قضايا أمنيةقضايا سياسية

الجهود الدولية والاقليمية في مكافحة الإرهاب الدولي: داعش نموذجا

الارهاب اصبح يتخذ طابعا دوليا عابرا للحدود وتمتد تأثيراته لتطال دول عديدة بصور متعددة ولأسباب مختلفة و نظرا لما يشكله من خطر عظيم على المجتمع بما يخلفه من ضياع للامن وانتهاك للحرمات وتدنيس للمقدسات وخطف وقتل للأبرياء وتهديد حياة الكثير منهم , فهو بذلك يعد خطرا حقيقيا يواجه الوجود البشري وحضارته وانجازاته.
وظاهرة الارهاب هي ليست بالحديثة , فهي ظاهرة مقيته ولدت منذ ولادة المجتمعات الانسانية وتطورت مستفيدة من التقدم العلمي لتفعيل اساليبها ووسائلها , ونتيجة لذلك فقد تعددت اهدافها وتوسعت جغرافيتها لتشمل العالم بأسره دونما تمييز بين الدول المتقدمة أو تلك التي في دور النمو سواء كانت دولة فقيرة أم غنية او انها تطبق الديمقراطية او غيره من النظم , بحيث بات وقوع العمل الارهابي في اي دولة محتملا .
وقد اثبت الواقع العلمي عدم قدرة الجهود الدولية لوحدها للحد من الظاهرة بما اضطر الدول للتكتل في مجاميع إقليمية لتوحيد صفوفها وعقد اتفاقيات خاصة بها ضمن اطارها الاقليمي .
الأمر الذي دفع بالمجتمع الدولي إلى البحث عن آليات جديدة تتلاءم وطبيعتها ، وتطوير الوسائل التقليدية بما يكفل تضامن جهود الدول ، وأجهزتها القائمة بمهمة مكافحة ظاهرة الارهاب الدولية بمختلف اشكاله وتنظيم داعش الارهابي على وجه الخصوص وذلك لتحقيق ننائج أكثر ديناميكية ، استجابة لسرعة ظهور التنظيم و تطوره .


ذلك أن المكافحة المثلى لداعش قد تتجاوز الوسائل التقليدية إلى وسائل أكثر جرأة تدعم التعاون الرسمي المتخصص ، سواء أكان ثنائيا أم متعدد الأطراف ، بحيث يسمو على الخلافات السياسية والهيكلية التي تواجهها الحكومات ، حيث لا يزال مبدأ السيادة من المبادئ الجوهرية التي تحد من فعالية التعاون الدولي ، ويعيق الأسس العلمية للتعاون الدولي اللازم والملائم لمكافحة الارهاب بعيدا عن ازدواجية التعامل مع التنظيمات الإرهابية الاكثر تشددا. حيث ادى تزايد الاعمال الارهابية وتنامي خطرها على امن المجتمعات واستقرارها الى ضرورة تظافر الجهود الدولية الرامية لعقد الاتفاقيات الدولية للحد من هذا الخطر ولأن التعاون والتنسيق هما الدعامتان الأساسيتان للوقاية من خطر الإرهاب الذي لا يقف عند دولة المنشأ وإنما يتوسع و ينتشر بين الدول لذلك اهتم بها المجتمع الدولي ، لان طبيعة العنف الذي يتميز به الارهاب تجبر المجتمع الدولي على التركيز على الاجراءات للقضاء على المنظمات الارهابية ومنع الاعمال الارهابية , ومن ناحية اخرى فمن الاهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لتنامي الارهاب لغرض الاسهام للقضاء عليه .

في السنوات الأخيرة من القرن الماضي ، مضت الدول الأعضاء قدمًا في عملها في مجال مكافحة الإرهاب، عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة على كل من المسارين القانوني والتنفيذي. وقد توصّلت هذه الأخيرة، نتيجة جهودها، إلى اعتماد العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية التي تتناول الإرهاب. وتوِّج عملها باعتماد استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، في 8 أيلول 2006. وقد شدّدت الدول الأعضاء على أهمية الصكوك الدولية القائمة لمكافحة الإرهاب. وكانت اهمها.
-اتفاقية طوكيو الموقّعة في 14/09/1963الخاصّة بالجرائم وبعض الأعمال الأخرى المرتكبة على متن الطائرات. دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في العام 1969.
-اتفاقية لاهاي الموقّعة في 16/12/1970 حول منع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات. دخلت حيّز التنفيذ في العام 1971.
-اتفاقية مونتريال المبرمة بتاريخ 23/09/1971 حول قمع الأعمال غير المشروعة الموجّهة ضد سلامة الطيران المدني. أصبحت نافذة المفعول في العام 1973 .
-بروتوكول مونتريال بتاريخ 24/02/1988 الخاص بقمع أعمال العنف غير المشروع في المطارات التي تستخدم الطائرات المدنية.
-اتفاقية جنيف الموقّعة في 03/03/1980 الخاصة بالحماية المادية للمواد النووية، وتفادي الأخطار المحتملة من استخدامها بطريقة غير مشروعة.
-اتفاقية روما الموقّعة بتاريخ 10/03/1999حول قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية والسفن، سواء كانت حربية أم تجارية أم سياسية.
اتفاقية إدانة القرصنة الدولية للعام 1988.
-بروتوكول روما بتاريخ 10/03/1989 الخاص بمنع الأعمال غير المشروعة ضدّ المنصات الثابتة على الجرف القاري
-اتفاقية مونتريال بتاريخ 01/03/1991 الخاصة بكشف المتفجرات البلاستيكية، وإلزام الدول اتخاذ الإجراءات الضرورية لحظر تصنيعها ومنعها.
-اتفاقية نيويورك الموقعة بتاريخ 14/12/1973 الخاصة بمنع الجرائم ضد الديبلوماسيين أو المتمتعين بحماية دولية. دخلت حيّز التنفيذ في العام 1977. وقد اشتملت هذه الاتفاقية على أحكام تفصيلية عن الأفعال المرتكبة ضد الشخصيات المحمية دوليًا، مثل رئيس الدولة، رئيس الحكومة…
-اتفاقية نيويورك حول الرهائن المبرمة بتاريخ 18/12/1979، وهي ترمي إلى مكافحة الإرهاب الدولي وخصوصًا الجرائم الخاصة باحتجاز الرهائن، إذ اعتبرت هذه الجرائم ضمن جرائم أخرى انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي .
– اتفاقية مكافحة العمليات الإرهابية بواسطة المتفجرات الموقعة في 15/12/1997.
اتفاقية منع تمويل الإرهاب الموقعة في 09/12/1999 .
-الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي في نيسان 2005، وهي تشمل مجموعة كبيرة من الأفعال والأهداف الممكنة، بما في ذلك منشآت الطاقة النووية، والمفاعلات النووية .
– بروتوكول العام 2005 لاتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية
بروتوكول العام 2005 المتعلّق بقمع الأعمال غير المشروعة الموجّهة ضد سلامة المنشآت الثابتة الموجودة على الجرف القاري.
كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارين، هما على التوالي: القرار 40/61 و42/159، في 9 كانون الأول 1985 و7 كانون الأول1987، وتمّ فيهما تأكيد ضرورة التصدّي لظاهرة الإرهاب، وحثّ الدول على التعاون، واتخاذ التدابير الضرورية في شأنها. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب في سنة 2006، بهدف تحسين الجهود الوطنية والإقليمية والدولية في هذا المجال. وللمرة الأولى تتفق الدول الأعضاء جميعها على نهج استراتيجي موحّد لمكافحة الإرهاب واتخاذ خطوات عملية فرديًا وجماعيًا لمنعه ومكافحته. وتضمّنت هذه الاستراتيجية العالمية خطة عمل تناولت مجموعة كبيرة من التدابير الرامية إلى معالجة الظروف المساعدة على انتشار الإرهاب، ومنعه ومكافحته، وبناء قدرات الدول على التصدّي له، وتعزيز دور الأمم المتحدة في هذا الصدد، وضمان احترام حقوق الإنسان، والتمسّك بسيادة القانون في مكافحة الإرهاب. وتدعو الاستراتيجية الدول الأعضاء إلى العمل مع منظومة الأمم المتحدة لتنفيذ أحكام خطة العمل الواردة في الاستراتيجية، كما تدعو في الوقت ذاته كيانات الأمم المتحدة إلى مساعدة الدول الأعضاء في جهودها. وتتخذ إدارات الأمم المتحدة وبرامجها وصناديقها ووكالاتها إجراءات في عدد من المجالات، تماشيًا مع الاستراتيجية بصفتها الفردية، ومن خلال الجهود المشتركة المبذولة في إطار فرقة العمل المعنيّة بتنفيذ مكافحة الإرهاب .

