1. politics-dz

    politics-dz مدير الموقع
    طاقم الإدارة politico نجم المنتدى

    Country:
    Algeria
    إنضم إلينا في:
    ‏22 فبراير 2015
    المشاركات:
    4,733
    الإعجابات المتلقاة:
    11,256


    أدت الثورة الفرنسية، وهي أول ممارسة مساواتية-عقلانية في العصر الحديث، إلى (حقبة الرعب) وكانت إلى حد بعيد مسؤولة عن التمهيد للثورات الماركسية، سواء كان ذلك على صعيد الشكل أم المضمون، فقد أنتجت الثورة الأمريكية أول ديمقراطية في العصر الحديث وتمخضت عن مجتمع لم تشهد له الإنسانية مثيلا في الحرية والازدهار.

    وكما لاحظ اللورد آكتون لاحقا، فإن أوروبا بدت عاجزة عن احتضان الحرية، وكان على الحرية أن تبحث عن أرض خصبة في أمريكا لتغزو العالم انطلاقا منها؛ وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لم تنتهج الثورة الأمريكية مسار الثورات الأخرى وتتمخض خلافا لها عن مجتمع حر على الصعيدين السياسي والاقتصادي؟

    يتمثل الجواب في أن استقلال أمريكا لم يكن نتيجة لعمل ثوري في الحقيقة، فالأمريكيون، وخلافا للفرنسيين والسوفييتيين، لم يحاولوا قط أن يؤسسوا لنظام يبدأ من الصفر، ولم يثقوا مطلقا بأي خطط للهندسة الاجتماعية يرسمها المفكرون.

    فعندما ثار سكان المستوطنات على ملك بريطانيا فعلوا ذلك بشكل عقلاني من خلال اتهامه بانتهاك المؤسسات والمبادئ الأكثر جوهرية في التقليد البريطاني، ومن بينها: التشديد على الحق في التملك، والالتزام بالإجراءات القانونية المرعية، والتمثيل السياسي.

    لقد قام أوائل سكان المستوطنات، ومنذ وصولهم إلى أمريكا، بتطبيق مبدأ (حكم القانون) ومبادئ السيادة الشعبية كأساسين للنظام السياسي، ولهذا كانت الثورة الأمريكية صراعا للحفاظ على مؤسسات قائمة من قبل، ولم تكن صراعا لتهديم هذه المؤسسات.

    وعلى هذا الأساس فإن السياسي البريطاني إدموند بيرك الذي شن هجوما لاذعا ضد الثورة الفرنسية ومحاولتها بناء نظام جديد كليا من الأعلى كان يسوق الأعذار للثورة الأمريكية من خلال الإشارة إلى أن سكان المستوطنات “لم يكونوا مخلصين للحرية وحسب، وإنما كانوا أيضا مخلصين للحرية وفقا للأفكار البريطانية، وعلى أساس المبادئ البريطانية”.

    كما إن جون آدامز، الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ربما يحتل المرتبة الأولى في انتشار أعماله من بين الآباء المؤسسين، وصل إلى حد القول بأن الثورة الفرنسية، بما فيها من مساواتية وعقلانية، لم تمتلك أي “مبدأ مشترك” مع الثورة الأمريكية، وبأن كل الدساتير التي أنتجتها الثورة الفرنسية يمكن اعتبارها “حماقات”. وهو عامل أساسي طالما كان يميز الليبراليين الكلاسيكيين عن الاشتراكيين، فالليبراليون الكلاسيكيون في التقليد الأنغلوساكسوني يعتقدون بأن التقدم يحصل كنتيجة لعملية تطور طويلة ومعقدة تنقاد بتأثير قوى تلقائية تتطور من داخل المجتمع. فالمؤسسات المختلفة التي بني عليها المجتمع، كاللغة والملكية والأسرة والنقود والسوق والكثير غيرها، لم “يخترعها” أحد العقول الذكية، وإنما انبثقت بشكل تدريجي عبر الملايين من الأفعال البشرية دون أي توجيه من سلطة بعينها.

    ولهذا السبب ينظر الليبراليون الكلاسيكيون إلى الحرية باعتبارها منبع التقدم، أما الاشتراكيون، ومن يدعون بالليبراليين التقدميين، فيميلون إلى الاعتقاد بأن التقدم يمكن تصميمه من الأعلى وبأن كل ما يحتاجه ترقي المجتمع هو نخبة سياسية وفكرية متنورة تسن قوانين محددة لتوجيه حياة المواطنين، مما يجعلها تنظر إلى الدولة باعتبارها حلا لكل المشكلات.

    إن الليبرالية التي أنجبت الديمقراطية والنجاح الاقتصادي في أمريكا تعتمد على إبداع الأشخاص العاديين وكفاءة المجتمع المدني في توفير العناية لمن يحتاج إليها. والنقطة الأخيرة تتمتع بأهمية مصيرية، فالأمر الذي أثار انتباه المفكر الفرنسي أليكسي دوتوكفيل أكثر من غيره أثناء زيارته للولايات المتحدة في القرن التاسع عشر كان عدد الجمعيات المدنية الطوعية التي كانت تمتد في جميع أنحاء البلاد لتلبية احتياجات المجتمع، حيث لاحظ دوتوكفيل فرقا شاسعا في هذا المجال بين الولايات المتحدة وبين فرنسا التي كانت الدولة فيها مسؤولة عن كل شيء.

