ثالثاً: الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة المشكلة النووية: –

لقد أثارت المسالة النووية في الشرق الأوسط جدلاً واسعاً على المستوى الدولي نظراً للاختلاف الكبير في الآراء حول قضية نزع السلاح النووي وإخلاء المنطقة من هذه الأسلحة ، فالأخطار التي ترتبت على إدخال هذا النوع من الأسلحة إلى منطقة يسودها التوتر والصراعات المعقدة أصبحت تشكل تهديداً حرجاً على الأمن والاستقرار الإقليمي، خاصة بالنظر إلى السياسة المميزة والخاصة التي تنتهجها إسرائيل في إدارة شؤونها النووية التي تتميز بالسرية والغموض والتعتيم مما يزيد من تعاظم الأخطار والتهديدات مع تزايد قلق الدول المجاورة من الانعكاسات السلبية لتطور هذه المسألة .

1 – منظمة الأمم المتحدة: –

لقد أدرجت المنظمة في دورتها رقم29 عام 1947م لأول مرة بنداً على جدول أعمالها يعالج هذه المسألة يحمل عنوان : ” إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط ” وكان هذا البند بناء على طلب إيران بالدعوة إلى الحظر النهائي لصنع هذه الأسلحة واقتنائها وتجربتها ونقلها وتخزينها، وتم اعتماد هذا المقترح الإيراني كأول قرار أممي حول هذه القضية (القرار رقم3263، الدورة 29 المؤرخ في ديسمبر عام 1974م ) يدعو كل دول المنطقة إلى المشاركة في إخلائها من الأسلحة النووية والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار لما في ذلك من تعزيز للسلم والأمن، ومنذ هذا التاريخ أصبحت الجمعية العامة تدرج هذا الموضوع في جدول أعمالها وتتخذ قرارات بشأنه ([42]),وقد تبعه إصدار قرار مجلس الأمن رقم (487) عام 1981م الذي يلزم إسرائيل بإخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية، غير أن رفضها لذلك لم يدفع مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات المخولة له في إجبارها على ذلك بسبب الدعم الأمريكي لها ([43]).

وفي الدورة العادية رقم 40 عام 1985م إقترحت عشرون دولة معظمها من دول الشرق الأوسط مشروعاً يطالب بالتنفيذ الفوري للقرار487 ، وضرورة التعامل الحاسم مع الرفض المتكرر لإسرائيل لإلزام نفسها بعدم صناعة أسلحة نووية ، وأكد المشروع على أنه حان الوقت لتدخل مجلس الأمن باتخاذه التدابير العاجلة والفعالة لإرغامها على ذلك ، وقد رافق هذا المشروع مذكرة للأمين العام للأمم المتحدة ، يوضح فيها الدلائل المتاحة حول الأنشطة النووية في إسرائيل وقدرتها على صنع هذه الأسلحة , ويؤكد مدى القلق الذي تبديه المنظمة من هذه المسألة ([44]), وعلى الرغم من كل هذه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن إلا أن إسرائيل ظلت تتنكر وترفض كل قرار يتخذ ضدها، سواء إذا تعلق الأمر بأسلحتها النووية أو بما تقترفه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهذا الموقف نابع من عدم اعترافها وعدم ثقتها في القانون الدولي من جهة، وإصرارها على مواصلة استخدام سياسة الغموض النووي لتحقيق أهدافها القومية من جهة أخرى.

2 – الوكالة الدولية للطاقة الذرية: –

أُنشئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بناء على اقتراح تقدم به الرئيس الأمريكي أيزنهاور أثناء خطابهِ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر عام 1653م والذي أوصى بضرورة أن تشترك حكومات الدول بالتبرع بجزء من مخزونها من اليورانيوم والمواد الانشطارية الأخرى، وأن تستمر في التبرع إلى وكالة وظيفتها الرئيسية إيجاد السبل التي تضمن استعمال المواد الانشطارية في الأغراض السلمية، من أجل إسعاد البشرية. وفى ديسمبر 1954م صدر قرار من الجمعية العامة بالإجماع بعنوان “الذرة من أجل السلام”، يقضى بإنشاء “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وفى عام 1956م عُقد مؤتمر خاص لبحث النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي وضع موضع التنفيذ في يوليو 1957م، وأصبحت الوكالة جهازاَ قائماً معترفاً به بعد إيداع وثائق التصديق على ميثاقها من جانب 18 دولة، أهمها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا ومن الدول التي رفضت التصديق كانت إسرائيل ([45]).

  • أهداف الوكالة الدولية للطاقة الذرية: –

– العمل على استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية في المجالات الصحية والاقتصادية من أجل العالم وراحة الإنسانية.

–التأكد من أن المساعدة التي تقدمها أو تنظمها أو تشرف عليها الوكالة لا تستغل في الأغراض العسكرية.

_ التعاون مع الوكالات المتخصصة المعنية من أجل وضع المعايير التي تكفل حماية الصحة العامة والحد من المخاطر المتعلقة سواء بالأرواح أو الممتلكات ([46]).

3 – الاتفاقيات الدولية للحد من الأسلحة النووية: –

إن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية هي أبرز المعاهدات في هذا المجال ، حيث تلزم الموقعين عليها الذين لم تكن لديهم هذه الأسلحة عام 1968م بعدم السعي للحصول عليها ، كما تلزم الدول النووية بعدم مساعدة الدول الأخرى في الحصول عليها ؛ أما في منطقة الشرق الأوسط فإن كل الدول هي طرف في المعاهدة باستثناء إسرائيل التي لم توقع عليها ولا على اتفاق الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية , بسبب موقفها المعروف تجاه المعاهدة على الرغم من وجود بعض التوجهات الداخلية التي تدعو إلى الانضمام إلى المعاهدة على غرار بعض الأكاديميين الإسرائيليين أمثال ( افرايم عنابر ) الذي يرى أن هذا الانضمام له عدة مزايا وفوائد خاصة  أن المعاهدة لا تتضمن نتائج خطيرة على آمن إسرائيل وأن توقيعها لن يحرمها من سلاحها النووي أو يفرض عليها التخلص منه إضافة إلى أنه يمكن أن يقلل من التهديد العربي ويخفف من سباق التسلح غير التقليدي ([47]).

المبحث الثالث

تداعيات امتلاك الدول للسلاح النووي

على الرغم من مشروعية امتلاك الطاقة النووية واستخدامها في الأغراض السلمية في مجالات التنمية والتطوير؛ ألا أن انفجار الأسلحة النووية له آثاراً تدميرية تضر بالبيئة وتدمرها سواء في الوقت الحاضر أو المستقبل، حيث أنه لا يوجد ضمان لعدم استخدام الطاقة النووية في الأغراض والمجالات العسكرية.

فقد كان أول استخدام للطاقة النووية كوسيلة للدفاع وكانت لها آثار بارزة وواضحة خلال الحرب العالمية الثانية، هذا أدى إلى زيادة انتشار الأسلحة النووية وبالتالي زيادة القلق الدولي، الأمر الذي أدى إلى تهديد الأمن والسلم الدوليين والخوف من نشوب حرب نووية، مازالت هناك دول تمتلك ترسانات نووية ضخمة.

هذا الأمر الذي أدى إلى التصدي لمسألة انتشار الأسلحة النووية من خلال مجموعة من الاتفاقيات والقواعد القانونية والتي من أهمها معاهدة أو اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية.

سوف يتناول هذا المبحث العديد من العناصر، ألا وهي:

1– تداعيات انتشار الأسلحة النووية.

2– التطور في الاستخدامات التكنولوجية ذات الأبعاد النووية.

3– الحد من الانتشار النووي.

4– معاهدة منع أو حظر انتشار السلاح النووي.

