الفارق الجوهري بين الانظمة السياسية العربية هي في ” استراتيجيات الاستبداد ” ، فالأنظمة السياسية العربية تتدثر بردائين من أردية الاستبداد، بعضها يمارس استبدادا خشنا يتمظهر في الاعدام والسجون والاقامة الجبرية والتعذيب النفسي والجسدي وتكميم الافواه وكل ما تمارسه أجهزة الدولة الخشنة ، بينما يذهب البعض الآخر نحو الاستبداد الناعم ممثلا في التلاعب بمقومات المجتمع بشكل يدفع الأفراد او الجماعات باتجاهات معينة او الانصراف عن اتجاهات أخرى، أو في استغلال الدين والقبيلة والولاءات الفرعية والعادات والتقاليد والفساد الاداري والأخلاقي وتوجيه الاعلام نحو قضايا معينة دون غيرها او قطع أرزاق الخصوم او نشر العسس في كل اوصال الدولة .
ويبدو ان الانظمة ” الثورية ” العربية هي الأكثر تمثيلا للاستبداد الخشن، بينما الأنظمة العربية المحافظة أكثر دراية بالاستبداد الناعم، كما ان الانظمة الأقرب في تحالفاتها الدولية الى ” الشرق” بظلال تقاليده القريبة هي الاقرب للاستبداد الخشن بينما تتغطى قبضات الأنظمة ذات الهوى الغربي بقفازات الاستبداد الناعم.
وقد تبدو بعض المظاهر متداخلة أحيانا بين النمطين ، فيميل ” أهل الخشن” نحو الناعم أحيانا بينما يضطر ” أهل الناعم ” لتناول بعض جرعات الخشونة.
ويبدو ان عمر سياسات الاستبداد الخشن أقصر من عمر سياسات الاستبداد الناعم، وأرى ذلك منطقيا، فالخشن يميل نحو العمل ” الفج” بالإعدام والسجون والاغتيال وكل أشكال الأذى الجسدي والنفسي، بينما تلعب أدوات “الغواية والموت المدني وتغييب الوعي والتلاعب بثنائيات البنية المجتمعية ” دورها التام في تشكيل بنية الاستبداد الناعم.
فَذَهَبُ المُعِز وسياسة البخبخة ( بخٍ بخٍ..أعطه يا غلام) تعبير تاريخي عن الاستبداد الناعم ،أما سيفه فهو التعبير عن الاستبداد الخشن،وأحيانا يتداخل الخشن بالناعم في بعض الحالات كالانتخابات، فإجراء الانتخابات في العالم العربي يتم ضمن سياسات الاستبداد الناعم ، فالنظم الأنتخابية تضعها هيئات الدولة الخشنة مع بعض الاصباغ التجميلية من خلال ندوة او لجنة يتم ترتيبها من قبل ذات الادوات الخشنة، وهو ما اسميته بهندسة الاستبداد.
ويبدو ان أبطال الاستبداد الخشن من العرب هم القادة الذين قذفتهم ” الحارة ” العربية، فهم انعكاس أمين لنبض حاراتنا، لذلك تجد تصرفاتهم مع خصومهم أقرب لذلك النبض، بينما ذوي الاستبداد الناعم هم من اسر ارستقراطية تتقن فن الغواية نظرا لطبيعة التربية التي نشأوا عليها.
أمثلة:
1- استثمار نزعة الاستيزار لجذب بعض المعارضين لمناصب عليا هو استبداد ناعم، اما القاء المعارض في السجن فهو استبداد خشن.
2- زرع العسس في جسد القوى السياسية المختلفة هو استبداد ناعم بينما منع قيام أي تشكيلات سياسية هو استبداد خشن
3- قطع الأرزاق شكل من اشكال الاستبداد الناعم بينما قطع الاعناق سنام الاستبداد الخشن.
4- وضع قوانين من قبل هيئات تمت صناعتها في الدهاليز امر ينتمي للاستبداد الناعم ، بينما الاحكام العرفية وقوانين الطوارئ تنتمي للاستبداد الخشن.
5- استرضاء التنوعات الاجتماعية والجهوية والفئوية جزء من فلسفة الاستبداد الناعم بينما الانحياز لأحدها بشكل واضح هو من الاستبداد الخشن
ما يجمع النمطين –الناعم والخشن- هو تغليب ” امن النظام” السياسي على امن المجتمع ( القطاع الناعم من جسد الدولة) وعلى امن الدولة او الاقليم السياسي ( القطاع الخشن من جسدها)..ولست ادري إن كانت ربما واجبة هنا ام لا…

 

Print Friendly, PDF & Email