتبر رأيهم سديدا يجب الأخذ به في هذا الوقت[14]، وكذلك عبد الحليم محمود الذي يقول أن “رأيهم في الإمامة، هو الرأي الذي يؤيده الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه”[15]، والمتأمل في الفقه السياسي للخوارج يجد لهم رؤية متقدمة عن عصرهم بالنسبة للحقوق السياسية للمرأة، حيث أن فرقة منهم أجازت تولي المرأة لمنصب الإمامة العظمى[16] وطبقت ذلك عمليا، وهي فرقة الشبيبية نسبة إلى شبيب بن يزيد الشيباني، الذين ولوا عليهم غزالة أم شبيب ( المتوفاة سنة 77ه/196م)، وتزعم الروايات أنها خطبت على المنبر في الكوفة حين تولت الأمر.

    هذا الخط الديمقراطي الشوري في الفقه السياسي الإسلامي وإن كان خطا عاما ميز فرق الخوارج المختلفة، فإنه لم يكن كذلك بالنسبة للسنة والشيعة، ويمكننا أن نلمح ذلك من خلال ما كتبه الفقهاء التقليديون من كلا الطائفتين الكبيرتين فتجد أئمة المذاهب السنية الأربع وجمهور فقهاء السنة المتقدمين وكافة فرق الشيعة يشترطون في الإمام أن يكون من قريش[17]، فهل كانت هناك استثناءات طبعت تاريخنا الطويل؟ إن البحث عن جذور للديمقراطية من داخل تيارات أهل السنة يقودنا مباشرة إلى المعتزلة، وقد ذهب جمهورهم إلى إسقاط شرط القرشية فغيلان الدمشقي وهو من أبرز أعلامهم يقول بأن الإمامة تصلح في غير قريش، وكل من كان قائما بالكتاب والسنة فهو مستحق لها، ولا تثبت إلا بإجماع الأمة [18]، ويذهب ضرار بن عمرو الغطفاني – وهو من مشاهير المعتزلة أيضا وصاحب فرقة منهم حملت اسمه يقال لها الضرارية- مذهب بعض الخوارج بقوله : ” إذا اجتمع حبشي وقرشي كلاهما قائم بالكتاب والسنة فالواجب أن يقدم الحبشي، لأنه أسهل في خلعه إذا ارتكب ما يوجب الخلع [19] “.

    أما فيما يتعلق بآليات انتقال السلطة، فإن المراجع المتعددة لأعلام التيارات التقليدية السنية والشيعية، توضح أنها تتم إما تغلبا، أو عهدا، أو استخلافا في أحسن الأحوال كاختيار الخليفة لمجموعة تختار بينها إماما كما فعل عمر بن الخطاب وهو ما ذهب إليه ابن حزم ( المتوفى سنة 456ه/ 1064م)، ولنأخذ على سبيل المثال أيضا أحد أعلام الفقه السياسي الإسلامي، وهو الماوردي ( المتوفى سنة 364ه/974م)، حيث يرى أن انتقال السلطة يكون إما عن طريق اختيار أهل الحل والعقد أو عهد الإمام من قبل[20]، وما يحسب للماوردي هو ما يمكن أن نسميه مسألة تمدين الكتابة حول قضايا الإمامة والحكم، وهو بذلك خالف الشيعة الذين كانوا يوردون مسائل الإمامة ضمن كتب علم الكلام وأصول الاعتقاد، وخالف المعتزلة الذين جعلوها آخر مباحث علم الكلام، وخالف التيارات السنية التقليدية الأخرى التي كانت توردها ضمن مباحث الفقه، بأن جعل لها مبحثا مستقلا عن العقيدة والفقه أي فصل السياسة عن المباحث الدينية في تراث المسلمين السنة، ويتضح ذلك جليا من عنوان كتابه ” الأحكام السلطانية والولايات الدينية “، ويأتي أبو بكر الباقلاني ( المتوفى سنة 402ه/1013م) ليحصر المبايعة ويجيزها ولو من رجل واحد من أهل الحل والعقد، أو بعهد من الخليفة[21]، بل إن إماما جليلا مثل أبي بكر الطرطوشي ( المتوفى سنة 520 ه / 1099م ) يورد في مقدمة كتابه سراج الملوك أنه وضع هذا الكتاب من أجل أن يستغني به الحكيم عن مصاحبة الحكماء و الملك عن مشاورة الوزراء، ورغم صلاح الرجل الذي عرف به إلا أن هذا ما أوحت له به الثقافة السلطانية وتراكم السنون وسطوة الاستبداد في تاريخنا الإسلامي.

