لا تنتهي الحرب في القانون الدولي التقليدي إلا بعقد معاهدة صلح ، لأن الحرب هي حالة قانونية الى جانب كونها حقيقة فعلية في العلاقات الدولية ، ولذا فمعاهدة الصلح التي يمليها الطرف المنتصر في الحرب على الطرف المندحر هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء الحرب قانونا . لكن القانون الدولي الحديث لا يعترف بالحرب إلا بوصفها نزاعا مسلحا فعليا ، وليس عملا من اعمال القانون ولذا فهي تنتهي فعليا ايضا دون حاجة الى معاهدة صلح  بالضرورة ، وما دور القانون الدولي سوى احاطة الحرب بجملة من التنظيمات التي تخف من ويلاتها كتلك المتصلة بالجرحى والاسرى واوضاع المدنيين   في ظل الاحتلال وسواها مما يتفق مع ما آل اليه ميثاق الامم المتحدة من منع استخدام القوة او التهديد بها في العلاقات الدولية .

    وما الحق الذي اعطي للامم المتحدة في استخدام القوة سوى تدبير اريد به منع العدوان او قمعه اذا ما وقع مما قد يهدد السلم والامن الدوليين ، ولذا فان دور مجلس الامن وهو الجهة التي عهد اليه بذلك لا يتعدى عمله سوى اعادة السلم الى نصابه وليس  وظائفه ولا من سلطاته وضع قرارات جائرة كتلك التي كانت تفرضها معاهدات الصلح سابقا .

    وفي هذا الاطار تأتي مناقشتنا قرار المجلس 687 بخصوص نزع اسلحة العراق ووضع قيود تحظر تسليحه مستقبلا في هذا الفصل ، لكي نتناوله في مباحث ثلاث :-

في مدى مشروعية نزع سلاح العراق واجراءات منعه من التسلح وحظر تسلحه مستقبلا كل ذلك سنناقشه في اطار خصائص السيادة ونطاقها زمعطياتها

    لذا سيكون من المناسب ان نقسم هذا الفصل الى ثلاثة مباحث يكون أولها لنزع السلاح ومدى مشروعيته ، والمبحث الثاني نتناول فيه إجراءات نزع السلاح ومدى مشروعيتها ، على ان يخصص المبحث الثالث لحظر التسلح على العراق ومدى مشروعيته .

المبحث الأول نزع السلاح وصلته بموضوع السيادة

 

       لقد اقترنت الجهود الخاصة بتنظيم التسلح سواء بحظره او تخفيظه اومنع انواع معينة من السلاح بالطبيعة الارادية القائمة على الرضا وهو ما تمخض عن انشاء معاهدات واتفاقيات عدة ثنائية كانت ام جماعية .

     إلا ان وقائع تاريخ العلاقات الدولية لا تعدم وجود اجراءات نزع سلاح قامت على اساس قوة الارغام لا على اساس قوة الاتفاق ولعل هزيمة ألمانيا ودول المحور في الحرب العالمية الأولى كانت وراء اتجاه الحلفاء المنتصرين في تلك الحرب الى إملاء شروط المنتصر على الدول المهزومة ، وهو ما تحقق في معاهدة فرساي 1919 حيث تم تحديد عدد قوات ألمانيا بمائة ألف جندي وهنكاريا بخمسة وثلاثين ألف جندي والنمسا بثلاثين ألف جندي مع تحديد الأسلحة والعتاد بالكمية اللازمة لهذه القوات [1] .

    ثم فرض الجزء الخامس من هذه المعاهدة قيودا شديدة على ألمانيا في شان التسليح وإلغاء التجنيد الإجباري والتطوع الاختياري وإلغاء هيئة أركان الحرب الألمانية ومصانع العتاد ومنع استيراد او تصدير او تصنيع الأسلحة إضافة الى نزع سلاح مناطق معينة داخل ألمانيا [2] .

    من هذا العرض الموجز لحركة نزع السلاح قبل التنظيم الدولي        نستطيع القول ، أن الدافع الرئيس وراء نشأة هذه الحركة كان شدة سباق التسلح وتطوره ومحاولة الدول التقليل من حدته لدرء مخاطر الحرب ، خاصة في ظل الوضع التنافسي للسياسات الاستعمارية في تلك المرحلة . رغم ان الجهود الدولية لم تتوصل الى مفهوم واضح لطبيعة نزع السلاح ، حيث ظهرت في تلك الفترة ثلاثة مصطلحات أساسية ، تم استخدامها من منطلق اختلاف الرؤية السياسية لكل دولة لمفهوم نزع السلاح ، وهذه المصطلحات هي نزع السلاح Disarmament وتخفيض السلاح Reduction of Armaments ، وتحديد السلاح Limitation of Armaments ، ونتج عن ذلك احتفاظ كل دولة بمفهومها الخاص لنزع السلاح . كما ان آلية نزع السلاح في تلك المرحلة اتسمت بأمرين ، كان أولهما الاتفاقيات والمعاهدات ذات الطبيعة التعاقدية الإرادية وثانيهما معاهدات الصلح والتسليم التي يتم فيها فرض شروط المنتصر على المندحر ، كما حدث في معاهدة فرساي [3] .

    كانت تلك اهم خصائص وسمات حركة نزع السلاح قبل عصر التنظيم  الدولي . اما في عصر التنظيم الدولي المتمثل في عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة ، فكان من الطبيعي ان ينال هذا الموضوع اهتمام المنظمتين ، لسعيهما نحو تحقيق السلم والأمن الدوليين ودرء مخاطر الحرب التي يشكل السلاح مادتها وأداتها الرئيسه .

    لقد شملت مسألة تخفيض التسلح احد اهم أهداف عصبة الأمم حيث اشترط عهد العصبة موافقة الدول على نظام العصبة فما يتعلق بقواتهم وأسلحتهم         ( الحربية والبحرية والجوية ) حتى يتم قبولهم كأعضاء في هذه المنظمة [4] . كما فصل العهد المستلزمات الضرورية بشان تخفيض التسلح والتي يجب على الدول مراعاتها تحقيقا لأهداف العصبة حيث جاء النص في العهد على عملية تخفيض التسلح واضحا وصريحا ، بل ومفصلا بعض الشيء [5] . وضمانا لذلك فقد اشترط العهد إنشاء لجنة دائمة تقدم المشورة لمجلس العصبة فيما يتعلق                   بمشكلة تخفيض التسلح [6] .

    ان اختلاف المواقف السياسية للدول الأعضاء في عصبة الأمم كان وراء تباين التفسيرات  بشان نصوص عهد العصبة الخاصة حول فكرة تخفيض التسلح ، لذلك كان اهم إنجازات العصبة في هذا المجال هو تمكنها من عقد مؤتمري جنيف لعام 1925 و 1932 بهدف تطبيق أحكام المادة الثامنة من العهد وسريان تخفيض الأسلحة على كل الدول ، والذي لم تستطع العصبة تحقيقه [7] .

    ان وقوف المصالح السياسية المتعارضة للدول الأعضاء في العصبة حائلا دون نجاح المحاولات لنزع السلاح ، ثم نشوب الحرب العالمية الثانية التي استخدمت فيها ابشع أنواع أسلحة الدمار الشامل التي عرفتها البشرية على الإطلاق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ، كان حافزا من ان يجعل مهمة مواصلة السعي الجاد نحو تدعيم حركة نزع السلاح كأحد اهم أهداف        منظمة الأمم المتحدة [8] .

    فلقد أولى ميثاق الأمم المتحدة موضوع نزع السلاح أهمية كبيرة لغرض الوصول الى تحقيق السلم والأمن الدوليين ، خاصة وان الحرب العالمية الثانية قد انتهت باستخدام ابشع ما توصلت اليه يد البشرية من أسلحة التدمير والفناء وهو القنبلة الذرية التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان ، لتضع العالم كله أمام خطورة هذا السلاح الرهيب [9] . ولقد كان اهم تحول في منهج التعامل مع قضية السلم والأمن الدوليين في ميثاق المنظمة يتمثل في إحلال فكرة الأمن الجماعي بديلا عن نظرية الأمن في ظل توازن القوى ، التي كانت تعتمد على فكرة تسلح مجموعة من الدول ضد مجموعة اخرى يمنع نشوء الحرب كنتيجة حتمية للتوازن فيما بينهما . اما فكرة الأمن الجماعي فتعتمد على وجود منظمة دولية تعمل على تحريم استخدام القوة والعدوان وتدعيم الأمن والسلام بوسائل أساسية ، منها الحل السلمي للمنازعات ونزع السلاح [10] .

   ان ما جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة ، وما ذكر ضمن مقاصدها الأساسية في الفصل الأول منه ، حمل في طياته دلالات واضحة على ان نزع السلاح لا بد وان يكون وسيلة حاسمة نحو تقليل مخاطر النزاعات المسلحة وما تسفر عنه الحروب من مآسي ودمار في المجتمع الدولي . ولم يسمح لنا الميثاق بان نذهب بعيدا في الاستنتاج والاستدلال بان قطع ذلك بصراحة بعض بنوده ضمن فصوله في معالجة موضوع نزع السلاح . فلقد أشارت المادة ( 11 ) في فقرتها الأولى على ان ( للجمعية العامة ان تنظر في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلم والأمن الدوليين ، ويدخل في ذلك المبادئ المتعلقة بنزع السلاح وتنظيم التسلح ، كما ان لها ان تقدم توصياتها بصدد هذه المبادئ الى الأعضاء                   او الى مجلس الأمن ) [11] .

    كما ان المادة ( 26 ) نصت على انه ( رغبة في إقامة السلم والأمن الدولي وتوطيدها بأقل تحويل لموارد العالم الإنسانية والاقتصادية الى ناحية التسليح ، يكون مجلس الأمن مسؤولا بمساعدة لجنة الأركان العسكرية المشار إليها في المادة 47 عن وضع خطط تعرض على أعضاء الأمم المتحدة لوضع مناهج لنظم التسليح ) [12] . اما ما جاء في المادة ( 47 ) وفي فقرتها الأولى فما يلي ( ان تشكل لجنة من أركان الحرب تكون مهمتها ان تسدي المشورة والمعونة الى مجلس الأمن وتعاونه في جميع المسائل المتصلة بما يلزمه من حاجات حربية لحفظ السلم والأمن الدوليين لاستخدام القوات الموضوعة تحت تصرفه وقيادتها ولتنظيم التسليح ونزع السلاح بالقدر المستطاع ) [13] .

    ويتضح من قراءة هذه النصوص ، ان ميثاق الأمم المتحدة قد استخدم عبارتين او مصطلحين أساسيين في هذا الشأن ، وهما تنظيم التسليح ونزع السلاح حيث أثار المصطلح  الأخير جدلا في الفقه الدولي حول رؤية الميثاق بين نزع السلاح وتحقيق الأمن الجماعي لأعضاء المجتمع الدولي [14] ، وقد تحدد هذا الجدل باتجاهين : الاتجاه الأول والذي ذهب الى اعتبار ان الميثاق لم يربط بين نزع السلاح وتحقيق الأمن الجماعي ربطا كافيا ، ولان النصوص التي تناولت مسألة نزع السلاح كانت ضعيفة في هذا الشأن ، وقد استند هذا الاتجاه في تأييد      مذهبه على ما يلي :-

  1. لم يتضمن الميثاق معالجة موضوعية لمشكلة الطاقة النووية والأسلحة الذرية .
  2. عدم النص صراحة على نزع السلاح كهدف أساسي من أهداف الأمم المتحدة او من مبادئ الميثاق .
  3. اهتم الميثاق بفكرة تنظيم التسليح اكثر من اهتمامه بفكرة نزع السلاح ، وهو ما يتضح من قراءة الفقرة الرابعة من المادة التاسعة بشان مبادئ الأمم المتحدة والتي تشير الى ضرورة امتناع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الأراضي او الاستقلال السياسي لأية دولة او على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة ، الأمر الذي يفهم منه حق هذه الدول في الاحتفاظ بأسلحتها بالقدر الذي لا يحرمها إمكانية الدفاع عن النفس .
  4. تحديد سلطة مجلس الأمن في مسالة السعي نحو تحقيق وتوطيد السلم والأمن الدوليين باستشارة لجنة الأركان العسكرية في وضع مناهج تنظيم التسلح – وليس نزعه – وعرضها على أعضاء الأمم المتحدة لإقرارها ، وهو ما يتضح من نص المادة (26 ) من الميثاق ، الأمر الذي ينزع عن المجلس أية سلطة جبرية في هذا المجال .
  5. انتفاء وجود آليات او قواعد عامة في نصوص الميثاق للرقابة والتفتيش التي لا بد منها لتحقيق فاعلية إجراءات عملية نزع السلاح [15] .

    اما الاتجاه الثاني ، فيرى ان الميثاق قد ربط ربطا وثيقا بين نزع السلاح وتحقيق الأمن الجماعي ، وذلك عن طريق إلزام الدول الأعضاء في المنظمة الدولية بالامتناع عن التهديد بالقوة او استخدامها في العلاقات الدولية ، وإلزامها باتخاذ الحل السلمي للمنازعات الدولية أسلوبا أساسيا في تسوية تلك المنازعات . ونبذ استخدام القوة وان المادتين ( 21 ، 26 ) من الميثاق قد تناولتا مسالة تنظيم التسليح ، بمعنى العمل على تخفيض التسلح كخطوة في سبيل تحقيق نزع السلاح الجزئي ، وذلك وصولا الى الهدف الأساسي والأخير وهو                     نزع السلاح الكامل في المستقبل .