وبناء عن المجهودات التحالف الدولي في محارية داعش صدر تقرير مقدم عملا بالفقرة 97 من قرار مجلس الأمن 2253 (2015)، الذي طلب فيه المجلس إلى الأمين العام إعداد تقرير أولي على الصعيد الاستراتيجي، يثبت فيه ويبين جسامة الخطر الذي يتعرض له السلام والأمن الدوليين على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضا باسم تنظيم داعش ، ومن يرتبط به من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، بما في ذلك المقاتلون الإرهابيون الأجانب، ويقدم معلومات عن مصادر تمويل هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات، بما ذلك الاتجار غير المشروع في النفط والقطع الأثرية والموارد الطبيعية الأخرى، وتخطيطها وتيسيرها للهجمات، ويبين طائفة الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لدعم الدول الأعضاء في مكافحة هذا التهديد . و قد أعرب المجلس عن عزمه على التصدي للتهديد الذي تشكله الجماعات والأفراد المذكورين أعلاه على السلام والأمن الدوليين، وأهمية قطع سبل حصولهم على الأموال، بما في ذلك الاتجار غير المشروع بالنفط والقطع الأثرية، والموارد الطبيعية الأخرى، فضلا عن تخطيطهم وتيسيرهم للهجمات. وفي ذلك القرار، قرر المجلس أن تخضع تلك الجماعات والأفراد للتدابير المفروضة بموجب قرار مجلس الأمن 2161 (2014)؛ وأن تُعرف لجنة مجلس الأمن السابقة المنشأة عملا بالقرارين 1267(1999) و 1989(2011) بشأن تنظيم القاعدة وما يرتبط به من أفراد وكيانات باسم لجنة مجلس الأمن المنشأة عملا بالقرارات 1267 (1999) و 1989 (2011) و 2253 (2015) بشأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتنظيم القاعدة وما يرتبط بهما من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات؛ وأن تعرف قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم القاعدة باسم ”قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة“.

كان مما ييسِّر ظهور تنظيم داعش النزاعات التي طال أمدها في العراق و سوريا ، اليمن و ليبيا وما نجم عن ذلك من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فضلا عن ضعف مؤسسات الدولة وعدم قدرة هذه الدول على ممارسة رقابة فعالة على أراضيهما وحدودهما. ففي أقل من سنتين، استولى تنظيم داعش على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وفي سوريا واليمن وليبيا ، وهو يديرهم من خلال هيكل متطور شبه بيروقراطي ومدر للدخل يتسم بما يكفي من المرونة والتنوع للتعويض عن انخفاض الإيرادات المتأتية من مصدر إيرادات وحيد. واستفاد تنظيم داعش أيضا من علاقاته بأفراد وجماعات ضالعة في الجريمة المنظمة عبر الوطنية. ويستخدم الموارد المالية لدعم الحملات العسكرية الجارية، وإدارة الأراضي التي استولى عليها وتمويل توسيع نطاق النزاع إلى خارج في المنطقة العربية .

وقد وضع استراتيجية فعالة ومتطورة للغاية في مجال الاتصالات لضمان أن تلقى رؤيته المشوهة للعالم صدى لدى عدد صغير، ولكنه متزايد من الأفراد الساخطين الذين انسلخوا من القيم الجوهرية لمجتمعاتهم أو لم يعودوا يعتنقونها .

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المجتمع الدولي لمكافحة تنظيم داعش من خلال التدابير العسكرية والمالية وتدابير مراقبة أمن الحدود لا يزال هذا التنظيم محافظا على وجوده . وهو أيضا بصدد توسيع نطاق عملياته لتشمل مناطق أخرى. وتبرهن الهجمات الإرهابية التي وقعت في الأشهر الأخيرة من عام  2016 على أن تنظيم داعش قادر على ارتكاب هجمات ضد أهداف مدنية خارج الأراضي الواقعة تحت سيطرته. وقد تجلى اتساع مداه بوجه خاص في الهجمات الانتحارية بالقنابل التي نفذت في بيروت في 12 نوفمبر 2015؛ والهجمات المنسقة التي وقعت في باريس في 13 نوفمبر 2015؛ والهجمات التي نفذتها عناصر منتسبة إلى تنظيم داعش في جاكرتا في 14 جانفي 2016 والتي تشبه إلى حد بعيد هجمات باريس. وقد نفذت داعش عمليات انتحارية في العراق وسوريا واليمن ومصر وداغستان وبلجيكا وبعدد 73 عملية باستخدام 148 انتحاري ( 66 حزام ناسف, 81 سيارة مفخخه, 1 دراجة نارية مفخخه).

