مثّلت جائحة كورونا التي اجتاحت العالم قبل أعوام منعطفاً حاسماً في مسار سلاسل التوريد العالمية؛ إذ تسببت في اضطراب غير مسبوق لتدفقات السلع عبر الحدود، نتيجة الإجراءات الاحترازية التي اعتمدتها الدول للحد من انتشار الفيروس. وفي الوقت ذاته، كشفت الأزمة عن أوجه خلل عميقة في نموذج الرأسمالية الأمريكية، حيث جرى تغليب منطق الربح وتعظيم العوائد على حساب حقوق العمال وأوضاعهم المعيشية، وهو ما تجلّى بوضوح خلال ذروة الجائحة.

في هذا الإطار، يأتي كتاب بيتر إس. غودمان المعنون «كيف نفد كل شيء من العالم: داخل سلسلة التوريد العالمية»، الصادر عام 2024، ليفكك جذور الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد منذ تفشي كورونا. يسلّط الكتاب الضوء على الثغرات البنيوية في السياسات التي روّج لها قادة الأعمال، والتي أولت أولوية قصوى للكفاءة وخفض التكاليف عبر الاستعانة بمصادر خارجية وتقليص الإنفاق على العمالة، دون اعتبار كافٍ لحقوق الإنسان أو لمخاطر العولمة غير المنضبطة، ما يستدعي إعادة التفكير في حماية العمال وتعزيز مرونة النظام الاقتصادي العالمي.

هشاشة سلاسل التوريد

كشفت الجائحة عن درجة عالية من التعقيد والهشاشة في سلاسل التوريد، حتى داخل الاقتصادات المتقدمة ذات البنية التحتية القوية. فقد تعطلت حركة السفن، وامتلأت المستودعات، وتوقفت شاحنات النقل، ما أدى إلى تراجع المخزونات الاستراتيجية ونقص واسع في سلع تراوحت بين المواد الغذائية الأساسية والأجهزة الطبية.

ورغم أن صدمة الوباء كانت استثنائية، فإنها أبرزت خللاً هيكلياً أعمق يتمثل في قابلية النظام للانهيار عند أول اختبار حقيقي، بفعل الاحتكار وضعف الشفافية وتدهور ظروف العمل في حلقات الإنتاج والنقل. كما أدى إغلاق المصانع ونقص عمال الموانئ وسائقي الشاحنات إلى تفاقم الأزمة، ما كشف هشاشة الروابط بين الشرق المنتج والغرب المستهلك، خاصة في ظل الاعتماد المفرط على نموذج “التصنيع في الوقت المناسب” الذي يقلص المخزون إلى الحد الأدنى.

لقد أسهمت العولمة – المدعومة بتوحيد معايير الحاويات ونقل الممارسات الصناعية من الغرب إلى الشرق – في تعميق اعتماد الاقتصادات الغربية على مراكز التصنيع الآسيوية، وعلى رأسها الصين. ومع أن هذا النموذج خفّض التكاليف وعزّز الكفاءة، فإنه جعل الشركات عرضة لنقص حاد في الإمدادات عند حدوث اضطرابات كبرى.

واستجابةً لهذه التحديات، اتجهت شركات عديدة إلى استراتيجيات “إعادة التصنيع إلى الداخل” أو “التصنيع القريب”، لتقليص المخاطر الجيوسياسية وتقريب الإنتاج من الأسواق الاستهلاكية، سواء في أوروبا الشرقية أو المكسيك أو دول آسيوية أخرى مثل فيتنام والهند وكمبوديا. غير أن هذه التحولات تظل مكلفة، كما أن فك الارتباط الكامل بالصين يظل صعباً نظراً لتشابك سلاسل الإمداد واعتماد الصناعات على المواد الخام والمكونات الصينية.

محدودية المنافسة والاحتكار

أظهرت الجائحة أيضاً تراجعاً في مستويات التنافسية داخل قطاعات حيوية، نتيجة تمركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى. وقد استغلت بعض الكيانات هذه الهيمنة لرفع الأسعار وتقليص المعروض، ما أدى إلى اختناقات متتالية على طول سلسلة التوريد.

1- قطاع النقل البحري:
شهد القطاع تحولات تنظيمية منذ قانون إصلاح الشحن البحري عام 1998، الذي حرر الشركات من قيود عديدة. ومع مرور الوقت، تركزت السوق في ثلاثة تحالفات كبرى تسيطر على النسبة الأكبر من النقل البحري العالمي. وخلال الجائحة، استُخدمت هذه الهيمنة لرفع أسعار الشحن بشكل غير مسبوق، ما أثر بشدة على اقتصادات الدول النامية والشركات الصغيرة. وفي المقابل، برز دور نقابات عمال الموانئ، خاصة في الولايات المتحدة، في الدفاع عن حقوق العمال والحفاظ على وظائف توفر دخلاً مستقراً للطبقة المتوسطة.

2- سوق حليب الأطفال:
برز مثال صارخ على ضعف الأطر التنظيمية في أزمة حليب الأطفال عام 2022، حين أدى إغلاق أحد مصانع شركة مهيمنة إلى نقص واسع وارتفاع الأسعار، في ظل سيطرة عدد محدود من الشركات على السوق المحلية.

3- نموذج التصنيع المرن:
اعتمدت الشركات الغربية، خصوصاً الأمريكية، على الصين كمركز تصنيع عالمي مستفيدة من انخفاض تكاليف العمالة وضعف الحماية العمالية. ورغم أن نموذج “التصنيع في الوقت المناسب” خفّض تكاليف التخزين، فإنه زاد من مخاطر النقص عند حدوث أزمات عالمية، كما حدث خلال الجائحة.

ضرورات الإصلاح

يرتكز نظام سلاسل التوريد على ركيزتين أساسيتين: الاعتماد على التصنيع الصيني، ونموذج “في الوقت المناسب”. غير أن التحديات التي كشفتها الجائحة تفرض إعادة النظر في هذا النموذج عبر جملة من الإصلاحات:

  1. تعزيز الضوابط التنظيمية، لا سيما في الموانئ، لحماية الوظائف ودعم الطبقة المتوسطة، ومواجهة التوسع غير المنضبط في الأتمتة.
  2. إعادة التوازن بين العمال والمساهمين، بحيث لا يُختزل النجاح في تعظيم الأرباح، بل يشمل دعم العمال وضمان حقوقهم، وتقوية الشركات الصغيرة التي كانت الأكثر تضرراً من ارتفاع تكاليف الشحن.
  3. إرساء أسواق أكثر عدالة وشفافية لجميع الأطراف المشاركة في سلاسل التوريد، بما يضمن استقراراً طويل الأمد حتى لو ترتبت عليه تحديات قصيرة المدى.

خلاصة

يرى الكتاب أن هشاشة سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا تعود إلى ضعف التدخل التنظيمي وتراجع المنافسة، إضافة إلى الإفراط في الاعتماد على نموذج المخزون المحدود. كما أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية لم يكن نتيجة الوباء وحده، بل أيضاً لهيمنة منطق الربح السريع على حساب الاستثمار في البنية التحتية والعمالة.

ومع ذلك، فقد أفرزت الأزمة بعض النتائج الإيجابية، من بينها عودة قوية للنقابات العمالية، وإعادة تقييم السياسات الحكومية، وتسريع دمج التكنولوجيا والابتكار في عمليات الإنتاج. وهكذا، لم تكشف الجائحة فقط عيوب النظام القائم، بل فتحت الباب أيضاً أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء سلاسل توريد أكثر مرونة وعدالة واستدامة.