    كما يؤكد هذا الاتجاه على انه إذا كانت المادة ( 11 ) من الميثاق قد نصت على قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة ببحث المبادئ الرئيسه التي تحكم نزع السلاح ، وإصدار التوصيات بهذا الشأن ، فان مجلس الأمن يتحمل مسؤولية وضع هذه التوصيات ومناهج تنظيم التسليح موضع التطبيق بعد عرضها على أعضاء المنظمة الدولية [16] .

    يتضح من عرض الاتجاهين حول مفهوم نزع السلاح ، في ضوء نصوص الميثاق وعلاقته بنظرية الأمن الجماعي ، قوة الاتجاه الأول الذي كشف عن ضعف العلاقة بين نزع السلاح وتحقيق الأمن الجماعي وفق نص ديباجة الميثاق والمواد الخاصة بهذا الشأن ، لاسيما فيما يتعلق بتقييد اختصاصات سلطة مجلس الأمن في مسالة نزع السلاح وربطها بدور كل من لجنة الأركان العسكرية وعرض ما يراه المجلس من خطط ومناهج لتنظيم التسليح على أعضاء المنظمة الدولية ، وهو الأمر الذي اثبت الواقع السياسي والدولي صعوبته والذي انعكس على آليات العمل داخل أجهزة الأمم المتحدة واثر على دورها في مسالة نزع السلاح وهو ما يظهر من خلال ما يلي :

  1. فشل المنظمة الدولية في تطبيق نص المادة ( 43 ) من الميثاق والخاصة بإنشاء قوات دولية لحفظ السلم والأمن الدوليين وانتهاء دور لجنة أركان الحرب في مسالة تنظيم التسليح ونزع السلاح قبل ان يبدأ .
  2. كان لفقدان مجلس الأمن اهم آلياته الأساسية والفاعلة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين ونزع السلاح ، والمتمثلة في لجنة الأركان العسكرية ، أكبر الأثر في عجز هذا المجلس عن القيام بواجباته المنصوص عليها في الميثاق ، فلم يشترك في مناقشات لجنة الطاقة الذرية او لجنة نزع السلاح [17] . وقد تأثر عمله في حقبة الحرب الباردة بتنافر أعضائه الدائمين وعدم اتفاقهم نتيجة التنافس فيما بينهم ، وبالانتقائية والازدواجية في أعقاب الحرب الباردة نتيجة الهيمنة وسيادة سياسة القطب الواحد ، الامر الذي اعجز المجلس عن القيام بالدور المنوط به [18] .
  3. انفردت الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناقشة مسألة نزع السلاح بشكل عام وإصدار التوصيات ذات الصلة في مجال تنظيم ونزع السلاح .
  4. تحول التفاوض بين الدول بشأن مسالة تخفيض نزع السلاح خاصة في ظل الحرب الباردة والتنافس النووي ، الى خارج المنظمة الدولية ، وان كانت توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقراراتها في هذا الشأن مرشداً وهادياً لتلك الدول في المفاوضات .

     مما سبق يتضح ، ان الصلة بين أحكام ومواد الميثاق من جهة وبين دور نزع السلاح في تحقيق الأمن الجماعي لم تكن بالقدر الكافي واللازم كي تتمكن أجهزة المنظمة الدولية من أداء دورها بفعالية في شأن دفع حركة السلاح او تنظيمه وهو ما يرجع الى تأثير العوامل السياسية والعلاقات السياسية في مجال التسليح بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، إضافة الى ضعف النصوص التي تناولت مسألة تنظيم ونزع السلاح ، كما ان مجلس الأمن رغم ان الجهاز القائم على حفظ واستقرار السلم والأمن الدوليين – لم يجد في نصوص الميثاق ، التي تناولت مسألتي نزع السلاح وتنظيم التسليح ، مجالاً واسعاً واختصاصاً منفرداً في هذا الشأن ، بل ان المادة ( 26) قد حددت سلطته في هذا المجال بوضع الخطط التي تعرض على أعضاء الأمم المتحدة بشأن مناهج تنظيم التسليح وليس نزعه وقيدت ذلك بمسئوليته المعتمدة على مشورة لجنة الأركان العسكرية المشار إليها في المادة ( 47) من الميثاق [19] .

    فإذا كان العمل بهذه الآلية في مجال تنظيم التسليح قد تعطل لعجز المجلس عن أداء هذا الدور في ظل سياسة الحرب الباردة التي اشتعلت بين قطبي المجتمع الدولي والتي انعكست على العلاقة فيما بين الأعضاء دائمي العضوية بهذا  المجلس ، إضافة الى استحالة الأخذ بمشورة لجنة الأركان العسكرية في مجال تنظيم التسليح ونزع السلاح لعدم تنفيذ حكم المادة (43) من الميثاق ، التي تعد الأساس في نشأة تلك اللجنة الأمر الذي يعطل مجلس الأمن عن أداء أي دور في مجالي تنظيم التسليح او نزع السلاح على السواء ، ولا يتمتع في ذلك بأي سلطة او اختصاص منفرد في هذا الشان ، وإذا كان الأمر كذلك ، وترتيباً على ما سبق فان السؤال التالي يفرض نفسه بقوة وهو :

    هل يجد مجلس الأمن في تدابير الأمن الجماعي ( فكرة الجزاء ) سندا قانونيا ومبررا مشروعا لنزع اسلحة دولة عضو في المنظمة الدولية ؟ على الرغم من تقيد سلطته واختصاصاته بموجب المواد التي تناولت مسألتي تنظيم التسليح ونزع السلاح بموجب ميثاق الأمم المتحدة  .

    مما لا جدال فيه ان مواد ميثاق الأمم المتحدة التي تناولت أحكام تنظيم ونزع السلاح ، المشار إليها ، لم تقض بمنح مجلس الأمن أية سلطة جبرية في مجال نزع السلاح ضمن ما يتمتع به المجلس من اختصاصات في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين ، لذا فان أي قرار يصدره مجلس الأمن يقضي بنزع أسلحة أي دولة يمكن ان يتعرض للطعن في شرعيته خاصة إذا ما استند المجلس في قراره الى أحكام الفصل السابع من الميثاق ، وما يتمتع به من سلطة في اتخاذ تدابير الأمن الجماعي لغرض إضفاء المشروعية على قراره . لذا فان دراسة مدى مشروعية قرار نزع التسلح الصادر عن مجلس الأمن ، كما في قضية العراق بموجب القرار 687 (1991) استنادا لأحكام القسم ( جيم ) منه ، يحتم مناقشة نظرية الجزاء في القانون الدولي وموقعها من تدابير الأمن الجماعي ، بمقتضى أحكام ميثاق الأمم المتحدة لبيان مدى مشروعية ما قضى به مجلس الأمن من نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية .

     إذا كان الفقه الدولي يكاد يجمع على ان الأمن الجماعي يجسد نظاما يقوم على مبدأ أساسي ، وهو تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية في محاولة جادة إلى التخلص من نظام العدالة الخاصة الذي تقوم الدولة في ظله بالقصاص لنفسها من المعتدي ، وذلك بغية الوصول الى تحقيق نظام السلطة العامة من خلال مجموعة من التدابير او الإجراءات الجماعية التي يقوم عليها جهاز من أجهزة المنظمة الدولية [20] ، حيث تتميز هذه التدابير بخاصيتين أساسيتين الأولى وقائية وتهدف الى الحيلولة دون وقوع العدوان والثانية علاجية تهدف الى إيقاف العدوان وتوقيع الجزاء على المعتدي [21] . فإلى أي مدى يمكن تطبيق مفهوم نظرية الجزاء على إجراءات وتدابير الأمن الجماعي ؟ وهل يمكن اعتبار نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية نوعا من الجزاء تم توقيعه عل العراق في إطار تدابير الأمن الجماعي الهادفة الى حفظ السلام والأمن الدوليين ؟ .

     لقد أثارت فكرة الجزاء SANCTIONS  خلافا وجدلا فقهيا شديدا في معظم المؤلفات التي تناولت نظرية القانون بشكل عام وتلك المعنية بالقانون الدولي بشكل خاص ، حيث رأى بعض الشراح مثل كانت وهيجل وهوبز ، ان خصائص القانون الدولي لا تضفي على أحكامه صفة القواعد القانونية بالمعنى الصحيح ، وقد استند هذا الرأي الى ان هذا القانون يفتقد وجود السلطة التشريعية والسلطة القضائية والجزاء الذي يحمي أحكام القاعدة القانونية ويوفر ضمان احترامها ويوقع على من يخالفها [22] . بل ان الرواد الأوائل للقانون الدولي قد نظروا الى هذا القانون باعتباره اقرب الى مجموعة القواعد الطبيعية منه الى                القواعد الوضعية الملزمة .

     في حين اتجه أصحاب مدرسة القانون الطبيعي نحو النظر الى القانون كموجود بذاته ويتميز بطبيعته الاستقلالية عن أية إرادة إنسانية ، فان اصحاب مدرسة القانون الوضعي قد وجدوا ان القانون هو مجموعة قواعد السلوك العامة المجردة ، السارية او المطبقة فعلا في مجتمع معين ، بالنظر لإلزامها المرتكز على اقترانها بجزاء مادي ملموس ، ويتفق على ذلك كل من أصحاب الوضعية القانونية أمثال كلسن وفردروس واصحاب الوضعية الاجتماعية أمثال         ديجي وجيز [23]. ولقد كان عنصر الجزاء أحد اهم العناصر الأساسية لإكتساب القاعدة القانونية هذه الصفة في رأي فقهاء مدرسة القانون الوضعي لذا ذهب جون اوستن         ( JOHN AUSTIN ) الى إنكار وضعية القانون الدولي استنادا الى نظرته للقانون باعتباره مجموعة القواعد الصادرة عن سلطة سياسية ذات سيادة تستطيع العمل على ضمان احترام أوامرها بتوقيع الجزاء على             المخالف لتلك الأوامر ، وانتهى الى ان ما اصطلح على تسميته بالقانون الدولي العام ليس في حقيقته سوى مجموعة من قواعد الأخلاق الدولية الوضعية [24] .

     ولقد تأثر العديد من الشراح الذين تصدوا لدراسة نظرية القانون بهذه الآراء وقد شككوا في وضعية القانون الدولي العام لعدم احتواء قواعده على عنصر الجزاء والذي رأوه قاسما مشتركا وأصيلا في عناصر القاعدة القانونية ، او سلطة عليا او دولة فوق الدول تستطيع توقيع الجزاء الملزم على المخالفين ، الأمر الذي يؤدي الى فقدان القاعدة القانونية – عند هذا الاتجاه – اهم خصائصها وهو وجود تنظيم قانوني وجزاءات تضمن احترامها ، لذا كان لزاما على فقهاء القانون التصدي لهذا الاتجاه [25] .

    ولقد كانت نقطة انطلاق غالبية الفقهاء الرافضين لهذا الاتجاه هي التأكيد على ان وجود القاعدة القانونية لا يتوقف على توافر كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية ووجود الجزاء ، وان كان توافرها يساعد على دعم القاعدة القانونية ، إضافة الى تأكيد غالبية هذا الفقه المؤيد لوضعية قواعد القانون الدولي         على ما يلي :

  1. ضرورة مراعاة اختلاف البناء القانوني الخاص بالمجتمع الدولي الذي يتكون أساسا من دول مستقلة ذات سيادة عن ذلك البناء القانوني الذي يحكم مجتمع الأفراد داخل الدولة ، إضافة الى طبيعة المخاطبين ، الأمر الذي يجعل من العبث ان يتم القياس دون مراعاة هذه الفوارق الجوهرية [26].
  2. عدم ارتهان وصف قواعد القانون الدول بالقواعد القانونية بضرورة وجود سلطة تشريعية ، لان الدول في المجتمع الدولي تقوم بممارسة هذا الأمر على غرار نظام الديمقراطية المباشرة  [27] .
  3. ضرورة عدم الخلط بين ( تقويم القانون ) ( وتكوين القانون ) استنادا الى حتمية توافر مجموعة من العناصر لتكوين القاعدة القانونية ومجموعة من الشروط اللازمة لتوافر حسن تطبيق تلك القاعدة – بعد ان تتكون وتنشأ – مثل وجود القضاء والجزاء [28] ، وان القانون الدولي يعرف الجزاءات التي تكفل احترام أحكامه ولكنها جزاءات تتفق مع تكوين المجتمع الدولي وطبيعة العلاقات الدولية [29] .
  4. ثبوت وضعية القانون الدولي باعتراف الدول المخاطبة بأحكامه بوجوده وإلزامه لها ومحاولة هذه الدول إضفاء المشروعية على تصرفاتها التي تعد مخالفة لأحكام قواعد ذلك القانون ، وفي ذلك لا تختلف انتهاكات هذه الدول لتلك القواعد عن موقف الأفراد داخل مجتمع الدولة إذا ما قاموا بمخالفة أحكام القانون الدولي الداخلي [30] .

   ومما سبق يتضح ، ان الفقه الدولي قد ذهب الى توافر عنصر الجزاء في القاعدة القانونية الدولية ، وان اختلفت طبيعة هذا الجزاء وبناؤه القانوني عن طبيعة ومفهوم الجزاء في القانون الداخلي .