و قامت داعش بتفيذ 44 عملية انتحارية في العراق باستخدام 98 انتحاري ووزعت العمليات الى 56 انتحاري بسيارة مفخخه و42 انتحاري بحزام ناسف. وتظهر معلومات حصلت عليها المنظمة من الحكومة الاميركية أنه حتى وقت قريب، نجح نحو 2000 من عمال النفط ،غالبيتهم أتوا من الخارج، في تجنب المحاولات الاميركية لتقويض العمليات النفطية ل”الدولة الاسلامية”. وبين نهاية 2014 وايار 2015، كانت العمليات النفطية للتنظيم قادرة على انتاج نفط خام بقيمة 40 مليون دولار شهريا، علما أن “داعش” يربح أكثر من ذلك بكثير بفرضه ضرائب على النقل والتكرير .

ووفرت الوثائق التي أمكن ضبطها في عملية القوات الخاصة على مقر “أبو سياف”، المسؤول النفطي ل”داعش” في ايار 2015 ، كنزا ثمينا من المعلومات الاستخباراتية.

ولكن تحليل الوثائق وتحويلها صورة متكاملة لقطاع النفط ل”داعش” استغرق أشهرا. وبناء عليها بدّل المسؤولون الاميركيون استراتيجيتهم وبدأوا اعتبارا من تشرين الاول حملة أكثر ك ومع ذلك، يصعب وضع تقديرات دقيقة عن حجم انحسار قدرات “داعش” القتالية أو المالية. فالتنظيم بارع في ادارة صورته وماكينته الدعائية حريصة على اظهاره في احسن أحواله. ولكن على رغم الانتقادات للاستراتيجية الاميركية لا ضعافه تمهيدا للقضاء عليه، ومع أن الروس لم يركزوا على التنظيم الا اخيرا، الثابت أن الحملات ضده بدأت تؤلمه .ثقافة أطلقوا عليها اسم «عملية موجة المد والجزر الثانية”.

الحرب مع “داعش” لم تنته بعد، ولا هي بداية النهاية للتنظيم الارهابي .ففي الوقت الذي كان “داعش” يخسر اراضي هذه السنة ،كان يوسع نطاق عملياته خارج معقله في سوريا والعراق و ليبيا، مثبتاً قدرته على ضرب أعدائه في عقر دارهم .

ان “داعش” لن يختفي في وقت قريب، مع البغدادي أو من دونه، ومستواه التدميري لفرض مواجهات حول العالم ينبئ بأن سنة  2017 ستكون أكثر فوضوية من  2016. و ان داعش  ستكون وباء محمول جوا ولا يزال متماسكا مع دخوله مرحلة قتالية وعدوانية جديدة.

الرحمة ليست أمرا واردا في قاموسه…ربما قد يكون أكثر خطرا عندما يخسر.

إن التوسع و التمدد الأخير لدائرة نفوذ تنظيم داعش في جميع أنحاء غرب أفريقيا وشمالها والشرق الأوسط، وجنوب آسيا وجنوب شرقها يبرهن على سرعة تطور خطورة هذا التهديد ومدى هذا التطور في ظرف 18 شهرا فقط. وهذه الهجمات الأخيرة وما تتسم به من تعقيد وما انطوت عليه من مستوى تخطيط وتنسيق وتطور، كل ذلك يثير القلق بشأن التطور في المستقبل. وعلاوة على ذلك، فإن الجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك مجلس شورى شباب الإسلام والدولة الإسلامية في العراق والشام – مقاطعة ليبيا (درنة)، ومجاهدي تونس القيروان، وجند الخلافة في تونس، وحركة أوزبكستان الإسلامية، وحركة الخلافة في باكستان، وأنصار الخلافة في الفلبين، تجتذبها الأيديولوجية التي يقوم عليها تنظيم داعش اجتذابا قويا بما يكفي لكي تعلن الولاء لما يسمى الخلافة وللخليفة المعلن. واستفاد تنظيم داعش أيضا من وصول مدد مستمر من المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين ما زالوا يغادرون مجتمعاتهم المحلية لتوسيع صفوف التنظيم. ومما يبعث على القلق الشديد أيضا عودةُ هؤلاء المقاتلين الإرهابيين الأجانب من ميادين القتال في العراق والجمهورية العربية السورية وغيرها من مناطق النزاعات، لأن هؤلاء العائدين يمكن أن يوسعوا نطاق وجود تنظيم داعش في دولهم الأصلية، ويسخروا ما لديهم من مهارات وخبرة قتالية في تجنيد مزيد من المتعاطفين، وينشؤوا شبكات إرهابية، ويرتكبوا أعمالا إرهابية.

وفي سنة 2017  وما بعدها، ينبغي أن تستعد الدول الأعضاء لمواجهة زيادة إضافية في عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب المسافرين إلى دول أخرى بناء على تعليمات من تنظيم داعش. وقد أعلن العديد من الجماعات والأفراد ولاءهم لأبي بكر البغدادي، و ”للخلافة“ المعلنة منذ عام 2014، على الرغم من أن العناصر المرتبطة به في ليبيا وأفغانستان هي وحدها التي تسيطر حاليا على أراض ذات أهمية. فالجماعة المرتبطة بداعش في ليبيا هي التي تلقت أكبر قدر من الاهتمام، بما في ذلك تقديم الدعم والتوجيه من تنظيم داعش الرئيسي وفي أفغانستان وباكستان، ما فتئ تنظيم داعش ينشئ شبكة من الاتصالات والمتعاطفين معه الذين يشنون الهجمات باسمه. ففي جانفي  2016، أصدرت جماعة ”مقاطعة خراسان“ التابعة لداعش – التي تنشط في باكستان وأفغانستان – بيانا تعلن فيه مسؤوليتها عن هجوم على القنصلية الباكستانية في أفغانستان .

       فتنظيم داعش أكثر المنظمات الإرهابية ثراء في العالم. وقد ورد بيان مصادر تمويله بالتفصيل في عدد من التقارير، بما في ذلك تقارير المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب وفريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات وفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية. ويستمد التنظيم معظم أمواله من استغلال الموارد الطبيعية والاقتصادية في الأراضي التي يحتلها (بما في ذلك حقول النفط، ومصافي النفط، والأراضي الزراعية)، وكذلك من السطو على المصارف والنهب والابتزاز، ومصادرة الممتلكات، والهبات المقدمة من المقاتلين الإرهابيين الأجانب، ونهب الآثار.

وبالنظر إلى خطورة هذا التهديد، يجب على المجتمع الدولي أن يتحلى أيضا بالقدرة على التكيف فيما يتخذه من تدابير التصدي مع كفالة تماشيها مع مبادئ سيادة القانون الدولي والقواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني. وينبغي أن تعتمد الدول الأعضاء نهجا شاملة تدمج مبادرات ذات منحى أمني لمكافحة الإرهاب، إلى جانب التدابير الوقائية التي تعالج دوافع التطرف العنيف المفضي إلى الإرهاب.

       وتبقي خطورة التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية بفعل التطور التكنولوجي المتنامي الذي تتسم به هذه الجماعة. فالتنظيم يلجأ بشكل متزايد إلى الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي بغية إيصال رسائله إلى من يحتمل تجنيدهم. وعلى ما يبدو أن التنظيم تمكن، عن طريق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوجه عام، وأدوات وسائط التواصل الاجتماعي بوجه خاص، من إنشاء نظام قوي ومنخفض التكلفة لبث دعايته، وتحديد من يحتمل تجنيدهم، وتخصيص الموارد البشرية من أجل إقناع الأفراد المستهدفين بالانضمام إلى صفوفه. وقد تسبب هذا في زيادة نمو عدد المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين يسافرون إلى الجمهورية العربية السورية والعراق. ويورد بشكل متزايد المدعون العامون ومسؤولو إنفاذ القوانين في العديد من الدول المتضررة أن المقاتلين الإرهابيين الأجانب والأشخاص المحتمل انضمامهم إلى صفوف المقاتلين الإرهابيين الأجانب والإرهابيون العاملون على انفراد أو في مجموعات صغيرة، ولكن دون أن تكون لهم صلات رسمية بتنظيم الدولة الإسلامية، يستهلكون الدعاية التي ينشرها التنظيم على الإنترنت ويتفاعلون على الإنترنت مع أعضائه والمتعاطفين معه. وبعد الإجراءات التي اتخذتها شركة تويتر لإغلاق الآلاف من هذه الحسابات، انتقل تنظيم الدولة الإسلامية إلى أدوات أخرى من وسائط التواصل الاجتماعي، مثل أداة التراسل تيليغرام. وعندما ستشرع أداة تيليغرام بدورها في إغلاق القنوات المتصلة بتنظيم الدولة الإسلامية، فمن المرجح أن ينتقل التنظيم وقاعدة الدعم الخاصة به إلى منابر جديدة .

