التنافس الأمريكي- الروسي على دول الجذب الإستراتيجي بعد العام 2000: أوكرانيا وسوريا أنموذجا

المقدمة تعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية قوى دولية مهمة ليس بمعايير القوة بمفهومها الواسع فحسب، وإنما بمعايير القدرة أيضا، بمعنى التأثير المتبادل بينهما، والتأثير في علاقات الصراع والتعاون بالمناطق المهمة بالنسبة لهما ( مناطق الجذب الاستراتيجي ) ، وهي مناطق مفعمة بالنزاعات والصراعات التي تعود جذور بعضها إلى الحرب الباردة، وبقدر ما قأن للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية حضور مباشر وغير مباشر في تلك المناطق، وفي تلك النزاعات والصراعات، والمشاركة في تسويتها.

كذلك، هناك العديد من النقاط المشتركة التي بإمكانها أن تقرب أو تبعد المسافة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية بعد الحرب الباردة، فمنها على سبيل المثال انتهاج كل منهما للمنهجية الواقعية والمصلحة في رسم علاقاتهما الدولية، إذ قد تلتقي مصالحهما في قضية ما وقد تختلف، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتنافس الأدوار في الأقاليم ذات القيمة الاستراتيجية لتلك المناطق، والأهمية الجيواستراتيجية العالية لمصلحة أي منهما كإقليم البلقان وإقليم آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة الشرق الأوسط، وإن المتتبع لطبيعة ومسار العلاقات الأمريكية – الروسية تكشف أن فوارق نوعية عدة حكمت العلاقة التي يمكن تسميتها بانها جديدة في معادلات التفاعل الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة، ومما لا شك فيه إن هذا النمط من العلاقة أملئه أوضاع النشاة بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية مؤقته على النظام السياسي الدولي، واقترن ذلك برفضها بروز قوی دولية أخرى منافسة، ولاسيما إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تغفل حقيقة إن روسيا الاتحادية تستطيع إعادة التوازن الدولي في العلاقات الدولية عبر التحالفات الإستراتيجية، ولاسيما إنها تؤدي دورا مهما في السياسات العالمية، فهي لا تستطيع أن تقف جانبا وتراقب سلسلة التغييرات في ميزان القدرة العسكرية والاستراتيجية، لذلك فهي تسعى لإعادة ترتيب أدوارها الإقليمية والدولية وفقا لإمكانات توازن القوى في المستقبل البعيد أو القريب، ولا يعني إطلاق إسقاطها لإمكانات توازن المصالح من تلك الأدوار لسبب بسير ومنهجي وهو إن توازن المصالح يعتمد بالأساس على توازن القوى، فعندما تتوازن القوى بين الدول تتوازن مصالحها أيضأ، أي، أن توازنات القوى القائمة تلبي مصالحها جميعا سواء كانت وطنية أو قومية أو عالمية فما تنشده روسيا الاتحادية من إعادة توازن القوى مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يعني الصراع من أجل بلوغ أعلى مراتب القوى التي تتيح لها تهديد المصالح الأمريكية الحيوية في العالم، أو تهديد الأمن القومي الأمريكي مثلما كان يفعل الإتحاد السوفيتي السابق فهذا السيناريو غير ممكن أو يصعب تحقيقه، بعد أن فقدت روسيا الإتحادية خطابها الإيديولوجي وأصبحت أكثر اندماج في العالم الغربي الرأسمالي ودخلت في عولمته بمظاهرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية كافة وتشابكت مصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحد الذي لم تعد تتنظر فيه الأخيرة لروسيا الاتحادية وكأنها العدو القريب.

(Read more)  اللاجئون السوريون في الأردن بين الواقع والمأمول د.محمد عبد الرحمن عريف

ومن ثم حاولت روسيا الإتحادية إرجاع فونها ومكانتها الدولية وسرعان ما بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الإتحادية تتجه شيئا فشيئا نحو التنافس، لاسيما حول مناطق الجذب الاستراتيجي بالنسبة لهما، وذلك بسبب التحول الكبير على مستوى الاستراتيجية الروسية نتيجة التغيير على مستوى القيادة في روسيا الإتحادية منذ عام 2000، وبروز مظاهر التعافي الاقتصادي في روسيا الاتحادية وذلك بسبب العديد من العوامل الداخلية والخارجية، فروسيا الاتحادية في ظل حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بدأت تعمل على تعزيز قوتها الشاملة وتسعى لاستعادة مكانتها العالمية وحماية مصالحها الاستراتيجية في العديد من المناطق خاصة في منطقة الشرق الأوسط (سوريا) ومناطق مجالها الحيوي (أوكرانيا). التوجه الروسي الجديد لمحاولة استعادة نفوذها القديم في مناطق الجذب الاستراتيجي قابلة تحرك امريكي حثيث في محاولة منع أي دخول روسي إلى المناطق ذات القيمة الاستراتيجية العليا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ونتيجة لذلك عاد التنافس من جديد بين القوتين في الجانبين الجيوبولتيكي والطاقوي في تلك المناطق، بسعي إذ كلاهما إلى ترتيب أولوياته والعمل على صياغة استراتيجية تتلاءم مع مصالحه وأهدافه وأمكاناتها.

تحميل الرسالة

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

المقالات: 12900

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.