في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وجد الأدب الروسي نفسه أمام واقع جديد فرضته آليات السوق المفتوحة بعد عقود من العمل ضمن منظومة اشتراكية مركزية. فمع الانتقال إلى اقتصاد رأسمالي، لم يعد الإبداع الأدبي محكوماً فقط بالاعتبارات الجمالية أو الأيديولوجية، بل أصبح خاضعاً لمنطق الربح والعرض والطلب. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل دورة النشر، وتقليص عدد الإصدارات، وتفضيل الأعمال القابلة للتسويق والانتشار الواسع على حساب التجارب الإبداعية الأقل ربحية.
في هذا الإطار، يقدم برادلي أ. غورسكي في كتابه «الرأسمالية الثقافية: الأدب والسوق بعد الاشتراكية» قراءة تحليلية معمقة لطبيعة العلاقة بين الأدب الروسي واقتصاد السوق في مرحلة ما بعد الاشتراكية. يكشف غورسكي عن التوتر بين الآمال التي علّقها الأدباء على الرأسمالية بوصفها فضاءً للتحرر والانفتاح، وبين خيبات الواقع الذي أخضع الإنتاج الثقافي لبنية تنظيمية جديدة تتحكم في شروط الإبداع وتوجهه وفق اعتبارات السوق. فالرأسمالية الثقافية، بحسب طرحه، ليست مجرد وسيط يربط النصوص بتدفقات الاقتصاد، بل منظومة تحدد ما يُكتب وكيف يُنشر وكيف يُستقبل.
الرأسمالية الثقافية وتحول قيمة الأدب
يرى غورسكي أن صعود الرأسمالية في روسيا رسم نقطة تقاطع حاسمة بين المجالين الثقافي والاقتصادي. فمع بروز قوائم «الأكثر مبيعاً» وتحوّل الجوائز الأدبية إلى أدوات تسويق، باتت قيمة العمل الأدبي تقاس بدرجة قابليته للبيع وجاذبيته للجمهور. وأصبحت السوق تمنح الشرعية، بينما تراجعت المكانة التقليدية للنقد والمؤسسات الثقافية بوصفها مرجعيات مستقلة.
ويتابع الكاتب تطور سوق الكتاب منذ فوضى التسعينيات إلى مرحلة احتكار نسبي خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، مبيناً أن الاقتصاد الثقافي تحول إلى قوة فاعلة في تشكيل الذائقة العامة وتحديد اتجاهات الكتابة. ففي السنوات الأولى بعد الانهيار السوفيتي، سادت حالة من التفاؤل أشبه بسردية «قصة النجاح الأمريكية»، حيث عكست بعض النصوص روح الحرية الفردية والطموح الاقتصادي. غير أن هذه المرحلة سرعان ما انحرفت نحو نموذج أكثر تجارية، يركز على إنتاج سلع ثقافية سريعة التداول، ويعزز خطاباً ليبرالياً أقل تحفظاً سياسياً واجتماعياً.
صعود السوق وتفكك البنية الثقافية
مع تفكك النظام الاشتراكي، انهارت البنية المؤسسية للصناعة الثقافية السوفيتية. ففي مطلع التسعينيات ظهر آلاف الناشرين الجدد بعد أن كان عددهم محدوداً في العهد السابق، وبرز مفهوم «الأكثر مبيعاً» كقوة مهيمنة في سوق ناشئة تفتقر إلى الضوابط. وأسهم ذلك في انتشار أنماط أدبية جماهيرية، مثل الروايات البوليسية، التي حققت نجاحاً واسعاً بفضل انسجامها مع متطلبات السوق.
تحوّل الكتاب إلى سلعة تُباع وتُشترى وفق قواعد التجارة، وأصبحت الجوائز الأدبية تستمد جزءاً من شرعيتها من حجم المبيعات والحضور الإعلامي. وبهذا المعنى، غيّر صعود الرأسمالية البنية الاقتصادية والثقافية للأدب الروسي جذرياً، إذ امتزجت الاعتبارات الربحية بالتقييم النقدي، وأصبح العمل الأدبي خاضعاً لمؤشرات الطلب والمنافسة إلى جانب معاييره الفنية.
كما يتوقف غورسكي عند أزمات مادية مثل ندرة الورق في التسعينيات، والتي أثرت في جودة الإنتاج وحجمه، ليؤكد أن الثقافة لم تكن يوماً منفصلة عن الاقتصاد، بل أُعيدت هيكلتها بالكامل وفق معايير السوق، من التمويل إلى التوزيع، ومن اختيار الموضوعات إلى إعادة تعريف دور المثقف.
التنافسية وإعادة تشكيل الحقل الأدبي
أدى انهيار المنظومة السوفيتية إلى فراغ مؤسسي في مجالات التوزيع والنقد والتنظيم، فدخل الأدب الروسي مرحلة من الانفتاح غير المنضبط. ومع صعود القطاع الخاص، تشكلت نخب ثقافية جديدة سرعان ما أصبحت جزءاً من شبكة مصالح اقتصادية وسياسية. ويشير غورسكي إلى أن بعض الجوائز الأدبية التي بدأت كمبادرات تجارية مستقلة تحولت لاحقاً إلى أدوات ترتبط باعتبارات الدولة وموازين القوى داخل الحقل الثقافي.
في هذا السياق، لم يعد الأدب مجرد تعبير جمالي، بل أصبح ميداناً للصراع بين منطق السوق ومنطق السلطة، وبين الحرية الموعودة والقيود الجديدة التي فرضتها الرأسمالية.
“الأكثر مبيعاً” وثقافة النجاح بلا قراء
يشدد غورسكي على أن إدخال مفهوم «الأكثر مبيعاً» إلى السوق الروسية لم يكن مجرد مصطلح تجاري، بل آلية أعادت تشكيل البنية الثقافية لما بعد الاشتراكية. فقد وفر هذا المفهوم أدوات قياس وإحصاء وتنظيم جديدة، وغير طبيعة العلاقة بين المؤلفين والناشرين والجمهور. بل إن النجاح لم يعد مرتبطاً دائماً بوجود قاعدة قراء واسعة بقدر ما أصبح نتاجاً لاستراتيجيات تسويق وإنتاج جماعي.
وقد ظهرت أشكال جديدة من العمل الإبداعي تقوم على فرق إنتاج مشتركة وسلاسل روائية تُصمم لتخدم السوق، مع إعادة تكييف النصوص لتناسب المنصات الإعلامية المختلفة، من التلفزيون إلى الفضاء الإلكتروني. وأصبحت قيمة العمل الأدبي تحددها شبكة معقدة تضم الناشرين والمنصات الرقمية والخوارزميات ووسائل الترويج، بحيث لم يعد الكاتب وحده مركز العملية الثقافية، بل جزءاً من منظومة رأسمالية أوسع.
خاتمة
يكشف غورسكي في تحليله عن الصدمة التي عاشها الأدب الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فقد انتقل من نظام أيديولوجي مركزي إلى فضاء سوقي مفتوح، ظنّ كثيرون أنه سيمنح الإبداع حرية مطلقة، لكنه فرض في المقابل قيوداً جديدة محكومة بمنطق الربح والمنافسة. وهكذا تشكل مسار الأدب الروسي في مرحلة ما بعد الاشتراكية بين وعد التحرر وإكراهات السوق، في تجربة تعكس بوضوح كيف يمكن للرأسمالية الثقافية أن تعيد صياغة معنى الإبداع ودوره داخل المجتمع.
المصدر:
Gorski, Bradley A. Cultural Capitalism: Literature and the Market after Socialism. Cornell University Press, 2025.