       ومن  المعضلات الكبرى   الأخرى لدى كثير من الدول التهديد الذي يشكله مواطنوها ممن يكونون ضمن الإرهابيين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش ثم يعودون من ميادين القتال في العراق وسوريا وليبيا و اليمن… ومن غيرهما من مناطق النـزاع. فهؤلاء العائدون هم عموما وسيلة لتوسيع حضور تنظيم داعش ليمتد إلى دول أخرى، ولإقامة شبكات لتنفيذ هجمات في المستقبل والتخطيط لها والمساعدة عليها وليس معروفا في الوقت الحالي عدد الإرهابيين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش المحتمل أن يعودوا إلى بلدانهم الأصلية (بدلا من البقاء في مناطق النـزاع أو السفر إلى دول ثالثة)، ولا إلى أي حد يُحتمل أن ينخرطوا في العمل الإرهابي لدى عودتهم. ولكن من المحتمل جدا أن يختار الكثير من هؤلاء العودة إلى بلدانهم بعد أن تنجلي عنهم الأوهام. ويشير واقع التجربة إلى أن عددا قليلا جدا من الإرهابيين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف تنظيم داعش هم الذين ينخرطون فيما يبدو في العمل الإرهابي بعد عودتهم إلى بلدانهم، غير أن الهجمات التي ينفذها مدرَّبون من المقاتلين الإرهابيين الأجانب تكون أوفر حظا في النجاح وإسقاط قتلى  . وتجدر الإشارة أيضا إلى أن العائدين مصدر قيّم للمعلومات، وأنه من الممكن أن يستعينوا بالتجربة التي مروا بها ليقنعوا غيرهم بعدم الدخول في العمل الإرهابي، بما في ذلك من خلال حملات فعالة تعتمد خطابا مضادا.

       ومن أجل التصدي للتهديد الخطير الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية، بما في ذلك تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى سوريا  والعراق وليبيا والأنشطة التمويلية الواسعة النطاق للتنظيم، من الضروري إيجاد حل سياسي للنزاع السوري. وستتطلب هذه العملية التزاما دوليا متواصلا وراسخا وتنفيذا فعالا لقرار مجلس الأمن 2254   الذي يرسم الطريق نحو مفاوضات رسمية بين السوريين بشأن عملية انتقال سياسي عملا ببيان جنيف لعام 2012، بموازاة مع وقف لإطلاق النار في جميع أنحاء البلد. وستتطلب أيضا قيام جميع الدول بالتعجيل بتنفيذ قرارات المجلس 2178 (2014) و 2199 (2015) و 2253 (2015). وينبغي للعملية أيضا أن ترد المظالم التي يستغلها تنظيم الدولة الإسلامية لكسب دعم بعض المجتمعات المحلية ع مواصلة تضييق الخناق على الأنشطة التمويلية لتنظيم الدولة الإسلامية، أن يساعد في النهوض بتنفيذ قرارات مجلس الأمن المتخذة في هذا الشأن، بما فيها تلك التي تسعى إلى تحقيق السلام المستدام عن طريق إدماج الأطراف الفاعلة على الصعيد المحلي (مثل النساء والشباب)، التي لها فهم عميق لديناميات النزاع، في العمليات السياسية الدولية.

الدكتور حكيم غريب الخبير في الشؤون الامنية و الاستراتيجية   

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock