بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

لطالما كانت المخاطرة وعدم اليقين جزءًا متأصلًا من أي حرب وإن تحول الصراعات العسكرية في العصر الحديث قد غير طبيعة الصراعات وأعطاها محتوى جديدًا لم يسبق له مثيل, وفي الصراع الكلاسيكي كانت قوى الاستخبارات وموهبة القائد تهدف إلى تحديد أين ومتى وبأي قوى سيضرب العدو الضربة الرئيسة، كما إن استراتيجيات الحرب المختلطة باعتبارها نزاعًا متعدد الأبعاد فهي لا توفر الضربات الرئيسة والإضافية ضد العدو لأنها مبنية على مبادئ مختلفة تجمع بين الأعمال العسكرية وغير العسكرية على نطاق صغير نسبيًا وبمشاركة التشكيلات العسكرية الحكومية وغير الحكومية ويأتي ذلك مصحوبا مع الدور الأساسي للعمليات التخريبية في المجالات الاقتصادية والإعلامية والسيبرانية وعلى نطاق واسع لنشر الدعاية والمعلومات الكاذبة.

إن تعدد أشكال حروب الشفق الاحمر يحوِّل إلى حد كبير محتوى وطبيعة حالات عدم اليقين والمخاطر المرتبطة به فتشارك فيها تشكيلات مسلحة للجهات الفاعلة من غير الدول بما في ذلك الشركات العسكرية الخاصة التي تتميز بعدم الانتماء القومي والإيديولوجي مما يغير التوازن بين أساليب العمل العسكرية وغير العسكرية التي لجأت إليها أطراف الصراعات، وان وسائل العنف غير العسكرية فيها تشمل الدبلوماسية التقليدية والعامة والاقتصادية والقانونية والإيديولوجية والنفسية والمعلوماتية والإنسانية والاستخباراتية والتكنولوجية وبعض وسائل التأثير الأخرى وتسمح بالاستراتيجية المختارة بالشكل الصحيح لتحقيق تأثير تراكمي ونظامي عبر استخدام مجموعة من مختلف تلك الأدوات والتي بها يتم الحصول على دور مهم من خلال التدابير النفسية الاستراتيجية التي تهدف إلى تقديم الدعم والتعاون مع الدول الأخرى لإضعاف الرغبة في شن الحرب واجهاض إمكانات الدول المعادية.

إن حالات عدم اليقين والمخاطر التي تشكل خطرا هي متأصلة في أي نوع من أنواع الحرب وواضحة في سياق حروب الشفق الاحمر باعتبارها نزاعًا متعدد الأبعاد يعتمد على فن إدخال المجتمع الدولي ككل إلى اجواء من التضليل وإخفاء التقنيات التطبيقية والإجراءات الخاصة لوصف الشكوك والمخاطر المرتبطة بالمعرفة غير الدقيقة لخطط ونوايا العدو والصعوبات لتحديد تكوين القوات والوسائل التي تشغلها في مسرح أعمال الحرب عبر تأثير عوامل الأحتكاك المتبادل. وليس غريبا إن ذكرنا بأن كل حرب هي غير موثوق بها وبما يبنى عليها من اجواء محاطة بالغموض والشك والتوتر ولذا ولأجل الكشف عن الحقيقة يتطلب توفر عقل رفيع ومرن ومخترق للعقبات ليفوق كل الصعاب لأن المحارب يواجه حالة مختلفة تماما عن ما كان متوقعا وهذا لا يمكنه إلا أن يعكس خطته أو ينقض إلى أفكار أخرى لمعالجة الوضع الذي شكل أساس لخطته الحربية.

والشفق الاحمر أو الضباب يتميز بالغموض كظاهرة الأرصاد الجوية حين تعجز عن تحديد سبل الرؤيا، فيعوق مراقبة ساحة المعركة ومع ذلك فقد اعتبر اساسا لعدم اليقين في الحرب وكحالة من الجهل التي غالبا ما تواجه بتحديد العدد الفعلي والمكان الحقيقي ليس فقط للأعداء وإنما أيضا للقوات الصديقة، وجنبا إلى جنب مع عوامل أخرى كالخطر والتوتر والمعاناة والحظ والتصميم فإن الجيوش تحتاج إلى التدريب والإعداد والاستطلاع غير إن الانتصار دوما ما يعتمد على ذكاء وهمة وعزم القائد في وضع الخطط وإتباعها على الرغم من الشكوك والمخاطر وعدم اليقين فلذا يعد العامل الأخلاقي بالمقام الاول باعتباره مفتاحا لتحقيق النصر.

وحرب الشفق الاحمر التي هي مزيج من الصراع المسلح مع أساليب حرب العصابات والأعمال الإرهابية الموجهة واستخدام جماعات اللصوص لزعزعة استقرار المجتمع فضلا عن الهجمات السيبرانية النفسية، فأن طبيعتها تمر بأربعة مراحل بدءا من تحطيم المعنويات للمجتمع وتحليله وتدميره، وزعزعة استقرار المؤسسات التي تهدف في المقام الأول إلى إضعاف النظام الاقتصادي والقانوني، ومن ثم توقيف المجتمع عن العمل وصولا إلى حدوث حرب أهلية أو مساعدة دولية عبر تدخل دولة أخرى، ليتم بعدها تطبيع الوضع واستئصال الخصوم. فلذلك نستطيع الاستخلاص إنها حربا تكاد إن تكون استراتيجية ذكية كالتي يملكها صاحب العين الواحدة للمحاربة ضد الأعمى، وكالتي لا يملكها صاحب العين الواحدة حين تكون مواجهته مع مالكها صاحب كلتا العينين، لذا لابد علينا من ادراكها وفهمها واستيعاب طرق امتلاكها وتطبيقها من ألان وليس غدا.

 

Print Friendly, PDF & Email