سوف نستعرض ذلك بالتفصيل كالآتي: –

1– تداعيات انتشار الأسلحة النووية: –

يمثل انتشار الأسلحة النووية تهديداً للأمن والسلم الدوليين، أيضاً يمثل تهديداً للبشرية بشكل كبير، والتي من الأسباب التي قد تؤدى إلى قيام حرب نووية سواء عن طريق العمد أو عن طريق الخطأ، هناك عدة مخاطر ناتجة من ذلك الانتشار النووي, فالأسلحة النووية لها خطورة جسيمة وكانت هناك عدة دول تستخدمها للتهديد وفرض سيطرتها في الحروب أو للدفاع عن نفسها، ولهذا أصبحت الأسلحة النووية أداة للردع النووي، فقد تطورت الأسلحة النووية من حيث الكم ومن حيث القوة التدميرية ولعل ما حدث في اليابان ” هيروشيما وناجازاكي “ أكبر دليل على مخاطر السلاح النووي، فالأسلحة النووية نوعاً من ضمن أنواع أسلحة الدمار الشامل البالغة الخطورة ([48]).

2– التطور في الاستخدامات التكنولوجية ذات الأبعاد النووية: –

يرى الخبراء أن الانتشار النووي يأخذ اتجاهين:

الاتجاه الأول (أفقي): يقصد به نقل التكنولوجيا النووية من دول حائزة لها إلى دول متطلعة إليها وغالباً ما يتحقق ذلك سراً وعبر مسالك غير رسمية على نحو ما أميط عنه وذلك من تقديم عالم الذرة الباكستاني (عبد القدير خان) تكنولوجيا نووية حساسة إلى كل من إيران وكوريا الشمالية.

الاتجاه الثاني (عمودي): يعني ذلك الارتقاء بمستوى القدرات النووية الموجودة لكي تصبح أكثر قوة وفعالية وقدرة على إصابة أهدافها، في ذلك نذكر سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى تصنيع صواريخ نووية صغيرة وقنابل مضادة لاستخدامات الحصينة، بالإضافة إلى مخاطر من احتمالية حصول الإرهابيين على الأسلحة النووية أو استخدامها ضد خصومهم ([49]).

3 – الحد من الانتشار النووي: –

نظراً لمخاطر السلاح النووي وانتشار الأسلحة النووية بصورة كبيرة؛ كانت هناك عدة محاولات للحد من الانتشار النووي، حققت الجهود الدولية نجاحاً في الحد من انتشار الأسلحة النووية في التسعينات، حيث نقص معدل الانتشار النووي ظاهريا ً، وفي الحقيقة كانت هناك عدة أسباب دعت إلى الحد من الانتشار النووي، ألا وهي:

أ – توفير وتحقيق القوتين العظمتين ” الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفيتي “ ضمانات أمنية لحلفائها، حيث أصبحت ألمانيا واليابان لا تحتاج إلى تطوير الأسلحة النووية في ظل حماية الولايات المتحدة الأمريكية النووية.

ب – أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي لهما ” نفس المصلحة ” وهي إحكام السيطرة على الانتشار الأفقي، ذلك على الرغم من سباق التسلح والذي يعرف أحيانا ب ” الانتشار الرأسي “.

ج – توقيع عدة دول على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1986 م ([50]).

4 – معاهدة حظر انتشار السلاح النووي: –

نظراً لأهمية وجود مجتمع خالي من الأسلحة النووية وخطرها ولضمان أمن البشرية من تلك الأسلحة المدمرة، عقدت في الفترة الأخيرة سلسلة من المؤتمرات التمهيدية، دارت حول البحث عن تصورات ذات فاعلية حول مستقبل معاهدة حظر الانتشار النووي، وكذلك نقاش حول الخفض التدريجي للسلاح النووي في الدول المالكة له وطبيعة المخاطر الناتجة عن إنتاج نماذج جديدة، واحتمالات وقوع حرب نووية.

بدأ في مقر الأمم المتحدة بنيويورك مؤتمر المراجعة الدوري لمعاهدة حظر الانتشار النووي في 3 مايو عام 2010 م , وهو مؤتمر يُعقد كل خمس سنوات ، بحضور 189 دولة عضوا , ويهدف المؤتمر إلى تقييم مدى التقدم الذي تم تحقيقه على صعيد الالتزام بنص الاتفاقية  , أعلنت إسرائيل رفضها النهائي عن التوقيع على المعاهدة في 14 أبريل عام 2010 م , قالت إسرائيل أنها لم تنضم في الأصل إلى المعاهدة مما يعنى أنها ” ليست مضطرة لإثبات عدم حيازة أسلحة نووية أو السماح للمفتشين الدوليين بدخول منشآتها النووية ” ؛ وهي المنشآت التي يعتقد أنها أنتجت بلوتونيوم ونحو 200 رأس نووي .

في عام 1995م , اتخذ مؤتمر المراجعة قراراً بتحديد المعاهدة إلى مالا نهاية , وذلك بعد أن جرت تقوية عمليات المراجعة وتبنى عدد من المبادئ التي صيغت بهدف التحرك نحو التحقيق الكامل والتطبيق الفعال لأحكام المعاهدة  , ولقد كان من بين هذه المبادئ الدعوة لإنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية، معترف بها دولياً ، وعلى وجه الخصوص في مناطق التوتر كالشرق الأوسط  حاولت الدول العربية العمل على جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل ولكن لم يتحقق حتى الآن بسبب التعنت الإسرائيلي . وهناك إجماع على أن معاهدة حظر الانتشار النووي تعتبر من أحد أكثر الصكوك الدولية احتراماً والتزاماً من قبل الدول المختلفة، وهي تلعب دور الضمان للأمن الجماعي العالمي, ولكن هذه المعاهدة عجزت عن منع كوريا الشمالية وتايوان وجمهورية جنوب أفريقيا من السعي في يوم ما لامتلاك سلاح نووي، وكما أنها لم تتمكن من وقف الاستخدام العسكري للطاقة النووية في كلاً من إسرائيل وباكستان والهند، وكذلك فإن المعاهدة تتضمن بنوداً تسمح لغير الدول النووية الخمس بتنفيذ برامج نووية سلمية ومن ثم سحب عضويتها بعد بلوغها التطور الذي يمكنها من تصنيع السلاح النووي، وهذا ما حدث في حالة كوريا الشمالية التي أعلنت انسحابها من المعاهدة عام 2003م.

كان هناك عدة دول ترفض لومها على عدم الالتزام بمتطلبات حظر الانتشار؛ متسائلة: “كيف يمكن لومنا على ذلك، في حين تفشل الدول النووية الكبرى في الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة؟”، مثالاً على ذلك فرنسا؛ التي أعلنت صراحة أنها لا تنوي الشروع بأية مفاوضات حول تقليص ترسانتها النووية وحجتها في ذلك أن هذه الترسانة تختلف بدرجة كبيرة عن الترسانتين الروسية والأمريكية.

والأمر نفسه ينسحب على الصين هذا لفت الانتباه والنظر إلى حقيقة أن أي دولة نووية لم توافق في معاهدة الحد من الانتشار، عند إبرامها عام 1968م على الامتناع عن الحصول على أسلحة نووية , بل أن الدول النووية نقضت التزاماتها الخاصة بالحد من التسلح النووي وفقاً لنصوص المعاهدة ، مما أضعف شرعية مطالبة الدول الأخرى بالالتزام بها , وكان قد جرى عام 1957م إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كلفت بمسؤولية مزدوجة تتمثل في تعزيز التكنولوجيا النووية ومراقبتها , وبدأت أنشطة المساعدة التقنية للوكالة عام 1958م , قد تم عام 1964م استبدال نظام الضمانات المؤقت للمفاعلات النووية الصغيرة الذي كان قد أنشئ عام 1961م بنظام يغطي منشآت أوسع ، وقد تم توسيعه في السنوات التالية ليشمل المرافق النووية الإضافية، بحلول عام 1968م تم الاتفاق نهائياً على معاهدة حظر الانتشار النووي التي تمنع انتشار الأسلحة النووية وتتيح التعاون من أجل استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية وتعزيز هدف تحقيق نزع السلاح النووي.

وفي مايو عام 1997م تم إقرار البروتوكول الإضافي النموذجي من جانب مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وأصبح بمقدور الوكالة القيام من خلال هذا البروتوكول بعمليات تفتيش أكثر فعالية من أجل ضمان عدم تحويل المواد والمرافق النووية عن أغراضها السلمية، وبحلول فبراير عام 2005م صدقت 63 دولة طرفاً في معاهدة عدم الانتشار على البروتوكول الإضافي ولدى 152 دولة حالياً اتفاقات ضمانات مع الوكالة، فيما تخضع 908 دولة كمرافق لعمليات تفتيش روتينية مرتبطة بضمانات.

وعلى صعيد مسيرة التخلص من الأسلحة النووية من قبل الدول غير الأعضاء في النادي النووي الرسمي ” الدول الخمس الكبرى “ ، أوقفت كل من تايوان وكوريا الجنوبية إنتاج هذه الأسلحة ؛ وقيل إن ذلك قد جرى تحت ضغوط سرية مارستها عليهما الولايات المتحدة الأمريكية وبعد أن حصل كل منهما على إعادة تأكيد من واشنطن بضمان أمنهم ؛ وكذلك أوقفت الأرجنتين والبرازيل برامجهما الناشئة لإنتاج الأسلحة النووية وتخلت جنوب أفريقيا عن مخزونها السري من هذه الأسلحة , وفي السياق ذاته وافقت كل من بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا على الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي في أوائل التسعينيات، وتصنف هذه الدول من دول العتبة النووية ؛ أي أنها تقف على مشارف إنتاج السلاح النووي .

وفي مؤتمر مراجعة اتفاقية حظر الانتشار النووي لعام 2000م، جرى التأكيد على أنه لن يتم قبول أية دولة كعضو جديد في المعاهدة إلا بصفتها دولة غير حائزة على الأسلحة النووية بصرف النظر عن قدراتها النووية، أما عام 2005م، فقد عجز مؤتمر المراجعة عن تبني أية تفاهمات نهائية ذات صلة بتعزيز حظر الانتشار النووي ([51]).

الفصل الثاني

البرنامج النووي الإيراني

يقوم جوهر القوة في العلاقات الدولية على ركنين أساسين: الأول، أنها تتضمن الوسائل المؤدية إلى طريق الحرب لتحقيق أهداف السياسة الخارجية عندما تعجز الوسائل السلمية عن تحقيقها. أما الثاني، أنها تمثل على الدوام العلاقة المحورية في العلاقات الدولية، ولا يعني ذلك بأن نعتبر القوة مجرد وسيلة للتدمير، وإنما هي بمفهومها الصحيح، تعتبر مزيج من القدرة على الإقناع والقدرة على الإكراه، حيث تستخدمها الدول مثلاً للدفاع عن كيانها القومي أو الحفاظ على النظام القائم.

وفي القرن العشرين أصبح امتلاك الأسلحة النووية هو المحدد الأساسي للمكانة الدولية ومن أهم الخصائص التي تدل على تفوق الدولة العسكري. وهو ما دفع العديد من الدول في السعي الدائم للحصول على قدرات نوية، وبالطبع تختلف دوافع وأهداف كل دولة عن الأخرى. وبالنظر لدولة إيران نجد أن سياستها النووية تتحرك في إطار مجموعة معقدة من الدوافع والنوايا بعضها معلن وبعضها الآخر غير معلن، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال متابعة مسيرة برنامجها النووي. فعلى الرغم من أن دوافع إيران الظاهرية تبدو سلمية حتى الآن ولكن من الواضح أنها تتبع مبدأ الاستخدام المزدوج، حيث تقوم بتطوير القدرات النووية وتطوير أنظمة صاروخية متعددة، وهو ما يعني احتمالية الاستخدام السلمي والعسكري في آن واحد ([52]). هذا وقد أثار الملف النووي الإيراني جدلاً واسعاً على الساحة الدولية حيث تتطور الأحداث المتعلقة بالبرنامج يوماً بعد يوم بوتيرة عالية، خاصةً بعد التحول في موقف الدول الغربية من البرنامج وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية.

وسوف يتناول الفصل الثاني بالتفصيل:

المبحث الأول: نشأة البرنامج النووي الإيراني وتطوره.

المبحث الثاني: موقف القوي الإقليمية والدولية إزاء البرنامج النووي الإيراني.

المبحث الثالث: محركات التغيير في التعامل مع الملف النووي الإيراني

المبحث الأول

نشأة البرنامج النووي الإيراني ومراحل تطوره

جاءت بداية نشأة البرنامج النووي لإيران في فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حيث كان امتلاك إيران للقدرة النووية حلم يراودها منذ بداية عهد الشاه عندما تولى العرش في عام 1941م، ولم يكن هناك وقتها أي قوة في الداخل أو في الخارج تعترض برنامجه النووي، ومن الملاحظ أن السياسة الإيرانية وقتها لم تكن محكومة بتوجهات محددة منذ البداية، وإنما كانت تتطور تدريجياً ([53]). واستمرت القيادة الإيرانية بالسير تجاه تحقيق هذا الحلم بشتى القدرات والسبل لتحقيق طموحاتها الإقليمية والدولية وبروزها كقوة إقليمية عظمى في منطقة الشرق الأوسط. وفيما يلي سوف نتناول أهداف البرنامج النووي الإيراني ودوافعه ومراحل تطوره.

المحور الأول: أهداف البرنامج النووي الإيراني

أثارت الدوافع الحقيقية للبرنامج النووي الإيراني أثناء عهد الشاه جدلاً عنيفاً حيث لم يكن معروفاً بالضبط طبيعة الأهداف التي دفعت بالشاه إلى الاهتمام بالطاقة النووية، إلا أنه من الواضح بشكل عام أن هذا التوجه كان جزءاً من عملية البناء الشامل التي كان الشاه يسعى إلى تحقيقها في إيران وذلك على كافة المستويات وفي كل المجالات سواء كانت علمية أو عسكرية أو اقتصادية أو حتى ثقافية، رغبةً منه في تمكين إيران من تعظيم ما تمتلكه من مقومات القوة الشاملة في مختلف المجالات وذلك حتى تصبح القوة الإقليمية العظمى في منطقة الخليج ويكون لها دور أكبر على الساحة الدولية. وسوف نكتفي بذكر أهم ثلاث دوافع لدى إيران للسعي لامتلاك القوة النووية فيما يلي:

  • امتلاك القوة النووية كوسيلة للردع وتوازن القوى: فالردع النووي يتجاوز الردع بمعناه التقليدي الذي تستخدم فيه الأسلحة التقليدية، إذ يقتصر الردع النووي على التلويح فقط باستخدام السلاح النووي، أي منع العدو من القيام بعمل عدواني معين. فلا شك أن إيران تنطلق في سياستها الخارجية من تصور التحديات التي يمثلها وجود قوى إقليمية قريبة منها، فمن ناحية تجد إيران نفسها محاطة بدول تمتلك أسلحة غير تقليدية، مثل باكستان من الشرق وإسرائيل من الغرب وروسيا من الشمال، هذا فضلاً عن القوات الأمريكية التي تنتشر في مختلف أنحاء العالم وخصوصاً في الخليج العربي جنوباً ([54]). ومن ناحية أخرى نجد بعض الدروس التي من الممكن أن تكون قد أثرت في التفكير الاستراتيجي في إيران، فبالرجوع إلى الحرب العالمية الثانية نجد أن امتلاك السلاح النووي قد حقق توازن للقوى بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وأنه بفضل ذلك التوازن استطاعت الدولتان أن تحققا سلاماً بينهما دام لنحو خمسين عاماً.

وبعد أن اعتبرت إيران إحدى دول محور الشر كما جاء في “إعلان بوش” أصبح الهدف الرئيسي لدى إيران من خلا امتلاكها للسلاح النووي هو أن تمنع حدوث هجوم عسكري أمريكي عليها مثلما حدث في العراق عام 1991م عندما هدد الرئيس العراقي صدام حسين باستخدام السلاح الكيمياوي، وبالنظر لما حدث أثناء الحرب العالمية الثانية من توازن للقوى بين الطرفين لامتلاكهم القوة النووية ومقارنته مع ما حدث في العراق في1991م، نجد أن إيران تسعى لأن تتعظ بما حدث في العراق وتكون قوة رادعة للولايات المتحدة مثل الاتحاد السوفيتي وتحقق مكانة دولية([55]).

ومن ناحية أخرى نجد أن الحرب التي خاضتها إيران مع العراق والتي امتدت أمداً طويلاً قد نجحت خلالها القوات العراقية في قصف المنشآت النووية الإيرانية وتدميرها واستخدام الأسلحة الكيمياوية بفاعلية ضد القوات الإيرانية وبشكل واسع والنجاح في تدمير جزء كبير من البنية التحتية بها.

وعلى صعيد آخر وبالنظر إلى دولة إسرائيل المقاربة جغرافياً لإيران من جهة الغرب والتي تتبع سياسة الغموض النووي ([56]) ولم تعلن حتى الآن صراحةً عن امتلاكها للسلاح النووي، بأن إسرائيل تسعى للحفاظ على الوضع السائد في منطقة الشرق الأوسط لضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة ومن ثم الحفاظ على الأمن القومي لإسرائيل. ودائماً ما تبذل إسرائيل جهدها في احباط المشروع النووي الإيراني، وهذا ليس فقط من أجل الدفاع عن وجودها وإنما أيضاً لاحتكار السلاح النووي الذي يعد أحد أهم العوامل المؤثرة في بسط النفوذ الإسرائيلي وتعزيز سياسة إسرائيل وتوسعها في المنطقة والمساهمة في الحفاظ على مكانتها بصفتها أقوى الدول الإقليمية في المنطقة. كل ذلك يدفع بإيران بأن تسعى جاهدةً لامتلاك مصادر القوة التي تمكنها من مواجهة أي حروب قادمة، وتتمثل تلك القوة في الحصول على السلاح النووي الذي يعد أقوى سلاح سوف يقوم بردع أي قوة عسكرية من مجرد محاولة التفكير في مواجهة إيران.

  • تحقيق الهيبة الدولية: فدائماً ما ترتبط سمعة الدولة بقوتها وقدرتها على الإبداع والخلق من خلال المناورة البارعة التي يمكن من خلالها جعل الآخرين يدركون حقيقة تلك القوة. ومثال على ذلك: ما جاء على لسان شارل ديغول فيما يتعلق بامتلاك بلاده للقنبلة النووية، والذي جاء فيه “بأن قضية السلاح النووي الفرنسي لا تهتم بالاستراتيجية العسكرية الفرنسية، وإنما تتضمن أن فرنسا ستبقى فرنسا”. وكذلك ما قاله ماوسي تونغ بأن “الصين قد بنيت سلاحها النووي كجزء مهم مما يتعلق بمنزلتها الدولية”. وبذلك تعتبر مكانة الدولة وحصولها على الهيبة الدولية من أهم الدوافع الإيرانية في الحصول على القوة النووية ([57]). فالوصول إلى هذه المكانة سوف يساعد في تقوية الدولة للحصول على مكاسب سياسية دولية في تفاوضها مع الدول الإقليمية والعالمية. وبناءً على ذلك فإن امتلاك إيران للقوة النووية سوف يعطيها مكاسب سياسية من شأنها أن تحقق لها الأمن والاستقرار والهيبة.
  • حماية الثورة الإسلامية: دائماً ما يربط الإيرانيون مختلف جوانب الحياة بالدين، بما في ذلك القدرة النووية، فكثراً ما نسمع مثلاً عن القنبلة النووية الإسلامية، وخصوصاً في ظل العداء الغربي للإسلام. ونذكر من ذلك ما جاء على لسان آية الله الخميني في المؤتمر الإسلامي في طهران 1992م بأنه “طالما تقوم إسرائيل بمواصلة امتلاكها للسلاح النووي ([58])، فإن الواجب يحتم علينا نحن المسلمين التعاون فيما بيننا لإنتاج قنبلة نووية، بغض النظر عن جهود الأمم المتحدة لمنع الانتشار”. وكثيراً ما ينظر القادة الإيرانيين الإسلاميين إلى القوة النووية على أنها مصدراً لتدعيم نظام الحكم الإسلامي الشيعي، فهم يرون أن التهديد الحقيقي لإيران يتعلق ببقائها كدولة إسلامية ذات ثقافة شيعية، حيث ولد الاختلاف بين إيران وشعوب المنطقة خاوف من إمكانية الاضطهاد أو الاعتداء عليها من الطوائف الكبرى. وطبقاً لما سبق فامتلاك إيران للسلاح النووي سوف يعطي لها مكانة مرموقة تمكنها من التفاوض مع خصومها وتحقيق مكاسب عديدة على الساحة الدولية.

تُعتبر الثلاثة دوافع السابقة الذكر هذه هي أهم الدوافع الإيرانية لامتلاك السلاح النووي، والتي تضمن صعود إيران كقوة عظمى على المستويين العالمي والإقليمي وصد أي محاولات خارجية لتغيير النظام ([59]).

المحور الثاني: مسيرة البرنامج النووي الإيراني

كانت بداية انطلاقة البرنامج النووي الإيراني في الستينيات من القرن الماضي، ويتضح لنا من خلال متابعة مسيرة البرنامج وما آل إليه من تطورات بأنه قد مر بعدد من المراحل التي عكست طبيعة النظام السياسي الإيراني وسياساته الداخلية والخارجية والتي برغم تداخلها مع بعضها البعض إلى حد كبير إلا أن كل مرحلة فيها لها ملامحها الخاصة بها والتي تميزها عن المراحل الأخرى، بحيث يمكن ملاحظة مظاهر التطور التي حدثت في كل مرحلة وتأثرها بالبيئة الدولية والاقليمية وكذلك الداخلية في إيران.

وعلى هذا الأساس يمكننا التمييز بين أربعة مراحل أساسية مر بها البرنامج: وتبدأ المرحلة الأولى منذ بدايات التأسيس وتمتد هذه المرحلة حتى نهاية عهد الشاه، وتأتي المرحلة الثانية مع بداية وصول رجال الدين إلى الحكم وذلك في 1979م بعد انتصار الثورة الإسلامية، وأما المرحلة الثالثة فقد امتدت من انتهاء حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي وحتى نهاية عام 2004م، وأخيراً المرحلة الرابعة تأتي من بداية ظهور الشكوك الدولية وتحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، وفرض العقوبات الدولية على إيران في كثير من المجالات، وذلك مع استمرار إيران بتطوير برنامجها وتحديثه بشكل مثير للجدل.

  • مرحلة التأسيس من 1958م إلى 1979م: تأتي بداية دخول إيران في المجال النووي في الستينيات من القرن الماضي أثناء عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الحين قد أسست علاقات قوية مع نظام الشاه، وذلك بعد أن ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في القضاء على ثورة رئيس الوزراء محمد مصدق في1953م ([60])، وهو ما جعل الشاه حليفاً استراتيجياً قوياً للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وبذلك بدأ البرنامج في ظل التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال برنامج “الذرة من أجل السلام”، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في الثامن من ديسمبر عام 1953م، بهدف إتاحة الطاقة الذرية أمام الاستخدامات السلمية لدول العالم، وبمقتضاه تم توقيع أول اتفاق نووي بين إيران والولايات عام 1957م والذي بدأ العمل فيه عام 1960م([61])، وحصلت إيران من خلاله على أول مفاعل للأبحاث في جامعة طهران عام 1967م ويعد هذا المفاعل التدريبي بمثابة حجر الزاوية للبرنامج النووي الإيراني وقد التزمت الولايات المتحدة بإمداد إيران بالوقود النووي اللازم لتشغيل هذا المفاعل. وتم تجديد الاتفاقية في 1969م للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية لمدة عشر سنوات وكان الهدف المعلن في ذلك الوقت هو الحصول على الطاقة الكهربائية. وقد جاء على لسان الشاه في 1974م محاولاً التأكيد على عدم وجود نوايا مغايرة للاستخدامات السلمية ما يلي،” نحن من بين أولئك الذين لا يمتلكون أسلحة نووية ولذلك فإن الصداقة مع دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية مع ما تمتلكه من ترسانة نووية مسألة حيوية جداً”. ومن ناحية أخرى ولتدعيم وكسب مزيد من الامتيازات اهتم نظام الشاه بالمشاركة في التفاعلات الدولية المعنية بمنع الانتشار النووي. وفي عام 1968م وقعت إيران على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية والتي تم التصديق عليها في 1970م، وقد جاء في الفقرة الرابعة من المادة ما يؤكد على حق إيران في تطوير وإنتاج واستعمال الطاقة النووية للأغراض السلمية. وفي عام 1974م تم إنشاء منظمة الطاقة الذرية لإيران للإشراف على تنفيذ البرنامج النووي لها، رغبةً منها في التأكيد على أن إيران كانت دائماً في مقدمة الجهود الدولية الهادفة إلى احتواء الانتشار النووي منذ البداية. ذلك ولم يقتصر التعاون في المجال النووي مع إيران على الولايات المتحدة الأمريكية فقط وإنما تعداها إلى دول غربية أخرى ([62]).
  • توقف العمل بالبرنامج النووي الإيران وإعادة تشغيله من 1979م إلى 1990م: بعد قيام الثورة الإسلامية ووصول رجال الدين إلى الحكم في 1979م وسقوط الشاه واختلاف سياسة إيران النووية عما كانت عليه أثناء عهد الشاه واختلاف سياسة آية الله الخميني وأيديولوجيته عن الشاه محمد رضا، حيث اعتبر الخميني أسلحة الدمار الشامل أنها أسلحة محظورة بموجب الأخلاق والفقه الإسلامي كما اعتبر مفاعلات بوشهر عبارة عن مشروع يقف ضد الإسلام وبذلك توقف العمل ببناء المفاعلات النووية ([63]). وجاء ذلك في إطار إرساء الخميني ما سماه ب “مشروع الحضارة الإيرانية” رغبةً في أسلمة كافة المشروعات بما فيها البرنامج النووي. وعليه تم تعطيل البرنامج وإلغاء صفقات الأسلحة والمشاريع لصناعية مع الدول الغربية. من خلال ما سبق يتضح لنا أن إيران في بداية الحكم الجمهوري الإسلامي قد استغنت عن البرنامج النووي، إلا أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية التي دامت أمداً طويلاً وتم قصف مفاعل بوشهر ست مرات وبالتحديد في 24مارس 1984م, 12فبراير 1985م, 4مارس 1985م, 12يوليو 1986م, 19نوفمبر1987م، 19يوليو1988م ومع استمرار الضرب المركز والمكثف تم تدمير المفاعل بالكامل وسوي بالأرض تماماً وتم تدمير البنية التحتية في إيران بشكل كبير أثناء الحرب وأحدثت خسائر هائلة. ومن الواضح أن الحرب قد أحدثت تحولات جذرية في التفكير الاستراتيجي الإيراني عموماً وفي المجال النووي خصوصاً، حيث وجدت القيادة الإيرانية أن من الأنسب لها أن تهتم بإعادة إحياء البرنامج وتشغيله. وبعد وفاة آية الله الخميني في 1989م استمر العمل على إحياء البرنامج النووي ونفذت إيران في ذلك الوقت الكثير من الأنشطة المتعلقة بتطوير البرنامج والاستمرار في بناء محطات بوشهر. هذا وقد قاد الرئيس السابق علي أكبر هاشمي الذي كان يشغل منصب رئيس البرلمان الإيراني بنفسه العمل على إعادة العمل بالبرنامج، وحاول إعادة إحياء الاتفاقيات بشأن التعاون مع إيران في المجال النووي مع عدد من الدول مثل الباكستان. إلى جانب ما سبق توجد عدد من الحقائق التي تؤكد على عدم التخلي كليةً عن البرنامج بعد انتصار الثورة الإسلامية وأهمها ما يلي ([64]):
  • أبقى نظام الحكم الجديد على المفاعل البحثي الصغير الذي سبق وأن وضعه الشاه في كلية أمير أباد التكنولوجية، واستمر هذا المفاعل يعمل تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • القيام بإخلاء الوقود النووي المستخدم في المفاعلات لمواقع أخرى بعيدة وآمنة عن المفاعلات تحسباً لهجوم عراقي محتمل، وهو ما يدل على شدة الاهتمام بذلك الوقود.
  • إسناد مسؤولية إدارة البرنامج النووي في 1981م إلى آية الله حسين بهشتي الذي يتمتع بمنزلة سياسية ودينية رفيعة، مما يعني إعطاء أهمية للبرنامج النووي في ذلك الوقت وعدم التخلي الكامل عنه.
  • توقف العمل كلياً في داخل محطة بوشهر عام1982م وذلك لوقوع حريق هائل وكان حجم الضرر الناتج كبيراً ولكن لم يتم الإعلان عن أسباب اندلاعه مما يدل على أن الحادث قد وقع في البنية التحتية للمفاعلات وهو ما يؤكد على وجود أعمال داخل المحطة حدثت في ظل غياب الخبرة والرقابة الأجنبية وما توفره تلك الخبرة من إجراءات السلامة المطلوبة.

طبقاً لما سبق يمكن القول بأن نظام الحكم بعد الثورة عمل على تعطيل العمل بالبرنامج وليس إنهائه كلياً، وقد يعود ذلك مثلاً إلى الموقف الدولي من النظام الإسلامي الجديد الذي أدى بدوره إلى رفض الدول الغربية وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا التعاون مع إيران في المجال النووي، هذا إلى جانب فرض حظراً شاملاً ضد إيران في مجالات التسليح كافة. وفي عام 1986م أعلن آية الله الخميني التزام بلاده بمواصلة تطوير قدراتها النووية، وفي إطار ذلك تم التعاون مع عدد من الدول الغربية، ووقعت إيران اتفاقاً مع باكستان للتعاون في المجالات النووية العسكرية، وفي عام 1987م تم توقيع اتفاق آخر مع الأرجنتين وأيضاً مع جنوب أفريقيا للحصول على اليورانيوم المخصب، كما تم افتتاح مركز أصفهان للبحوث النووية بمساعدة فرنسية ([65]).

من خلال ما سبق يتضح لنا أنه خلال الخمس سنوات الأولى من عمر الثورة الإسلامية تم تجميد العمل بالبرنامج النووي الإيراني وليس التخلي المطلق عنه، وربما كانت الحرب العراقية الإيرانية هي السبب في إعادة العمل بالبرنامج إلى جانب الطموحات الإيرانية في أن تصبح القوة الأكبر في الإقليم، حيث بدأت إيران في استكمال وتطوير برنامجها ولكن ليس بنفس المستوى الذي تقدم به في عهد الشاه.

ج) مرحلة الانطلاق السريع للبرنامج من 1991م إلى 2004م: تعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الأهم من تاريخ البرنامج النووي لإيران، فقد حدثت الكثير من المتغيرات الإقليمية والدولية منها على سبيل المثال، انهيار الاتحاد السوفيتي واختلاف العلاقات في النظام العالمي الجديد، وسعي الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة العالمية واحباط طموح أي قوة تسعى للصعود الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط الذي من شأنه الإضرار بمصالح الولايات المتحدة ([66]). وفي إطار ذلك عملت إيران على تكثيف جهودها في المجال النووي بحيث أصبحت تمتلك بنية أساسية لإجراء الأبحاث النووية المتقدمة، وقامت بتأسيس المنشآت النووية الاستراتيجية على مساحة واسعة وتم إحاطتها بجدار هائل من السرية وذلك تجنباً لوقوع أي ضربات عسكرية من شأنها تدمير تلك المنشآت وتعطيل عمل البرنامج. كما تم بذل جهود ضخمة لتوقيع الاتفاقيات والحصول على المواد اللازمة لتطوير البرنامج النووي من روسيا والصين وكوريا الشمالية، بالرغم من الضغوط التي واجهتها من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في تلك الفترة. وهو ما سيتم شرحه بالتفصيل في المبحث القادم. وعلى صعيد آخر كثفت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أعمال التخطيط والمتابعة والتنفيذ لكافة جوانب البرنامج.

د) مرحلة بدء الشكوك الدولية وفرض العقوبات من 2004م إلى2016م: شهدت هذه الفترة مزيد من الضغوط الخارجية على إيران، وذلك عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م حيث أخذت الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط على عدد من الدول التي تعتبرها راعية للإرهاب وبدأت تصنيف العالم على أساس محورين: محور الشر ومحور الخير وكانت إيران إحدى الدول التي تم الإعلان عنها واعتبارها دولة راعية للإرهاب والتشكيك في سلمية برنامجها النووي وبالتالي اعتبارها إحدى دول محور الشر. وقامت الولايات المتحدة بزيادة الضغط على إيران عبر حشد الدول والحصول على تأييد دولي لحرمان إيران من امتلاك تكنولوجيا نووية، وفسرت ذلك بأن امتلاك إيران للقنبلة النووية سيمكنها من الحصول على السلاح النووي، وإمكانية القيام بضرب أجزاء متفرقة من العالم واستخدام القوة النووية في غير الاستخدامات السلمية المصرح بها وهو ما سوف يشكل تهديداً للعالم ويحدث اخلال بالتوازن في منطقة الشرق الأوسط مما يهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها ([67]). ومن ناحية أخرى وبعد زيارات عدة أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على عدد من المواقع الإيرانية التي تقع تحت دائرة الشك في فبراير 2003م، وتأجيل إيران لزيارة وفد من الوكالة لعدد من مواقع أجهزة الطرد المركزي وعدم تسليمها مخططات وتصاميم هذه الأجهزة وكذلك نتائج الأبحاث التي أجرتها حول تحويل واختبار مواد نووية، ومنذ ذلك التاريخ أخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالادعاء المباشر بأن مشروع إيران النووي هو مشروع تسلحي يسعى لإنتاج قنبلة نووية وبذلك بدأت العقوبات والاتهامات تتوالى على إيران.

المبحث الثاني

موقف القوى الإقليمية والدولية إزاء البرنامج النووي الإيراني

تتباين المواقف الإقليمية والدولية تجاه برنامج إيران النووي، فلكل دولة مجموعة من العوامل ساهمت في تشكيل موقفها تجاه البرنامج سواء كان بالتعاون أو بالموقف المعادي. فقد أثار البرنامج النووي لإيران جدلاً عنيفاً على الصعيدين الإقليمي والدولي ([68])، ومن خلال متابعة المشهد السياسي وتطورات التعامل مع الملف النووي لإيران نجد أن المواقف الدولية وحتى الإقليمية تباينت من دولة إلى أخرى، بل وتأرجحت على مستوى الدولة الواحدة وذلك بسبب الاختلاف الدائم في مصالح وأهداف الدول. ولمعرفة تلك المواقف ودوافعها، سنحاول من خلال هذا المبحث إلقاء الضوء على الاستراتيجية المتبعة للدول على المستويين الدولي والإقليمي في تعاملها مع برنامج إيران النووي ومعرفة ردود الفعل وانعكاساته على البرنامج النووي الإيراني للدول والمنظمات التي تؤثر تأثيراً واضحاً وفعالاً في المنطقة.

المحور الأول:

*موقف القوى الإقليمية إزاء البرنامج النووي الإيراني

منذ أن بدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إصدار تقاريرها تجاه البرنامج النووي الإيراني في عام 2003م والتي تشير إلى وجود مؤشرات جدية على أن البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يخدم أهدافاً تسليحية غير سلمية، وبدأت الدول في منطقة الشرق الأوسط تأخذ مسألة هذا البرنامج ببالغ الجدية وتعطيه الأولوية في أجندتها السياسية انطلاقاً من أن إيران تسعى لأن تصبح اللاعب الأكبر والأقوى إقليمياً وخوفاً وبذلك تنجح في تصدير مبادئ الثورة والملف الشيعي داخل البلاد. وفيما يلي سوف نقوم بتوضيح مواقف الدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط من البرنامج مع ذكر لمحة تاريخية بين الطرفين لفهم أحداث ومجريات الأمور.

أولاً: المنظور الإسرائيلي لبرنامج إيران النووي وتداعياته: –

تعتبر إيران من أوائل الدول التي اعترفت بدولة إسرائيل على المستوى الدولي وذلك في عام 1950م وقد تمتعت إسرائيل بعلاقات ودية مع إيران أثناء فترة حكم

الشاه محمد رضا بهلوي، ورأت إسرائيل أن في تلك العلاقة خطوة إيجابية لكسر حلقة العداء العربي ضدها من ناحية ولتكون إيران سوق للأسلحة الإسرائيلية من ناحية أخرى إلى جانب ونها مصدر غني للنفط. في حين أن رأى الشاه إسرائيل هي بوابة وصوله إلى الغرب وتوطيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحفاظ على سلطته ([69]). إلا أن الوضع تغير بعد الثورة الإسلامية، فبمجرد وصول رجال الدين إلى الحكم تحولت العلاقة الوثيقة بين إسرائيل وإيران إلى عداء وأصبح النظام الحاكم لا يعترف بدولة إسرائيل. وازدادت الخلافات بينهما بسبب دعم إيران للجماعات الفلسطينية الإسلامية المسلحة. وبدأت إسرائيل في التخوف من تطوير إيران لبرنامجها النووي خاصةً بعد هذا العداء. وفي إطار ذلك بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في تضخيم الدعاية والمخاوف من التسليح النووي الإيراني، خاصةً بعد تراجع قوة الردع الإسرائيلية منذ عام 1973م وتحرير الجنوب اللبناني في 2000م وأيضاً وجود المقاومة الفلسطينية ودعم إيران لها ([70]). حيث أظهرت تلك الخبرات أن قدرة الردع الإسرائيلية في التوازن الاستراتيجي الإقليمي هي بالدرجة الأولى القدرة النووية، وبالتالي إذا امتلكت إيران القدرة النووية فإنها ستشكل قوة كبرى في المنطقة ورادعة لإسرائيل وبذلك تفقد إسرائيل تميزها باحتكار السلاح النووي في المنطقة ([71]). وعملت إسرائيل على حشد جهود المجتمع الدولي لوضع حل للبرنامج النووي الإيراني، وادعت أن هذا البرنامج يمثل خطراً على وجودها. وهو ما قاله رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي عام 2005م بأنه “في حالة كهذه “امتلاك إيران للسلاح النووي” سنقف أمام شرق أوسط جديد أكثر تهديداً وسوءً وخطورة، فعلى العالم بأسره بقيادة الولايات المتحدة احباط المشروع النووي الإيراني لأن في ذلك مشكلة وجودية لإسرائيل، لكن ليس على إسرائيل الصغيرة حل المشكلة”. كما هددت إسرائيل مراراً باستعمال القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية كوسيلة للضغط على المجتمع الدولي للتحرك عسكرياً ضد إيران ([72]). فإسرائيل قد لا تتوانى في الاستخدام الفعلي لسلاحها النووي ضد إيران وليس فقط مجرد التهديد في حالة شعورها بأن أمنها القومي معرض للخطر، ونستدل على هذا الأمر من خلال عدة تصريحات للحكومة الإسرائيلية: فمثلاً في أثناء حرب الخليج الثانية 15 يناير 1991م قام العراق بشن هجماته الصاروخية على إسرائيل، وكانت السياسة الأمريكية المعلنة في ذلك الوقت هي تأييد حق إسرائيل في الرد على أي هجوم عراقي بالأسلحة الكيميائية بهجوم مماثل يعتمد الأسلحة فوق التقليدية، وهو ما صرح به وزير الدفاع الأمريكي “ديك تشيني” في 3 فبراير 1991م بأنه “بالنسبة للإسرائيليين فإنه من المحتمل أن يردوا باستخدام الأسلحة فوق التقليدية” حيث جاء هذا التصريح قبل الحرب بثلاث أيام. وترى إسرائيل أن الخطر النووي الإيراني يشكل تهديداً جدياً ليس لها فحسب وإنما للعالم أجمع، وهو ما يتطلب من العالم اتخاذ موقف حاسم ضد هذا البرنامج، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي” سلفان شالوم” بقوله “إن إيران هي التحدي الوجودي الذي ينتصب أمام إسرائيل، فإيران تزعزع الاستقرار في المنطقة والعالم بأسره، وهي صلب المشكلة ولب الخطر وهناك أهمية لأن يرى المجتمع الدولي أيضاً أن التهديد الإيراني ليس موجهاً ضد إسرائيل فحسب، وإنما أوروبا أيضاً، ومن هنا علينا أن نعمل لتحويل الموضوع إلى مجلس الأمن لتترك إيران خطط تسلحها النووي”. وتظهر الصورة أكثر وضوحاً فيما ذكره وزير الخارجية الإسرائيلي “موشيه سينييه” مهدداً باستخدام السلاح النووي ضد إيران، بأنه ” إذا لم تتحرك الدول الغربية لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية فإن إسرائيل سوف تفعل ذلك بنفسها وسوف تنجز هذه المهمة حتى لو تطلب الأمر استخدام الوسائل النووية”([73]). كما دعا بنيامين نتنياهو لاستخدام الخيار العسكري ضد البرنامج النووي الإيراني مختلفاً بذلك مع الإدارة الأمريكية ورفض سياستها الهادفة إلى إيجاد حل سياسي لأزمة البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي وتر العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير معهود. حيث سعى نتنياهو إلى فرض رؤيته الهادفة إلى قيام الولايات المتحدة بضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية وخصوصاً بعد تحريرها من عزلتها الدولية ذلك لإرغامها على تفكيك مجمل مشروعها النووي. وبالرغم من انتقاد أحزاب المعارضة الصهيونية لنتنياهو لتوتيره العلاقات مع الإدارة الأمريكية وفشله في التصدي للمشروع النووي الإيراني إلا أن المعسكر الصهيوني يقف موحداً وبكل قوة عند الحديث عن أمن إسرائيل، فقد رفضت الحكومة والمعارضة على السواء الاتفاق الذي عقدته مجموعة (5+1) في 2015م حيث بات الكيان الإسرائيلي يشعر أن دوره في المنطقة بدأ في التقلص والانتهاء، فإسرائيل تؤمن بأن إيران تنظر للاتفاق الأمريكي بحسبانه انتصاراً للدولة الإسلامية الإيرانية، فهو انجاز للطموح الإيراني للهيمنة الإقليمية وهو ما سيعطيها مساحة واسعة من القوة والتدخل في شؤون العديد من دول منطقة الشرق الأوسط وبالتالي بدء تلاشي النفوذ الإسرائيل المهيمن([74]).

ثانياً: المنظور التركي لبرنامج إيران النووي وتداعياته: –

تتميز كلاً من إيران وتركيا بموقع جغرافي استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وتعتبر كلا الدولتين من أقوى الدول في المنطقة ([75]). وبمتابعة المشهد السياسي بين الدولتين نجد أنه على الرغم العلاقات الطيبة في الجانب الاقتصادي فإن العلاقة بينهما تميزت بالتأرجح في مواقف عدة وذلك على حسب المصالح والأهداف والتنافس التاريخي بين الطرفين فيما يتعلق بالنفوذ الإقليمي وقيادة المنطقة خاصةً بعد غياب الدور العربي. حيث اعتمدت إيران في طموحاتها على العامل المذهبي والأيديولوجي وسياسة المواجهة المسلحة إضافةً إلى المال النفطي. في حين اعتمدت تركيا على القوة الناعمة، أي اعتماد سياسة الحوار في حل المشكلات ” تصفير المشكلات” مع دول الجوار مع تبني نزعة تدخليه إيجابية في حلها، إضافة إلى تبادل منافع اقتصادية. واستمرت العلاقات على هذه الحالة وسرعان ما كان يتم احتواء أي توترات بين البلدين. ولكن ازداد الموقف تعقيداً بينهم من حيث المصالح في العراق، حيث تسعى إيران إلى اخضاع العراق إلى نفوذها في الوقت الذي ترى فيه تركيا أن العراق عامل توازن بينها وبين إيران حيث تخشى تركيا من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة ولذلك اتبعت تركيا سياسة التضامن مع الشعب العراقي ([76]). ومازالت الدولتان تعمل على زيادة مساحة التفاهم بينهما. وفي إطار ذلك تتحرك تركيا في سياق تحسين علاقاتها مع إيران على أرضية المصالح المشتركة بينهما. وبذلك جاء موقف تركيا إزاء برنامج إيران النووي يتوافق مع مصالحها وأمنها القومي، فمن ناحية لا تستطيع تركيا احتمال امتلاك إيران لسلاح نووي بسبب اعتبارات النفوذ الإقليمي وتوازن القوى بين الطرفين كذلك التقارب الجغرافي بينهما بما يضع تركيا في موقف حرج من إيران بالرغم من تمتع تركيا بالحماية النووية الاستراتيجية لحلف شمال الأطلنطي باعتبارها عضو فيه. ومن ناحية أخرى تسعى تركيا إلى الحفاظ على العلاقات الاقتصادية الحيوية بين البلدين، خاصةً في مجال الطاقة. وهو ما تجلى في الموقف التركي بأنه يحق لجميع الدول الاستفادة من الطاقة النووية السلمية طالما أنها تتماشى مع القوانين الدولية وتخضع لالتزامات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ([77]). ولذلك كانت تركيا دوماً مع طريق المفاوضات الدبلوماسية ومع دعم حق إيران في برنامج نووي سلمي ورفض الخيار العسكري للتعامل مع الأزمة. وبموجبه رفض تركيا استخدام أراضيها للاعتداء، فتركيا لا تحتمل تدخلاً عسكرياً ضد إيران حيث قد يؤدي ذلك إلى فتح جبهة جديدة على حدودها الجنوبية الشرقية لتحرك الأكراد للانفصال عن إيران كما في العراق وبالتالي سوريا وحينها يصعب وقف التحام أكراد تركيا بالدولة الكردية الجديدة مما يشكل تهديداً للنسيج الوطني التركي. وهو ما دفع تركيا إلى معارضة سياسة فرض العقوبات على إيران حيث يتعارض ذلك بشكل مباشر مع مصالحها الجوهرية مع إيران. وفي إطار ذلك فقد عارضت تركيا قرار مجلس الأمن رقم (1929) الصادر في عام 2010م والذي يقضي بفرض عقوبات على إيران، حيث صرح الرئيس التركي السابق عبد الله غول بأنه “يحل هذا الصراع بطرق سلمية ودبلوماسية وعن طريق الحوار” كما أكد على أن “تركيا سيكون لها دور بناء في البرنامج النووي الإيراني، وأن بلاده تدعم حق إيران النووي”، كما أكد على موقفه من استخدام الأراضي التركية للاعتداء قائلاً “أمريكا لا يمكن استخدامها للقواعد الموجودة في تركيا لأهداف عسكرية، إلا لو سمحت لها أنقرة رسمياً، ولن يحدث ذلك دون علمنا”. وفي مساعيها سلمياً لحل الأزمة حاولت تركيا في 2006م القيام بدور الوسيط مع الغرب لحل أزمة الملف النووي الإيراني إلا أن إيران رفضت ذلك حينها لخوفها من النوايا التركية وصعودها الإقليمي، إلا أنه في عام 2010م تم عقد اتفاق ثلاثي بين تركيا وإيران والبرازيل، عملت بمقتضاه إيران على السماح لتركيا بالتدخل كوسيط لبيان سلمية برنامجها وطمأنت الوكالة الدولية للطاقة، حيث جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني “منوشهر متكي” أن “تركيا لديها معرفة كافية بمواقف إيران وبرنامجها النووي المدني، لذا بإمكانها أن تساعد وبشكل جيد في توضيح شفافية البرنامج” في الوقت الذي أكد فيه وزير خارجية تركيا “أحمد داوود أوغلو” أن “دول المنطقة وحدها ينبغي أن تعمل لتسوية الأزمات الإقليمية من خلال تعاونها المشترك”([78]). واستمرت جهود تركيا لرعاية جولات الحوار ومحاولة التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة. ومع التوصل لاتفاق (5+1) عبرت تركيا عن موقفها بأن الاتفاق يمثل عهداً جديداً لاستقرار المنطقة. فبمجرد خروج إيران من عزلتها الدولية والعقوبات المفروضة عليها سيحدث انتعاش اقتصادي بين البلدين والتخلص من الأضرار التجارية والاقتصادية التي نتجت عن العقوبات، وذلك مع التأكيد على استمرار رفض تركيا لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة.

ثالثاً: موقف دول الخليج العربي ومجلس التعاون الخليجي إزاء البرنامج النووي الإيراني: –

تتسم العلاقات الخليجية الإيرانية بالتعقيد والتشابك الشديد حيث تتغير طبيعة تلك العلاقة وفقاً للمتغيرات الإقليمية والدولية في المنطقة فهي علاقات شديدة التفاوت، ولكنها تتجه أكثر الآن في طريق التحسن المطرد ([79]). ومما لا شك فيه أن العلاقات بين دول الخليج وإيران هي علاقات مهمة بالنسبة للطرفين تفرضها الاعتبارات الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والأمنية بين الطرفين. فمنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م مرت العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي بفترات متفاوتة من الصدام والتعاون، حيث ازداد الخوف من تصدير مبادئ الثورة إلى تلك البلاد ولكن سارت هذه العلاقات أكثر في سبيل التحسن حيث دائماً ما تحرص الحكومة الإيرانية على المضي في علاقات حسن جوار مع الدول الخليجية من أجل تحقيق مصالح إيران القومية وتكثيف التفاعلات الاقتصادية والعسكرية ([80]). أما من ناحية العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي فقد رفضت إيران التعاون مع المنظمة حيث ترى أنها في الأصل تأسست لمجابهة طموحات إيران الإقليمية، وكان منطق القوة هو الحاكم لسياسة إيران تجاه دول الخليج العربية في مراحل تطور العلاقات بين الطرفين انطلاقاً من إدراك إيران لتفوقها المطلق على تلك الدول. وبذلك نجد أن المواقف الخليجية تجاه إيران بخصوص برنامجها النووي تنطلق من اعتبارات عدة منها المصالح المتبادلة مع إيران على الصعيدين السياسي والاقتصادي، حيث نجد أن التعاون الاقتصادي كان أحد أهم عوامل التقارب بين البلدين حيث تعد تلك الدول أكبر الشركاء التجاريين لإيران. وأما من الناحية السياسية وبالرغم من التوتر القائم بين الطرفين منذ قيام الثورة الإسلامية إلا أن بعض الدول الخليجية قد نجحت في الحفاظ على علاقات قوية مع إيران. وبذلك نجد أن العلاقات الإيرانية مع دول الخليج لها مسارين: الأول وهو حاجتها إلى توثيق الصداقات وتلافي العداوات وتجنب العزلة الإقليمية وتطوير علاقاتها التجارية، ولذلك تتبع إيران سياسة الانفراج مع الدول العربية مع التأكيد على سياسة التقارب مع دول الخليج. أما الثاني فهو رغبة إيران في انتهاج سياسة خارجية قوية مستقلة ([81]). من خلال ما سبق نستطيع فهم موقف الدول الخليجية من الملف النووي الإيراني، فعلى الرغم من إدراك دول الخليج لطموحات إيران الإقليمية وبأن تطوير القدرة النووية الإيرانية يعد عامل تهديد للمنطقة بأكملها وسوف يؤدي إلى عدم الاستقرار. وبالرغم من أن تلك الدول لم تعد آلية واضحة للتعامل مع تلك القضية حال تصعيدها، إلا أنها اتفقت جميعاً على تبني الوسائل الدبلوماسية والوصول لحل لتلك الأزمة. ومن خلال متابعة المشهد السياسي لتلك المواقف نلاحظ وجود اختلاف بين الدول الخليجية منفردة، فلكل دولة رؤيتها انطلاقاً من مصالحها وبين مؤسسة مجلس التعاون الخليجي:

  • أولاً: موقف مجلس التعاون الخليجي: والذي تجنب رؤساء دوله حتى الآن مواجهة إيران بصورة مباشرة في موضوع برنامجها النووي، ودائماً ما دعا المجلس إيران إلى تقديم التعاون التام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والسماح لها بالتفتيش من أجل التأكيد على شفافية برنامج إيران النووي. فيما نجد حرص إيران على الحفاظ على علاقات سوية مع دول المجلس والعمل على طمأنتهم بشأن برنامجها النووي ومن ذلك قيام كبير المفاوضين الإيرانيين “حسن روحاني” في عام 2005م بجولة في دول مجلس التعاون الخليجي، استهدفت التأكيد على الأغراض السلمية للبرنامج النووي الإيراني، والتأكيد على أنه يتوافق مع القوانين الدولية، وهو الأمر الذي وجد تفهماً خليجياً. أما عن موقف المجلس من اتفاق (5+1) فقد غلب عليه فكرة “الموافقة المشروطة” حيث رحب به المجلس على أن يكون مقدمة للتوصل إلى حل شامل لهذا الملف، وذلك جنباً إلى جنب مع التوصل إلى مرحلة جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران مبنية على عدم التدخل في شؤون الدول العربية وحسن الجوار وعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ([82]).
  • ثانياً: المواقف الخليجية الفردية: وهنا نجد أن تركيز كل دولة جاء منصباً على النتائج الإقليمية لاتفاق (5+1) والذي اختلفت حوله الرؤى الخليجية، فلا يوجد موقف خليجي موحد من هذا الاتفاق. فنجد أن هناك من يعلن مخاوفه من البرنامج النووي الإيراني سواء أكان عسكرياً أو سلمياً، وبين من يحرص على تبديد هذه المخاوف ([83]).

فمثلاً نجد أن الكويت والإمارات والبحرين سارعت للترحيب بهذا الاتفاق، فقد رأت البحرين أن هذا الاتفاق من شأنه العمل على استقرار المنطقة. وكذلك رحبت الإمارات بهذا الاتفاق التمهيدي حول برنامج إيران النووي. وأما عن الكويت والتي أكدت مراراً على حق إيران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والتأكيد على حق أي دولة في أن تمتلك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، فقد رحبت بهذا الاتفاق ورأت أنه بداية ناضجة لاتفاق دائم ينزع فتيل التوتر ويحفظ للمنطقة أمنها واستقرارها.

ومن ناحية أخرى نجد أن الموقف السعودي قد غلب عليه التوجس الصريح في بداية الإعلان عن الاتفاق، ثم حدث تحول إلى فكرة “الموافقة المشروطة” حيث أكدت السعودية أنه في حالة توافر حسن النوايا فيمكن أن يشكل هذا الاتفاق خطوة أولية في سبيل الوصول لحل شامل لأزمة البرنامج النووي الإيراني في محاولة للوصول إلى منطقة شرق أوسطية تعمل على التخلي عن كافة أسلحة الدمار الشامل. وذلك مع كفالة حق كافة الدول في المنطقة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

من خلال ما سبق أن الدول الست في مجلس التعاون الخليجي بالرغم من قلقها بشأن البرنامج النووي الإيراني فإنها لن تستطيع المشاركة في أي عمليات ضد إيران دون صدور قرار واضح من مجلس الأمن يتطلب ذلك، انطلاقاً من العلاقات المتنوعة بين الطرفين.

 

Print Friendly, PDF & Email