قضايا أمنية

الحرب القذرة وانهيار الأخلاق

أعلن التحالف بقيادة السعودية عملية عسكرية عشية عيد الفطر على مدينة الحديدة للسيطرة على الميناء البحري كأحد البوابات الرئيسية التي تدخل عبرها المساعدات الإنسانية إلى شعب مزقته حرب ظالمة ودمّر بنيته التحتية القصف الجوي بواسطة أكثر الطائرات تطورا في العالم. إنها حرب من قبل أغنياء العرب المتخمين بثروة البترول كمنحة طبيعية وليس كصناعة بشرية، ضد أفقر شعب في العالم يتقاسم معهم العروبة والإسلام والحدود.

أنفقت دول الخليج على مدى عشرين سنة الماضية أموالا كثيرة على التسلح بدعوى حماية الأمن القومي، وكدست أسلحة كثيرة فوق أراضيها، وظننا أنها استعدادا لأي حرب إقليمية أو ردع لتهديدات إسرائيلية أو حتى إيرانية كما تدعي حكومات المنطقة؛ لكن في النهاية وجدنا أن تلك الأسلحة تستخدم ضد شعب فقير وأعزل، وتوظف في حرب غير متكافئة بكل المقاييس، تجري بدموية كبيرة تحت أعين كل منظمات حقوق الإنسان العالمية وبدعم من القوى التي تدعي أنها ديمقراطية وتدعم مقاربة الأمن الإنساني.


منطق الأخلاق وروح الإسلام الذي وظفتهما السياسة الخارجية السعودية طيلة السبعين سنة الماضية يقضيان بأن الحرب يجب أن توقف في الأيام المقدسة للمسلمين كشهر رمضان والعشر الأواخر وأيام العيد، لأن الإسلام يقول أن في هذه الأيام يكون التغافر بين المسلمين وفرصة لتصفية الأحقاد لا أن يكون التغافر بالقصف وأصوات المدافع ضد ديار المسلمين.
من الناحية العملياتية، حرب اليمن هي قتال مدن وليس في أرض مفتوحة تجري بين قوات نظامية تحتكم لقواعد الاشتباك المعروفة في الحروب، وما دامت هي كذلك فإن النصيب الأكبر من آثار تلك الحرب يتحمله السكان المدنيون وليس أحدا آخر؛ والأسوأ من ذلك، أن التحالف العربي والفقر والمجاعة قد تحالفوا على الشعب اليمني في شهر رمضان الذي عظّمه الله ورسوله.


الوجه الآخر للحرب القذرة هو استخدام مال البترول لشراء ذمم الناس وتجنيد شباب اليمن لقتال بعضهم البعض، وكذلك استخدام المرتزقة للسيطرة على المدن التي بحوزة الحوثيين، وتصوير كل ذلك على أنها حرب ضد الحوثيين الموالين لإيران؛ إنها هي دعوة مغشوشة لإظهار الصلف الخليجي في أبشع صوره ضد البلاد العربية وليس ضد الأعداء.


لقد استقدمت تلك الحرب دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لوجستيا واستخباريا ضد مليشيا عسكرية، وهو مكون آخر في حرب قذرة، إذ لا يعقل أن الحرب ضد مليشيا تستحق تدمير شعب بكامله؛ إذ لا يمكن أن تفرح مجتمعات التحالف العربي بالعيد، في حين تمطر سماء اليمن القنابل والصواريخ على أهل اليمن؛ إنها باللغة الجزائرية “الحقرة”.


الجانب المتمدد للحرب القذرة التدخل المتزايد لدولة الإمارات بالتحالف مع إسرائيل للعبث بأمن واستقرار دول عربية أخرى وتغذية الحروب الداخلية كالوضع في ليبيا باسم مكافحة الإرهاب، وما حديث وسائل الإعلام العالمية عن ضلوع دولة الإمارات في محاولة الانقلاب الفاشلة في تونس إلا مؤشر أولى عن المشهد القادم في تخريب المجتمعات العربية من داخلها.
إن الحرب القذرة هي نتيجة منطقية لانهيار الأخلاق في السياسة العربية المفلسة، تعكس من الناحية المنهجية العلاقة بين المتغير المستقل والمتغير التابع.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock