تشهد بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة مرحلة دقيقة اتسمت بتراجع الأعداد، وتزايد الانتقادات، وتصاعد الدعوات إلى إنهاء بعض المهام أو إعادة هيكلتها جذريًا. ففي وقت يشهد العالم ارتفاعًا غير مسبوق في عدد النزاعات المسلحة وتعقيداتها، تواجه عمليات حفظ السلام ضغوطًا مالية وسياسية وأمنية تهدد مستقبلها ودورها في تحقيق الأمن والاستقرار.
هذا التحليل يرصد مؤشرات تراجع بعثات حفظ السلام الأممية والإقليمية، ويستعرض أبرز التحديات التي تواجهها، وتأثيرات تقليصها أو إغلاقها، فضلًا عن البدائل المطروحة لإعادة صياغة منظومة الأمن الدولي في ظل تحولات النظام العالمي.
أولًا: مؤشرات تراجع بعثات حفظ السلام
1️⃣ خفض أعداد عناصر حفظ السلام
شهدت السنوات الأخيرة انخفاضًا حادًا في أعداد قوات حفظ السلام المنتشرة حول العالم:
- 121 ألف عنصر عام 2016
- نحو 71 ألف عنصر فقط في عام 2024
أي انخفاض يقارب 50%، رغم تزايد النزاعات المسلحة واتساع نطاقها الجغرافي. ويعكس هذا التراجع خللًا واضحًا بين حجم التهديدات الأمنية والقدرات المخصصة لمواجهتها.
2️⃣ تزايد حالات إغلاق أو تقليص البعثات
أ) انسحابات كاملة
- بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA) أنهت انسحابها بحلول نهاية 2023 بعد إنهاء ولايتها.
- بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة الانتقالية في السودان (UNITAMS) انسحبت أيضًا بعد إنهاء ولايتها في ديسمبر 2023.
ب) خطة فك الارتباط في الكونغو الديمقراطية
تنفذ بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO) خطة انسحاب تدريجي وفق قرار مجلس الأمن رقم 2717 (ديسمبر 2023)، وأكملت انسحابها من جنوب كيفو ضمن المرحلة الأولى.
ج) انكماش الوجود الأممي في إفريقيا
منذ 2016، تراجعت بعثات الأمم المتحدة في إفريقيا من حيث العدد والحجم والميزانيات، ولم يتبق سوى أربع عمليات رئيسية في:
- جمهورية إفريقيا الوسطى
- جنوب السودان
- منطقة أبيي المتنازع عليها
- الصحراء الغربية
د) إنهاء بعثة العراق
طلبت الحكومة العراقية إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، واعتمد مجلس الأمن القرار 2732 (مايو 2024) لتجديد ولايتها لفترة نهائية حتى 31 ديسمبر 2025.
ثانيًا: أبرز التحديات التي تواجه بعثات حفظ السلام
1️⃣ اتهامات بالإخفاق وفقدان الثقة
تتهم بعض الحكومات بعثات الأمم المتحدة بعدم قدرتها على تحقيق الاستقرار، بل تحميلها مسؤولية تفاقم العنف أحيانًا.
في سبتمبر 2023، صرح وزير خارجية مالي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن البعثة لم تعد قادرة على مساعدة بلاده في بسط السيطرة على أراضيها، مؤكدًا أن الأوضاع تدهورت في ظل وجودها.
أصبحت البعثات، في بعض الحالات، هدفًا سياسيًا لتبرير إخفاقات داخلية أو لتصفية حسابات مع أطراف دولية.
2️⃣ التحديات الأمنية والعسكرية
تعاني بعثات حفظ السلام من:
- محدودية التسليح مقارنة بأطراف النزاع
- ضعف آليات الدفاع الذاتي
- نقص في الموارد اللوجستية
في الصومال، تتعرض قوات الاتحاد الإفريقي لهجمات متكررة من حركة الشباب.
وفي جنوب لبنان، كشفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة هشاشة قدرة قوات حفظ السلام على حماية مواقعها، وسط غياب مساءلة دولية فعالة عن استهداف مقراتها.
3️⃣ تعقّد النزاعات وتعدد الفاعلين
أصبحت النزاعات الحديثة أكثر تعقيدًا من مجرد حروب تقليدية بين دولتين، حيث تتداخل فيها:
- جماعات مسلحة غير حكومية
- تنظيمات إرهابية
- صراعات هوية داخلية
- تدخلات إقليمية ودولية
كما أدت حالة الاستقطاب داخل مجلس الأمن إلى إضعاف قدرة الأمم المتحدة على التحرك السريع والحاسم.
4️⃣ تراجع التمويل وضغوط السيولة
تواجه عمليات حفظ السلام أزمات تمويل متكررة بسبب:
- تأخر سداد الاشتراكات
- حجب جزئي لمساهمات بعض الدول الكبرى منذ 2016
- توظيف التمويل كورقة ضغط سياسي
تم خفض ميزانية عمليات حفظ السلام من 6.1 مليار دولار في 2023 إلى 5.59 مليار دولار، رغم زيادة عدد العمليات المدعومة إداريًا.
كما يستخدم التمويل أحيانًا كأداة ضغط لإعادة تشكيل طبيعة البعثات أو تقليصها، كما حدث في حالة بعثات الاتحاد الإفريقي بالصومال.
5️⃣ التجاذبات السياسية
تتأثر البعثات بـ:
- تغيرات الأنظمة السياسية في الدول المضيفة
- الاستقطابات الإقليمية
- صراعات القوى الكبرى
في مالي، ساهمت التجاذبات بين الحكومة الانتقالية وفرنسا وروسيا في إنهاء مهمة البعثة.
وفي الصومال، كادت الخلافات الإقليمية أن تعرقل تشكيل بعثة جديدة.
ثالثًا: التأثيرات السلبية لإغلاق أو تقليص البعثات
رغم الانتقادات، لعبت بعثات حفظ السلام دورًا مهمًا في:
- حماية المدنيين
- دعم العمليات الانتقالية
- تقديم مساعدات إنسانية
- مراقبة وقف إطلاق النار
لكن في بعض الحالات، أدى إغلاقها إلى:
- تفاقم العنف المسلح
- عودة النزاعات الحدودية
- تصاعد الإرهاب والجريمة المنظمة
- تزايد تكلفة مكافحة الإرهاب
في مالي مثلًا، لم يؤدِ انسحاب البعثة إلى تحقيق الاستقرار، بل تصاعدت حدة الصراع وتفاقمت الأزمة الإنسانية.
رابعًا: بدائل محتملة لعمليات حفظ السلام التقليدية
1️⃣ شراكات أممية – إقليمية
يعتمد هذا النموذج على تمويل ودعم الأمم المتحدة لقوات إقليمية، مثل:
- القرار 2719 الذي أتاح دعم بعثات الاتحاد الإفريقي بإطار زمني واضح
- القرار 2746 لدعم بعثة الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي في الكونغو
- آلية تمويل تصل إلى 75% لبعثات إفريقية في الصومال
هذا النموذج يعزز الملكية الإقليمية، لكنه يتطلب معايير واضحة للمساءلة.
2️⃣ تحالفات مؤقتة
مثل قوة المهام المشتركة في منطقة بحيرة تشاد.
رغم مرونتها وسرعة تشكيلها، تثير تساؤلات حول:
- الاستدامة
- الشرعية الدولية
- الشفافية
3️⃣ الشركات الأمنية الخاصة
برز دور الشركات الأمنية الخاصة في بعض النزاعات، وقد يُنظر إليها كبديل مرن.
لكن هذا الخيار يثير مخاوف تتعلق بـ:
- خصخصة الأمن
- المساءلة القانونية
- التأثير على سيادة الدول
4️⃣ دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة
يمكن للتقنيات المتقدمة أن تعزز قدرات البعثات عبر:
- الطائرات المسيرة للمراقبة
- تحليل البيانات للتنبؤ بالمخاطر
- أنظمة إنذار مبكر
- روبوتات أمنية في المناطق عالية الخطورة
لكن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا لا يغني عن الإرادة السياسية.
خاتمة
تمر بعثات حفظ السلام الأممية بمرحلة مفصلية في تاريخها. فبين تراجع التمويل، وتصاعد النزاعات، والاستقطابات السياسية، تبدو المنظومة بحاجة إلى مراجعة عميقة تعيد تعريف مهامها وأدواتها.
ورغم التحديات، لا تزال بعثات حفظ السلام تمثل أحد الأعمدة الأساسية في النظام الدولي المعاصر. إغلاقها أو إضعافها دون بديل مؤسسي قوي قد يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير يزيد من حدة الصراعات ويعمّق الأزمات الإنسانية.
المستقبل لا يتطلب إنهاء عمليات حفظ السلام، بل إصلاحها وتطويرها وتحديث أدواتها بما يتناسب مع طبيعة النزاعات الحديثة، وتعزيز الشراكات الإقليمية، وضمان تمويل مستدام ومستقل عن التجاذبات السياسية.
في عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد، يبقى الحفاظ على منظومة فعالة لحفظ السلم الدولي ضرورة استراتيجية لا خيارًا ثانويًا.