    كما اشتكى مفكر فرنسي آخر، وهو الاقتصادي فريدريك باستيا، من أن الفرنسيين كانوا ينتظرون من الدولة أن تقدم لهم “كل ما يمكن تخيله من المنافع البشرية”، بينما لم يكن الأمريكيون ينتظرون أي شيء من أي أحد سوى أنفسهم. وإذا أخذنا كل المؤشرات الكمية بالحسبان، فيمكن القول بأن الشعب الأمريكي لا يزال حتى يومنا هذا في صدارة شعوب العالم على صعيد التوحد والعمل الخيري.

    إن التضامن العظيم الذي يسود الولايات المتحدة يترابط مع فهم الشعب الأمريكي للحرية بأنها تعني غياب تدخل أي طرف ثالث في حياة الآخرين، وهذا الفهم يجعل المرء حرا ما دام غير معرض لإرادة الآخرين حتى عندما تكون موارده محدودة؛ فعندما يكون المرء متسيدا لمصيره الخاص به يجعله ذلك مسؤولا عن حياته، كما يجعله مسؤولا، بالمعنى الأخوي، عن المستوى المعيشي لجيرانه الذين يعانون من المحن.

    وعلى الرغم من أن توسع دولة الرعاية الاجتماعية أدى، ولا زال، إلى تدمير التضامن في أمريكا، كما لاحظ نيل فيرغوسون، فإن الأمريكي يساعد الآخرين إذا رآهم في حاجة إلى المساعدة، وهو لا يتجنب مسؤوليته الاجتماعية من خلال الزعم بأن السياسيين والمسؤولين الحكوميين يجب عليهم حل المشكلات الاجتماعية، فالتضامن تفهمه التقاليد الأمريكية على أنه قضية من قضايا المسؤولية الشخصية، وبأنه واجب أخلاقي يربط المرء بجاره، وليس مجرد عذر لتوسيع سلطة الدولة.

    ومن السهل علينا أن نلاحظ بأن هذه الفلسفة في تناول المسؤولية الشخصية تتمخض عن محدودية الدولة، وليس هنالك أبلغ في التعبير عن روح الليبرتارية الأمريكية من توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي الثالث، حين أعلن في خطاب تسلمه منصب الرئاسة للمرة الأولى: “ما الذي يجب أن نفعله أيضا لنجعل من الشعب الأمريكي شعبا سعيدا مزدهرا؟ هنالك أمر آخر تبقى علينا أن نفعله أيها المواطنون، وهو: حكومة تتمتع بالحكمة والتدبير، تعمل على الحيلولة دون تسبب البعض بالأذى للبعض الآخر، وتتركهم أحرارا في إدارة مساعيهم في مجالات العمل والتطوير، ولا تسلب العامل خبزه الذي اكتسبه بعرق جبينه”.

    عاشت “ثورة” جيفرسون ورفاقه لأن مُثُلهم هي الطريق الوحيد لإنقاذ أمريكا الجنوبية التي دمرها الوهم العقلاني الذي يدعي بأن أصل التقدم والتحسن الاجتماعي يتمثل في السلطة السياسية والتخطيط الدولتي، وليس في الحرية الفردية والتضامن التلقائي للمجتمع المدني.

    المصدر: من كتاب مقالات الرأي في عدد من الصحف التشيلية.

    * المدير التنفيذي لمؤسسة التقدم (مركز أبحاث في التشيلي).

    منبر الحرية، 28 نونبر/تشرين الثاني 2014
جاري تحميل الصفحة...
Similar Threads
  1. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    257
  2. politics-dz
    الردود:
    11
    المشاهدات:
    94
  3. politics-dz
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    22
  4. politics-dz
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    382
  5. politics-dz
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    140

مشاركة هذه الصفحة

  • من نحن

    موقع عربي أكاديمي أنشئ خصيصاً للمهتمين والباحثين في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. انطلق موقع الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية في سنة 2015، تضم الموسوعة مقالات، بحوث، كتب ومحاضرات، تتناول القضايا السياسية، الأمنية، العسكرية، الاقتصادية والقانونية.
  • ملاحظة حول الحقوق الفكرية

    الآراء والافكار الواردة في مقالات، بحوث، محاضرات والكتب المنشورة على الموقع لا تعبر بالضرورة عن مواقف وأراء إدارة الموقع ولا تلزم إلا مؤلفيها. إن الموسوعة هي منصة أكاديمية للنشر الإلكتروني مفتوحة أمام الكتاب والقراء لرفع المواد وتعديلها وفق سياسة المشاع الإبداعي العالمية، يتم رفع الملفات ومشاركتها عبر شبكة الإنترنت تحت هذا البند، إن مسؤولية الملفات المرفوعة في الموسوعة تعود للمستخدم الذي وفّر هذه المادة عبر الموسوعة ، حيث تعد الموسوعة مجرد وسيلة بين الكاتب والقارئ، إذا كنت تعتقد أن نشر أي من هذه الملفات الإلكترونية ينتهك قوانين النشر والتوزيع لكتبك أو مؤسسة النشر التي تعمل بها أو من تنوب عنهم قانونياً، أو أي انتهاك من أي نوع فيرجى التبليغ عن هذا الملف عبر خاصية "اتصل بنا " الواقعة في آخر الصفحة لكل كتاب الكتروني، علماً أنه سيتم النظر في التبليغ وإزالة الملف الإلكتروني عند التأكد من الإنتهاك خلال مدة أقصاها 48 ساعة.