    ومن نافلة القول ان معنى كلمة جزاء في اللغة العربية يختلف عنها في اللغات الأجنبية الاخرى وخصوصا الإنكليزية .  ففي اللغة العربية تعني المكافأة بالعقاب او الثواب أو بأي منهما بحسب فعل الشخص . ففي المعنى الأول أي المكافأة بالعقاب ، نجده في قوله تعالى ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين . – الأعراف / 41 – ) ، اما المعنى الثاني أي المكافأة بالثواب ، نجده في قوله تعالى : ( ان للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاءا من ربك عطاءا حسابا .-النازعات    /36 – ) . اما في المعنى الثالث [31] الجامع بين الثواب والعقاب ، فنجده في قوله تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى . – الفجر / 31 – ) صدق الله العظيم .

     اما في اللغة الإنكليزية فكلمة sanctions  تعني ذلك الإجراء الذي تتخذه السلطة المختصة دستوريا للتصديق ، وتعني في مجال القانون الدولي الإجراء الذي يتخذ في حال انتهاك قاعدة قانونية [32] ، حيث يميل معظم الفقهاء والشراح الى تغليب المعنى العقابي لكلمة جزاء من الناحية القانونية . وبناءا على ذلك فان الفقه الدولي يكاد يجمع على ان الجزاء ذو طبيعة وظيفية لا تهدف الى زجر وإيلام الدولة المخالفة لأحكام القاعدة القانونية ولكن بهدف ردها الى جادة الصواب والامتثال للقانون الدولي حتى يستقر امن وسلامة المجتمع الدولي . لذلك عرف أحد الشراح الجزاء تعريفا وظيفيا باعتباره ( رد الفعل الاجتماعي الذي يعبر عن استياء المجتمع تجاه احد أعضائه الذي ارتكب ما يخالف مضمون إحدى القواعد القانونية السارية في هذا المجتمع ) [33] .

    ورغم ان الجزاء ، في كافة النظم القانونية ، يهدف الى تحقيق وظيفتين أساسيتين أولهما : هي توقيع العقوبة على المخالفين لحملهم على الالتزام بأحكام وأوامر القاعدة القانونية . وثانيهما هي ردع المخاطبين بهذه القاعدة بما يحول دون إتيانهم هذا السلوك المخالف الذي تمت معاقبة مرتكبه ، إلا ان غالبية الشراح في الفقه الدولي لا يذهبون الى إيلام وزجر الدولة المخالفة وعقابها بالمعنى  الدقيق لاصطلاح العقاب في علم قانون العقوبات داخل الدولة ، ولكن بما يعني فقط وقف المخالفة والانتهاك الذي أقدمت عليه الدولة واعتدائها على قواعد النظام الجماعي الدولي [34] . وعليه فان الجزاء في الفقه الدولي يتسم بمجموعة من الخصائص منها انه لاحق على وقوع الفعل المحظور وانه يجب ان يتناسب مع الضرر الذي وقع كما انه يجب ان لا يستهدف إبادة الطرف المخطئ ، كما يجب ان تحترم لدى تطبيقه قواعد الرأفة الإنسانية ، كما لابد ان يسبق الجزاء فشل الطرف المتضرر في مطالبة الطرف المخطئ بتقديم الترضية اللازمة واخيرا يجب ان يكون الجزاء ردا على انتهاك قاعدة ترتب عليها ضرر وإلا يكون الدافع الوحيد إليه      مصلحة سياسية معينة [35] .

    ان ما تم استعراضه يقودنا بالضرورة الى اهمية مناقشة مواقع تدابير الأمن الجماعي من نظرية الجزاء في القانون الدولي  او بعبارة اكثر وضوحا هل ان تدابير الأمن الجماعي هي بمثابة جزاء يقوم باتخاذه مجلس الأمن ويوقعه على احد أعضاء المجتمع الدولي الذين يقومون بانتهاك او الإخلال بالسلم والأمن الدوليين ؟ خاصة وان المجتمع الدولي مثله في ذلك مثل أي مجتمع يتألف من مجموعة من الأشخاص تتداخل مصالحهم او تتنازع مما يستوجب ضبط وتنظيم العلاقات القائمة فيما بينهم وبما يتفق مع الصالح العام لأعضاء هذا المجتمع من خلال احترام القواعد القانونية التي يشكل الجزاء عنصرا أصيلا وأساسيا من عناصرها وان اختلف مفهوم هذا الجزاء وطبيعته القانونية وطريقة توقيعه على العضو المخالف لأحكام القانون [36] . وإذا كان العديد من مؤلفات القانون الدولي قد استخدمت مصطلح الجزاء ، إلا ان من الملاحظ ان ميثاق اهم واكبر منظمة دولية وهي الأمم المتحدة ، لم يرد فيه مطلقا هذا المصطلح ، وان كان قد ورد أثناء مراحل إعداد ذلك الميثاق ، الأمر الذي جعل العودة الى آراء الفقه الدولي – لبيان ما إذا كانت تدابير الأمن الجماعي في الفصل السابع من الميثاق بمثابة جزاءات  أم لا – هي الفيصل والحكم خاصة وقد رأى بعض الفقه ان مشكلة الجزاء في القانون الدولي تكمن في كيفية إلزام الدول او حملها على الوفاء بالتزامها [37] . فهل تقوم تدابير الأمن الجماعي بهذا الدور ؟ .

لقد انقسم الفقه الدولي في هذا الشأن الى ثلاثة اتجاهات رئيسية: –

    اما الاتجاه الأول : فيذهب الى نفي صفة الجزاء عن تدابير الأمن الجماعي ، ويستند في ذلك الى ان هذه التدابير ذات صفة سياسية وتطبيقها مرهون بتقدير مجلس الأمن وهو ما يتفق مع الميل العام نحو ترجيح الصفة السياسية لنصوص الميثاق على صفتها القانونية خاصة وان الجزاء لا يقوم الا عند انتهاك       التزام قانوني [38] .

    ويؤكد هذا الاتجاه ، على ان غلبة المعايير السياسية وسلطة مجلس الأمن الواسعة في تقدير وقوع تهديد للسلم او انتهاكه او عمل من أعمال العدوان لا يجعل ثمة ضابط في تحري مدى عدالة تقرير المجلس في هذا الشأن [39] ،       وان المادة (39) من الميثاق هي مفتاح تقرير وقوع أي من هذه الحالات الثلاثة ، وهو امر بيد مجلس الأمن وحده وله ترتيبا على ذلك اتخاذ                     هذه التدابير او تعطيلها [40] .

    وفي ذات الاتجاه ذهب أحد الشراح الى ان الدولة دائمة العضوية لمجلس الأمن تعمد الى وصف الموقف بأنه مهدد للسلم والأمن الدوليين وفق المعايير السياسية إذا كانت عازمة على توقيع التدابير ضد دولة ما [41] .

    ولقد وجد هذا الاتجاه تأييدا لدى بعض الشراح ، حيث بين البعض منهم ان     ( لفظ جزاءات لم يستخدم للدلالة على تلك التدابير الجماعية ، وانما يستخدم لفظ   ( إجراءات ) الذي يوحي بمعاني إجرائية ، سواء أكانت وقائية أو علاجية اكثر من إيمائه الى معنى الجزاء ) [42] .