    ولكن في المقابل، فإن تتبعنا للثورات التي قامت ضد بني أمية وبني العباس، توضح أفكارا سياسية مغايرة تماما لما كان سائدا، رغم أن قادة هذه الثورات قد تعرضوا لحملات التشويه الذي مارسته ضدهم السلطة الحاكمة ومن تبعها من مدارس فقهية وفكرية، فمعبد الجهني ( المتوفى سنة 80 ه / 659 م ) الذي خرج في ثورة ابن الأشعث على الحجاج وقتله الحجاج بعد إخماد الثورة، شاع عنه أنه كان منحرفا فكريا واعتقاديا، وذلك لأن معبدا كان يقول أن أفعال الإنسان هي من حر اختياره[22]، وفي هذا تعارض مع ما كانت تقول به مدرسة الجبر والإرجاء التي كانت مدعومة من سلطة بني أمية، وهذا عمرو بن عبيد ( المتوفى سنة 144ه/761م ) وهو قائد تيار المعتزلة بعد وفاة واصل بن عطاء على الإطلاق، بعدما بدأت في التضعضع دولة بنو أمية ودخلت دورة الاضمحلال، يعقد مؤتمرا في مكة ويدعو لمبايعة النفس الزكية والعودة إلى نظام الشورى بعد الانقلاب المرير الذي قاده معاوية على النظام السياسي الشوري، والطريف أن أبا العباس السفاح وأبو جعفر المنصور قد شهدا هذا المؤتمر وبايعا النفس الزكية، غير أن الصفقة التي عقدها الخراسانيون مع فرع من بني العباس مثله السفاح الذي انقلب على خط الاعتزال وبيعة مكة، أدت إلى استبدال حكم أموي مطلق بحكم عباسي مطلق، ووجد تلميذ الأمس – المنصور – نفسه في مواجهة مدرسة أستاذه عمرو بن عبيد[23]، ويوضح لنا هذا العلم البارز كيف يمكن للعدل أن يرمم شيئا من العطب الذي طال الشرعية السياسية في تاريخنا، عندما سئل كيف تعترف بإمامة عمر بن العزيز، وهو قد تولى الخلافة بالميراث ودون شورى؟ فكان جواب عمرو : ” لقد أخذ عمر بن عبد العزيز الخلافة بغير حقها، ولا باستحقاق لها، ولكنه استحقها بالعدل حين أخذها[24].

    والحديث عن البيعة التي تمت للنفس الزكية، يقودنا إلى التطرق إلى مدرسة نادرة من مدارس أهل البيت، وهي المدرسة التي تبنت الفقه السياسي الشوري ضمن سياق شيعي قديم وحديث يعتبر مسألة الإمامة من أصول الاعتقاد ويبني نظريته السياسية العقائدية – إن صح التعبير – على النص المقدس وبالتالي يؤسس لحكم وراثي للنسب النبوي، بدل الحكم الوراثي الأموي والعباسي، وقائد مدرسة أهل البيت الشورية هذه هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، النفس الزكية (المتوفى سنة 145ه/762 م) وثورته كانت من أجل العودة إلى النظام الشوري، وهي ثورة مخضرمة، كانت على بني أمية و بني العباس، حيث اقتنع هو أبوه بمذهب واصل بن عطاء في الحرية وضرورة استعادة الشورى وانشقا مع فصيل من آل بيت النبي عن جعفر الصادق الذي كان يمنع على أتباعه الثورة، وقد جوبه النفس الزكية من معارضيه من الشيعة آنذاك بأن النص على إمامته لم يرد عندهم وبالتالي لا تجوز مبايعته.

    ولكن الاعتزال على زمن أبي بكر الأصم ( المتوفى سنة 201ه/892م )، والذي كان يقول أغلب رموزه بأن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع المسلمين[25]، هو غير الاعتزال الذي وصل إلى السلطة وتبناه ثلاثة خلفاء من خلفاء بني العباس هم المأمون (198-218ه/ 813-833م) والمعتصم (218-227ه/833-842م) والوائق (227-232ه/842-847م)، حيث كان الاعتزال في بداياته تيارا سياسيا وفكريا يحظى بدعم جماهير غفيرة من الناس، ولكنه بسبب الإغراق في المباحث الفلسفية خصوصا بعد حركة ترجمة فلسفة اليونان تحول إلى تيار نخبوي أو ما يشبه الأرستقراطية العلمية، فانفضت عنه الجماهير، وكان خطؤه القاتل هو أنه استعان بجهاز الدولة الموالية له فكريا لفرض آرائه على الجماهير وعلى التيارات الفكرية التقليدية الأخرى، وهذه هي المفارقة الكبرى بين النظري والتطبيقي، – وللأسف الشديد- تاريخنا الإسلامي لم يكن تاريخ الشورى، وحتى النماذج المعجبة فيه من الناحية النظرية فشل أصحابها أو من تبعهم في إنزالها على الواقع العملي، فتجد كل فرق الخوارج على سبيل المثال تسقط شرط القرشية من شروط الإمامة وتفتح إمكانية تولي العبيد والموالي للأمر مساواة لهم بالأحرار، ولكن عمليا عرف الخوارج بتعصبهم للعرب ولم يلي الأمر عندهم من الموالي إلا القليل كأبي طالوت الخارجي والذي سرعان ما خلع بعد توليه[26].

    و من الثورات القليلة في تاريخنا الإسلامي التي استطاعت أن تسقط القيم النظرية التي تؤمن بها على أرض الواقع، ثورة علي بن محمد ( المتوفى سنة 270ه/883م )، والتي عرفت بثورة الزنج، وهي الثورة التي شبهها طه حسين ( المتوفى سنة 1972م ) بثورة اسبارتاكوس ( 73-71 ق.م ) التي قامت لتحرير العبيد من مظالم الإمبراطورية الرومانية، وتمنى لو حظيت ثورة الزنج بما حظيت به تلك الثورة في المخيال الغربي المعاصر، وقد كان علي بن محمد، قائد ثورة الزنج، من المقربين للخليفة المنتصر ومعاونا له على تحرير الخلافة من هيمنة الأتراك[27]، ورغم أننا لا نعثر على معلومات دقيقة من المصادر المختلفة حول الاتجاه الفكري الذي تبناه علي بن محمد، إلا على سبيل القدح والتهجم، حيث ذهب الطبري والمسعودي وابن خلدون إلى اعتباره من الخوارج الأزارقة، إلا أن التحقيق الذي قام به المفكر محمد عمارة أثبت قدرا كبيرا من التجني على هذه الثورة النادرة، ويخلص إلى أنها كانت ثورة لاسترجاع نظام الشورى الذي طمس معالمه الاستبداد[28]، ولأن جمعا غفيرا من العبيد قد انضم إلى هذه الثورة بعدما هربوا من أسيادهم وانشقوا عن فرق العبيد التي كان يتشكل منها جيش الدولة، فإن من أبرز سمات هذه الدولة الثورية أنها كانت دولة بدون رقيق، وهي بذلك قد جسدت نموذجا متفردا في ذلك العصر وكل العصور التي تلته من حيث تكريس مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، وقد امتدت هذه الثورة 21 عاما من 249-270 ه، وهي ثورة عمرت طويلاً مقارنة بأغلب الثورات التي قامت على بني أمية وبني العباس، ويمكن أن نطلق عليها الثورة الدولة، لأن قليلا من الثورات ذات الخلفية السياسية المناهضة للاستبداد في تاريخنا الإسلامي تمكنت من إقامة دول.

    هذا، ولم يكن كل منظري الفقه السياسي الإسلامي المعارض للاستبداد، من أنصار الثورات المسلحة، وهو موقف سياسي بامتياز لما رأوه من مآسيها بعدما فشلت في تحقيق أهدافها، وقد طور هؤلاء طرقا مبتكرة للمعارضة السلمية، وقد كان الحسن البصري (المتوفى سنة 110 هـ / 728 م ) معارضا لمظالم الدولة الأموية فلم يؤيد من خلفائها أحدا إلا عمر بن عبد العزيز – لما حلت جزئيا مسألة الشرعية السياسية – فتولى له قضاء البصرة، وكان يشترط لتأييد الثورات أن تجتمع لأصحابها أسباب النصر أو ما يرجح النصر، وهنا لفتة مهمة إلا أن الاعتراضات على الثورات في بدايات الحكم الإسلامي كانت اعتراضات سياسية وتحولت فيما بعد إلى اعتراضات فقهية وعقائدية.

    وعن حرية نقد الحاكم، فعندما كان فقهاء السلطان ينهون العامة عن انتقاد الحكام بحجة أنها غيبة، كان الحسن البصري يعلنها على الملأ أنه: ” ليس للفاسق المعلن غيبة، ولا لأهل البدع والأهواء غيبة، و لا للسلطان الجائر غيبة “ فأعمالهم ملك للرأي العام.

    وموقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام ( المتوفى سنة 660ه / 1262 ) في مواجهة الاستبداد، موقف مشهود وهو نضال سياسي عن طريق الفتوى عندما أفتى ببيع الأمراء المماليك الذين اشترتهم الدولة وهم صغار بالمال ودربتهم وجعلت منهم مقاتلين أشداء حتى وصلوا إلى منصب نائب السلطان[29].

    نختم هذا المبحث، بموقف لأبي الوليد بن رشد ( المتوفى سنة 1126ه/1198م ) من مسألة انغماس العسكر في الفساد وخطر ذلك على الكيان السياسي برمته، فيقول: ” … وتعد إقطاعات الجيش آفة الدول “، ثم يلخص هذه الحالة من الخلل في المجتمع بعبارة قاسية جدا عندما يقول: ” وما يحدث لو أكلت كلاب الراعي غنمه “، أما عن النموذج من أنظمة الحكم والسياسة التي يحبذها ابن رشد و يمنحها إعجابه، فهو النظام الشوري الذي أقامه العرب المسلمون في شبه الجزيرة العربية قبل أن تسيطر قوانين الوراثة الأموية على معالم التجربة الإسلامية الثورية البكر، فيقول : “وتعد جمهورية العرب القديمة نسخة تامة المطابقة لجمهورية أفلاطون “، ثم يدين الحكم المطلق والانقلابات التي جاء بها النظام الأموي بقوله: “وقد أفسد معاوية هذا المثل الأعلى الرائع بإقامته حكم بني أمية المطلق، وفتح تاريخ الانقلابات التي لم تخرج جزيرتنا من نطاقها “[30].

    المبحث الثاني: الفقه السياسي الإسلامي و نظم الحكم الجمهورية العربية المعاصرة

    عندما يقول كارل ماركس بأن: ” الدولة لم توجد منذ الأزل ولن تستمر إلى الأبد “، فإن هذا يدفعنا إلى البحث عن نشأة الدولة بما أن لها بداية، ورغم تعدد النظريات حول ذلك، فإن ما يهمنا في هذا البحث وما يتسق مع موضوعه، هي نظرية العقد الاجتماعي، وهي نظرية تعود جذورها إلى أرسطو الذي كان يرى بأن الدولة تنشئ برضى المجتمع، ولكن هذه النظرية لم تتبلور بشكل واضح إلا على يد ثلاثة من أعلام العصر الحديث الغربيين، و هم: توماس هوبز ( المتوفى سنة 1588 م )، جون لوك (المتوفى سنة 1632م) و جان جاك روسو ( المتوفى سنة 1712 م )، وإذا كان التاريخ المتداول لنشأة الدولة الحديثة التي أسس لها هؤلاء بأفكارهم وأنضجوا تجربتها، هو العام 1648، فإن بعض المصادر العربية تربط تاريخ نشأة أول دولة عربية مدنية حديثة بتلك الثورة الدستورية التي قادها عمر مكرم ( المتوفى سنة 1237ه/1822م ) سنة 1805 م ضد الوالي العثماني خورشيد باشا[31]، وهي الثورة التي جاءت بمحمد علي باشا إلى ولاية مصر وانفصلت بها بعد ذلك عن السلطة العثمانية، وعلى مدار 150 سنة تقريبا التي تفصل بين التاريخين، تاريخ الدولة الحديثة الغربية والعربية، نسجل أن الفقه السياسي الإسلامي كان لا يزال يراوح مكانه مجترا نفس الأفكار السياسية القديمة، ولا يكاد الباحث يعثر على شيء يذكر رغم الزلزال الكبير على مستوى التحولات الفكرية والسياسية الذي كانت تحدث في الجوار في أوربا، وتجد على سبيل المثال علما من الأعلام هو الإمام الشوكاني ( المتوفى سنة 1250ه/1829م) لم يعدو أن قام بتوسيع شرط الفاطمية في الإمام ليشمل القرشية[32].

    ولكن القرن التاسع عشر وما بعده كسر هذه الرتابة في الفكر والفقه السياسي الإسلامي، وهي صحوة فرضها التخلف الشديد الذي كان يعانيه العالم الإسلامي وبدايات الهجمة الأوربية عليه، والتي عادت بغير الوجه المتخلف الذي ميزها إبان الحروب الصليبية، فكانت الصيحات التي أطلقها رفاعة الطهطاوي ( المتوفى سنة 1290ه/1873م) من أجل الاستفادة من حضارة هذا الغرب الناهض بما لا يتصادم مع القيم الإسلامية، وبالتزامن مع رفاعة كانت دعوة خير الدين التونسي ( المتوفى سنة 1308ه/1890م ) إلى الاستفادة من ميزة الغرب التي جعلته ينهض بهذا الشكل، وهي ميزة التنظيمات السياسية، ولما كانت النظم السياسية الجمهورية لم تظهر بعد آنذاك في المنطقة العربية، والتي كانت في مجملها خاضعة للسلطة العثمانية والبقية كانت عبارة عن ممالك وسلطنات، فإن جهود المفكرين المجددين من أمثال جمال الدين الأفغاني ( المتوفى سنة 1314ه/1897م) وعبد الرحمن الكواكبي ( المتوفى سنة 1320ه/ 1902م) انصبت في شقها السياسي إلى الدعوة لإقامة نظم ملكية دستورية، ويعبر الأفغاني عن ذلك بشكل صريح بقوله أن الحكم الجمهوري لا يصلح للشرق في هذا الوقت، وأن الأفضل هو الحكم الملكي الدستوري[33]، ومثلما كان سائدا في العصر الأموي والعباسي فإن طبيعة المعارضة للنظام الملكي المطلق اتخذت شكل الحركات الثورية التي كان الأفغاني والكواكبي يحسبان عليها، أو شكل الحركات الإصلاحية التي يعتبر من أبرز روادها محمد عبده ( المتوفى سنة 1323ه/1905م) وتلميذه رشيد رضا (المتوفى سنة 1354ه/1935م).

    على أن القضايا التي كان يتعاطى معها الفقه السياسي الإسلامي المعارض عندما كان العالم الإسلامي يعاني من الاستبداد والحكم الفردي، تراجعت بسبب تغير الظروف السياسية مع سقوط أغلب دول العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار، وتحولت بوصلة الثورات المسلحة والنضال السياسي إلى مقاومة المحتل الخارجي بدل المستبد الداخلي، لتعود هذه القضايا لتطرح بقوة على المستوى الفكري النظري بعد خروج المستعمر عسكريا، ولتطرح بقوة على مستوى الحراك الشعبي السلمي والمسلح مع بداية ثورات الربيع العربي، ولكن هذه المرة بعد أن ظهرت إلى الوجود مجموعة من نظم الحكم العربية الجمهورية، وفي هذا المبحث نريد أن نتطرق إلى شروط تولي رئاسة الدولة وكيفية انتقال السلطة من منظور الفقه السياسي الإسلامي التقليدي والمعارض ومقارنة ذلك بما تنص عليه دساتير أنظمة الحكم الجمهوري في المنطقة العربية.

    وأول شرط يضعه الفقه السياسي الإسلامي بشكل عام للإمامة هو شرط الإسلام، وهو شرط يلقى إجماعا بين مختلف الفرق والمدارس، وقد حظر الشافعية ولاية الكافر حتى على الكفار[34]، وتضمين هذا الشرط في الدساتير الحديثة جرت عليه العادة في الغرب فمثلا تنص دساتير كل من انجلترا، الدانمارك، السويد والنرويج أن يكون الملك إنجيليا[35]، أما على مستوى النظم الجمهورية العربية، فهناك دول اكتفت بالنص على أن الإسلام دين الدولة في دساتيرها ويفهم ضمنيا من ذلك أن يكون دين الرئيس هو الإسلام مثل العراق[36]، مصر[37] وليبيا في دستورها الانتقالي[38]، وهناك دولة عربية وحيدة اكتفت بالنص على أن دين الرئيس هو الإسلام دون التطرق لدين الدولة، وذلك تحت ضغط الشارع سنة 1973، وهي سوريا[39]، وبسبب القمع السياسي الشديد لم يحظ موضوع اعتبار الطائفة العلوية النصيرية التي مثلها حافظ الأسد وابنه بشار فيما بعد، طائفة خارجة عن الإسلام أصلا، ولم نرَ نفض الغبار عن فتوى ابن تيمية إلا لما اشتعلت الثورة السورية.

    ونجد دولتين عربيتين مثل السودان[40] ولبنان لم ينص دستورهما لا على دين الدولة ولا على دين الرئيس بسبب الوضع الخاص لهما من حيث التنوع الديني، المذهبي، العرقي واللغوي.

    في حين نجد دولا مثل تونس[41]، الجزائر[42] واليمن[43]، موريتانيا[44] تجمع دساتيرها بين النص على أن دين الدولة ودين الرئيس هو الإسلام.

    ويتبع شرط الإسلام شرط التكليف في الفقه الإسلامي التقليدي، حيث يقول بن حزم: ” وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة … صبي لم يبلغ، إلا الرافضة … “[45]، ولكن السوابق التاريخية تؤكد أن هذا الرأي الفقهي لم يحترم دائما فقد ولي صبية في تاريخنا الإسلامي، لأن حاشية السلطان أو صناع الأئمة كان يستهدفون من ذلك السيطرة على السلطة والتحكم فيها من خلالهم، وطبعا ينسجم مع الفقه التقليدي الفقه السياسي الإسلامي المعارض الذي يتبنى تماما ما ذهبت إليه الدساتير الحديثة من تحديد حد أدنى لسن المترشحين للرئاسة، وبالنسبة لدساتير النظم الجمهورية العربية نجد أنها تكاد تجمع على تحديد السن الأدنى لتولي الرئاسة، وهو سن أربعين سنة (40)، نصت على ذلك دساتير كل من السودان[46]، العراق[47]، اليمن[48]، مصر[49] و الجزائر[50]، ومن اللافت أن الدستور الموريتاني في آخر تعديلاته حافظ على نفس شرط السن الأدنى و هو 40 سنة، ولكنه حدد سنا أقصى للترشح وهو 75 سنة[51]، فيما يبدو تلافيا لظاهرة عربية هي ظاهرة المخرفين في السلطة، وشذ عن قاعدة الأربعون سنة دستور ما بعد الثورة في تونس[52] الذي خفض سن الترشح لرئاسة الجمهورية من 40 سنة إلى 35 سنة، وهو شذوذ إيجابي عن القاعدة، بيد أننا نجد شذوذا سلبيا على قاعدة الأربعين سنة طبع الحالة السورية عندما تم تعديل الدستور السوري وخفض سن الترشح للرئاسة من 40 إلى 34 سنة[53] خصيصا لتتناسب مع سن بشار الأسد آنذاك بعد وفاة والده، و لكن سرعان ما تم العودة لسن 40 سنة بموجب التعديلات التي تضمنها دستور سنة 2012، وهذا ينسف قاعدة العمومية والتجريد في صياغة القواعد القانونية والدستورية.

    وقد تفرد لبنان من بين جميع الدول العربية ذات الأنظمة الجمهورية، بعدم النص على شرط السن للمترشح للرئاسة.

    ونصل إلى شرط الذكورة وهو الشرط الذي ستفترق حوله الآراء بين الفقه السياسي الإسلامي التقليدي والمعارض التنويري، حيث كما أوردنا أعلاه أنه كان هناك إجماع على عدم جواز تولي المرأة لمنصب الإمامة، وشذ عن ذلك نظريةً وواقعاً فرقة الشبيبية من الخوارج، كما شذ عن ذلك واقعا وتمردا على النظرية امرأة مثل شجرة الدر في مصر، لكن ما كان شاذاً قديماً أصبح اليوم مستساغا ومؤصلا شرعيا، وفي الواقع العربي المعاصر يمكن ملاحظة أن النظرية والتأصيل يسبقان التطبيق، فلم تصل للسلطة في الدول العربية ذات النظم الجمهورية أي امرأة، كما أن كل دساتير هذه الدول – عدا الدستور التونسي[54] – تستخدم صيغة الذكورة حول رئيس الجمهورية، وإن كان أغلب اللغويون يقولون بأن اللفظ عام يسري على الجنسين، ولكن ما يؤكد ذلك فعلا من الناحية القانونية هو تطبيق النصوص على أرض الواقع، وقد ترشحت بالفعل مجموعة من النساء في دول عربية لانتخابات الرئاسة، كفاطمة الطيب من الصومال، فاطمة عبد المحمود في السودان، كلثوم كنو في تونس، بثينة كامل في مصر، رشيدة القيلي في اليمن، لويزة حنون في الجزائر و سهلة في موريتانيا، ولكن ما يعوق تحسين وضع المرأة حاليا ليس الفقه ولا القانون وإنما أطر للتفكير والممارسة الذكورية طوال قرون طويلة و هي تحتاج وقتا لتزول.

    هذا وقد سبق الإشارة إلى شرط النسب في المبحث السابق، بين الفقه السياسي الإسلامي التقليدي والفقه السياسي الإسلامي المعارض، وهو شرط أسقط من الأنظمة الجمهورية الحديثة بما فيها الدساتير العربية محل الدراسة.

    وهناك بعض الشروط التي لم تعد صالحة للعصر ولم تعد تتوافق مع الفقه السياسي المعاصر ونظم الحكم المختلفة كشرط الحرية، كما أن هناك شروطا قديمة أوردها الفقه التقليدي هي شروط نسبية الدلالة والتحقيق وقد تجاوزها الفقه المعاصر ومنظومة الدولة الحديثة كشرط الكفاية، الفضل، الوحدة أو التعدد، وشرط العلم الذي كان يراد به على الأغلب العلم الشرعي، غير أننا نجد في الدستور السوداني شرطا غريبا من شروط الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، وهو أن يكون المرشح ملما بالقراءة والكتابة[55]، أي أنه يكفي أن لا تكون أميا لتترشح لمنصب الرئاسة، في حين تصمت بقية الدساتير العربية على النص على أي حد أدنى للكفاءة العلمية، عدا الدستور العراقي الذي يشترط الشهادة الجامعية أو ما يعادلها بالنسبة لرئيس الوزراء ونواب البرلمان، ويكاد يجمع الفقهاء القدماء على شرط السلامة، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك، وهو شرط تتناوله الدساتير عادة في خانة الموانع من ممارسة الوظيفة وليس في خانة شروط الترشح، رغم أن الدستور السوداني ينص على أن من شروط الترشح سلامة العقل[56]، ولا تزال مسألة التحقق من شرط السلامة تثير إشكالات كبيرة في الجزائر، إذ رغم معرفة الشعب الجزائري بأن رئيسهم عاجز جسميا وعقليا عن ممارسة مهامه، و رغم أن الدستور ينص على أنه في حالة حدوث مانع صحي للرئيس فإن المجلس الدستوري يعلن حالة الشغور، لكن الدستور نفسه لا يحدد لنا من هي الجهة التي يتعين عليها إخطار المجلس الدستوري بهذا المانع، والمجلس الدستوري في حد ذاته مجلس يعينه الرئيس فهو غير مستقل، وهذا ينبهنا إلى أن الثغرات الموجودة في النصوص القانونية تؤدي إلى تكريس حالة الاستبداد وتحميها في كثير من الأحيان.

    ومما لا شك فيه أن رباط الجنسية هو نتاج للدولة الحديثة التي قامت على القوميات، وهو مفهوم لم يعرفه الفقه السياسي الإسلامي التقليدي، لكن الفقه السياسي الإسلامي المعاصر تكيف معه، وتراوحت دساتير النظم العربية محل الدراسة بين دساتير تتشدد في شروط الجنسية للمرشحين للرئاسة، فتشترط الجنسية الأصلية للمرشح ولوالديه ولزوجته، مع عدم حصوله من قبل على أي جنسية أجنبية كما ذهبت إلى ذلك الجزائر في آخر تعديل للدستور فيها، ومثلها اليمن وسوريا ومصر، في حين لم ينص كل من دستوري السودان والعراق على أي شرط يتعلق بجنسية الزوجة واكتفيا بالنص على جنسية المترشح في السودان[57]، وجنسية المترشح ووالديه في العراق[58]، ويستمر الدستور التونسي بعد الثورة يتمايز عن كافة الدساتير العربية، ففي هذه الجزئية يعتبر الدستور العربي الوحيد الذي ينص صراحة على إمكانية أن يتمتع المرشحون للرئاسة بجنسيات أخرى ويشترط عليهم أن يقدموا تعهدا بالتخلي عنها عند التصريح بانتخابه رئيسا للجمهورية[59].

    وعن آليات انتقال السلطة بين الفقه التقليدي والفقه المعارض والنظم المعاصرة، نجد أن الفقه السياسي الإسلامي التقليدي ناقش نظريا كثيرا من المسائل الفقهية المتعلقة بانتقال السلطة كالموت، وحدوث مانع صحي للخليفة يعوق أداء مهامه، والعزل على أساس المسؤولية، وانتفاء شرط من الشروط الأساسية للإمامة كالكفر بعد الإسلام، وترك الصلاة … إلخ، والاستقالة[60]، ولكن كانت الآراء الفقهية التي تتمخض عن هذه النقاشات بين المذاهب تصطدم عند التطبيق بغياب الآليات القانونية اللازمة، أو بقصور في النظرية السياسية ذاتها، وأمام عدم جدوى التطبيق، تسقط دائما خيارات انتقال السلطة بشكل سلمي، وهذا ما توصل إليه رواد الفقه السياسي الإسلامي المعارض، عندما أشعلوا ثوراتهم عبر التاريخ الإسلامي، بيد أن الوضع لم يتغير كثيرا بالنسبة لنظم الحكم العربية المعاصرة، فقد غير الاستبداد جلده على الدوام، وتبعه في ذلك الفقه السياسي الإسلامي التقليدي الذي تعايش على الدوام مع ملكيات مطلقة قبل تشكل الدولة الحديثة وتكيف ليتعايش مع جمهوريات مطلقة بعد تشكلها، فتجد عمر البشير مثلا يترشح لعهدة سادسة بعد الانقلاب وثالثة بعد دستور 2005 الذي نصت مادته 57 على أن العهدة الرئاسية هي خمسة (05) سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فحسب، وتجد بوتفليقة يعدل الدستور سنة 2008 ليسمح له بالترشح لعهدة ثالثة ورابعة ويعود إلى تعديل الدستور من جديد سنة 2016 ليعيد العمل بنظام العهدتين بعد أن قضى وطره، وطبعا تمرر التعديلات الدستورية دائما من خلال البرلمان المزور، رغم أن نص الدستور ذاته واضح من حيث إعطاء الأولوية في التعديلات لطريقة الاستفتاء الشعبي، وفي سوريا يعدل الدستور لأجل خفض سن الترشح إلى 34 سنة ليتمكن من الرئاسة بشار الأسد ويعاد تعديل نفس الشرط ليصبح 40 سنة، وفي سوريا ذاتها لما احتج الناس في السبعينات على كون الرئيس العلوي حافظ ليس مسلما، وبالتالي لا يحق له دستوريا هذا المنصب، تجد من ينبري من وعاظ السلاطين ليقول للناس بأنه قد أسلم ومنذ ذلك الحين بدأ حافظ يصلي صلاة العيد خلف المسلمين السنة وتبعه في ذلك ابنه بشار.

    وإزاء هذا الواقع من الحكم المطلق الذي طبع أغلب أنظمة الحكم الجمهوري في العالم العربي، يعيد التاريخ نفسه من جديد، وتستمر نفس معركة التحرر من الاستبداد التي استعرضنا نماذج عنها، بشقيها الإصلاحي الذي جربته الشعوب العربية بعيد الاستقلال، والثوري الذي انطلق مع ثورات الربيع العربي.



    • عمر روابحي


    “الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات “

    جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016




    لزيارة موقعنا على الانترنت
    http://barq-rs.com/barq/

    صفحتنا على الفيس بوك
    https://www.facebook.com/barqrs

    توتير
    https://twitter.com/barq_rs
     

مشاركة هذه الصفحة

  • من نحن

    موقع عربي أكاديمي أنشئ خصيصاً للمهتمين والباحثين في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. تضم الموسوعة مقالات، بحوث، كتب ومحاضرات، تتناول القضايا السياسية، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية والقانونية.
  • ملاحظة حول الحقوق الفكرية

    الآراء والافكار الواردة في مقالات، بحوث، محاضرات والكتب المنشورة على الموقع لا تعبر بالضرورة عن مواقف وأراء إدارة الموقع ولا تلزم إلا مؤلفيها. إن الموسوعة هي منصة أكاديمية للنشر الإلكتروني مفتوحة أمام الكتاب والقراء لرفع المواد وتعديلها وفق سياسة المشاع الإبداعي العالمية، يتم رفع الملفات ومشاركتها عبر شبكة الإنترنت تحت هذا البند، إن مسؤولية الملفات المرفوعة في الموسوعة تعود للمستخدم الذي وفّر هذه المادة عبر الموسوعة ، حيث تعد الموسوعة مجرد وسيلة بين الكاتب والقارئ، إذا كنت تعتقد أن نشر أي من هذه الملفات الإلكترونية ينتهك قوانين النشر والتوزيع لكتبك أو مؤسسة النشر التي تعمل بها أو من تنوب عنهم قانونياً، أو أي انتهاك من أي نوع فيرجى التبليغ عن هذا الملف عبر خاصية "اتصل بنا " الواقعة في آخر الصفحة لكل كتاب الكتروني، علماً أنه سيتم النظر في التبليغ وإزالة الملف الإلكتروني عند التأكد من الإنتهاك خلال مدة أقصاها 48 ساعة.