    واما الاتجاه الثاني : فيرى أصحابه ضرورة التفرقة بين التدابير المؤقتة التي بحث مجلس الأمن بموجبها أطراف النزاع الدولي الى اتباعها ، وتلك التدابير المباشرة التي يتخذها المجلس ولها طابع القسر وتكون دون سواها صاحبة وصف( الجزاء ) ، وهي التدابير غير العسكرية ، والتدابير العسكرية [43] .

   ويستند هذا الاتجاه الى ان مجلس الأمن قد يوصي بالإجراءات المؤقتة قبل ان يتبين له من الأطراف قد تسبب بخطئه في تهديد السلم او انتهاكه ، اما في حالة اتخاذ المجلس التدابير ” القمعية ” فلابد ان يوجهها ضد الطرف المخطئ وحده لوقف الخطأ او العدوان من ناحية وعلى سبيل العقاب من ناحية اخرى [44] .

    واما الاتجاه الثالث : برغم عدم إنكار أصحابه ان المعايير السياسية هي الغالبة على تقدير مجلس الأمن للمواقف الدولية ، بما ينعكس على تقديره لكل موقف بموجب المادة (39) من الميثاق ، باعتبار أن المجلس ليس سلطة قضائية وانما جهاز سياسي ، الأمر الذي يجعل احتمال الخطأ في قراره أمرا واردا ، إلا ان هذا الاتجاه يرى اتصاف تدابير الأمن الجماعي بوصف الجزاءات [45] .

    ولكن إذا كان بعض الشراح ضمن هذا الاتجاه لم يقيّد هذا الوصف بأي قيد أو شرط حيث أيد بعضهم وصف إجراءات القمع الواردة بأحكام الفصل السابع من الميثاق بأنها بمثابة جزاءات [46] فان البعض الآخر – وان ايد هذا الوصف – قد قيده بما يمكن اعتباره التزامات يجب على مجلس الأمن مراعاتها ، حيث رأى كلسن  ( انه إذا اعتبرت إجراءات القمع بمثابة جزاء ، يكون مجلس الأمن ملزم حينئذ بتحديد المعتدي ، وألا يوجه إجراءات القمع ضد دولة ليست مخطئة رغم ان صياغة المادة (39) لا تلزم مجلس الأمن بذلك صراحة) [47] .

     كما ذهب احد الشراح الى اعتبار تدابير الأمن الجماعي التي تقوم بها المنظمات الدولية في مواجهة الدولة التي ترتكب ما يخالف القانون الدولي بمثابة جزاءات جماعية شريطة ان يحدد مجلس الأمن مسؤولية الدولة المخالفة والذي يعتبر بحد ذاته نوعاً من الجزاء تليه تدابير الأمن الجماعي التي يجوز للمجلس اتخاذها في هذا الشأن ، وقد أستند في ذلك إلى أن المجتمع الدولي يعرف بجانب الجزاءات التأديبية بنوعيها ( التنظيمية والتدابير الجماعية ) مجموعة من الجزاءات الجنائية والادبية والقانونية [48] .

    وإذا كان قد اتضح لنا من هذا العرض، كيف أن بعض الفقه قد أنكر على تدابير الأمن الجماعي التمتع بوصف الجزاء ، وقصر البعض هنا الوصف على تدابير الأمن الجماعي القهرية فقط ، في حين أقر البعض لتدابير الأمن الجماعي بهذه الصفة الجزائية ولكن بعد ان يحدد مجلس الأمن الطرف المخالف بموجب نص المادة (39) من الفصل السابع من الميثاق ، فما هي حدود سلطة مجلس الأمن  في توقيع الجزاء ؟ .

    إن مبدأ الشرعية العقابية في قانون العقوبات ، يقوم على اعتبار ان التشريع هو المصدر المباشر لقانون العقاب ويعتبر نتيجة منطقية للمبدأ الذي ترسخ في فقه الجريمةوالعقاب المتحضروالذي تبلور في قاعدة( لا جريمة ولا عقاب إلا بنص ).

    ومؤدى هذا المبدأ ، أنه لا يجوز تجريم فعل لم ينص القانون الساري وقت وقوعه صراحة على تجريمه ، كما لا يجوز توقيع عقوبة على مرتكب الجريمة خلاف تلك المقررة قانونا ، وذلك حتى يكون هذا المبدأ بمثابة ضمانة لأشخاص المخاطبين بالقاعدة العقابية ، وعدم توقيع عقوبة غير تلك المنصوص عليها ، إضافة إلى تكيف سلوكهم . بما يتفق وأوامر القاعدة القانونية ونواياها .

    ولقد لاقت قاعدة شرعية الجريمة والعقاب تأييداً من الفقه القانوني حيث ذهب أحد الشراح إلى ان هذه القاعدة وإن لم تجد نصا مماثلا في القانون الدولي العام ، أي نص يقضي بأنه ” لا جريمة ولا عقاب إلا بنص ” ، فإن هذه القاعدة مسلمة

من جانب جميع القوانين الوطنية بحيث لا يمكن الشك في أنها تعد من المبادئ الأساسية المعترف بها من جميع النظم القانونية الداخلية، وهي بهذا المعنى وبالرغم من عدم النص عليها في أي قاعدة قانونية دولية إتفاقية او عرفية واجبة الاحترام في القانون الدولي العام ، وذلك حسبما جاء في المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية [49] .

    وبناءا على ما سبق أصبح السؤال يفرض نفسه وهو مدى انطباق مبدأ شرعية الجريمة والعقاب على تلك الجزاءات التي يوقعها مجلس الأمن ؟ .

    فإذا كان مبدأ شرعية الجرائم والعقاب يرتكز على كون التشريع هو المصدر المباشر لقانون العقوبات بوجه عام ، وذلك حتى يكون الأفراد  في مجتمع الدولة بمأمن من توقيع عقاب دون نص ودون تحديد لنطاق هذا العقاب فلا يتفق مع مبدأ الشرعية القانونية بشكل عام والشرعية العقابية على وجه الخصوص ان يكون لمجلس الامن مطلق الحرية في تقرير أي عقوبة يراها ضد الدولة المخالفة لقواعد القانون الدولي واحكام الميثاق .

    ورغم ان فكرة الجزاء تختلف في خصائصها ومجال أعمالها باختلاف المجتمع داخل الدولة عن مجتمع الجماعة الدولية ، إلا ان المركز القانوني للدولة ، بما يتضمنه من حقوقها وعناصر سيادتها ، لا يمكن أن يكون في مرتبة أقل من تلك التي عليها المركز القانوني للفرد وما يتمتع به من حقوق داخل          مجتمع الدولة .

    فإذا كان الميثاق يجسد بحق – قانون منظمة الأمم المتحدة الأعلى والأساسي، وقد تضمن مجموعة من التدابير المختلفة في مجال حفظ السلم والأمن الدولي ، فإن قبول الدول الأعضاء في هذه المنظمة لأحكام الميثاق في هذا الشأن يجعل مجلس الامن مقيد بتلك التدابير المنصوص عليها بموجب هذه الأحكام والتي تراضت الدولة على الإمتثال لها باعتبارها تدابير عقابية ستوقع عليها أن هي خالفت احكام ومبادئ هذا الميثاق .

    ولما كان الفقه الدولي يكاد يجمع على أن ” الردع العام ” هو الهدف الأساسي من الجزاء وليس ” الزجر والإيلام ” ، فانه لا يتصور وجود ذلك الردع العام إذا لم تكن الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها محددة سلفا ويبقى لمجلس الأمن السلطة في تقدير اتخاذ التدابير المناسبة إزاء الواقعة التي يقرر بشأنها ما إذا كانت تمثل تهديدا وانتهاكا للسلم ، او عملاً من اعمال العدوان ، وتنحصر بعد ذلك سلطاته في اختيار أية تدابير اكثر ملائمة لمواجهة هذا الموقف من بين مجموعة من التدابير التي نص عليها هذا الفصل من الميثاق وهنا يمكن ابداء العديد من الملاحظات على هذا النشاط الذي يمارسه مجلس الأمن ومنها :

  1. إن أي توسيع في نطاق سلطات واختصاصات مجلس الأمن العقابية في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين يستلزم – فيما عدا ما تقضي به قواعد التفسير الموضوعية كقاعدة اعمال النص – تعديل الميثاق وفقا للطريقة التي اتفق عليها واضعوه [50] . حيث أشار أحد الشراح إلى أن الجزاءات لا يمكن التوسع فيها او  القياس عليها لأنها عقوبات لا بد لها من النص الصريح والوضع هنا يشبه بالكامل الوضع في القانون الجنائي [51] .
  2. عدم وجود ضابط لمدى عدالة مجلس الأمن في تقريره بشأن الموقف محل البحث ، والتدابير التي يمكن اتخاذها إزاء الدولة التي قد يثبت انتهاك تصرفها او إخلالها بالسلم والأمن الدولي او يعتبر عدوانا ، الامر الذي يتعارض مع إعطاء المجلس سلطة توسيع نطاق الجزاء عما هو موضح في الميثاق تجنبا لتأثير الاعتبارات السياسية الناتجة عن سيطرة الدول دائمة العضوية على اتجاهات وقرارات المجلس [52] ، خاصة ، إذا علمنا ان بعض الفقه يعترف بان أساس إلزام القانون الدولي العام ينحصر في صدوره عن إرادة الفئة المسيطرة وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن واستئثارها بتوقيع الجزاء ، والتي بتأثر هذه الوظيفة على غرار الحكومة الواقعية [53] ، الأمر الذي يعتبر معه التسليم لمجلس الأمن – الذي تسيطر عليه وعلى المنظمة الدولية تلك الدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الباردة – بمثابة إعلان صريح بانهيار شرعية نظام العقوبات الدولية ونظرية الأمن الجماعي الدولي .
  3. إن بقاء القوة عنصراً أساسيا – لدى بعض الفقه – في الجزاء كضامن لتفعيل القانون الدولي في الحياة الدولية ، وبدون هذه القوة لا يمكن تحقيق ذلك ، يجعل الغالبية من الفقه الدولي تتشكك في مصداقية تلك الدول المتمتعة بامتلاك هذه القوة في استخدامها دون انحراف او تحقيق أهدافها الخاصة ودون مراعاة المصلحة العامة للمجتمع الدولي [54] ، الأمر الذي يجعل من مبدأ شرعية الجريمة والعقاب قيدا هاما على حرية مجلس الأمن ، او بالأحرى على حرية الدول الكبرى في الإنحراف بسلطة العقاب من خلال المجلس وكما حدث في قضية العراق .
  4. ان الهدف الأساس لنظام الأمن الجماعي هو العمل على استقرار الوضع الدولي وعدم تغيره او الإخلال به في الاتجاه الذي يخدم مصلحة إحدى الدول على حساب غيرها ، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات وتدابير دولية جماعية تحول دون ذلك ، وان شعور أية دولة تفكر بالعدوان بأنها ستواجه هذه التدابير سيجعلها تحجم عن هذا السلوك [55] . فإذا أطلقت يد مجلس الأمن – الذي تسيطر عليه الدول الكبرى دائمة العضوية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية – في توسيع نوع وحجم التدابير الجماعية فلن يتحقق هذا الاستقرار المنشود للمجتمع الدولي في ظل طغيان معايير القوة والبطش والانتقام خاصة وان الدول التي عرف عنها مسلكها العدواني الدائم – مثل الكيان الصهيوني – لن تعدم الوسيلة في تجنب توقيع الجزاء عليها استنادا لما تتمتع به من حماية خاصة من احد اهم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي الولايات المتحدة الأمريكية والتي يشكل وقوفها بجانب المواقف الإسرائيلية العدوانية عدوانا اخر ولكنه بشكل آخر وغير مباشر ، الأمر الذي تنعدم في ظله أية معايير موضوعية في توقيع الجزاء إذا ما أطلقت سلطة مجلس الأمن من كل قيد خاصة وهو يخضع حاليا لهذه الدولة العظمى ذات النهج العدواني – وهذا ما حصل في قضية العراق عقب أحداث الثاني من آب عام 1990 – . حيث فرضت عليه شروط واحكام ، تعاملت بها منظمة الأمم المتحدة لأول مرة في تاريخها منذ عام 1945 ، ومن هذه الشروط ما نص عليه القسم ( ج ) من قرار مجلس الأمن رقم 687 ( 1991 ) من نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية ، وهذا ما سوف نبحثه في المبحث اللاحق الخاص بإجراءات نزع السلاح ومدى مشروعيتها .

الهوامش

[1]–  حمدي حافظ ومحمود الشرقاوي . مصدر سابق . ص 22 .

[2]–  عبد الفتاح محمد اسماعيل . مصدر سابق . ص 32 .

[3]–  عبد الفتاح محمد اسماعيل . مصدر سابق . ص 38 .

[4]–  انظر المادة الاولى من عهد عصبة الامم .

[5]–  انظر المادة الثامنة من عهد عصبة الامم .

[6]–  انظر المادة التاسعة من عهد عصبة الامم .

[7]–  دونالد برينان . نزع السلاح وحظر التجارب النووية . ترجمة راشد البراوي . القاهرة . دار المعارف ، 1968 . ص 142 .

[8]–  عبد الفتاح محمد اسماعيل . مصدر سابق . ص 112 .

[9]–  حمدي حافظ ومحمود الشرقاوي . مصدر سابق . ص 54 .

-[10]   Norman  D. International Relations . 2nd edition. London Riverside Press Cambridge Basin . 1957 , p. 243 .

[11]–  انظر نص  المادة 11  من ميثاق الامم المتحدة  .

[12]–  انظر نص  المادة 26  من ميثاق الامم المتحدة  .

[13]–  انظر نص  المادة 47/1  من ميثاق الامم المتحدة  .

[14]–  لا شك ان مفهوم نزع السلاح من المفاهيم الحديثة في العلاقات الدولية وارتبط ارتباطا وثيقا باكتشاف الاسلحة ذات التدمير الشامل ، وهو في تطور مستمر مادام تطور تلك الاسلحة مستمرا يوما بعد اخر ولهذا فان نزع السلاح يعد من المفاهيم المعقدة بحيث يصعب ضبطه وتحديد وسائله ، كما ان غياب منظمة متخصصة تحد من الايغال بالتسلح قد زاد من غموض المصطلح والتعبيرات المستخدمة للدلالة عليه . حيث استخدمت في اللغة الانكليزية تعابير مختلفة نذكر البعض منها والتي استخدمت سواء في عهد العصبة او ميثاق الامم المتحدة او ادبيات الشراح :

Disarmament , Limitation of Armaments , Arms Control , Regulation Of Armaments , Reeducation Of Armaments .

اما في اللغة العربية فلقد استخدمت التعابير التالية : نزع السلاح ، تحديد السلاح ، السيطرة على التسلح ، تنظيم التسليح ،  خفض السلاح ، الرقابة على التسلح ، نزع التسلح وضبط التسلح . حيث ان البعض ترجمت من اللغة الانكليزية والبعض الاخر من بنات افكار الشراح .

ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر . اينيس كلود ، ترجمة عبد الله العريان ، مصدر سابق ، ص 399 – 436 . اسماعيل صبري مقلد . العلاقات السياسية الدولية . الكويت . جامعة الكويت ، 1971 . ص 371 . محمد محمود ربيع واسماعيل صبري مقلد . موسوعة العلوم السياسية . مصدر سابق . ص 756 . هانز .ج مورجنثاو. السياسة بين الامم . الجزء الثالث. ترجمة خيري حماد . القاهرة . الدار القومية للطباعة والنشر ، 1965 . ص 141 . اسماعيل صبري مقلد . الاستراتيجية والسياسة الدولية ، المفاهيم والحقائق الاساسية . ط2 . بيروت . مؤسسة الابحاث العربية ، 1985 . ص 324 .

[15]–  عبد الفتاح محمد اسماعيل . مصدر سابق . ص 410 .

[16]–  المصدر نفسه . ص 412 .

[17]–  تم إنشاء لجنة الطاقة الذرية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 240 لسنة 1946 ، كما تم انشاء لجنة نزع  السلاح بقرار الجمعية العامة 502 لسنة 1952.

[18]–  حمدي حافظ ومحمود الشرقاوي  . مصدر سابق . ص85 .

[19]–  انظر نص  المادتين 26 و 47 من ميثاق الامم المتحدة .

[20]–  عبد العزيز سرحان . القانون الدولي العام . القاهرة . دار النهضة العربية ،1980 . ص 52 ، 53 .

[21]–  مفيد شهاب. الامم المتحدة بين الانهيار والتدعيم . المجلة المصرية للقانون الدولي ، عدد 64 سنة 1968 . ص 448   .

[22]–  مفيد شهاب . المبادئ العامة للقانون الدولي بوصفها مصدرا للقانون الدولي . المجلة المصرية للقانون الدولي ، المجلد 23 سنة 1967 . ص 27 .

[23]–  محمد سامي عبد الحميد .  مصدر سابق .  ص 28 .

[24]–  محمد سامي عبد الحميد . مصدر سابق .  ص33 .

[25]–  نزيه المهدي . النظرية العامة للقانون . القاهرة . دار النهضة العربية ، 1982 . ص 15 .

[26]–  علي صادق ابو هيف .  مصدر سابق . ص76 وانظر كذلك . حامد سلطان . مصدر سابق . ص16 .

[27]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق . ص38 .

[28]–  محمد طلعت الغنيمي. مصدر سابق . ص54 .

[29]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق . ص38 – ص39 .

[30]–  محمد سامي عبد الحميد . مصدر سابق .  ص48 .

[31]–  ابن منظور  . لسان العرب . القاهرة . المطبعة الاميرية ببولاق 1304 هـ .

[32]   Law Blacks Dictionary , 4th ed . 1957 , West  Publishing Company , London , p ,1507 .

[33]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق . ص38 .

[34]–  عبد الله الاشعل. الجوانب القانونية لازمة الخليج ونظام الجزاءات الدولية ، مجلة السياسية الدولية ، عدد 103 ، يناير /1991 . ص 44 .

[35]–  عبد الله الاشعل .مصدر سابق . ص48 .

[36]–  المصدر نفسه . ص56 .

[37]  – Reisman , W.M , The Enforcement Of  International Judgments. A.J.I.L.,Nob 3 ,1971, p. 421 .

[38]  – Brieriy .L., The Covenant And The Charter , B.Y.B.I.L, 1969 ,    P. 89 .

[39]  – Ibid . p .89.

[40]–  مصطفى سلامة حسن . ازدواجية المعاملة في القانون الدولي العام . القاهرة . دار النهضة العربية ، 1987 . ص 27 .

[41]  – HIGBINS , R ,. International Law , Rhodesio And The U.N, World Today , March 1967 , p .102 .

[42]–  حامد سلطان . مصدر سابق . ص998 .

[43]–  علي صادق ابو هيف . مصدر سابق . ص514 .

[44]–  عبد الله الاشعل . مصدر سابق  . ص206 .

[45]–  مفيد شهاب . مصدر سابق . ص29 .

[46]   Guggenheim , p . Traite De Droit  Tnternational  Public . Qeneua, 1954 , p .264

[47]–  عبد الله الاشعل . مصدر سابق . ص 209

[48]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق .  ص39

[49]–  عبد العزيز سرحان . ازمة المنظمات العربية  . مصدر سابق . ص 124.

[50]–  أحمد الرشيدي . سلطات مجلس الأمن في مجال فرض الجزاءات  ، دراسة للأحكام العامة مع التطبيق على حالة الأزمة الليبية – الغربية . مالطا . مجلة مستقبل العالم الإسلامي ، مركز دراسات العالم الإسلامي ، 1991 . ص155.

[51]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق . ص121 .

[52]–  محمد سامي عبد الحميد .  مصدر سابق .  ص 198.

[53]–  عبد العزيز سرحان . مصدر سابق . ص 126

[54]–  اسماعيل صبري مقلد . العلاقات السياسية الدولية . ص185

[55]–  المصدر نفسه . ص 192

تابع…الصفحة التالية